Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:210–213
2:210Page 32
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٠] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، فِـ " نَظَرَ " كَ " انْتَظَرَ "، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ إذا ارْتَقَبَتْ حُضُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ والمُخالَفَةِ - في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ - بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ عَنْهُمْ: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ - كَقُلَلٍ في جَمْعِ قُلَّةٍ - أيْ: في ظُلَّةٍ داخِلَ ظُلَّةٍ - وهي ما يَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي في غايَةِ الإظْلامِ والهَوْلِ والمَهابَةِ لِما لَها مِنَ الكَثافَةِ الَّتِي تَغُمُّ عَلى الرّائِي ما فِيها: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: ويَأْتِي جُنْدُهُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ كَثْرَتَهم إلّا هو. هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ. وعَلى قِراءَةِأبِي جَعْفَرٍ (p-٥١٦)بِالخَفْضِ. فَهو عَطْفٌ عَلى ظُلَلٍ أوِ الغَمامِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أتَمَّ أمْرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَلافِي الفارِطِ... وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ. وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: فَمَن كانُوا نافِذِي المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مُلْكَهم وتَصَرُّفَهم مُسْتَرَدٌّ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ وراجِعٌ إلَيْهِ تَعالى. يُقالُ: رَجَعَ الأمْرُ إلى الأمِيرِ، أيِ: اسْتَرَدَّ ما كانَ فَوَّضَهُ إلَيْهِمْ. أوْ عَنى بِـ: ﴿الأُمُورُ﴾ الأرْواحَ والأنْفُسَ دُونَ الأجْسامِ، وسَمّاها أُمُورًا مِن حَيْثُ إنَّها إبْداعاتٌ مُشارٌ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَهي مِنَ الإبْداعِ الَّذِي لا يُمْكِنُ مِنَ البَشَرِ تَصَوُّرُهُ؛ فَنَبَّهَ أنَّ الأرْواحَ كُلَّها مَرْجُوعَةٌ إلَيْهِ وراجِعَةٌ. وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ويَكُونُ رُجُوعُها إمّا بِرِبْحٍ وغِبْطَةٍ، وإمّا بِنَدامَةٍ وحَسْرَةٍ. قالَهُ الإمامُ الرّاغِبُ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قَدْ مَلَّكَ كُلَّ أحَدٍ في دارِ الِاخْتِبارِ والبَلْوى أُمُورًًا، امْتِحانًا، فَإذا انْقَضى أمْرُ هَذِهِ الدّارِ ووَصَلْنا إلى دارِ الثَّوابِ والعِقابِ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُطاعَ ويُدْخَلَ في السِّلْمِ - كَما أمَرَ - ويَحْتَرِزَ عَنْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ كَما نَهى.
وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ تُرْجَعُ بِضَمِّ التّاءِ بِمَعْنى تُرَدُّ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى تَصِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٧)﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]
قالَ القَفّالُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ يُرْجِعُها إلى نَفْسِهِ بِإفْناءِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: لِهَذِهِ الآيَةِ أشْباهٌ ونَظائِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ أُخْرَوِيٌّ.
ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في مَعْنى الآيَةِ: يَقُولُ تَعالى مُهَدِّدًا لِلْكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، فَيُجْزى كُلُّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ...! ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]
وقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآيَةَ.
(p-٥١٨)الثّانِي: وصْفُهُ تَعالى نَفْسَهُ بِالإتْيانِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ كَوَصْفِهِ بِالمَجِيءِ في آياتٍ آخُرَ ونَحْوِهِما مِمّا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ، أوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والقَوْلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها: إنَّهم يَصِفُونَهُ سُبْحانَهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ. والقَوْلُ في صِفاتِهِ كالقَوْلِ في ذاتِهِ. واللَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ. فَلَوْ سَألَ سائِلٌ: كَيْفَ يَجِيءُ سُبْحانَهُ أوْ كَيْفَ يَأْتِي..؟ فَلْيَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هو في نَفْسِهِ؟ فَإذا قالَ: لا أعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذاتِهِ! فَلْيَقُلْ لَهُ: وكَذَلِكَ لا تَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ صِفاتِهِ..! فَإنَّ العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يَتْبَعُ العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ المَوْصُوفِ. وقَدْ أطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ، مِمَّنْ حَكى إجْماعَ السَّلَفِ، مِنهُمُ الخَطّابِيُّ: مَذْهَبُ السَّلَفِ أنَّ صِفاتِهِ تَعالى تَجْرِي عَلى ظاهِرِها مَعَ نَفْيِ الكَيْفِيَّةِ والتَّشْبِيهِ عَنْها. وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. ويَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ. وهَذِهِ العِبارَةُ خَطَأٌ إمّا لَفْظًا ومَعْنًى، أوْ لَفْظًا لا مَعْنى؛ لِأنَّ لَفْظَ الظّاهِرِ فِيهِ إجْمالٌ واشْتِراكٌ. فَإنْ كانَ القائِلُ يَعْتَقِدُ أنَّ ظاهِرَها التَّمْثِيلُ بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ أوْ ما هو مِن خَصائِصِهِمْ، فَلا رَيْبَ أنَّ هَذا غَيْرُ مُرادٍ؛ ولَكِنَّ السَّلَفَ والأئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ هَذا ظاهَرَها؛ فَهَذا القائِلُ أخْطَأ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ هَذا المَعْنى الفاسِدَ ظاهِرُ اللَّفْظِ، حَتّى جَعَلَهُ مُحْتاجًا إلى تَأْوِيلٍ، وحَيْثُ حَكى عَنِ السَّلَفِ ما لَمْ يُرِيدُوهُ. وإنْ كانَ القائِلُ يَعْتَقِدُ أنَّ ظاهِرَ النُّصُوصِ المُتَنازَعِ في مَعْناها مِن جِنْسِ ظاهِرِ النُّصُوصِ المُتَّفَقِ عَلى مَعْناها. والظّاهِرُ هو المُرادُ في الجَمِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، واتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ وأئِمَّةُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ هَذا عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ مُرادٌ - كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ كَعِلْمِنا وقُدْرَتُهُ كَقُدْرَتِنا.
وكَذَلِكَ لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ حَيٌّ عالِمٌ حَقِيقَةً، قادِرٌ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُرادُهم أنَّهُ مِثْلُ المَخْلُوقِ الَّذِي هو حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ. فَإنْ كانَ المُسْتَمِعُ يَظُنُّ أنَّ ظاهِرَ الصِّفاتِ تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لَزِمَهُ أنْ لا يَكُونَ (p-٥١٩)شَيْءٌ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ مُرادًا، وإنْ كانَ يُعْتَقَدُ أنَّ ظاهِرَها ما يَلِيقُ بِالخالِقِ ويَخْتَصُّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُ هَذا الظّاهِرِ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ مُرادًا إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ. ولَيْسَ في العَقْلِ ولا السَّمْعِ ما يَنْفِي هَذا إلّا مِن جِنْسِ ما يَنْفِي بِهِ سائِرَ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في الجَمِيعِ واحِدًا.
وحِينَئِذٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ. وبِالجُمْلَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ - بِمَعْنى أنَّ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرادَةٍ - قُلْنا لَهُ: أصَبْتَ في المَعْنى ولَكِنْ أخْطَأْتَ في اللَّفْظِ، وأوْهَمْتَ البِدْعَةَ، وجَعَلْتَ لِلْجَهْمِيَّةِ طَرِيقًا إلى غَرَضِهِمْ، وكانَ يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ: تَمُرُّ كَما جاءَتْ عَلى ظاهِرِها مَعَ العِلْمِ بِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ لَيْسَتْ كَصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ ما يَلْزَمُ مِنهُ حُدُوثُهُ أوْ نَقْصُهُ. ومَن قالَ: الظّاهِرُ غَيْرُ مُرادٍ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي: وهو مُرادُ الجَهْمِيَّةِ ومَن تَبِعَهم؛ فَقَدْ أخْطَأ. وإنَّما أُتِيَ مَن أخْطَأ مِن قَبْلِ أنَّهُ يَتَوَهَّمُ - في بَعْضِ الصِّفاتِ أوْ في كَثِيرٍ مِنها أوْ أكْثَرِها أوْ كُلِّها - أنَّها تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ يُرِيدُ أنْ يَنْفِيَ ذَلِكَ الَّذِي فَهِمَهُ، فَيَقَعُ في أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ المَحاذِيرِ:
أحَدُها: كَوْنُهُ مِثْلَ ما فَهِمَهُ مِنَ النُّصُوصِ بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، وظَنَّ أنَّ مَدْلُولَ النُّصُوصِ هو التَّمْثِيلُ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا جَعَلَ ذَلِكَ هو مَفْهُومُها وعَطَّلَهُ، بَقِيَتِ النُّصُوصُ مُعَطَّلَةً عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِاللَّهِ. فَيَبْقى مَعَ جِنايَتِهِ عَلى النُّصُوصِ وظَنِّهِ السَّيِّئِ الَّذِي ظَنَّهُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ - حَيْثُ ظَنَّ أنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِما هو التَّمْثِيلُ الباطِلُ - قَدْ عَطَّلَ ما أوْدَعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ في كَلامِهِما مِن إثْباتِ الصِّفاتِ لِلَّهِ والمَعانِي الإلَهِيَّةِ اللّائِقَةِ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْفِي تِلْكَ الصِّفاتِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ مُعَطِّلًا لِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ يَصِفُ الرَّبَّ بِنَقِيضِ تِلْكَ الصِّفاتِ - مِن صِفاتِ الأمْواتِ والجَماداتِ أوْ صِفاتِ المَعْدُوماتِ - فَيَكُونُ قَدْ عَطَّلَ بِهِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها الرَّبُّ، ومَثَّلَهُ (p-٥٢٠)بِالمَنقُوصاتِ والمَعْدُوماتِ، وعَطَّلَ النُّصُوصَ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وجَعَلَ مَدْلُولَها هو التَّمْثِيلُ بِالمَخْلُوقاتِ، فَيَجْمَعُ في كَلامِ اللَّهِ وفي اللَّهِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَيَكُونُ مُلْحِدًا في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ.
وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إنَّما هي صِفاتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ نِسْبَتُها إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلى ذاتِهِ.
هَذا مُلَخَّصُ ما قَرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رِسالَتَيْهِ " التَّدْمِرِيَّةِ " و" المَدَنِيَّةِ ".
قالَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ كُلِّها في القُرْآنِ والسُّنَّةِ والإيمانِ بِها، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ؛ إلّا أنَّهم لا يُكَيِّفُونَ شَيْئًًا مِن ذَلِكَ، ولا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً. وأمّا أهْلُ البِدَعِ الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ فَكُلُّهم يُنْكِرُها ولا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنها عَلى الحَقِيقَةِ، ويَزْعُمُ أنَّ مَن أقَرَّ بِها شَبَّهَ. وهُمْ، عِنْدَ مَن أقَرَّ بِها، نافُونَ لِلْمَعْبُودِ. والحَقُّ فِيما قالَهُ القائِلُونَ بِما نَطَقَ بِهِ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ، وهم أئِمَّةُ الجَماعَةِ.
وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى في كِتابِ " إبْطالِ التَّأْوِيلِ ": لا يَجُوزُ رَدُّ هَذِهِ الأخْبارِ، ولا التَّشاغُلُ بِتَأْوِيلِها؛ والواجِبُ حَمْلُها عَلى ظاهِرِها، وأنَّها صِفاتُ اللَّهِ لا تُشَبَّهُ بِسائِرِ المَوْصُوفِينَ بِها مِنَ الخَلْقِ، ولا يُعْتَقَدُ التَّشْبِيهُ فِيها.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: إذا نَطَقَ الكِتابُ بِشَيْءٍ قُلْنا بِهِ، وإذا جاءَتِ الآثارُ بِشَيْءٍ جَسَرْنا عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ الصَّحِيحِ ولا في النَّقْلِ الصَّرِيحِ ما يُوجِبُ مُخالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ. والمُخالِفُونَ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ وسَلَفِ الأُمَّةِ، مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِهَذا البابِ، في أمْرٍ مَرِيجٍ، وسُبْحانَ اللَّهِ! بِأيِّ عَقْلٍ يُوزَنُ الكِتابُ والسُّنَّةُ.
ورَضِيَ اللَّهُ عَنِ الإمامِ مالِكٍ حَيْثُ قالَ: أوَكُلَّما جاءَنا رَجُلٌ أجْدَلُ مِن رَجُلٍ تَرَكْنا ما جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، لِجَدَلٍ هَذا؟ وكُلٌّ مِن هَؤُلاءِ مَخْصُومٌ بِمِثْلِ ما خُصِمَ بِهِ الآخَرُ. وهو مِن وُجُوهٍ:
(p-٥٢١)أحَدُها: بَيانٌ أنَّ العَقْلَ لا يُحِيلُ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ النُّصُوصَ الوارِدَةَ لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
الثّالِثُ: أنَّ عامَّةَ هَذِهِ الأُمُورِ قَدْ عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ بِها بِالِاضْطِرارِ، كَما أنَّهُ جاءَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ وصَوْمِ شَهْرِ رَمَضانَ. فالتَّأْوِيلُ الَّذِي يُحِيلُها عَنْ هَذا بِمَنزِلَةِ تَأْوِيلاتِ القَرامِطَةِ والباطِنِيَّةِ في الحَجِّ والصَّوْمِ والصَّلاةِ وسائِرِ ما جاءَتْ بِهِ النُّبُوّاتُ، عَلى أنَّ الأساطِينَ مِن هَؤُلاءِ الفُحُولِ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ العَقْلَ لا سَبِيلَ لَهُ إلى اليَقِينِ في عامَّةِ المَطالِبِ الإلَهِيَّةِ. فَإذا كانَ هَكَذا، فالواجِبُ تَلَقِّي عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوّاتِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
قالَ البِقاعِيُّ: وتَجَلِّي المَلائِكَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ أمْرٌ مَأْلُوفٌ. مِنهُ ما في الصَّحِيحِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ»» !.
«وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قالَ: بَيْنَما هو يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتِ الفَرَسُ. فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ. فَقَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ. فانْصَرَفَ. وكانَ ابْنُهُ يَحْيى قَرِيبًا مِنها، فَأشْفَقَ أنْ تُصِيبَهُ. فَلَمّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ حَتّى ما يَراها. فَلَمّا أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ. فَقالَ: «اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ» . قالَ: فَأشْفَقْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ تَطَأ يَحْيى وكانَ مِنها قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فانْصَرَفْتُ إلَيْهِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ فَإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ فَخَرَجْتُ حَتّى لا أراها. (p-٥٢٢)قالَ: «وتَدْرِي ما ذاكَ؟» قالَ: لا. قالَ: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ يَنْظُرُ النّاسُ إلَيْها. لا تَتَوارى مِنهُمْ»» .
وقالَ البِقاعِيُّ أيْضًا: لَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أعْلَمَ النّاسِ بِظُهُورِ مَجْدِ اللَّهِ في الغَمامِ لِما رَأى أسْلافُهم مِنهُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ وفي جَبَلِ الطُّورِ وقُبَّةِ الزَّمانِ وما في ذَلِكَ - عَلى ما نُقِلْ إلَيْهِمْ - مِن وُفُورِ الهَيْئَةِ وتَعاظُمِ الجَلالِ، قالَ تَعالى جَوابًا لِمَن كانَ قالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا؟
2:211Page 33
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١١] ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ المُرادُ بِهَذا السُّؤالِ: تَقْرِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخُهم عَلى طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، لا أنْ يُجِيبُوا فَيُعْلَمُ مِن جَوابِهِمْ أمْرٌ. كَما إذا أرادَ واحِدٌ مِنّا تَوْبِيخَ أحَدٍ، يَقُولُ لِمَن حَضَرَهُ: سَلْهُ كَمْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ؟ أيْ: كَمْ شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمُ، القاطِعَةَ بِصِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما جاءُوهم بِهِ: كَعَصا مُوسى، وفِلْقِهِ البَحْرَ، وضَرْبِهِ الحَجَرَ، وما كانَ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ عَلَيْهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ، ومِن إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وصِدْقِ مَن جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ هَذِهِ الخَوارِقُ. ومَعَ هَذا أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْها، وبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِها كُفْرًا كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فالمُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ: آياتُهُ، فَهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ، لِتَعْظِيمِ الآياتِ؛ ولا يَخْفى أنَّها مِن أجْلِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَّجاةِ مِنَ الضَّلالَةِ. وتَبْدِيلُهم إيّاها: اسْتِبْدالُهم (p-٥٢٣)بِالإيمانِ بِها، الكُفْرَ بِها والإعْراضَ عَنْها. كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ: وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها أوْ عَرَفَها، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ - مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ - لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَ ما وقَفُوا عَلى تَفاصِيلِها، وفِيهِ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ بِهِمْ، ونَعْيٌ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ حَيْثُ بَدَّلُوا، بَعْدَ المَعْرِفَةِ..!.
2:212Page 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٢] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَتّى بَدَّلُوا النِّعْمَةَ: ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ لِحُضُورِها، فَألْهَتْهم عَنْ غائِبِ الآخِرَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِحْسانَ بَهْجَةِ الدُّنْيا كُفْرٌ ما، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العَقْلِ والإيمانِ يُبَصِّرُ طَيَّتَها، ويَشْهَدُ جِيفَتَها، فَلا يَغْتَرُّ بِزِينَتِها، وهي آفَةُ الخَلْقِ في انْقِطاعِهِمْ عَنِ الحَقِّ؛ فَأبْهَمَ تَعالى المُزَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَشْمَلَ أدْنى التَّزْيِينِ الواقِعِ عَلى لِسانِ الشَّيْطانِ، وأخْفى التَّزْيِينَ الَّذِي يَكُونُ مِنِ اسْتِدْراجِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
(p-٥٢٤)وفِي كَلامِهِ إشْعارٌ بِما يُجابُ عَنْ وُرُودِ التَّزْيِينِ، مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى تارَةً وإلى غَيْرِهِ أُخْرى، في عِدَّةِ آياتٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ.
ولِلرّاغِبِ كَلامٌ بَدِيعٌ يَنْحَلُّ بِهِ مِثْلُ هَذا الإشْكالِ وهو قَوْلُهُ:
إنَّ الفِعْلَ كَما يُنْسَبُ إلى المُباشِرِ لَهُ، يُنْسَبُ إلى ما هو سَبَبُهُ ومُسَهِّلُهُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ فِعْلٌ واحِدٌ تارَةً إلى اللَّهِ تَعالى وتارَةً إلى غَيْرِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] فَأسْنَدَ الفِعْلَ في الأوَّلِ إلى المُباشِرِ لَهُ، وفي الثّانِي إلى الآمِرِ بِهِ؛ وهَكَذا، يُتَصَوَّرُ ما ذُكِرَ، تَزُولُ الشُّبْهَةُ فِيما يُرى مِنَ الأفْعالِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى، مَنفِيًّا عَنِ اللَّهِ تَعالى، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]
﴿ويَسْخَرُونَ﴾ - أيْ: يَهْزَأُونَ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا كَما قالَ تَعالى: (p-٥٢٥)﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] الآياتِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِحَضِّهِمْ عَلَيْها، وإيذانًا بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلَيْها: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥]
ولِذا قالَ الرّاغِبُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ أعْلى مِن حالِ الكُفّارِ في الدُّنْيا.
والثّانِي أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ هم في الغُرُفاتِ، والكُفّارَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. انْتَهى.
لَطائِفُ:
قالَ السَّيْلَكُوتِيُّ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ جُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما سَبَقَ مِن أحْوالِ الكُفّارِ مِنَ المُنافِقِينَ وأهْلِ الكِتابِ؛ يَعْنِي أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لِأجْلِ تَهالُكِهِمْ في مَحَبَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا وإعْراضِهِمْ عَنْ غَيْرِها؛ وأوْرَدَ التَّزْيِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِكَوْنِهِ مَفْرُوغًا مِنهُ، مَرْكُوزًا في طَبِيعَتِهِمْ. وعُطِفَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ - أعْنِي: {يَسْخَرُونَ } - لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ، وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يَعْنِي: ما يُعْطِي اللَّهُ هَؤُلاءِ (p-٥٢٦)المُتَّقِينَ مِنَ الثَّوابِ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: رِزْقًا واسِعًا رَغَدًا لا فَناءَ لَهُ ولا انْقِطاعَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] فَإنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ والحَصْرِ والتَّقْدِيرِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا يَكُونُ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وقَدِ اسْتَقْصى الرّاغِبُ: ما تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ مِن وُجُوهِها - وتِلْكَ سِعَةٌ - وعِبارَتُهُ: أعْطاهُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إذا أعْطاهُ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّ، أوْ أقَلَّ مِمّا يَسْتَحِقُّ؛ والأوَّلُ هو المَقْصُودُ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالإحْسانِ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ لِإجْمالِ اللَّفْظِ وإبْهامِهِ.
الأوَّلُ: يُعْطِيهِ عَطاءً لا يَحْوِيهِ حَصْرُ العِبادِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَطاياهُ يُحْصى قَبْلَ إحْصائِها القَطْرُ
الثّانِي: يُعْطِيهِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ.
الثّالِثُ: يُعْطِيهِ ولا مِنَّةَ.
الرّابِعُ: يُعْطِيهِ بِلا مُضايَقَةٍ. مِن قَوْلِهِمْ: حاسَبَهُ.
الخامِسُ: يُعْطِيهِ أكْثَرَ مِمّا يَحْسَبُهُ أنَّ يَكْفِيَهُ - وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ.
السّادِسُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَوْسِيعِهِ عَلى الكُفّارِ والفُسّاقِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] وتَنْبِيهًا أنْ لا فَضِيلَةَ في المالِ لِمَن يُوَسَّعُ عَلَيْهِ، (p-٥٢٧)ما لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ في الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٥] الآيَةَ.
السّابِعُ: يُعْطِي أوْلِياءَهُ بِلا تَبِعَةٍ ولا حِسابٍ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَأْخُذُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا إلّا ما يَجِبُ مِن حَيْثُ يَجِبُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ، ولا يُنْفِقُهُ إلّا عَلى ذَلِكَ، فَهو يُحاسِبُ فَلا يُحاسَبُ، ولِهَذا رُوِيَ: مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا أمِنَ الحِسابَ في الآخِرَةِ. وعَلى هَذا قالَ تَعالى لِسُلَيْمانَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩]
الثّامِنُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعامِلُ في القِيامَةِ المُؤْمِنِينَ لا بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ بَلْ بِأكْثَرَ مِنهُ، كَما قالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآيَةَ.
التّاسِعُ: وهو يُقارِبُ ذَلِكَ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا حَظَرَ عَلَيْهِمْ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: {يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ } الآيَةَ.
وأمّا تَعَلُّقُهُ بِما تَقَدَّمَ، فَعَلى بَعْضِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ، يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، وعَلى بَعْضِهِ يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ آمَنُوا.
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
(p-٥٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١٣] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: وُجِدُوا أُمَّةً واحِدَةً تَتَّحِدُ مَقاصِدُها ومَطالِبُها ووُجْهَتُها لِتُصْلِحَ ولا تُفْسِدَ. وتُحْسِنَ ولا تُسِيءَ، وتَعْدِلَ ولا تَظْلِمَ، أيْ: ما وُجِدُوا إلّا لِيَكُونُوا كَذَلِكَ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] أيِ: انْحَرَفُوا عَنِ الِاتِّحادِ والِاتِّفاقِ، الَّذِي يُثْمِرُ كُلَّ خَيْرٍ لَهم وسَعادَةً، إلى الِاخْتِلافِ والشِّقاقِ المُسْتَتْبِعِ الفَسادَ وهَلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ، ولَمّا كانُوا لَمْ يُخْلَقُوا سُدًى مِنَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما يُبَصِّرُهم سَبِيلَ الرَّشادِ في الِاتِّحادِ عَلى الحَقِّ مِن بَعْثَةِ الأنْبِياءِ وما نَزَلَ مَعَهم مِنَ الكِتابِ الفَصْلِ، كَما أشارَتْ تَتِمَّةُ الآيَةِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ رَفَعَهم عَلى بَقِيَّةِ خَلْقِهِ فَأنْبَأهم بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ، وأرْسَلَهم إلى خَلْقِهِ: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن آمَنَ وأطاعَ: ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن كَفَرَ وعَصى: ﴿وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: كَلامَهُ الجامِعَ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في بابِ الدِّينِ عَلى الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ التّامَّةِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا: ﴿بِالحَقِّ﴾ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً، فَسَلَكُوا بِهِمْ، بَعْدَ جُهْدٍ، السَّبِيلَ الأقْوَمَ، ثُمَّ ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ بَعْدَ مَوْتِ الرُّسُلِ، فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ لِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيِ: الكِتابَ الهادِيَ الَّذِي (p-٥٢٩)لا لَبْسَ فِيهِ، المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ: ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ: عَلِمُوهُ فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِأنْ أوْقَعُوا الخِلافَ فِيما أُنْزِلَ لِرَفْعِ الخِلافِ. ولَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم لِالتِباسٍ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ بَلْ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ الواضِحَةُ -: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا وقَعَ بَيْنَهُمْ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالكِتابِ: ﴿لِما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أهْلُ الضَّلالَةِ: ﴿فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. وفي إبْهامِهِ أوَّلًا، وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا، ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ. وفي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ! فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ! عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ! أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ...!»» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences