Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:158–163

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:158–163

2:158Page 24

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨

Indeed, aṣ-Ṣafā and al-Marwah are among the symbols1 of Allāh. So whoever makes ḥajj [pilgrimage] to the House or performs ʿumrah - there is no blame upon him for walking between them.2 And whoever volunteers good - then indeed, Allāh is Appreciative3 and Knowing.

(p-٣٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٨] ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ﴿الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، ومَعْنى كَوْنِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ: مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ ومُتَعَبَّداتِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا مِن أعْلامِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: عَلامَةً لِلْقُرْبَةِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] وشَعائِرُ الحَجِّ مَعالِمُ نُسُكِهِ، ومِنهُ المَشْعَرُ الحَرامُ، ومِنهُ إشْعارُ السَّنامِ - وهو أنْ يُعَلَّمَ بِالمُدْيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَمًا عَلى إحْرامِ صاحِبِها، وعَلى أنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ هَدْيًا لِبَيْتِ اللَّهِ. و(الشَّعائِرُ): جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي العَلامَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ الَّذِي هو الإعْلامُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: شَعَرْتُ بِكَذا أيْ: عَلِمْتُ انْتَهى.

(p-٣٤٤)والحَجُّ: في اللُّغَةِ: القَصْدُ. والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. غُلِبا في الشَّرِيعَةِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ، وزِيارَتِهِ، عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في النُّسُكِ. والجُناحُ: بِالضَّمِّ: الإثْمُ والتَّضْيِيقُ والمُؤاخَذَةُ. وأصْلُ الطَّوافِ: المَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ. والمُرادُ: السَّعْيُ بَيْنَهُما.

وقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عِدَّةُ رِواياتٍ:

ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقُلْتُ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَواللَّهِ! ما عَلى أحَدٍ جُناحٌ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ! قالَتْ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي! إنَّ هَذِهِ لَوْ كانَتْ كَما أوَّلْتَها عَلَيْهِ، كانَتْ: لا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَطَوَّفَ بِهِما، ولَكِنَّها أُنْزِلَتْ في الأنْصارِ، كانُوا قَبْلَ أنْ يُسَلِّمُوا يَهُلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ، الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكانَ مَن أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ. فَلَمّا أسْلَمُوا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ﴾ الآيَةَ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوافَ بَيْنَهُما». فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوافَ بَيْنَهُما.

ثُمَّ أخْبَرْتُ أبا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: إنَّ هَذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رِجالًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النّاسَ - إلّا مَن ذَكَرَتْ عائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَناةَ - كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهم بِالصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الطَّوافَ بِالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا والمَرْوَةَ في القُرْآنِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُنّا نَطُوفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفا. فَهَلْ عَلَيْنا مَن حَرَجٍ أنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

(p-٣٤٥)قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما: في الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بِالجاهِلِيَّةِ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، والَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أنْ يَطُوفُوا بِهِما في الإسْلامِ. مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ.

وفِي رِوايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إنّا كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَناةَ. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في رِوايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ «أنَّ الأنْصارَ كانُوا قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا، هم وغَسّانُ، يَهُلُّونَ لِمَناةَ. فَتَحَرَّجُوا أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانَ ذَلِكَ سُنَّةً في آبائِهِمْ: مَن أحْرَمَ لِمَناةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. وإنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمُوا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾»

ورَوى الفاكِهِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ نَصَبَ مَناةَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ مِمّا يَلِي قُدَيْدٍ، فَكانَتِ الأزْدُ وغَسّانُ يَحُجُّونَها ويُعَظِّمُونَها، إذا طافُوا بِالبَيْتِ وأفاضُوا مِن عَرَفاتٍ وفَرَغُوا مِن مِنًى أتَوْا مَناةَ فَأهَلُّوا لَها. فَمَن أهَلَّ لَها لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قالَ: وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ والأزْدِ مِن غَسّانَ، ومَن دانَ دِينَهم مِن أهْلِ يَثْرِبَ.

ورَوى النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ قالَ: كانَ عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ صَنَمانِ مِن نُحاسٍ يُقالُ لَهُما إسافُ ونائِلَةُ كانَ المُشْرِكُونَ إذا طافُوا تَمَسَّحُوا بِهِما... الحَدِيثَ.

ورَوى الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في التَّفْسِيرِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (p-٣٤٦)قالَتِ الأنْصارُ: إنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ.

ورَوى الفاكِهِيُّ وإسْماعِيلُ القاضِي في " الأحْكامِ " بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ صَنَمٌ بِالصَّفا يُدْعى "إسافُ"، ووَثَنٌ بِالمَرْوَةِ يُدْعى "نائِلَةُ"، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ رَمى بِهِما، وقالُوا: إنَّما كانَ ذَلِكَ يَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن أجْلِ أوْثانِهِمْ، فَأمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُما، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ.

وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الرِّواياتِ: أنَّهُ تَحَرَّجَ طَوائِفُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لِأسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَنَزَلَتْ في الكُلِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وجَوابُ عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، لِعُرْوَةَ هو مِن دَقِيقِ عِلْمِها وفَهْمِها الثّاقِبِ، وكَبِيرِ مَعْرِفَتِها بِدَقائِقِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إنَّما دَلَّ لَفْظُها عَلى رَفْعِ الجُناحِ عَمَّنْ يَطُوفُ بِهِما، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ السَّعْيِ ولا عَلى وُجُوبِهِ.

﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَن فَعَلَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُهُ عَلَيْهِ ويُثِيبُهُ بِهِ. ومَعْنى: (تَطَوَّعَ) أتى بِما في طَوْعِهِ أوْ بِالطّاعَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى ما لا يَجِبُ عُرْفٌ فِقْهِيٌّ لا لُغَوِيٌّ. والشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.

قالَ الرّاغِبُ: الشُّكْرُ، كَما يَكُونُ بِالقَوْلِ، يَكُونُ بِالفِعْلِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] قالَ: ولَيْسَ شُكْرُ الرَّفِيعِ لِلْوَضِيعِ إلّا الإفْضالَ عَلَيْهِ وقَبُولَ حَمَدٍ مِنهُ.

(p-٣٤٧)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: تَمَسُّكُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ عَلى أنَّ السَّعْيَ سُنَّةٌ، وأنَّ مَن تَرَكَهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مَأْخَذُهُ مِنها: إنَّ التَّطَوُّعَ التَّبَرُّعُ بِما لا يَلْزَمُ، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ عُرْفٌ فِقْهِيٌّ لا لُغَوِيٌّ، فَلا حُجَّةَ فِيهِ. وإنْ كانَ نَفى الجُناحَ، فَقَدْ عَلِمْتَ المُرادَ مِنهُ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ سُنَّةٌ، لا يُجْبَرُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، أنَسٌ فِيما نَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَطاءٌ، نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في " الفَتْحِ ".

وقالَ الرّازِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، أنَّ مَن تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأمّا حَدِيثُ: ««اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»» رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، فَفي إسْنادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُؤَمِّلِ، وفِيهِ ضَعْفٌ. ومِن ثَمَّ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: إنْ ثَبَتَ فَهو حُجَّةٌ في الوُجُوبِ. ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في " الفَتْحِ ".

الثّانِي: صَحَّ «أنَّهُ ﷺ طافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ سَبْعًا». رَواهُ الشَّيْخانِ (p-٣٤٨)وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ أتى الصَّفا فَعَلا عَلَيْهِ حَتّى نَظَرَ إلى البَيْتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ ويَدْعُو بِما شاءَ أنْ يَدْعُوَ». وأخْرَجَ أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَنا مِنَ الصَّفا قَرَأ: «إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ. أبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأ بِالصَّفا فَرَقى عَلَيْهِ حَتّى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ قالَ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ أنْجَزَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ» ثُمَّ دَعا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقالَ مِثْلَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ حَتّى إذا أُنْصِبَتْ قَدَماهُ في بَطْنِ الوادِي، حَتّى إذا صَعِدَتا مَشى حَتّى أتى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلى المَرْوَةِ كَما فَعَلَ عَلى الصَّفا» اهـ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ ماشِيًا.

وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ: أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «طافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ عَلى راحِلَتِهِ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، لِيَراهُ النّاسُ، ولِيُشْرِفَ ولِيَسْألُوهُ، فَإنَّ النّاسَ غَشُوهُ».

ولَمْ يَطُفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أصْحابُهُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ إلّا طَوافًا واحِدًا.

قالَ ابْنُ حَزْمٍ: لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، لِأنَّ الرّاكِبَ إذا انْصَبَّ بِهِ بَعِيرُهُ فَقَدِ انْصَبَّ كُلُّهُ وانْصَبَّتْ قَدَماهُ أيْضًا مَعَ سائِرِ جَسَدِهِ.

(p-٣٤٩)وعِنْدِي - في الجَمْعِ بَيْنَهُما - وجْهٌ آخَرُ أحْسَنُ مِن هَذا وهُوَ: أنَّهُ سَعى ماشِيًا أوَّلًا، ثُمَّ أتَمَّ سَعْيَهُ راكِبًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ؛ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنِ الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ راكِبًا، أسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُنَّةٌ! قالَ: صَدَقُوا وكَذَبُوا..! قالَ: قُلْتُ: ما قَوْلُكَ صَدَقُوا وكَذَبُوا..؟ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النّاسُ. يَقُولُونَ: هَذا مُحَمَّدٌ..! حَتّى خَرَجَ عَلَيْهِ العَواتِقُ مِنَ البُيُوتِ - قالَ - وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُضْرَبُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ - فَلَمّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ. والمَشْيُ والسَّعْيُ أفْضَلُ».

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إنَّما سَعى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ..!

وعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوادِي بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِسُنَّةٍ، إنَّما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعُونَها ويَقُولُونَ: لا نُجِيزُ البَطْحاءَ إلّا شَدًّا..! رَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أبُو نُعَيْمٍ في مُسْتَخْرَجِهِ. قالَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ: المُرادُ بِالسَّعْيِ المَنفِيِّ هو شِدَّةُ المَشْيِ والعَدْوِ. فَهُوَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمْ يَنْفِ سُنِّيَّةَ السَّعْيِ المُجَرَّدِ، بَلْ مُجاوَزَةَ الوادِي بِقُوَّةٍ وعَدْوٍ شَدِيدٍ، إذْ أصْلُ السَّعْيِ هَدْيُهُ ﷺ، واللَّهُ أعْلَمُ.

(p-٣٥٠)الثّالِثُ: في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ هاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ: إنَّ الطَّوافَ بَيْنَهُما مَأْخُوذٌ مِن طَوافِها وتَزْدادِها في طَلَبِ الماءِ. ولَفْظُهُ: وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذَلِكَ الماءِ، حَتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى - أوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ - فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيَها، فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِي رَفَعَتْ طَرْفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حَتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ، فَقامَتْ عَلَيْها، ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««فَذَلِكَ سَعْيُ النّاسِ بَيْنَهُما فَلَمّا أشْرَفَتْ عَلى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا...»» الحَدِيثَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِما تَرَدَّدَتْ هاجَرُ في هَذِهِ البُقْعَةِ المُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، تَطْلُبُ الغَوْثَ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُتَذَلِّلَةً، خائِفَةً، مُضْطَرَّةً، فَقِيرَةً إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَشَفَ تَعالى كُرْبَتَها، وآنَسَ غُرْبَتَها، وفَرَّجَ شِدَّتَها، وأنْبَعَ لَها زَمْزَمَ الَّتِي طَعامُها طَعامُ طُعْمٍ. وشِفاءُ سُقْمٍ. فالسّاعِي بَيْنَهُما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وذُلَّهُ وحاجَتَهُ إلى اللَّهِ في هِدايَةِ قَلْبِهِ، وصَلاحِ حالِهِ، وغُفْرانِ ذَنْبِهِ، وأنَّهُ يَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَفْرِيجِ ما هو بِهِ مِنَ النَّقائِصِ والعُيُوبِ، وأنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأنْ يُثَبِّتَهُ عَلَيْهِ إلى مَماتِهِ، وأنْ يُحَوِّلَهُ مِن حالِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ - مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي - إلى حالِ الكَمالِ والغُفْرانِ والسَّدادِ والِاسْتِقامَةِ، كَما فَعَلَ بِهاجَرَ عَلَيْها السَّلامُ.

2:159Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1

(p-٣٥١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾

لَمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَكْتُمُونَ ما يَعْلَمُونَ مِن هَذا الحَقِّ، وخَتَمَ ما أتْبَعَهُ لَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ والعِلْمِ - تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا - بِأنَّهُ يَشْكُرُ مَن فَعَلَ ما شَرَعَهُ لَهُ، ويَعْلَمُ مَن أخْفاهُ وإنْ دَقَّ فِعْلُهُ وبالَغَ في كِتْمانِهِ، انْعَطَفَ الكَلامُ إلى تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ولَعَنَهم عَلى كِتْمانِهِمْ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ؛ إذْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها في الحَقِيقَةِ قِصَصَهُمْ، والخُرُوجُ إلى غَيْرِها إنَّما هو اسْتِطْرادٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ؛ لِأنَّ هَذا الكِتابَ هُدًى، وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ: ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومَن أحْدَثَ شَرًّا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَوَصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ - عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ، بَيانًا لِجَزائِهِمْ، فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَتْمِها لِهَذا الخِطابِ بِما مَضى في أوَّلِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَكانَتِ البِدايَةُ خاصَّةً، وكانَ الخَتْمُ عامًّا، لِيَكُونَ ما في كِتابِ اللَّهِ أمْرًا مُنْطَبِقًا - عَلى نَحْوِ ما كانَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ خَلْقًا - لِيَنْطَبِقَ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ بَدْءًا وخَتْمًا انْطِباقًا واحِدًا، فَعَمَّ كُلَّ كاتِمٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. نَقَلَهُ البِقاعِيُّ.

واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الخَلْقِ: السَّبُّ والشَّتْمُ، والدُّعاءُ عَلى المَلْعُونِ، ومُشاقَّتُهُ، ومُخالَفَتُهُ، مَعَ السُّخْطِ عَلَيْهِ، والبَراءَةِ مِنهُ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللاعِنُونَ﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ لَعْنٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] (p-٣٥٢)وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الكِتْمانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيهِ اللَّعْنَ، لِأنَّ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَمَ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، وبَلَغَ لِلَعْنِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ الغايَةَ الَّتِي لا يُدْرَكُ كُنْهُها..! وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كِتْمانِ العِلْمِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَوْلا آيَتانِ أنْزَلَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ ما حَدَّثْتُ شَيْئًا أبَدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن هَؤُلاءِ مَن تابَ إلَيْهِ فَقالَ:

2:160Page 24

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.

(p-٣٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٠] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ - أيْ: عَنِ الكِتْمانِ -: ﴿وأصْلَحُوا﴾ - أيْ: عَمِلُوا صالِحًا -: ﴿وبَيَّنُوا﴾ - ما كانُوا كَتَمُوهُ فَظَهَرَتْ تَوْبَتُهم بِالإقْلاعِ -: ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ - أيْ: أقْبَلُ تَوْبَتَهم بِإفاضَةِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ -: ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ واسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إلى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ:

2:161–162Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [البقرة: ١٦٢] - أيْ: في اللَّعْنَةِ، أوْ في النّارِ، عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] - إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ والإمْهالِ. أيْ: لا يُمْهَلُونَ عَنِ العَذابِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهم ساعَةً بَلْ هو مُتَواصِلٌ دائِمٌ، أوْ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أيْ: لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]

2:163Page 24

وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

(p-٣٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٣] ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾

﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يُخْبِرُ تَعالى بِخِطابِهِ كافَّةَ النّاسِ عَنْ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا عَدِيلَ.

قالَ الرّاغِبُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ خِطابًا عامًّا، أيِ: المُسْتَحِقُّ مِنكُمُ العِبادَةَ هو إلَهٌ واحِدٌ لا أكْثَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: الَّذِي تَعْبُدُونَهُ إلَهٌ واحِدٌ، تَنْبِيهًا أنَّكم لَسْتُمْ كالكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا آلِهَةً والشَّيْطانَ والهَوى وغَيْرَ ذَلِكَ. إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ: (إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ) وبَيْنَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وأحَدُهُما يُبْنى عَلى الآخَرِ؟ قِيلَ: لِما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالعِبادَةِ أوِ المُسْتَحِقُّ لَها - وكانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يُوجَدَ إلَهٌ غَيْرُهُ، ولَكِنْ لا يُعْبَدُ ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ - أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحُقَّ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا وتُكَرَّرَ عَلَيْهِ الألْفاظُ؛ إذْ هو مَبْدَأٌ مَقْصُودُ العِبادَةِ ومُنْتَهاهُ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا المَوْضِعَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الإلَهِيَّةِ والفَرْدانِيَّةِ يُفِيدُ القَهْرَ والعُلُوَّ، فَعَقَّبَهُما بِذِكْرِ هَذِهِ المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ تَرْوِيحًا لِلْقُلُوبِ عَنْ هَيْبَةِ الإلَهِيَّةِ وعِزَّةِ الفَرْدانِيَّةِ، وإشْعارًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِلرَّحْمَةِ والإحْسانِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مَقامُ الوَحْدانِيَّةِ لا يَصِحُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ القُدْرَةِ، نَصَبَ تَعالى الأدِلَّةَ، مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وعَوارِضِهِما والمُتَوَسِّطاتِ، عَلى ذَلِكَ تَبْصِيرًا لِلْجُهّالِ وتَذْكِيرًا لِلْعُلَماءِ بِقَوْلِهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском