Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:188–194

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:188–194

2:188Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي تَعالى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالباطِلِ، فَجُعِلَ بِذَلِكَ آكِلُ مالِ أخِيهِ بِالباطِلِ (p-٤٦٦)كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِمَعْنى: لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعْلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً. وكَذَلِكَ تَفْعَلُ العَرَبُ. تُكَنِّي عَنْ أنْفُسِها بِأخَواتِها، وعَنْ أخَواتِها بِأنْفُسِها؛ لِأنَّ أخا الرَّجُلِ عِنْدَها كَنَفْسِهِ. فَتَأْوِيلُ الكَلامِ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ فِيما بَيْنَكم بِالباطِلِ. وأكْلُهُ بِالباطِلِ أكْلُهُ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ لِآكِلِيهِ.اهـ.

وبَيْنَكُمْ: إمّا ظَرْفٌ لِـ " تَأْكُلُوا " بِمَعْنى: لا تَتَناوَلُوها فِيما بَيْنَكم بِالأكْلِ، أوْ حالٌ مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها كائِنَةً بَيْنَكم ودائِرَةً بَيْنَكم. وبِالباطِلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " تَأْكُلُوا " أيْ: لا تَأْخُذُوها بِالسَّبَبِ الباطِلِ - أيِ: الوَجْهُ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها مُتَلَبِّسَةً بِالباطِلِ. أوْ مِنَ الفاعِلِ في تَأْكُلُوا أيْ: لا تَأْكُلُوها مُبْطِلِينَ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالباطِلِ: ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ أيْ: تُخاصِمُوا بِها - أيْ: بِأمْوالِهِمْ - إلى الحُكّامِ، مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى النَّهْيِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: {ولا وتُدْلُوا } بِإعادَةِ لا النّاهِيَةِ والإدْلاءُ: مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ، وهُوَ: إرْسالُها في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إلْقاءِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ تَوَصُّلًا إلى شَيْءٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلْمُحْتَجِّ: (p-٤٦٧)أدْلى بِحُجَّتِهِ. كَأنَّهُ يُرْسِلُها لِيَصِيرَ إلى مُرادِهِ. كَإدْلاءِ المُسْتَقِي لِلدَّلْوِ لِيَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الماءِ. وفُلانٌ يُدْلِي إلى المَيِّتِ بِقَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: إذا كانَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ، فَيَطْلُبُ المِيراثَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ. فالباءُ صِفَةُ الإدْلاءِ تَجُوُّزًا بِهِ عَنِ الإلْقاءِ كَما ذَكَرْنا. والمَعْنى: لا تُلْقُوا أمْرَها - والحُكُومَةُ فِيها - إلى الحُكّامِ. أوْ لا تُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُّوءِ عَلى وجْهِ الرِّشْوَةِ لِيُعِينُوكم عَلى اقْتِطاعِ أمْوالِ النّاسِ. وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرّائِشَ» - وهو الواسِطَةُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما - رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ. وذَلِكَ لِأنَّ ولِيِّ الأمْرِ إذا أكَلَ هَذا السُّحْتَ - أعْنِي الرِّشْوَةَ المُسَمّاةَ: بِالبِرْطِيلِ وتُسَمّى أحْيانًا: بِالهَدِيَّةِ وغَيْرِها - احْتاجَ أنْ يَسْمَعَ الكَذِبَ مِنَ الشَّهادَةِ الزُّورِ وغَيْرِها مِمّا فِيهِ إعانَةٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ. ووَلِيُّ الأمْرِ إنَّما نُصِّبَ لِيَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، هَذا مَقْصُودُ الوِلايَةِ. وإذا كانَ الوالِي يُمَكِّنُ مِنَ المُنْكَرِ بِمالٍ يَأْخُذُهُ كانَ قَدْ أتى بِضِدِّ المَقْصُودِ، مِثْلَ مَن نَصَّبْتَهُ لِيُعِينَكَ عَلى عَدُوِّكَ فَأعانَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ. وبِمَنزِلَةِ مِن أخَذَ مالًا لِيُجاهِدَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتَلَ المُسْلِمِينَ. والحُكّامُ: جَمْعُ حاكِمٍ، وهُوَ: مُنَفِّذُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ كالحَكَمِ، مُحَرَّكَةً ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ أيْ: بِواسِطَةِ حُكْمِهِمُ الفاسِدِ وبِالتَّحاكُمِ إلَيْهِمْ: ﴿فَرِيقًا﴾ - أيْ: طائِفَةً وقِطْعَةً -: ﴿مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ بِما يُوجِبُ إثْمًا - كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ، وحُكْمِهِمُ الفاسِدِ - فَإنَّهُ لا يُفِيدُ الحَلَّ والظُّلْمَ. فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. مُتَعَلِّقُها لِتَأْكُلُوا. وجُوِّزَ كَوْنُها لِلْمُصاحَبَةِ. فالمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ لِتَأْكُلُوا أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّكم عَلى الباطِلِ. وارْتِكابُ المَعْصِيَةِ - مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها - أقْبَحُ، وصاحِبُهُ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ، فالتَّقْيِيدُ لِكَمالِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ.

قالَ الرّاغِبُ: أيْ: إنْ خَفِيَ ظُلْمُكم عَلى النّاسِ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكُمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما عَلَيْهِ الأمْرُ في نَفْسِهِ، وما عَلِمْتُمْ مِنهُ لا بِما يَظْهَرُ.

(p-٤٦٨)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ ": قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مالٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ، فَيَجْحَدُ المالَ، ويُخاصِمُ إلى الحُكّامِ. وهو يَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ عَلَيْهِ. وهو يَعْلَمُ أنَّهُ آثِمٌ آكِلٌ الحَرامَ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهم قالُوا: لا تُخاصِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ ظالِمٌ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ألّا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ. فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِن نارٍ. فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها»» . فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وهَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُغَيِّرُ الشَّيْءَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَلا يَحِلُّ في نَفْسِ الأمْرِ حَرامًا هو حَلالٌ، ولا يُحَرِّمُ باطِلًا هو حَلالٌ. وإنَّما هو مُلْزَمٌ في الظّاهِرِ. فَإنَّ طابَقَ في نَفْسِ الأمْرِ فَذاكَ، وإلّا فَلِلْحاكِمِ أجْرُهُ، وعَلى المُحْتالِ وِزْرُهُ. ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ما تَدْعُونَهُ وتَرْجُونَهُ في كَلامِكم. قالَ قَتادَةُ: اعْلَمْ يا بُنَيَّ آدَمَ...! أنَّ قَضاءَ القاضِي لا يَحِلُّ حَرامًا، ولا يَحِقُّ لَكَ باطِلًا، وإنَّما يَقْضِي القاضِي بِنَحْوِ ما يَرى وتَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ، والقاضِي بَشَرٌ يُخْطِئُ ويُصِيبُ. واعْلَمُوا أنَّ مَن قُضِيَ لَهُ بِباطِلٍ أنَّ خُصُومَتَهُ لَمْ تَنْقَضِ حَتّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ. فَيَقْضِيَ عَلى المُبْطِلِ لِلْمُحِقِّ بِأجْوَدِ مِمّا قَضى بِهِ لِلْمُبْطِلِ عَلى المُحِقِّ في الدُّنْيا.

2:189Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

(p-٤٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: بَلَغَنا «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ خُلِقَتِ الأهِلَّةُ؟ فَنَزَلَتْ». ورَوى أبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ. قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو - أوْ يَطْلُعُ - دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدُقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ؟ فَنَزَلَتْ».

ومَعْنى كَوْنِها: ﴿مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ مَعالِمُ لَهم في حَلِّ دِينِهِمْ، ولِصَوْمِهِمْ، ولِفِطْرِهِمْ، وأوْقاتِ حَجِّهِمْ، وأجائِرِهِمْ، وأوْقاتِ الحَيْضِ، وعِدَدِ نِسائِهِمْ، والشُّرُوطِ الَّتِي إلى أجَلٍ، فَكُلُّ هَذا مِمّا لا يَسْهُلُ ضَبْطُ أوْقاتِها إلّا عِنْدَ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ في شَكْلِ القَمَرِ زِيادَةً ونَقْصًا. ولِهَذا خالَفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هي دائِمَةٌ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: أنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ - كالزَّكاةِ والعِدَدِ لِلنِّساءِ والحَمْلِ تَتَعَلَّقُ بِشُهُورِ الأهِلَّةِ لا بِشُهُورِ الفُرْسِ. أمّا ما تَعَلَّقَ بِالعُقُودِ والأفْعالِ المُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِ بَنِي آدَمَ فَيُتْبَعُ فِيهِ العُرْفُ مِن حِسابِهِمْ، بِالأهِلَّةِ أوْ بِشُهُورِ الفُرْسِ. فَهَذا حُكْمٌ، وذاكَ حُكْمٌ آخَرُ.

وقَدْ ذَكَرَ تَعالى هَذا المَعْنى في آياتٍ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] (p-٤٧٠)أيْ: مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى مُراجَعَةِ المُنَجِّمِ وحِسابِ الحاسِبِ؛ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى وفَضْلًا. وإفْرادُ الحَجِّ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ.

وقالَ القَفّالُ: نُكْتَةُ إفْرادِهِ: بَيانُ أنَّ الحَجَّ مَقْصُورٌ عَلى الأشْهُرِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِفَرْضِهِ. وأنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْلُ الحَجِّ مِن تِلْكَ الأشْهُرِ إلى أشْهُرٍ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في النَّسِيءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ حاءِ الحَجِّ والحَسَنُ عَلى كَسْرِها في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: هُما مَصْدَرانِ كالرَّدِّ والذِّكْرِ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ. والأهِلَّةُ: جَمْعُ هِلالٍ. وجَمْعُهُ بِاخْتِلافِ زَمانِهِ. وهُوَ: غِرَّةُ القَمَرِ إلى ثَلاثِ لَيالٍ أوْ سَبْعٍ، ثُمَّ يُسَمّى قَمَرًا، ولَيْلَةَ البَدْرِ لِأرْبَعَ عَشْرَةَ.

قالَ أبُو العَبّاسٍ: سُمِّيَ الهِلالُ هِلالًا: لِأنَّ النّاسَ يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالإخْبارِ عَنْهُ، وسُمِّي بَدْرًا: لِمُبادَرَتِهِ الشَّمْسَ بِالطُّلُوعِ كَأنَّهُ يَجْعَلُها المَغِيبَ. ويُقالُ: سُمِّيَ بَدْرًا: لِتَمامِهِ وامْتِلائِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ تَمَّ فَهو بَدْرٌ.

تَنْبِيهٌ:

الجَوابُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ - بِتَنْزِيلِ سُؤالِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ؛ تَنْبِيهًا لِلسّائِلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ هو الأوْلى بِحالِهِ أوِ المُهِمُّ لَهُ. فَلَمّا سَألُوا عَنِ السَّبَبِ الفاعِلِيِّ لِلتَّشَكُّلاتِ النُّورِيَّةِ في الهِلالِ، أُجِيبُوا بِما تَرى مِنَ السَّبَبِ الغائِيِّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنِ الغايَةِ والفائِدَةِ هو ألْيَقُ بِحالِهِمْ؛ لِأنَّ دَرْكَ الأسْبابِ الفاعِلِيَّةِ لِتِلْكَ التَّشَكُّلاتِ مَبْنِيٌّ عَلى أُمُورٍ مِن عِلْمِ الهَيْئَةِ لا عِنايَةَ لِلشَّرْعِ بِها. فَلَوْ (p-٤٧١)أُجِيبُوا: بِأنَّ اخْتِلافَ تَشَكُّلاتِ الهِلالِ، بِقَدْرِ مُحاذاتِهِ لِلشَّمْسِ، فَإذا حاذاها طَرَفٌ مِنهُ اسْتَنارَ ذَلِكَ الطَّرَفُ. ثُمَّ تَزْدادُ المُحاذاةُ والِاسْتِنارَةُ، حَتّى إذا تَمَّتْ بِالمُقابَلَةِ امْتَلَأ. ثُمَّ تَنْقُصُ المُحاذاةُ والِاسْتِنارَةُ حَتّى إذا حَصَلَ الِاجْتِماعُ أظْلَمَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لَكانَ هَذا الجَوابُ اشْتِغالًا بِعِلْمِ الهَيْئَةِ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ. والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما بُعِثَ لِبَيانِ ذَلِكَ وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ، زادَ ما زادَ»» . أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن طَلَبَ عِلْمَ النُّجُومِ تَكَهَّنَ. وهو مِنَ العِلْمِ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عِلْمٌ لا يَنْفَعُ، وجَهْلٌ لا يَضُرُّ»» . والمَقْصُودُ أنَّ الجَوابَ، عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ إشْعارًا بِأنَّ الأوْلى السُّؤالُ عَنِ الحِكْمَةِ فِيهِ.

قالَ السَّكّاكِيُّ في " المِفْتاحِ ": ولِهَذا النَّوْعِ - أعْنِي إخْراجَ الكَلامِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ - أسالِيبُ مُتَفَنِّنَةٌ، إذْ ما مِن مُقْتَضى كَلامٍ ظاهِرِيٍّ إلّا ولِهَذا النَّوْعِ مَدْخَلٌ فِيهِ بِجِهَةٍ مِن جِهاتِ البَلاغَةِ. تُرْشِدُ إلَيْهِ تارَةً بِالتَّصْرِيحِ، وتارَةً بِالفَحْوى. ولِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأسالِيبِ عِرْقٌ في البَلاغَةِ يَتَشَرَّبُ مِن أفانِينِ سِحْرِها، ولا كَأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فِيها، وهو تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ كَما قالَ:(p-٤٧٢)

؎أتَتْ تَشْتَكِي عِنْدِي مُزاوِلَةَ القُرى وقَدْ رَأتِ الضِّيفانَ يَنْحُونَ مَنزِلِي

؎فَقُلْتُ كَأنِّي ما سَمِعْتُ كَلامَها: ∗∗∗ هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي في قُراهم وعَجِّلِي

أوِ السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةَ، قالُوا في السُّؤالِ: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا...! إلخ؟ فَأُجِيبُوا بِما تَرى. وكَما قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] سَألُوا عَنْ بَيانِ ما يُنْفِقُونَ، فَأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ. يَنْزِلُ سُؤالُ السّائِلِ مَنزِلَةَ سُؤالٍ غَيْرِ سُؤالِهِ، لِتَوَخِّي التَّنْبِيهِ لَهُ بِألْطَفِ وجْهٍ عَلى تَعَدِّيهِ عَنْ مَوْضِعِ سُؤالٍ هو ألْيَقُ بِحالِهِ أنَّ يَسْألَ عَنْهُ، أوْ أهَمُّ لَهُ إذا تَأمَّلَ، وأنَّ هَذا الأُسْلُوبَ الحَكِيمَ لَرُبَّما صادَفَ المَقامَ فَحَرَّكَ مِن نَشاطِ السّامِعِ ما سَلَبَهُ حُكْمَ الوَقُورِ، وأبْرَزَهُ في مَعْرِضِ المَسْحُورِ؛ وهَلْ ألانَ شَكِيمَةَ الحَجّاجِ لِذَلِكَ الخارِجِيِّ، وسَلَّ سَخِيمَتَهُ، حَتّى آثَرَ أنْ يُحْسِنَ، عَلى أنْ يُسِيءَ؛ غَيْرَ أنْ سَحَرَهُ بِهَذا الأُسْلُوبِ؟ إذْ تَوَعَّدَهُ الحَجّاجُ بِالقَيْدِ في قَوْلِهِ: " لَأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ! " فَقالَ مُتَغابِيًا: مِثْلُ الأمِيرِ يُحْمَلُ عَلى الأدْهَمِ والأشْهَبِ! مُبْرِزًا وعِيدَهُ في مَعْرِضِ الوَعْدِ، مُتَوَصِّلًا أنْ يُرِيَهُ بِألْطَفِ وجْهٍ: أنَّ امْرَأً مِثْلَهُ - في مُسْنَدِ الإمْرَةِ المُطاعَةِ - خَلِيقٌ بِأنْ يُصْفِدَ لا أنْ يَصْفِدَ، وأنْ يَعِدَ لا أنْ يُوعِدَ.

﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

قالَ الرّاغِبُ في " تَفْسِيرِهِ ": البابُ مَعْرُوفٌ. وعَنْهُ اسْتُعِيرَ لِمَدْخَلِ الأُمُورِ المُتَوَصَّلِ بِهِ إلَيْها. وقِيلَ في العِلْمِ: بابُ كَذا. وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيادَةِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى أظْهَرِ فائِدَتِهِ لِلْحِسِّ، وأبْيَنِها لَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ (p-٤٧٣)أيْ: بِأنْ تَطْلُبُوا الأمْرَ مِن غَيْرِ وجْهِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: أتى فُلانٌ البَيْتَ مِن بابِهِ - إذا طَلَبَ الِشَيْءَ مِن وجْهِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎أتَيْتُ المُرُوءَةَ مِن بابِها

وأتى البَيْتَ مِن ظَهْرِهِ: إذا طَلَبَ الأمْرَ مِن غَيْرِ وجْهِهِ. وجُعِلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِسُؤالِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا هو لَيْسَ مِنَ العِلْمِ المُخْتَصِّ بِالنُّبُوَّةِ. وإنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ المَنهَجِ، وذَلِكَ أنَّ العُلُومَ ضَرْبانِ:

دُنْيَوِيٌّ: يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ المَعاشِ - كَمَعْرِفَةِ الصَّنائِعِ. ومَعْرِفَةِ حَرَكاتِ النُّجُومِ ومَعْرِفَةِ المَعادِنِ، والنَّباتِ، وطَبائِعِ الحَيَواناتِ، وقَدْ جُعِلَ لَنا سَبِيلًا إلى مَعْرِفَتِهِ عَلى غَيْرِ لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وشَرِيعَةٌ: وهو البِرُّ: ولا سَبِيلَ إلى أخْذِهِ إلّا مِن جِهَتِهِ وهو أحْكامُ التَّقْوى...

فَلَّما جاءُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَمّا أمْكَنَهم مَعْرِفَتَهُ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، أجابَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ البِرُّ تَرْكَ المَنهَجِ في السُّؤالِ مِنَ النَّبِيِّ ما لَيْسَ مُخْتَصًّا بِعِلْمِ نُبُوَّتِهِ. ولَكِنَّ البِرَّ هو مُجَرَّدُ التَّقْوى. وذَلِكَ يَكُونُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ المُخْتَصِّ بِالدِّينِ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ. فَإنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ الحَجَّ عَنْ وقْتِهِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ. فَيُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ. فَذِكْرُ إتْيانِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها مَثَلٌ لِمُخالَفَةِ الواجِبِ في الحَجِّ وشُهُورِهِ.

وأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا. كانَتِ الأنْصارُ إذا حَجُّوا فَجاؤُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِن قِبَلِ أبْوابِ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِن ظُهُورِها. فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَدَخَلَ مِن قِبَلِ بابِهِ، فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةَ، فالمُرادُ مِن نُزُولِها في ذَلِكَ، صِدْقُها عَلَيْهِ حَسْبَما رَآهُ لا أنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبَ نُزُولِها. كَما بَيَّنّا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا.

(p-٤٧٤)وقَدْ أشارَ لِهَذا الرّاغِبُ - بَعْدَ حِكايَتِهِ هَذِهِ الرِّوايَةَ، وما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ - بِقَوْلِهِ: وكُلُّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ أنْ تَتَناوَلَهُ الآيَةُ، لَكِنَّ الألْيَقَ أنْ تُؤَوَّلَ الآيَةُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ أيْ: تَحَرُّوا في كُلِّ عَمَلٍ إتْيانَ الشَّيْءِ مِن وجْهِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يُطْلُبُ مِن غَيْرِ وجْهِهِ صَعْبٌ تَناوُلُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ حَثًّا لَنا أنْ نَجْعَلَ تَقْوى اللَّهِ شِعارَنا في كُلِّ ما نَتَحَرّاهُ. وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلى تَحْصِيلِ الفَلاحِ.

2:190Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٠] ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ المُقاتَلَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ الدِّينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ تَهْيِيجٌ وإغْراءٌ بِالأعْداءِ الَّذِينَ هِمَّتُهم قِتالُ الإسْلامِ وأهْلِهِ. أيْ: كَما يُقاتِلُونَكم فاقْتُلُوهم أنْتُمْ. كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: بِابْتِداءِ القِتالِ. أوْ بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ، مِنَ النِّساءِ، والشُّيُوخِ، والصِّبْيانِ، وأصْحابِ الصَّوامِعِ، والَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ. أوْ بِالمُثْلَةِ، أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ حُكْمَهُ في هَذا وغَيْرِهِ.

2:191Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

(p-٤٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩١] ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ .

﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهُمْ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ. فَإنَّ قُرَيْشًا أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ مِنها. والمُسْلِمُونَ أخْرَجُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ: المِحْنَةُ والبَلاءُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالإنْسانِ يَتَعَذَّبُ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. أيْ: إنَّ فِتْنَتَهم إيّاكم في الحَرَمِ عَنْ دِينِكم - بِالتَّعْذِيبِ، والإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ، والمُصادَرَةِ في المالِ - أشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِيهِ. إذْ لا بَلاءَ عَلى الإنْسانِ أشَدُّ مِن إيذائِهِ عَلى اعْتِقادِهِ الَّذِي تَمَكَّنَ مِن عَقْلِهِ ونَفْسِهِ. ورَآهُ سَعادَةً لَهُ في عاقِبَةِ أمْرِهِ. فالجُمْلَةُ دَفْعٌ لِما قَدْ يَقَعُ مِنِ اسْتِعْظامِ قَتْلِهِمْ في مِثْلِ الحَرَمِ، وإعْلامٌ بِأنَّ القِصاصَ مِنهم بِالقَتْلِ دُونَ جُرْمِهِمْ بِفِتْنَةِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الفِتْنَةَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ لِأنَّ حُرْمَتَهُ لِذاتِهِ. وحُرْمَةَ سائِرِ الحَرَمِ مِن أجْلِهِ. وهَذا بِمَثابَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾ أيْ: فِيهِ فَلا تَفْتَقِرُونَ إلى الفِرارِ عَنِ الحَرَمِ: ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ، إذْ لا حُرْمَةَ لَهم لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ: ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لا يَتْرُكُ لَهم حُرْمَةً كَما لَمْ يَتْرُكُوا حُرْمَةَ اللَّهِ في آياتِهِ.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ في الحَرَمِ، إذا بَدَأُوا بِالقِتالِ فِيهِ، دَفْعًا لِصَوْتِهِمْ، (p-٤٧٦)كَما بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى القِتالِ، لَمّا تَألَّبَ عَلَيْهِ بُطُونُ قُرَيْشٍ ومَن والاهم مِن أحْياءِ ثَقِيفٍ والأحابِيشِ عامَئِذٍ. ثُمَّ كَفَّ اللَّهُ القِتالَ بَيْنَهم فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وقالَ ﷺ لِخالِدٍ ومَن مَعَهُ يَوْمَ الفَتْحِ: ««إنْ عَرَضَ لَكم أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ فاحْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا»» ... فَما عَرَضَ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ، وأُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْوُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. كَما في السِّيرَةِ.

2:192Page 30

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٢] ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَكُفُّوا عَنْهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم تَخَلُّقًا بِصِفَتَيِ الحَقِّ تَعالى المَذْكُورَتَيْنِ وهُما: المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، هَذا ظاهِرُ المَساقِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الشِّرْكِ والقِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما سَلَفَ مِن طُغْيانِهِمْ: ﴿رَحِيمٌ﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.

2:193Page 30

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

(p-٤٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٣] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾

﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبْناهم إلى قِتالِكم وإخْراجِكم وفَتْنِكُمْ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ﴾ - أيْ: لا تُوجَدَ في الحَرَمِ -: ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: تَقَوٍّ بِسَبَبِهِ يَفْتِنُونَ النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَمْنَعُونَهم مِن إظْهارِهِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا أيْ: لا يُعْبَدُ دُونَهُ شَيْءٌ في الحَرَمِ، ولا يُخْشى فِيهِ غَيْرُهُ، فَلا يُفْتَنُ أحَدٌ في دِينِهِ، ولا يُؤْذى لِأجْلِهِ.

وفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهم عَلى اللَّهِ»» .

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنْ قِتالِكم في الحَرَمِ: ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ فَلا سَبِيلَ لَكم بِالقَتْلِ: ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ المُبْتَدِئِينَ بِالقَتْلِ.

ورَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أتاهُ رَجُلانِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقالا: إنَّ النّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وأنْتَ ابْنُ عُمَرَ وصاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ، فَما يَمْنَعُكَ أنْ تَخْرُجَ؟ فَقالَ: يَمْنَعُنِي أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أخِي..! قالا: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (p-٤٧٨)﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؟ فَقالَ: قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وكانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تُقاتِلُوا حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونُ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ.

ثُمَّ ساقَ البُخارِيُّ رِوايَةً أُخْرى وفِيها: قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَعَلْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ في دِينِهِ، إمّا قَتَلُوهُ وإمّا يُعَذِّبُوهُ حَتّى كَثُرَ الإسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ.

2:194Page 30

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٤] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مُراعاةَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ واجِبَةٌ لِمَن راعى حُرْمَتَهُ، وإنَّ مَن هَتَكَها اقْتَصَّ مِنهُ، فَهَتْكُ حُرْمَتِهِ بِهَتْكِهِمْ حُرْمَتَهُ. فَكَما يُقاتِلُونَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ - إذا قاتَلُوا فِيهِ - يُقاتِلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ إذا قاتَلُوا فِيهِ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى - أوْ يُغْزَوْا - فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ أقامَ حَتّى يَنْسَلِخَ». ولِهَذا لَمّا سارَ ﷺ في ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ سِتٍّ مُعْتَمِرًا، وخَيَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وبَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ قُتِلَ - وكانَ بَعَثَهُ في رِسالَةٍ إلى المُشْرِكِينَ بايَعَ أصْحابَهُ وكانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ. فَلَمّا بَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ لَمْ يُقْتَلْ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وجَنَحَ إلى المُسالَمَةِ والمُصالَحَةِ، فَكانَ ما كانَ. وكَذَلِكَ لَمّا فَرَغَ مِن قِتالِ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وتَحَصَّنَ فَلَّهم بِالطّائِفِ عَدَلَ إلَيْها فَحاصَرَها، ودَخَلَ ذُو القِعْدَةِ وهو مُحاصِرٌ لَها بِالمَنجَنِيقِ. واسْتَمَرَّ عَلَيْها إلى كَمالِ أرْبَعِينَ يَوْمًا. كَما ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنَسٍ. فَلَمّا كَثُرَ القَتْلُ في أصْحابِهِ انْصَرَفَ عَنْها، (p-٤٧٩)ولَمْ تُفْتَحْ. ثُمَّ كَرَّ راجِعًا إلى مَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِنَ الجُعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ، وكانَتْ عُمْرَتُهُ هَذِهِ في ذِي القِعْدَةِ أيْضًا عامَ ثَمانٍ.

﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيْ: مُتَساوِيَةٌ، فَلا يُفَضَّلُ شَهْرٌ حَرامٌ عَلى آخَرَ، بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ هَتْكُ حُرْمَتِهِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ ما دُونَهُ، عَلى أنّا لا نَهْتِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ الحَرامِ والحَرَمِ، بَلْ نَهْتِكُ حُرْمَةَ مَن هَتَكَ حُرْمَةَ أحَدِها - قالَهُ المَهايِمِيُّ.

والحُرُماتُ: جَمْعُ حُرْمَةٍ، وهي ما يُحْفَظُ ويُرْعى ولا يُنْتَهَكُ. والقِصاصُ: المُساواةُ. والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذَواتُ قِصاصٍ، أوِ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مُقاصَّةٌ، أوِ الحَمْلُ بِطَرِيقِ المُبالِغَةِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أمْرٌ بِالعَدْلِ حَتّى في المُشْرِكِينَ، كَما قالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ والحَرَمِ بِدُونِ هَتْكِهِمْ، وفي زِيادَةِ الِاعْتِداءِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والحِفْظِ والتَّأْيِيدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском