Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:169–173

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:169–173

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٩] ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ. والسُّوءُ: يُشَكِّلُ جَمِيعَ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، أوْ أفْعالِ القُلُوبِ. و: ﴿والفَحْشاءِ﴾ ما تَجاوَزَ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ العَظائِمِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِأنْ تَفْتَرُوا عَلَيْهِ تَعالى بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وذاكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَمَعْنى: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِهِ.

(p-٣٧٠)قالَ البِقاعِيُّ: ولَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حُسْنِ الدُّعاءِ لِعِبادِهِ إلَيْهِ، لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لَهُمْ، بِتَذْكِيرِهِمْ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بِخَلْقِهِ لَهم أوَّلًا، وبِجَعْلِهِ مُلائِمًا لَهم ثانِيًا وإباحَتِهِ لَهم ثالِثًا، وتَحْذِيرِهِ لَهم مِنَ العَدُوِّ رابِعًا.... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الألْطافِ وجَلائِلِ المِنَنِ...!اهـ.

قالَ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مُقَلِّدَ الحَقِّ...! لِأنَّهُ - وإنْ كانَ مُقَلِّدًا لِلْحَقِّ - لَكِنَّهُ قالَ ما لا يَعْلَمُهُ، فَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ لِانْدَراجِهِ تَحْتَ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ.! انْتَهى.

وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ يَعُمُّ القَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وفي دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْظَمِ المُحَرَّماتِ، بَلْ جَعَلَهُ في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنها، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] ! فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِالوَعِيدِ عَلى الكَذِبِ عَلَيْهِ في أحْكامِهِ، وقَوْلِهِمْ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذا حَرامٌ. ولِما لَمْ يَحِلُّهُ: هَذا حَلالٌ. وهَذا بَيانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، إلّا بِما عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ.

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ ولا ورَدَ الوَحْيُ المُبَيِّنُ بِتَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ: أحَلَّهُ اللَّهُ وحَرَّمَهُ، لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ.

(p-٣٧١)وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ، في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أمِيرَهُ بُرَيْدَةَ أنْ يَنْزِلَ عَدُوَّهُ إذا حاصَرَهُمْ، عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وقالَ: ««فَإنَّكَ لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أمْ لا....؟ ولَكِنْ (p-٣٧٢)أنْزِلْهم عَلى حُكْمِكَ وحُكْمِ أصْحابِكَ.....»» فَتَأمَّلْ، كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ الأمِيرِ المُجْتَهِدِ، ونَهى أنْ يُسَمّى حُكْمُ المُجْتَهِدِينَ حُكْمُ اللَّهِ. ومِن هَذالَمّا كَتَبَ الكاتِبُ بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَقالَ: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، فَقالَ: لا تَقُلْ هَكَذا. ولَكِنْ قُلْ هَذا ما رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقالَ مالِكٌ: لَمْ يَكُنْ مِن أمْرِ النّاسِ، ولا مَن مَضى مِن سَلَفِنا، ولا أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ، يَقُولُ في شَيْءٍ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وما كانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى ذَلِكَ. وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذا ونَرى هَذا حَسَنًا.

ولَمّا نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ مُتابَعَةِ العَدُوِّ، ذَمَّهم بِمُتابَعَتِهِ، مَعَ أنَّهُ عَدُوٌّ، مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ لِلْجَهَلَةِ، فَقالَ:

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ واجْتَهِدُوا في تَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الرَّدَّ عَنِ الهَوى الَّذِي نَفَخَهُ فِيها الشَّيْطانُ: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا﴾ أيْ: وجَدْنا: ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والأنْدادِ. فَقالَ مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم ولَوْ: ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الدِّينِ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ لِلصَّوابِ إذْ جَهِلُوهُ؟

قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَوائِدَ الآباءِ مَنهِيَّةٌ حَتّى يَشْهَدَ لَها شاهِدُ أُبُوَّةِ الدِّينِ، فَفِيهِ التَّحْذِيرُ في رُتَبٍ ما بَيْنَ حالِ الكُفْرِ إلى أدْنى الفِتْنَةِ الَّتِي شَأْنُ النّاسِ أنْ يَتَّبِعُوا فِيها عَوائِدَ آبائِهِمْ.

(p-٣٧٣)قالَ الرّازِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ. فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا. فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ.

ثُمَّ قالَ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا أمْ لا؟ فَإنِ اعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، لَمْ تَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ، فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ...! وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا... فَإذَنْ قَدْ جَوَّزْتَ تَقْلِيدَهُ وإنْ كانَ مُبْطِلًا..! فَإذَنْ أنْتَ - عَلى تَقْلِيدِكَ - لا تَعْلَمُ أنَّكَ مُحِقٌّ أوْ مُبْطِلٌ...!

وثانِيها: هَبْ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كانَ عالِمًا بِهَذا الشَّيْءِ، إلّا أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ قَطُّ، وما اخْتارَ فِيهِ البَتَّةَ مَذْهَبًا، فَأنْتَ ماذا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ ولا مَذْهَبُهُ، كانَ لا بُدَّ مِنَ العُدُولِ إلى النَّظَرِ، فَكَذا هَهُنا.

وثالِثُها: أنَّكَ إذا قَلَّدْتَ مَن قَبْلَكَ، فَذَلِكَ المُتَقَدِّمُ كَيْفَ عَرَفْتَهُ؟ أعَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ أمْ لا بِتَقْلِيدٍ؟ فَإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ، لَزِمَ إمّا الدَّوْرُ وإمّا التَّسَلْسُلُ. وإنْ عَرَفْتَهُ لا بِتَقْلِيدٍ، بَلْ بِدَلِيلٍ، فَإذا أوْجَبْتَ تَقْلِيدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ، وجَبَ أنْ تَطْلُبَ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالدَّلِيلِ - مَعَ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ - كُنْتَ مُخالِفًا لَهُ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ، فَيَكُونُ باطِلًا.

ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتابَعَةِ وساوِسِ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مُتابَعَةِ التَّقْلِيدِ، وفِيهِ (p-٣٧٤)أقْوى دَلِيلٍ، عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وتَرْكِ التَّعْوِيلِ عَلى ما يَقَعُ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، أوَ عَلى ما يَقُولُهُ الغَيْرُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

وقالَ الإمامُ الرّاغِبُ: ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم أبْطَلُوا ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ الإنْسانَ مِنَ الفِكْرِ والرَّوِيَّةِ، ورَكَّبَ فِيهِ مِنَ المَعارِفِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ مَيَّزَ الإنْسانَ بِالفِكْرِ لِيَعْرِفَ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ في الِاعْتِقادِ، والصِّدْقَ مِنَ الكَذِبِ في الأقْوالِ، والجَمِيلَ مِنَ القَبِيحِ في الفِعْلِ، لِيَتَحَرّى الحَقَّ والصِّدْقَ والجَمِيلَ، ويَتَجَنَّبَ أضْدادَها، وجَعَلَ لَهُ مِن نُورِ العَقْلِ ما يَسْتَغْنِي بِهِ. فَيَدُلُّهُ عَلى مَعْرِفَةِ مَطْلُوبِهِ. فَلَمّا حَثَّ النّاسَ عَلى تَناوُلِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، ونَهاهم عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، بَيِّنَ حالَ الكُفّارِ في تَرْكِهِمُ الرَّشادَ، واتِّباعِهِمُ الآباءَ والأجْدادَ لِيُحَذِّرَ الِاقْتِداءَ بِهِمْ، تارِكِينَ اسْتِعْمالَ الفِكْرِ الَّذِي هو صُورَةُ الإنْسانِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَهم وإنْ كانُوا جَهَلَةً؟ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُحالٌ اتِّباعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ ولا اهْتِداءَ.

إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يَعْقِلُونَ) و: (يَهْتَدُونَ) وأحَدُهُما يُغْنِي عَنِ الآخَرِ؟ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العاقِلَ يُقالُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما لِمَن يَحْصُلُ لَهُ القُوَّةُ الَّتِي بِها يَصِحُّ التَّكْلِيفُ، والثّانِي لِمَن يَحْصُلُ العُلُومَ المُكْتَسَبَةَ وهو المَقْصُودُ هَهُنا. والمُهْتَدِي قَدْ يُقالُ لِمَنِ اقْتَدى في أفْعالِهِ بِالعالِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ في العِلْمِ، فَبَيَّنَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ ولا يَهْتَدُونَ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يَعْقِلَ ويَهْتَدِيَ، وإنْ كانَ كَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ، فَإنَّ العَقْلَ يُقالُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، والِاهْتِداءَ بِالإضافَةِ إلى العَمَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا عِلْمَ لَهم صَحِيحٌ ولا مُسْتَقِيمٌ.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى لِلْكافِرِينَ مَثَلًا فَظِيعًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠] فَقالَ:

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

(p-٣٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧١] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أيْ: يَصِيحُ، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ: صاحَ بِها وزَجَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ أيْ: بِالبَهائِمِ الَّتِي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَ النّاعِقِ ونِداءَهُ - الَّذِي هو تَصْوِيتٌ بِها، وزَجْرٌ لَها - ولا تَفْقَهُ شَيْئًا آخَرَ، ولا تَعِي كَما يَفْهَمُ العُقَلاءُ ويَعُونَ. وقَدْ أفْهَمَ هَذا الإيجازُ البَلِيغَ تَمْثِيلَيْنِ في مَثَلٍ واحِدٍ. فَكَأنَّ وفاءَ اللَّفْظِ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَثَلُ داعِيهِمْ كَمَثَلِ الرّاعِي ومَثَلِ ما يَرْعى مِنَ البَهائِمِ. وهو مِن أعْلى خِطابِ فُصَحاءِ العَرَبِ، ومَن لا يَصِلُ فَهْمُهُ إلى جَمْعِ المَثَلَيْنِ، يَقْتَصِرُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِمَثَلٍ واحِدٍ، فَيُقَدَّرُ في الكَلامِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا. أشارَ لِذَلِكَ الحَرالِيُّ فِيما نَقَلَهُ البِقاعِيُّ عَنْهُ.

وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ تَعالى المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي ولَمْ يَقُلْ كالغَنَمِ. والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرَ مِنَ الصَّوْتِ، فَأضافَ التَّشْبِيهَ إلى الرّاعِي والمَعْنى في المَرْعِيِّ. قالَ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ: فُلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ. المَعْنى كَخَوْفِهِ الأسَدَ، لِأنَّ الأسَدَ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَخُوفُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِحالِ مَن يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُهُ. والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُ هو في دُعاءٍ ونِداءٍ. وكَذَلِكَ المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ وعِبادَتِهِ إلّا العَناءُ.

(p-٣٧٦)وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وأنْ تَجْعَلَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ. فَإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ المُرَكَّبِ: كانَ تَشْبِيهًا لِلْكَفّارِ في عَدَمِ فِقْهِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِها الرّاعِي فَلا تَفْقَهُ مِن قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والنِّداءُ. وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ: فالَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، ودُعاءُ داعِيهِمْ إلى الطَّرِيقِ والهُدى بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَنْعَقُ بِها، ودُعاؤُهم إلى الهُدى بِمَنزِلَةِ النَّعْقِ، وإدْراكُهم مُجَرَّدَ الدُّعاءِ والنِّداءِ كَإدْراكِ البَهائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النّاعِقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم إنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ: بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ...! ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِمَن يَسْمَعُهُ عَنْ أنْ يَسْلُكَ مِثْلَ طَرِيقِهِ في التَّقْلِيدِ. ثُمَّ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ فَقالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَهم بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ: في أنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوهُ، وبِمَنزِلَةِ البُكْمِ: في أنَّهم لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِما دُعُوا إلَيْهِ، وبِمَنزِلَةِ العُمْيِ: مِن حَيْثُ إنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدَّلائِلِ فَصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوها. ولَمّا كانَ طَرِيقُ اكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةَ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ، فَلَمّا أعْرَضُوا عَنْها، فَقَدُوا العَقْلَ المُكْتَسَبَ. ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا..!

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

(p-٣٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: ما أخْلَصْناهُ لَكم مِنَ الشُّبَهِ، ولا تَعَرَّضُوا لِما فِيهِ دَنَسٌ كَما أحَلَّهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا تُحَرِّمُوا ما أحَلُّوا مِنها مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكم هَذِهِ النِّعَمَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْعِمُ لا غَيْرَ.

قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في " جَوابِ أهْلِ الإيمانِ ": الطَّيِّباتُ الَّتِي أباحَها هي المَطاعِمُ النّافِعَةُ لِلْعُقُولِ والأخْلاقِ، والخَبائِثُ هي الضّارَّةُ في العُقُولِ والأخْلاقِ، كَما أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ لِأنَّها تُفْسِدُ العُقُولَ والأخْلاقَ. فَأباحَ اللَّهُ الطَّيِّباتِ لِلْمُتَّقِينَ الَّتِي يَسْتَعِينُونَ بِها عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمُ الَّتِي خُلِقُوا لَها. وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ الَّتِي تَضُرُّهم في المَقْصُودِ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ، وأمَرَهم مَعَ أكْلِها بِالشُّكْرِ، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِها، فَمَن أكَلَها ولَمْ يَشْكُرْ تَرَكَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ واسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ومَن حَرَّمَها كالرُّهْبانِ فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فاسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ لِيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها»» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: ««الطّاعِمُ الشّاكِرُ بِمَنزِلَةِ الصّائِمِ الصّابِرِ»» .

(p-٣٧٨)وقالَ تَعالى: ﴿لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أيْ: عَنْ شُكْرِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُبِيحُ شَيْئًا ويُعاقِبُ مَن فَعَلَهُ، ولَكِنْ يَسْألُهُ عَنِ الواجِبِ الَّذِي أوْجَبَهُ مَعَهُ، وعَمّا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ، هَلْ فَرَّطَ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]

ولَمّا قَيَّدَ تَعالى الإذْنَ لَهم بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ، افْتَقَرَ الأمْرُ إلى بَيانِ الخَبِيثِ مِنهُ لِيُجْتَنَبَ، فَبَيَّنَ صَرِيحًا ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ غَيْرَهُ وأفْهَمَ حِلَّ ما عَداهُ، وأنَّهُ كَثِيرٌ جِدًّا لِيَزْدادَ المُخاطَبُ شُكْرًا، فَقالَ:

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٣] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهي في عُرْفِ الشَّرْعِ: ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ قَتَلَ عَلى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، إمّا في الفاعِلِ أوْ في المَفْعُولِ فَدَخَلَ فِيها: المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وما عَدا عَلَيْها السَّبُعُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ خَصَّصَ الجُمْهُورُ مِن ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ العَنْبَرِ في الصَّحِيحِ.

وفِي المُسْنَدِ، والمُوَطَّأِ، والسُّنَنِ: قَوْلُهُ ﷺ في البَحْرِ: ««هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» .

(p-٣٧٩)ورَوى الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: ««أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ الحُوتُ والجَرادُ. وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطُّحالُ»» ﴿والدَّمَ﴾ وهو المَسْفُوحُ أيِ: الجارِي، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في الآيَةِ الأُخْرى والمُفَسَّرُ قاضٍ عَلى المُبْهَمِ، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُ الدَّمَ في المَصارِينِ ثُمَّ يَشْوِيها ويَأْكُلُها ويُسَمُّونَهُ الفَصْدَ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: والفَصِيدُ دَمٌ كانَ يُوضَعُ في الجاهِلِيَّةِ في مِعًى مِن فَصْدِ عِرْقِ البَعِيرِ، ويُشْوى، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ ويُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ في الأزْمَةِ.

ويُحْكى: أنَّهُ باتَ رَجُلانِ عِنْدَ أعْرابِيٍّ فالتَقَيا صَباحًا، فَسَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ عَنِ القُرى، فَقالَ: ما قَرَيْتُ وإنَّما فُصِدَ لِي. فَقالَ لَمْ يُحْرَمْ مَن فُصْدَ لَهُ - بِسُكُونِ الصّادِ - فَجَرى ذَلِكَ مَثَلًا لِمَن نالَ بَعْضَ المَقْصِدِ، وسَكَّنَ الصّادَ تَخْفِيفًا، أيْ: لَمْ يُحْرَمِ القُرى مَن فَصَدَتْ لَهُ الرّاحِلَةُ فَحَظِيَ بِدَمِها. ويُرْوى: مَن فَزْدَ لَهُ بِالزّايِ بَدَلَ الصّادِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَن قُصِدَ لَهُ - بِالقافِ - أيْ: مَن أُعْطِيَ قَصْدًا أيْ: قَلِيلًا. وكَلامُ العَرَبِ بِالفاءِ. وقالَ يَعْقُوبُ: تَأْوِيلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُضِيفُ الرَّجُلَ في شِدَّةِ الزَّمانِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ ما يَقْرِيهِ، ويَشِحُّ أنْ يَنْحَرَ راحِلَتَهُ، فَيَفْصِدُها، فَإذا خَرَجَ الدَّمُ سَخَّنَهُ لِلضَّيْفِ إلى أنْ يُجَمَّدَ ويَقْوى فَيُطْعِمَهُ إيّاهُ ﴿ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ ويَدْخُلُ شَحْمُهُ وبَقِيَّةُ أجْزائِهِ في حُكْمِ لَحْمِهِ: إمّا تَغْلِيبًا، أوْ لِأنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً، لِأنَّهُ ما لَحَمَ بَيْنَ أخْفى ما في الحَيَوانِ مِن وسَطِ عَظْمِهِ، وما انْتَهى إلَيْهِ ظاهِرُهُ مِن سَطْحِ جِلْدِهِ، وعُرِفَ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلى رُطَبِهِ الأحْمَرِ، وهو هُنا عَلى أصْلِهِ في اللُّغَةِ، وإمّا بِطَرِيقِ القِياسِ عَلى رَأْيٍ؛ لِأنَّهُ إذا حَرَّمَ لَحْمَهُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالأكْلِ وهو أطْيَبُ ما فِيهِ كانَ غَيْرُهُ مِن أجْزائِهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ، ولَمّا حَرَّمَ ما يَضُرُّ الجِسْمَ ويُؤْذِي النَّفْسَ، حَرَّمَ ما يَرِينُ عَلى القَلْبِ، فَقالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى غَيْرِ اسْمِهِ تَعالى مِنَ الأنْصابِ والأنْدادِ ونَحْوِ ذَلِكَ (p-٣٨٠)مِمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. وأصْلُ الإهْلالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ أيْ: رَفَعَ بِهِ الصَّوْتَ لِلصَّنَمِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ نَقَلَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةٍ عَمِلَتْ عُرْسًا لِلُعَبِها، فَنَحَرَتْ فِيهِ جَزُورًا، فَقالَ: لا تُؤْكَلْ لِأنَّها ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ. وذَكَرَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّها سُئِلَتْ عَمّا يَذْبَحُهُ العَجَمُ لِأعْيادِهِمْ فَيَهْدُونَ مِنهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَقالَتْ: ما ذُبِحَ لِذَلِكَ اليَوْمِ فَلا تَأْكُلُوا مِنهُ، وكُلُوا مِن أشْجارِهِمْ. والقَصْدُ سَدُّ ما كانَ مَظِنَّةً لِلشِّرْكِ.

قالَ النَّوَوِيُّ في " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": فَإنْ قَصَدَ الذّابِحُ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ المَذْبُوحِ لَهُ، وكانَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى والعِبادَةَ لَهُ، كانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإنْ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا، قَبْلَ ذَلِكَ، صارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا. ذَكَرَهُ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»» .

قالَ الحَرالِيُّ: وذِكْرُ الإهْلالِ إعْلامٌ بِأنَّ ما أعْلَنَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ هو أشَدُّ المُحَرَّمِ، فَفي إفْهامِهِ تَخْفِيفُ الخِطابِ عَمّا لا يُعْلَمُ مِن خَفِيِّ الذِّكْرِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «إنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِي أذُكِرَ (p-٣٨١)اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَقالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ» . قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ». فَكَأنَّ المُحَرَّمَ لَيْسَ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ؛ بَلِ الَّذِي عُلِمَ أنَّ اسْمَ اللَّهِ قَدْ أُعْلِنَ بِهِ عَلَيْهِ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اليَهُودَ والنَّصارى يَهُلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَأْكُلُوا، وإذا لَمْ تَسْمَعُوهم فَكُلُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ.

فَصْلٌ

فِيما لِتَحْرِيمِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ مِنَ الحِكَمِ والأسْرارِ الباهِراتِ

فَأمّا المَيْتَةُ: فَقالَ الحَرالِيُّ: هي ما أدْرَكَهُ المَوْتُ مِنَ الحَيَوانِ عَنْ ذُبُولِ القُوَّةِ وفَناءِ الحَياةِ، وهي أشَدُّ مُفْسِدٍ لِلْجِسْمِ، لِفَسادِ تَرْكِيبِها بِالمَوْتِ، وذَهابِ تَلَذُّذِ أجْزائِها، وعَفَنِها، وذَهابِ رَوْحِ الحَياةِ والطَّهارَةِ مِنها.

وقالَ المَهايِمِيُّ في " تَفْسِيرِهِ ": ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ إنَّما يَقْطَعُ مَحَبَّتَهُ أكْلُ ما حَرَّمَ، وهو المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها. فَأمّا المَيْتَةُ فَلِأنَّها خَبُثَتْ بِنَزْعِ الرُّوحِ مِنها بِلا مُطَهِّرٍ مِنَ الذَّبْحِ بِاسْمِ اللَّهِ، تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا فَتَتَعَلَّقُ أرْواحُكم بِالخَبِيثِ فَتَخْبُثُ، فَيَنْقَطِعُ عَنْها مَحَبَّةُ اللَّهِ. وإنَّما أُبِيحَ مَيْتَةُ السَّمَكِ لِأنَّ أصْلَهُ الماءُ المُطَهَّرُ، فَكَما لا يُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجاسَةُ، لا يُؤَثِّرُ نَزْعُ الرُّوحِ فِيما حَصَلَ مِنهُ، والجَرادُ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ تَوَلُّدٍ ولا خُبْثٍ في ذاتِهِ كَسائِرِ الحَشَراتِ.

وأمّا خُبْثُ الدَّمِ فَلِأنَّهُ جَوْهَرٌ مُرْتَكِسٌ عَنْ حالِ الطَّعامِ، ولَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إلى حالِ الأعْضاءِ فَهو مَيْتَةٌ.

وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حُرِّمَ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِأنَّهُ مَجْمَعُ قُوى النَّفْسِ الشَّهَوِيَّةِ الغَضَبِيَّةِ، (p-٣٨٢)وزِيادَتُهُ تُوجِبُ طُغْيانَ هَذِهِ القُوى، وهو مَجْرى الشَّيْطانِ مِنَ البَدَنِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»» .

وأمّا خُبْثُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ: فَلِأذاهُ لِلنَّفْسِ، كَما حُرِّمَ ما قَبْلَهُ لِمَضَرَّتِها في الجِسْمِ لِأنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ: أنَّ مَنِ اغْتَذى جِسْمُهُ بِجُسْمانِيَّةِ شَيْءٍ اغْتَذَتْ نَفْسانِيَّتُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ: ««الكِبْرُ والخُيَلاءُ في الفَدّادِينَ أهْلِ الوَبَرِ، والسَّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ»» . فَلَمّا جُعِلَ في الخِنْزِيرِ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، حُرِّمَ عَلى مَن حُوفِظَ عَلى نَفْسِهِ مِن ذَمِيمِ الأخْلاقِ. نَقَلَهُ البِقاعِيُّ.

وقَدْ كُشِفَ لِأطِبّاءِ هَذا العَصْرِ مِن مَضارِّ لَحْمِ الخِنْزِيرِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّجارِبِ الحِسِّيَّةِ غَيْرِ ما قالُوهُ القُدَماءُ. فَمِن مَضارِّهِ: أنَّهُ يُورِثُ الدُّودَةَ الوَحِيدَةَ المُتَسَبِّبُ مِن وُجُودِها في الأمْعاءِ أعْراضٌ كَثِيرَةٌ: كالمَغَصِ، والإسْهالِ، والقَيْءِ، وفَقْدِ شَهْوَةِ الطَّعامِ، أوِ النَّهَمِ الشَّدِيدِ، وآلامِ الرَّأْسِ، والإغْماءِ، والدُّوارِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وعُرُوضِ نَوْباتٍ صَرَعِيَّةٍ، وتَشَنُّجاتٍ عَصَبِيَّةٍ، وإصابَةِ مَرَضِ دُودَةِ الشَّعْرِ الحَلَزُونِيَّةِ الَّذِي يَفُوقُ الحُمّى، ويُودِي بِحَياةِ المُصابِ...... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعَبِ وعُسْرِ الهَضْمِ، ومَضارِّ سِواها.

(p-٣٨٣)قالَ حَكِيمٌ: فالإسْلامُ لَمْ يَأْتِ لِإصْلاحِ الرُّوحِ فَقَطْ، بَلْ لِإصْلاحِ الرُّوحِ والجِسْمِ مَعًا..! فَلَمْ يَتْرُكْ ضارًّا لِأحَدِهِما إلّا ونَّبَهَ عَلَيْهِ تَصْرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا... وقَدْ بَسَطَ الحُكَماءُ المُتَأخِّرُونَ الكَلامَ عَلى مُضِرّاتِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ في مَقالاتٍ عَدِيدَةٍ.

وأمّا خُبْثُ المُهَلِّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ: فَلِأنَّهُ يَرِينُ عَلى القَلْبِ، لِأنَّهُ تَقَرَّبَ بِهِ لِغَيْرِ مُوجِدِهِ وخالِقِهِ تَقَرُّبَ عِبادَةٍ، وذَلِكَ مِن صَرِيحِ الإشْراكِ والِاعْتِمادَ عَلى غَيْرِهِ تَعالى؛ فَكانَ خُبْثُهُ مَعْنَوِيًّا لِتَأْثِيرِهِ عَلى النُّفُوسِ والأخْلاقِ كَتَأْثِيرِ المُضِرِّ بِالجِسْمِ والبَدَنِ، والشَّرْعُ جاءَ لِلْحِفْظِ عَمّا يَضُرُّ مُطْلَقًا، ولِصِيانَةِ مَقامِ التَّوْحِيدِ.

ولَمّا كانَ هَذا الدِّينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فِيهِ ولا حَرَجَ، رَفَعَ حُكْمَ هَذا التَّحْرِيمِ عَنِ المُضْطَرِّ. فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: ألْجَأهُ مُلْجِئٌ بِأيِّ ضَرُورَةٍ كانَتْ إلى أكْلِ شَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ بِأنْ أشْرَفَ عَلى التَّلَفِ، فَأكَلَ مِن شَيْءٍ مِنهُ حالَ كَوْنِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: غَيْرُ طالِبٍ لَهُ راغِبٌ فِيهِ لِذاتِهِ. مِن بَغى الشَّيْءَ وابْتَغاهُ طَلَبَهُ وحَرَصَ عَلَيْهِ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: مُجاوِزٍ لِسَدِّ الرَّمَقِ وإزالَةِ الضَّرُورَةِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وإنْ بَقِيَتْ حُرْمَتُهُ، لِأنَّهُ إذا تَناوَلَهُ حالَ الِاضْطِرارِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الخُبْثُ لِأنَّهُ كارِهٌ بِالطَّبْعِ. وقالَ الرّاغِبُ: واخْتُلِفَ إذا اضْطُرَّ إلى ذَلِكَ في دَواءٍ لا يَسُدُّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ. والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَناوُلُهُ لِلْعِلَّةِ المَذْكُورَةِ، يَعْنِي: إبْقاءَ رُوحِهِ بِجِهَةِ ما رَآهُ أقْرَبَ إلى إبْقائِهِ، وهي الَّتِي أُجِيزَ تَناوُلُهُ ما ذُكِرَ لَهُ لِلْجُوعِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما أكَلَهُ حالَ الضَّرُورَةِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ لِعِبادِهِ في ذَلِكَ إبْقاءً عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ أعادَ تَعالى وعِيدَ كاتِمِي أحْكامِهِ، إثْرَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الأحْكامِ، تَحْذِيرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ مَن عَنَوْا بِهِ، وهم أهْلُ الكِتابِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском