Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:225–229

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:225–229

2:225Page 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1

(p-٥٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٥] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: لا يُعاقِبُكم ولا يُلْزِمُكم بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الأيْمانِ اللّاغِيَةِ - إذا لَمْ تَقْصِدُوا هَتْكَ حُرْمَتِهِ - وهي الَّتِي لا يَقْصِدُها الحالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلى لِسانِهِ عادَةً مِن غَيْرِ تَعْقِيدٍ ولا قَصْدٍ إلَيْها. كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: تَعَمَّدَتْهُ قُلُوبُكم فاجْتَمَعَ فِيهِ، مَعَ اللَّفْظِ، النِّيَّةُ. يَعْنِي: رَبْطَ القَلْبِ بِهِ لِفَواتِ تَعْظِيمِ أمْرِهِ، ولِهَتْكِ حُرْمَتِهِ بِنَقْضِ اليَمِينِ المَقْصُودَةِ.

رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ! أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومالِكٌ وأبُو داوُدَ، وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.

وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ. ولَفْظُ رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما اللَّغْوُ في المُزاحَةِ والهَزْلِ وهو قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ! وبَلى واللَّهِ! فَذاكَ لا كَفّارَةَ فِيهِ. إنَّما الكَفّارَةُ فِيما عَقَّدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ لا يَفْعَلَهُ.

(p-٥٧٨)ويُرْوى في تَفْسِيرِ لَغْوِ اليَمِينِ: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ خِلافُهُ. ويُرْوى: أنْ يَحْلِفَ وهو غَضْبانُ: ويُرْوى غَيْرُ ذَلِكَ، كَما ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، مُسْنَدَةً.

وقَدْ ظَهَرَ - لِلْفَقِيرِ - أنْ لا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، لِأنَّ كُلَّ ما لا عَقْدَ لِلْقَلْبِ مَعَهُ مِنَ الأيْمانِ فَهو لَغْوٌ بِأيِّ صُورَةٍ كانَتْ وحالَةٍ وقَعَتْ. فَكُلُّ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَهو مِمّا يَشْمَلُهُ اللَّغْوُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

والمُرادُ مِنَ المُؤاخَذَةِ: إيجابُ الكَفّارَةِ. كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةِ المائِدَةِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَعْنِي: لِعِبادِهِ فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ يَعْنِي في تَرْكِ مُعاجَلَةِ أهْلِ العِصْيانِ بِالعُقُوبَةِ تَرَبُّصًا بِالتَّوْبَةِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ. فائِدَتُهُ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وشُمُولُ مَغْفِرَتِهِ وإحْسانِهِ لَهم.

2:226–227Page 36

لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٢٦

For those who swear not to have sexual relations with their wives1 is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٧

And if they decide on divorce - then indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٦ - ٢٢٧] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمِ الإيلاءِ، وهو لُغَةً: الِامْتِناعُ بِاليَمِينِ، وخُصَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ: بِالِامْتِناعِ بِاليَمِينِ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ. ولِهَذا عَدّى فِعْلَهُ بِأداةِ مِن تَضْمِينًا لَهُ مَعْنى، يَمْتَنِعُونَ مِن نِسائِهِمْ: وهو أحْسَنُ مِن إقامَةِ " مِن " مَقامَ " عَلى ". وجَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأزْواجِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَمْتَنِعُونَ فِيها مِن نِسائِهِمْ بِالإيلاءِ، فَإذا مَضَتْ فَإمّا أنْ يَفِيءَ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ.

(p-٥٧٩)وقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَكُونُ في حالِ الغَضَبِ دُونَ الرِّضا، كَما وقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسائِهِ وظاهِرُ القُرْآنِ مَعَ الجُمْهُورِ. وقَدْ تَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ورَجُلٌ آخَرُ. فاحْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِالآيَةِ فَسَكَتَ. وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَوْلى إذا فاءَ إلى المُواصَلَةِ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُها هُنا؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ. فَعُمُومُ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ ثابِتٌ عَلى حالِفٍ.

قالَ العَلّامَةُ صِدِّيقُ خانٍ في " تَفْسِيرِهِ ": اعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهُمْ، وتَكَلَّفُوا بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُوَلِّي أيْ: يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ، بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم؛ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أيْ: وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] بِهِ. فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ. فَمَن حَلِفَ أنْ لا يَطَأُ امْرَأتَهُ - ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ، أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ: إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتَهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها، وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً. وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ: فَإنْ أرادَ (p-٥٨٠)أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا. فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ. وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنِثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» .

قالَ الحَرالِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] تَهْدِيدٌ بِما يَقَعُ في الأنْفُسِ والبَواطِنِ مِنَ المَضارَّةِ والمُضاجَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ في أُمُورٍ لا تَأْخُذُها الأحْكامُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلى عِلْمِها الحُكّامُ، فَجَعَلَهم أُمَناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما بَطَنَ وظَهَرَ. ولِذَلِكَ رَأى العُلَماءُ أنَّ الطَّلاقَ أمانَةٌ في أيْدِي الرِّجالِ، كَما أنَّ العَدَدَ والِاسْتِبْراءَ أمانَةٌ في أيْدِي النِّساءِ. فَلِذَلِكَ انْتَظَمَتْ آيَةُ تَرَبُّصِ المَرْأةِ في عِدَّتِها بِآيَةِ تَرَبُّصِ الزَّوْجِ في إيلائِهِ.

قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ وغَيْرُهم - في مُناسَبَةِ تَأْجِيلِ المُولِي بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - الأثَرَ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ قالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابٍ مِنَ اللَّيْلِ فَسَمِعَ امْرَأةً تَقُولُ:

؎تَطاوَلَ هَذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ وأرَّقَنِي إلّا خَلِيلَ أُلاعِبُهْ

؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، أنِّي أُراقِبُهْ

؎لَحُرِّكَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ

فَسَألَ عُمَرُ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَمْ أكْثَرَ ما تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها؟ فَقالَتْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ أوْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. فَقالَ عُمَرُ: لا أحْبِسُ أحَدًا مِنَ الجُيُوشِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ السّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ أنَّهُ خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالمَدِينَةِ وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا إذْ مَرَّ بِامْرَأةٍ مِن نِساءِ العَرَبِ مُغْلِقَةً بابَها تَقُولُ:(p-٥٨١)

؎تَطاوُلَ هَذا اللَّيْلُ وازْوَرَّ جانِبُهْ ∗∗∗ وأرَّقَنِي إلّا ضَجِيعَ أُلاعِبُهْ

؎أُلاعِبُهُ طَوْرًا وطَوْرًا كَأنَّما ∗∗∗ بَدا قَمَرًا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حاجِبُهْ

؎يُسَرُّ بِهِ مَن كانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ ∗∗∗ لِطَيْفَ الحَشا لا يَحْتَوِيهِ أقارِبُهْ

؎فَواللَّهِ! لَوْلا اللَّهُ، لا شَيْءَ غَيْرُهُ ∗∗∗ لَنُقِّضَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ

؎ولَكِنَّنِي أخْشى رَقِيبًا مُوَكَّلًا بِأنْفاسِنا، ∗∗∗ لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ

؎مَخافَةَ رَبِّي، والحَياءُ يَصُدُّنِي ∗∗∗ وإكْرامَ بَعْلِي، أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ

ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ أوْ نَحْوَهُ - وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طَرْقٍ، وهو مِنَ المَشْهُوراتِ.

2:228Page 36

وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨

Divorced women remain in waiting [i.e., do not remarry] for three periods,1 and it is not lawful for them to conceal what Allāh has created in their wombs if they believe in Allāh and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation.2 And due to them [i.e., the wives] is similar to what is expected of them, according to what is reasonable.3 But the men [i.e., husbands] have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٨] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

" ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ "، هَذا أمْرٌ لِلْمُطَلَّقاتِ بِأنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أيْ: بِأنْ تَمْكُثَ إحْداهُنَّ بَعْدَ طَلاقِ زَوْجِها لَها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنَّ شاءَتْ. وأُرِيدَ بِالمُطَلَّقاتِ: المَدْخُولُ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، لِما دَلَّتِ الآياتُ والأخْبارُ أنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ خِلافُ ما ذُكِرَ. أمّا غَيْرُ المَدْخُولَةِ فَلا عِدَّةَ عَلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] وأمّا الَّتِي لَمْ تَحُضْ فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٨٢)﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وأمّا الحامِلُ فَعِدَّتُها وضْعُ الحَمْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]

فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى الإخْبارُ عَنْهُنَّ بِالتَّرَبُّصِ؟ قُلْتُ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، وأصْلُ الكَلامِ ولْيَتَرَبَّصِ المُطَلَّقاتُ، وإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ. فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ. فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: " رَحِمَكَ اللَّهُ " أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ. كَأنَّما وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ، فَهو يُخْبِرُ عَنْها. وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَهُ أيْضًا فَضْلَ تَوْكِيدٍ. ولَوْ قِيلَ: ويَتَرَبَّصُ المُطَلَّقاتُ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوَكادَةِ.. فَإنْ قُلْتُ: هَلّا قِيلَ: يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، كَما قِيلَ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وما مَعْنى ذِكْرُ الأنْفُسِ؟ قُلْتُ: في ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ وزِيادَةُ بَعْثٍ، لِأنَّ فِيهِ ما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ فَيَحْمِلُهُنَّ عَلى أنْ يَتَرَبَّصْنَ. وذَلِكَ أنَّ أنْفُسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ. فَأُمِرْنَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويُغَلِّبَنَّها عَلى الطُّمُوحِ ويُجْبِرَنَّها عَلى التَّرَبُّصِ.

و(القُرْءُ): مِنَ الأضْدادِ. يُطْلَقُ عَلى الحَيْضِ والطُّهْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وعَمْرُو بْنُ العَلاءِ وغَيْرُهم. والبَحْثُ في تَرْجِيحِ أحَدِهِما طَوِيلُ الذَّيْلِ، اسْتَوْفاهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " فانْظُرْهُ. ولِمَن نَظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ أنْ يَقُولَ: تَنْقَضِي العِدَّةُ بِثَلاثَةِ أطْهارٍ أوْ بِثَلاثِ حِيَضٍ. فَأيُّهُما اعْتَبَرَتْهُ المُعْتَدَّةُ خَرَجَتْ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ - أيِ: المُطَلَّقاتِ -: ﴿أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ (p-٥٨٣)مِنَ الحَيْضِ أوِ الوَلَدِ، اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ أوْ إبْطالًا لِحَقِّ الزَّوْجِ في الرَّجْعَةِ: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إنْ جَرَيْنَ عَلى مُقْتَضى الإيمانِ بِهِ، المُخَوَّفِ مِن ذاتِهِ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ المُخَوَّفَ مِن جَزائِهِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ المَرْجِعَ في هَذا إلَيْهِنَّ، لِأنَّهُ أمْرٌ لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِنَّ، ويَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى ذَلِكَ. فَرَدَّ الأمْرَ إلَيْهِنَّ، وتَوَعَّدْنَ فِيهِ لِئَلّا يُخْبِرْنَ بِغَيْرِ الحَقِّ. وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جُعِلَ أمِينًا في شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ - أيْ: أزْواجُهُنَّ -: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ: بِرَجْعَتِهِنَّ، والكَلامُ في الرَّجْعِيَّةِ بِدَلِيلِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أيْ: في زَمانِ التَّرَبُّصِ، وهي أيّامُ الأقْراءِ. أمّا إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها، ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ جَدِيدٍ. ولا خِلافَ في ذَلِكَ: ﴿إنْ أرادُوا﴾ أيْ: بِالرَّجْعَةِ: ﴿إصْلاحًا﴾ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، وإحْسانًا إلَيْهِنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا مَضارَّتَهُنَّ. وإلّا فالرَّجْعَةُ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ ولَهُنَّ عَلى الرِّجالِ مِثْلُ ما لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ. فَلْيُؤَدِّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ. كَما ثَبَتَ في " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ في حِجَّةِ الوَداعِ: «فاتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ. فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. ولَكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ»» .

(p-٥٨٤)وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنا عَلَيْهِ؟ قالَ: «أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلّا في البَيْتِ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ وقالَ: مَعْنى لا تُقَبِّحْ: لا تَقُلْ قَبَّحَكِ اللَّهُ.

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ أنْ تَصُومَ وزَوْجُها شاهِدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَأْذَنُ في بَيْتِهِ إلّا بِإذْنِهِ»» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنِ ابْنَ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأةُ راعِيَةٌ عَلى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ. فَكُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وإنْ كانَتْ عَلى التَّنُّورِ»» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.

(p-٥٨٥)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها، لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ»» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ لِي، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾

تَنْبِيهٌ:

المَعْرُوفُ: ما عَرَفَتْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تُنْكِرْهُ، مِمّا قَبِلَهُ العَقْلُ، ووافَقَ كَرَمَ النَّفْسِ، وأقَرَّهُ الشَّرْعُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ عَلَيْها خِدْمَةُ زَوْجِها في عَجْنٍ وخُبْزٍ وطَبْخٍ ونَحْوِهِ، لِأنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنفَعَةُ البُضْعِ، فَلا يَمْلِكُ غَيْرَها مِن مَنافِعِها..! ولَكِنَّ مُفادَ الآيَةِ يَرُدُّ هَذا ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ المَعْرُوفِ مِن مِثْلِها لِمِثْلِهِ؛ وبِهِ أفْتى الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وِفاقًا لِلْمالِكِيَّةِ. وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو إسْحاقَ الجُوزَجانِيُّ، واحْتَجّا بِما رُوِيَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى عَلى ابْنَتِهِ فاطِمَةَ بِخِدْمَةِ البَيْتِ وعَلى ما كانَ خارِجًا مِنَ البَيْتِ مِن عَمَلٍ». رَواهُ الجُوزَجانِيُّ مِن طُرُقٍ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى وُجُوبِ إخْدامِها، إذا كانَ مِثْلُها لا يَخْدِمُ نَفْسَها.

﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أيْ: زِيادَةٌ في الحَقِّ وفَضِيلَةٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]

(p-٥٨٦)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها»» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ عَصاهُ، حَكِيمٌ في أمْرِهِ وشَرْعِهِ.

2:229Page 36

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩

Divorce is twice. Then [after that], either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allāh.1 But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allāh, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allāh, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allāh - it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٩] ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلاقُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّدَّ والرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، أيِ: اثْنَتانِ، وإيثارُ ما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَقَعا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لا دُفْعَةً واحِدَةً، وإنْ كانَ حُكْمُ الرَّدِّ ثابِتًا حِينَئِذٍ أيْضًا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةٌ لِما كانَ عَلَيْهِ الأمْرُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ: مِن أنَّ الرَّجُلَ كانَ أحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأتِهِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ ما دامَتْ في العِدَّةِ، فَلَمّا كانَ هَذا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الزَّوْجاتِ، قَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ثَلاثِ طَلَقاتٍ، وأباحَ الرَّجْعَةَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وأبانَها بِالكُلِّيَّةِ في الثّالِثَةِ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ.

(p-٥٨٧)قالَ الإمامُ أبُو داوُدَ في " سُنَنِهِ ": بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ. ثُمَّ أسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها، وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا. فَنُسِخَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. ورَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النّاسُ والرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ما شاءَ أنْ يُطَلِّقَها وهي امْرَأتُهُ إذا ارْتَجَعَها وهي في العِدَّةِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ أوْ أكْثَرَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ لِامْرَأتِهِ: واللَّهِ لا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِينَ مِنِّي ولا أُؤْوِيكِ أبَدًا..! قالَتْ: وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: أُطَلِّقُكِ. فَكُلَّما هَمَّتْ عِدَّتُكِ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعْتُكِ. فَذَهَبَتِ المَرْأةُ حَتّى دَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَأخْبَرَتْها، فَسَكَتَتْ عائِشَةُ حَتّى جاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. قالَتْ عائِشَةُ فاسْتَأْنَفَ النّاسُ الطَّلاقَ مُسْتَقْبَلًا. مَن كانَ طَلَّقَ ومَن لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ». ثُمَّ أسْنَدَ عَنْ عُرْوَةَ ولَمْ يَذْكُرْ عائِشَةَ، وقالَ: هو أصَحُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ: فالحُكْمُ بَعْدَ تَطْلِيقِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ: أنْ يُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِنَ صَحابَتَها؛ أوْ يُسَرِّحَها بِإحْسانٍ فَلا يَظْلِمُها مِن حَقِّها شَيْئًا، ولا يَذْكُرُها بَعْدَ المُفارَقَةِ بِسُوءٍ، ولا يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْها.

قالَ الرّازِيُّ: الحِكْمَةُ في إثْباتِ حَقِّ الرَّجْعَةِ: أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ مَعَ صاحِبِهِ لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ تَشُقُّ عَلَيْهِ مُفارَقَتُهُ أوْ لا؟ فَإذا فارَقَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ. فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلْقَةَ الواحِدَةَ مانِعَةً مِنَ الرُّجُوعِ لَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ عَلى الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ المَحَبَّةُ بَعْدَ المُفارَقَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ كَمالُ التَّجْرِبَةِ لا يَحْصُلُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، فَلا جَرَمَ أثْبَتَ تَعالى حَقَّ المُراجَعَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مَرَّتَيْنِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ جَرَّبَ الإنْسانُ نَفْسَهُ في تِلْكَ المُفارَقَةِ وعَرَفَ حالَ قَلْبِهِ في ذَلِكَ (p-٥٨٨)البابِ. فَإنْ كانَ الأصْلَحُ إمْساكَها راجَعَها وأمْسَكَها بِالمَعْرُوفِ. وإنْ كانَ الأصْلَحُ لَهُ تَسْرِيحَها سَرَّحَها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. وهَذا التَّدْرِيجُ والتَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ بِعَبْدِهِ.

﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ - أيْ: أيُّها المُطَلِّقُونَ: ﴿أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ - مِنَ المَهْرِ وغَيْرِهِ -: ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما يَلْزَمُها مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ -: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ: نَفْسَها عَنْ ضَرَرِهِ؛ أيْ: لا إثْمَ عَلى الزَّوْجِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ، ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في الخُلْعِ.

وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وكانَتْ زَوْجَتُهُ لا تُطِيقُهُ بُغْضًا. فَفي " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما أعِيبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ ولا دِينٍ. ولَكِنْ أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالَتْ: نَعَمْ! قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطَلِّقْها تَطْلِيقَةً»» . وقَدْ بَسَطَ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ مَعَ أحْكامِ الخُلْعِ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ "، وكَذا شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " فَلْتَنْظُرْهُ ثَمَّةَ.

﴿تِلْكَ﴾ - أيِ: الأحْكامُ العَظِيمَةُ المُتَقَدِّمَةُ لِلطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ وغَيْرِها... -: ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ - شَرائِعُهُ -: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ - بِالمُخالَفَةِ والرَّفْضِ -: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ. وتَعْقِيبُ النَّهْيِ بِالوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском