Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:182–184

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:182–184

2:182Page 28

فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-٤١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٢] ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ: تَوَقَّعَ وعَلِمَ، وهَذا في كَلامِهِمْ شائِعٌ، ويَقُولُونَ: أخافُ أنْ تُرْسِلَ السَّماءُ، يُرِيدُونَ: التَّوَقُّعَ والظَّنَّ الغالِبَ الجارِي مَجْرى العِلْمِ: ﴿مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ، بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ، والتَّصَرُّفِ فِيما لَيْسَ لَهُ: ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: مَيْلًا فِيها عَمْدًا: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ المُوصى لَهم - وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ - بِإجْرائِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَّرْعِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وأنْ يَنْهاهم عَنْ مَنعِهِ فِيما أُذِنَ لَهُ فِيهِ وأُبِيحَ لَهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِهَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّ تَبْدِيلَهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ!: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَفُورٌ لِلْمُوصِي - فِيما كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَنَفِ والإثْمِ إذا تَرَكَ أنْ يَأْثَمَ ويَجْنَفَ في وصِيَّتِهِ - فَتَجاوَزَ لَهُ عَمّا كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَوْرِ إذْ لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالمُصْلِحِ بَيْنَ الوَصِيِّ وبَيْنَ مَن أرادَ أنْ يَحِيفَ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ أوْ يَأْثَمَ فِيهِ لَهُ..!.

تَنْبِيهٌ:

ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن فَرْضِيَّةِ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ.

ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أنَّهُ كانَ واجِبًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ. فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ نَسَخَتْ هَذِهِ، وصارَتِ المَوارِيثُ المُقَدَّرَةُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، يَأْخُذُهُ أهْلُوها حَتْمًا مِن غَيْرِ وصِيَّةٍ، ولا تَحْمِلُ مِنَّةَ المُوصِي. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ - الَّذِي في السُّنَنِ وغَيْرِها - عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» .

(p-٤١٢)ونَصَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ هَذا المَتْنَ مُتَواتِرٌ، فَقالَ: وجَدْنا أهْلَ الفُتْيا ومَن حَفِظْنا عَنْهم مِن أهْلِ العِلْمِ بِالمَغازِي مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: ««لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» . ويَأْثِرُونَهُ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَكانَ نَقْلَ كافَّةٍ عَنْ كافَّةٍ. فَهو أقْوى مِن نَقْلِ واحِدٍ.

قالَ الإمامُ مالِكٌ في " المُوَطَّأِ ": السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عِنْدَنا الَّتِي لا اخْتِلافَ فِيها: أنَّهُ لا تَجُوزُ وصِيَّةٌ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ ورَثَةُ المَيِّتِ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا تُخالِفُ آيَةَ المَوارِيثِ. والمَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم ما أوْصاكم بِهِ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أوْ كُتِبَ عَلى المُحْتَضَرِ: أنْ يُوصِيَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يُنْقِصَ مِن أنْصِبائِهِمْ! فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ المِيراثِ لِلْأقْرِباءِ، مَعَ ثُبُوتِ الوَصِيَّةِ بِالمِيراثِ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، والوَصِيَّةُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ حَضَرَهُ المَوْتُ. فالوارِثُ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ. ولَوْ فُرِضَ المُنافاةُ، لَأمْكَنَ جَعْلُ آيَةِ المِيراثِ مُخَصَّصَةً لِهَذِهِ الآيَةِ. بِإبْقاءِ القَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا لِأجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ. فَقَدْ أكَّدَ تَعالى الإحْسانَ إلى الأرْحامِ وذَوِي القُرْبى في غَيْرِ ما آيَةٍ، فَتَكُونُ الوَصِيَّةُ لِلْأقارِبِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَصَبَةً، أوْ ذَوِي رَحِمٍ مَفْرُوضَةٍ..! قالُوا: ونَسْخُ وُجُوبِها لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الوارِثِينَ لا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ وُجُوبِها في غَيْرِهِمْ..!.

ومِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ مِنَ السُّنَّةِ: خَبْرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: (p-٤١٣)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلّا ووَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»» . قالَ ابْنُ عُمَرَ: ما مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا وعِنْدِي وصِيَّتِي..!. والآياتُ والأحادِيثُ - بِالأمْرِ بِبِرِّ الأقارِبِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ - كَثِيرَةٌ جِدًّا..

ظَهَرَ لِي في آيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] إلخ - وكانَ دَرْسُنا صَباحًا مِنَ البُخارِيِّ في كِتابِ " الوَصايا " - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً - كَما قِيلَ - بَلْ هي مُحْكَمَةٌ بِطَرِيقَةٍ لا أدْرِي هَلْ أحَدٌ سَبَقَنِي بِها أمْ لا؟ فَإنِّي في تَفْسِيرِي المُسَمّى بِمَحاسِنِ التَّأْوِيلِ نَقَلْتُ هُناكَ مَذاهِبَ العُلَماءِ، ولا يَحْضُرُنِي الآنَ أنَّ ما سَأذْكُرُهُ مَأْثُورٌ أمْ لا؟ وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ آيَةِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] مُتَلاقِيَتانِ في المَعْنى، مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالوَصِيَّةِ: وصِيَّةُ اللَّهِ في إيتاءِ ذَوِي الحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ، وعَدَمُ الغَضِّ مِنها، والحَذَرُ مِن تَبْدِيلِها، لِما يَلْحَقُ المُبَدِّلَ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ..! وخُلاصَةُ المَعْنى عَلى ما ظَهَرَ:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: فُرِضَ عَلَيْكم فَرْضًا مُؤَكَّدًا بِمَثابَةِ المَكْتُوبِ الَّذِي لا يُمْحى ولا يَعْتَوِرُهُ تَغْيِيرٌ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: قُرْبَ نُزُولِهِ بِهِ، بِأنْ قَرُبَ مُفارَقَتُهُ الحَياةَ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: مالًا يُورَثُ: الوَصِيَّةُ أيِ: المَعْهُودَةُ، وهي وصِيَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في إيتاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، عَلى ما بَيَّنَتْهُ تِلْكَ الآيَةُ: ﴿لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: في إبْلاغِهِمْ فَرْضَهُمُ المُبَيَّنَ في آيَةِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَإنَّهُ أجْمَعَ آيَةَ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] تَأْكِيدٌ لِلْكِتابَةِ بِأنَّها أمْرٌ ثابِتٌ لا يَسُوغُ التَّسامُحُ فِيهِ بِوَجْهٍ ما: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] (p-٤١٤)أيْ: هَذا المَكْتُوبَ الحَقَّ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] أيْ: فَعَلِمَ الحَقَّ المَفْرُوضَ فِيهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِ المُمْتَثِلِ والمُبَدِّلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ أيْ: مَيْلًا عَمّا فَرَضَهُ تَعالى: ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: بِقَطْعِ مَن يَسْتَحِقُّ عَنْ حَقِّهِ، لِما لا تَخْلُو عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الأنْفُسِ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْها نُورُ التَّهْذِيبِ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِأمْرٍ رَضِيَ بِهِ الكُلُّ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِأنَّ الصُّلْحَ جائِزٌ، إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا، واللَّهُ أعْلَمُ.اهـ المَنقُولُ مِنَ الدَّفْتَرِ.

2:183Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أيْ - فُرِضَ -: ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والوِقاعِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

واعْلَمْ أنَّ مَصالِحَ الصَّوْمِ لَمّا كانَتْ مَشْهُودَةً بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ، والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ رَحْمَةً لَهُمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وحَمِيَّةً، وجُنَّةً..! فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّيامِ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، وفَطْمُها عَنِ المَأْلُوفاتِ، وتَعْدِيلُ قُوَّتِها الشَّهْوانِيَّةِ، لِتَسْعَدَ بِطَلَبِ ما فِيهِ غايَةُ سَعادَتِها ونَعِيمِها، وقَبُولِ ما تَزْكُوا بِهِ مِمّا فِيهِ حَياتُها الأبَدِيَّةُ..!. ويَكْسِرُ الجُوعُ والظَّمَأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرَتِها، ويُذَكِّرُها بِحالِ الأكْبادِ الجائِعَةِ مِنَ المَساكِينِ... وتَضِيقُ مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ العَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجارِي الطَّعامِ والشَّرابِ، وحَبْسُ قُوى الأعْضاءِ عَنِ اسْتِرْسالِها لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيما يَضُرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنها وكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِماحِها، وتُلْجَمُ بِلِجامِهِ، فَهو لِجامُ المُتَّقِينَ، وجَنَّةُ المُجاهِدِينَ، ورِياضَةُ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ... وهو لِرَبِّ العالَمِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْمالِ، فَإنَّ الصّائِمَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، إنَّما تَرَكَ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ (p-٤١٥)وشَرابَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو تَرْكُ مَحْبُوباتِ النَّفْسِ وتَلَذُّذاتِها؛ إيثارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِواهُ...

والعِبادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنهُ عَلى تَرْكِ المُفْطِراتِ الظّاهِرَةِ. وأمّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو أمْرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ. وذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ..! ولِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حِفْظِ الجَوارِحِ الظّاهِرَةِ، والقُوى الباطِنَةِ. وحَمِيَّتِها عَنِ التَّخْلِيطِ الجالِبِ لَها المَوادَّ الفاسِدَةَ، الَّتِي إذا اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أفْسَدَتْها. واسْتِفْراغِ المَوادِّ الرِّدْيَةِ المانِعَةِ لَهُ مِن صِحَّتِها، فالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلى القَلْبِ والجَوارِحِ صِحَّتَها. ويُعِيدُ إلَيْها ما اسْتَلَبَتْهُ مِنها أيْدِي الشَّهَواتِ. فَهو مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى التَّقْوى، كَما قالَ تَعالى في تَتِمَّةِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««الصَّوْمُ جُنَّةٌ»» . وأمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أكْمَلَ الهَدْيِ، وأعْظَمَ (p-٤١٦)تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وأسْهَلَهُ عَلى النُّفُوسِ. ولَمّا كانَ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها وشَهَواتِها مِن أشَقِّ الأُمُورِ وأصْعَبِها، تَأخَّرَ فَرْضُهُ إلى وسَطِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لَمّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلى التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ، وألَفِتْ أوامِرَ القُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ. وكانَ فَرْضُهُ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ صامَ تِسْعَةَ رَمَضاناتٍ. وفُرِضَ أوَّلًا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. ثُمَّ نُقِلَ مِن ذَلِكَ التَّخْيِيرِ إلى تَحَتُّمِ الصَّوْمِ، وجُعِلَ الإطْعامُ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ - إذا لَمْ يُطِيقا الصِّيامَ - فَإنَّهُما يُفْطِرانِ ويُطْعِمانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ - وكانَ لِلصَّوْمِ رُتَبٌ ثَلاثٌ:

أحَدُها: إيجابُهُ بِوَصْفِ التَّخْيِيرِ.

والثّانِيَةُ: تَحَتُّمُهُ، لَكِنْ كانَ الصّائِمُ إذا نامَ قَبْلَ أنْ يُطْعَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ إلى اللَّيْلَةِ القابِلَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ، وهي الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الشَّرْعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ..! كَما أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ في زادِ المَعادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ، وتَرْغِيبٌ فِيهِ، وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ بِهِ، فَإنَّ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ عَمَلُهُ. والمُماثَلَةُ إنَّما هي في أصْلِ الوُجُوبِ لا في الوَقْتِ والمِقْدارِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ. وفي التَّوْراةِ، سِفْرِ عَزْرا، الإصْحاحِ الثّانِي، ص ٧٥٠:

(٢١) ونادَيْتُ هُناكَ بِصَوْمٍ عَلى نَهْرِ أهْوا، لِكَيْ نَتَذَلَّلَ أمامَ إلَهِنا لِنَطْلُبَ مِنهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً لَنا ولِأطْفالِنا ولِكُلِّ مالِنا.

وفِي سِفْرِ إشْعِياءَ، الإصْحاحُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ ص ١٠٦٢:

(٣) يَقُولُونَ: لِماذا صُمْنا ولَمْ نَنْظُرْ. ذَلَّلْنا أنْفُسَنا ولَمْ نُلاحِظْ. ها إنَّكم في يَوْمِ صَوْمِكم تُوجِدُونَ مَسَرَّةً وبِكُلِّ أشْغالِكم تُسَخَّرُونَ.

(٤) ها إنَّكم لِلْخُصُومَةِ والنِّزاعِ تَصُومُونَ ولِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ، كَما اليَوْمَ، لِتَسْمِيعِ صَوْتِكم في العَلاءِ.

(٥) أمِثْلُ هَذا يَكُونُ صَوْمٌ أخْتارُهُ، يَوْمًا يُذَلِّلُ الإنْسانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كالأسَلَةِ رَأْسَهُ، ويَفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا ورَمادًا. هَلْ تُسَمِّي هَذا صَوْمًا ويَوْمًا مَقْبُولًا لِلرَّبِّ؟.. إلخ.

(p-٤١٧)وفِي سِفْرِ يُوئِيلَ، الإصْحاحُ الأوَّلُ، ص ١٢٩٩:

١٤ * قَدِّسُوا صَوْمًا.

وفِي الإصْحاحِ الثّانِي، ص ١٣٠٠:

١٢ * ولَكِنَّ الآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: ارْجِعُوا إلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكم وبِالصَّوْمِ والبُكاءِ والنَّوْحِ.

١٣ * ومَزِّقُوا قُلُوبَكم لا ثِيابَكُمْ، وارْجِعُوا إلى الرَّبِّ إلَهِكم؛ لِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الرَّأْفَةِ...

١٥ *.. قَدِّسُوا صَوْمًا نادُوا بِاعْتِكافٍ.

١٦ * اجْمَعُوا الشَّعْبَ قَدِّسُوا الجَماعَةَ.

وفِي سِفْرِ زَكَرِيّاءَ، الإصْحاحُ الثّامِنُ ص ١٣٤٧:

١٩ * هَكَذا قالَ رَبُّ الجُنُودِ: إنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ الرّابِعِ وصَوْمَ الخامِسِ وصَوْمَ السّابِعِ وصَوْمَ العاشِرِ يَكُونُ لِبَيْتِ يَهُوذا ابْتِهاجًا وفَرَحًا وأعْيادًا طَيِّبَةً. فَأحِبُّوا الحَقَّ والسَّلامَ.

وفِي إنْجِيلِ مَتّى، الإصْحاحُ السّادِسُ ص ١١:

١٧ * وأمّا أنْتَ فَمَتى صَمْتَ فادْهُنْ رَأْسَكَ واغْسِلْ وجْهَكَ.

١٨ * لِكَيْ لا تَظْهَرَ لِلنّاسِ صائِمًا، بَلْ لِأبِيكَ الَّذِي في الخَفاءِ. فَأبُوكَ الَّذِي يَرى في الخَفاءِ يُجازِيكَ عَلانِيَةً.

الإصْحاحُ السّابِعَ عَشَرَ ص ٣٢:

لَمّا رَأى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتًى وأخْرَجَ مِنهُ الشَّيْطانَ قالَ لِأصْحابِهِ:

٢١ * وأمّا هَذا الجِنْسُ فَلا يَخْرُجُ إلّا بِالصَّلاةِ والصَّوْمِ.

وفِي الإصْحاحِ الرّابِعِ ص ٦:

٢ * فَبَعْدَ ما صامَ أرْبَعِينَ نَهارًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً جاعَ أخِيرًا أيِ: المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفِي رِسالَةِ بُولِسَ الثّانِيَةِ إلى أهْلِ كُورَنْثُوسَ، الإصْحاحُ السّادِسُ ص ٢٩٥:

٤ * بَلْ في كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أنْفُسَنا كَخُدّامِ اللَّهِ في صَبْرٍ كَثِيرٍ، في شَدائِدَ، في ضَرُوراتٍ، في ضِيقاتٍ.

٥ * في ضَرَباتٍ، في سُجُونٍ، في اضْطِراباتٍ، في أتْعابٍ، في أسْهارٍ، في أصَوامٍ.

(p-٤١٨)وفِي الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ ص ٣٠١:

٢٧ * في تَعَبٍ وكَدٍّ، في أسْهارٍ مِرارًا كَثِيرَةً، في جُوعٍ وعَطَشٍ، في أصْوامٍ مِرارًا كَثِيرَةً، في بَرْدٍ وعُرْيٍ.

هَذا، ومَتى أُطْلِقَ الصَّوْمُ في كُلِّ شَرِيعَةٍ، فَلا يُقْصَدُ بِهِ إلّا الِامْتِناعُ عَنِ الأكْلِ كُلَّ النَّهارِ إلى المَساءِ، لا مُجَرَّدَ إبْدالِ طَعامٍ بِطَعامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] أيْ: تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ تَعالى وِقايَةً بِالمُسارَعَةِ إلَيْهِ، والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ، رَجاءً لِرِضاهُ تَعالى؛ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ، فَيَقْمَعُ الهَوى، فَيَرْدَعُ عَنْ مُواقَعَةِ السُّوءِ.

2:184Page 28

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٤] ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهي أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ، كَما بَيَّنَها تَعالى فِيما بَعْدُ، بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ أيْ: مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ، أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ.

والمَرَضُ: السَّقَمُ، وهو نَقِيضُ الصِّحَّةِ واضْطِرابُ الطَّبِيعَةِ بَعْدَ صَفائِها واعْتِدالِها: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: فافْطُرْ: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ والسَّفَرِ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ غَيْرِ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةِ. وإنَّما رَخَّصَ الفِطْرَ في حالِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَدْ سافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ في أعْظَمِ الغَزَواتِ وأجَلِّها: في غَزْوَةِ بَدْرٍ، (p-٤١٩)وغَزْوَةِ الفَتْحِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ غَزْوَتَيْنِ: يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ، فَأفْطَرْنا فِيهِما».

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ صامَ في السَّفَرِ وأفْطَرَ، كَما خَيَّرَ بَعْضَ الصَّحابَةِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِطْرِ. فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ في يَوْمٍ حارٍّ، حَتّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وما فِينا صائِمٌ إلّا ما كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وابْنِ رَواحَةَ». وقَوْلُهُ: في بَعْضِ أسْفارِهِ: وقَعَ في إحْدى رِوايَتَيْ مُسْلِمٍ، بَدَلَهُ في شَهْرِ رَمَضانَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سِرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ». وفي رِوايَةٍ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ قالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا..!» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أمْسَيْتَ. قالَ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا» . قالَ: «إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا» . فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قالَ: «إذا رَأيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هَهُنا - وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ - فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ»» رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

(p-٤٢٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ فَصامَ حَتّى بَلَغَ عُسْفانَ، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَرَفَعَهُ إلى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النّاسَ، فَأفْطَرَ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ، وذَلِكَ في رَمَضانَ.

فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأفْطَرَ، فَمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ». رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ.

وعَنْ قَزْعَةَ قالَ: «أتَيْتُ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَسَألَتْهُ عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ، فَقالَ: سافَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ ونَحْنُ صِيامٌ، قالَ: فَنَزَلْنا مَنزِلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكم قَدْ دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكُمْ، والفِطْرُ أقْوى لَكم» . فَكانَتْ رُخْصَةً، فَمِنّا مَن صامَ ومِنّا مَن أفْطَرَ.

ثُمَّ نَزَلْنا مَنزِلًا آخَرَ فَقالَ: «إنَّكم مُصَبِّحُو عَدُوِّكم والفِطْرُ أقْوى لَكم فَأفْطِرُوا» . وكانَتْ عَزْمَةً فَأفْطَرْنا. ثُمَّ قالَ لَقَدْ رَأيْتُنا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ،» رَواهُ مُسْلِمٌ. وعَنْ عائِشَةَ: «أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأصُومُ في السَّفَرِ؟ - وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ - فَقالَ: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ»» . رَواهُ البُخارِيُّ.

ورَواهُ مُسْلِمٌ مِن طَرِيقٍ آخَرَ، أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أجِدُ بِي قُوَّةً عَلى الصِّيامِ في السَّفَرِ (p-٤٢١)فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هي رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَن أخَذَ بِها فَحَسَنٌ، ومَن أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ»» .

وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا نُسافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَعِبِ الصّائِمَ عَلى المُفْطِرِ ولا المُفْطِرِ عَلى الصّائِمِ». رَواهُ الشَّيْخانِ.

الثّانِي: لا يَخْفى أنَّ جَوازَ الصَّوْمِ لِلْمُسافِرِ إذا أطاقَهُ بِلا ضَرَرٍ. وأمّا إذا شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلا رَيْبَ في كَراهَتِهِ، لِما في الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَرَأى زِحامًا، ورَجُلٍ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقالَ: «ما هَذا؟» فَقالُوا: صائِمٌ، فَقالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ»» . فَلا يُنافِي هَذا ما تَقَدَّمَ، كَما لا يَرِدُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لِأنَّ السِّياقَ والقَرائِنَ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِمَن شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. وما تَقَدَّمَ في غَيْرِهِ.

قالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: ويَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلالَةِ السَّبَبِ والسِّياقِ والقَرائِنِ عَلى تَخْصِيصِ العامِّ، وعَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ؛ وبَيْنَ مُجَرَّدِ العامِّ عَلى سَبَبٍ. فَإنَّ بَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقًا واضِحًا. ومَن أجْراهُما مَجْرًى واحِدًا لَمْ يُصِبْ. فَإنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ، كَنُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ في قِصَّةِ رِداءِ صَفْوانَ. وأمّا السِّياقُ والقَرائِنُ الدّالَّةُ عَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ فَهي المُرْشِدَةُ إلى بَيانِ المُجْمِلاتِ، كَما في هَذا الحَدِيثِ. انْتَهى. وهو اسْتِنْباطٌ جَيِّدٌ. وبِالجُمْلَةِ: فالمَرِيضُ والمُسافِرُ يُباحُ لَهُما الفِطْرُ. فَإنْ صاما صَحَّ، فَإنَّ تَضَرَّرا، كُرِهَ..!.

(p-٤٢٢)الثّالِثُ: لَمْ يَكُنْ مِن هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ المَسافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهِ الصّائِمُ بِحَدٍّ، ولا صَحَّ عَنْهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ. وقَدْ أفْطَرَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ في سَفَرِ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ لِمَن صامَ: قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ..!. وكانَ الصَّحابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ يُفْطِرُونَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُجاوَزَةِ البُيُوتِ، ويُخْبِرُونَ أنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ ﷺ. كَما قالَ عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ: «رَكِبْتُ مَعَ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفِينَةٍ مِنَ الفُسْطاطِ في رَمَضانَ، فَلَمْ نُجاوِزِ البُيُوتَ حَتّى دَعا بِالسُّفْرَةِ. قالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: ألَسْتَ تَرى البُيُوتَ؟ قالَ أبُو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟» رَواهُ أبُو داوُدَ وأحْمَدُ. ولَفْظُ أحْمَدَ: «رَكِبْتُ مَعَ أبِي بَصْرَةَ مِنَ الفُسْطاطِ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ في سَفِينَةٍ، فَلَمّا دَفَعْنا مِن مَرْسانا أمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ، ثُمَّ دَعانِي إلى الغَداءِ. وذَلِكَ في رَمَضانَ، فَقُلْتُ: يا أبا بَصْرَةَ! واللَّهِ ما تَغَيَّبَتْ عَنّا مَنازِلُنا بَعْدُ؟! فَقالَ: أتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقُلْتُ: لا! قالَ: فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتّى بَلَغْنا ماحَوِزَنا، قِيلَ: أيْ: مَوْضِعُهُمُ الَّذِي أرادُوهُ».

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ في رَمَضانَ - وهو يُرِيدُ السَّفَرَ - وقَدْ رُحِلَتْ راحِلَتُهُ، وقَدْ لَبِسَ ثِيابَ السَّفَرِ، فَدَعا بِطَعامٍ فَأكَلَ. فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قالَ: سُنَّةٌ. ثُمَّ رَكِبَ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: فَأكَلَ وقَدْ تَقارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ..!. وهَذِهِ الآثارُ صَرِيحَةٌ أنَّ مَن أنْشَأ السَّفَرَ في أثْناءِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ فَلَهُ الفِطْرُ فِيهِ. قالَهُ في " زادِ المَعادِ ".

﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيِ: الصَّوْمَ، إنْ أفْطَرُوا: ﴿فِدْيَةٌ﴾ أيْ: إعْطاءُ فِدْيَةٍ وهِيَ: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ و" الفِدْيَةُ ": ما يَقِي الإنْسانُ بِهِ نَفْسَهُ مِن مالٍ يَبْذُلُهُ في عِبادَةٍ يُقَصِّرُ فِيها، و" الطَّعامُ ": ما يُؤْكَلُ وما بِهِ قِوامُ البَدَنِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بِأنْ أطْعَمَ أكْثَرَ (p-٤٢٣)مِن مِسْكِينٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ لِأنَّهُ فَعَلَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ حُبِّهِ لِرَبِّهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وإنْ زادَتْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فَضِيلَةَ الصَّوْمِ وفَوائِدَهُ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ.

وقَدْ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِما بَعْدَها. فَإنَّهُ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ولَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَرُخِّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، كَما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَن أرادَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَها فَنَسَخَتْها. وأسْنَدَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ أيْضًا قالَ: «كُنّا في رَمَضانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ فافْتَدى بِطَعامٍ مِسْكِينٍ، حَتّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]» . وفي البُخارِيِّ. قالَ ابْنُ عُمَرَ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: نَسَخَتْها: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآيَةَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى: «حَدَّثَنا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: نَزَلَ رَمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، ورُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، فَنُسِخَتْ وأُمِرُوا بِالصَّوْمِ». ثُمَّ أسْنَدَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ.

هَذا، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في " التَّفْسِيرِ ": عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ والمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعانِ أنْ يَصُوما، فَلْيُطْعِمانِ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.

(p-٤٢٤)هَذا، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ في " التَّفْسِيرِ ": أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ أطْعَمَ - بَعْدَ ما كَبُرَ - عامًا أوْ عامَيْنِ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا ولَحْمًا، وأفْطَرَ. رَواهُ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أبُو يَعْلى المُوصِلِيُّ في " مُسْنَدِهِ " ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في " مُسْنَدِهِ " مِن حَدِيثِ سِتَّةٍ مِن أصْحابِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ، بِمَعْناهُ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ هِشامٍ في فَوائِدِهِ عَنْ حُمَيْدٍ قالَ: ضَعُفَ أنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ عامَ تُوُفِّيَ، فَسَألْتُ ابْنَهُ عُمَرَ بْنَ أنَسٍ: أطاقَ الصَّوْمَ؟ قالَ: لا..! فَلَمّا عَرَفَ أنَّهُ لا يُطِيقُ القَضاءَ أمَرَ بِجِفانٍ مِن خُبْزٍ ولَحْمٍ فَأطْعَمَ العُدَّةَ أوْ أكْثَرَ...!.

ولَمّا أُبْهِمَ الأمْرُ في الأيّامِ عُيِّنَتْ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском