Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:239–245

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:239–245

2:239Page 39

فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩

And if you fear [an enemy, then pray] on foot or riding. But when you are secure, then remember Allāh [in prayer], as He has taught you that which you did not [previously] know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣٩] ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ: ﴿فَرِجالا﴾ أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ، أيْ: ماشِينَ عَلى الأقْدامِ - يُقالُ: رَجِلَ - كَفَرِحَ - فَهو راجِلٌ، ورَجُلَ - بِضَمِّ الجِيمِ - ورَجِلَ - بِكَسْرِها - ورَجَلَ - بِفَتْحِها - ورَجِيلٌ ورَجْلانٌ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَهْرٌ في سَفَرٍ يَرْكَبُهُ فَمَشى عَلى قَدَمَيْهِ. والجَمْعُ رِجالٌ ورَجّالَةٌ ورُجّالٌ - كَرُمّانٍ -: ﴿أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ: راكِبِينَ، فَيُعْفى عَنْ كَثْرَةِ الأفْعالِ وإتْمامِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. وهَذا مِن رُخَصِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي رَخَّصَ لِعِبادِهِ، ووَضْعِهِ الآصارَ والأغْلالَ عَنْهم. وقَدْ رُوِيَتْ صَلاةُ الخَوْفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى صِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مُفَصَّلَةٍ في كُتُبِ السَّنَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يَتَحَرّى في كُلِّ مَوْطِنٍ ما هو أحْوَطُ لِلصَّلاةِ وأبْلَغُ في الحِراسَةِ.

قالَ الرّازِيُّ: صَلاةُ الخَوْفِ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في حالِ القِتالِ - وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: في غَيْرِ حالِ القِتالِ، وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]

(p-٦٢٩)وقَدْ رَوى مالِكٌ عَنْ نافِعٍ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الخَوْفِ، وصَفَها ثُمَّ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا عَلى أقْدامِهِمْ أوْ رُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرِ مُسْتَقْبِلِيها.

قالَ نافِعٌ: لا أرى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَواهُ الشَّيْخانِ.

ولِمُسْلِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنَ عُمَرَ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ فَصَلِّ راكِبًا أوْ قائِمًا تُومِئُ إيماءً.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى خالِدِ بْنِ سُفْيانَ الهُذَلِيِّ - وكانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وعَرَفاتٍ - فَقالَ: «اذْهَبْ فاقْتُلْهُ» . قالَ: فَرَأيْتُهُ - وحَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ - فَقُلْتُ: إنِّي لَأخافُ أنْ يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ما إنْ أُؤَخِّرِ الصَّلاةَ، فانْطَلَقْتُ أمْشِي وأنا أُصَلِّي أُومِئُ إيماءً نَحْوَهُ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ قالَ لِي: مَن أنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ بَلَغَنِي أنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ في ذَلِكَ، قالَ: (p-٦٣٠)إنِّي لَفي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةً، حَتّى إذا أمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتّى بَرَدَ». وهَذا نَصُّ أبِي داوُدَ.

وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَشُغِلْنا عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ حَتّى كُفِينا ذَلِكَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ لِكُلِّ صَلاةٍ إقامَةً، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾»

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ قَدْ أطْلَقَتِ الخَوْفَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أيُّ مَخافَةٍ مِن عَدُوٍّ أوْ سَبُعٍ أوْ جَمَلٍ صائِلٍ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِ. وشَذَّ قَوْلُ الوافِي وبَعْضِ الظّاهِرِيَّةِ: إنَّ الخَوْفَ مُخْتَصٌّ بِأنْ يَكُونَ مِن آدَمِيٍّ. وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ فِعْلَها بِالإيماءِ هو فَرْضُهُمْ، فَلا قَضاءَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأمْنِ. قالَ في (التَّهْذِيبِ) خِلافَ ما يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ، ولَكِنَّ هَذا إذا أتَوْا بِما يُسَمّى صَلاةً، فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهم شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما أتَوْا بِالذِّكْرِ فَقَطْ. فَقالَ النّاصِرُ زَيْدٌ وابْنُ أبِي الفَوارِسِ وأبُو جَعْفَرٍ: هَذا لا يُسَمّى صَلاةً فَيَجِبُ القَضاءُ. وقالَ الرّاضِي بِاللَّهِ والأمِيرُ الحُسَيْنُ: هو بَعْضُ الصَّلاةِ، فَلا قَضاءَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ««إذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»» . وإذا ثَبَتَ التَّرْخِيصُ (p-٦٣١)فِي هَذِهِ الصَّلاةِ - بِتَرْكِ كَمالِ الفُرُوضِ - رَخَّصَ فِيها بِفِعْلِ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ، وبِلِباسِ ما فِيهِ نَجَسٌ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ - كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ عُلَماءِ الزَّيْدِيَّةِ.

﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ: زالَ خَوْفُكُمْ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ. عَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ أرْكانِها. وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِن صَلاةِ الأمْنِ، أوْ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، فالكافُ لِلتَّعْلِيلِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] والفائِدَةُ في ذِكْرِ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ الإنْسانُ لا يَعْلَمُ إلّا ما لَمْ يَعْلَمِ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ حالَةِ الجَهْلِ الَّتِي انْتَقَلُوا عَنْها، فَإنَّهُ أوْضَحُ في الِامْتِنانِ.

2:240Page 39

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠

And those who are taken in death among you and leave wives behind - for their wives is a bequest: maintenance for one year without turning [them] out. But if they leave [of their own accord], then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable way.1 And Allāh is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٠] ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ: يُقْبَضُونَ مِن رِجالِكُمْ: ﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَ: ﴿أزْواجًا﴾ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ خَبَرُ (الَّذِينَ) أيْ: يُوصُونَ، أوْ لِيُوصُوا، (p-٦٣٢)أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً. وفي قِراءَةٍ بِالرَّفْعِ، أيْ: عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ في أمْوالِهِمْ: ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ بَدَلٌ مِن وصِيَّةً، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَها. وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَمَنصُوبٌ بِـ وصِيَّةً أوْ بِفِعْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ حالٌ مِن أزْواجِهِمْ، أيْ: غَيْرَ مُخْرَجاتٍ. والمَعْنى: يَجِبُ عَلى الَّذِي يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ الِاحْتِضارِ لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجْنَ مِن مَسْكَنِ زَوْجِهِنَّ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى أوْلِياءِ المَيِّتِ: ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ - كالتَّزَيُّنِ والتَّطَيُّبِ وتَرْكِ الحِدادِ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ - وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَحْظُورَ إخْراجُها عِنْدَ إرادَتِها القَرارَ، ومُلازَمَةَ مَسْكَنِ الزَّوْجِ، والحِدادَ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْها ذَلِكَ، وأنَّها مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ المُلازَمَةِ مَعَ أخْذِ النَّفَقَةِ، وبَيْنَ الخُرُوجِ مَعَ تَرْكِها: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ثُمَّ لِيُعْلَمَ أنَّ اخْتِيارَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالُوا: كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنَّهُ إذا ماتَ الرَّجُلُ اعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ حَوْلًا، وكانَ يَحْرُمُ عَلى الوارِثِ إخْراجُها مِنَ البَيْتِ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلِ، وكانَتْ نَفَقَتُها وسُكْناها واجِبَتَيْنِ في مالِ زَوْجِها تِلْكَ السَّنَةَ، ولَيْسَ لَها مِنَ المِيراثِ شَيْءٌ، ولَكِنَّها تَكُونُ مُخَيَّرَةً. فَإنْ شاءَتِ اعْتَدَّتْ في بَيْتِ زَوْجِها ولَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلِ ولَيْسَ لَها نَفَقَةٌ ولا سُكْنى؛ وكانَ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى مِن مالِ زَوْجِها سَنَةً. والثّانِي: أنَّ عَلَيْها عِدَّةَ سَنَةٍ، ثُمَّ نُسِخَ هَذانِ الحُكْمانِ.

(p-٦٣٣)أمّا الوَصِيَّةُ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى فَنُسِخَتْ بِآيَةِ المِيراثِ، فَجُعِلَ لَها الرُّبُعُ أوِ الثُّمُنُ عِوَضًا عَنِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، ونُسِخَ عِدَّةُ الحَوْلِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى، فَلِمَ تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها..؟ قالَ: يا ابْنَ أخِي! لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ مِن مَكانِهِ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: نُسِخَتْ بِآيَةِ المِيراثِ بِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الرُّبُعِ والثُّمُنِ، ونُسِخَ أجَلُ الحَوْلِ بِأنْ جُعِلَ أجَلُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا.

هَذا، وقَدْ ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ كالأُولى. أخْرَجَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ. قالَ مُجاهِدٌ: دَلَّتِ الآيَةُ الأُولى وهِيَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلى أنَّ هَذِهِ عِدَّتَها المَفْرُوضَةَ تَعْتَدُّها عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، بِزِيادَةِ سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً عَلى العِدَّةِ السّابِقَةِ تَمامَ الحَوْلِ، أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الوَصِيَّةِ بِالزَّوْجاتِ أنْ يُمَكَّنَّ مِنَ السُّكْنى في بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ بَعْدَ وفاتِهِمْ حَوْلًا كامِلًا، ولا يُمْنَعْنَ مِن ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَإذا انَقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ بِالأرْبَعَةِ أشْهُرٍ والعَشْرِ - أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ - واخْتَرْنَ الخُرُوجَ والِانْتِقالَ مِن ذَلِكَ المَنزِلِ، فَإنَّهُنَّ لا يُمْنَعْنَ مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ إلخ. قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لَهُ اتِّجاهٌ، وفي اللَّفْظِ مُساعَدَةٌ لَهُ. وقَدِ اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.

ومِنهم أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: مَن يُتَوَفّى مِنكم ويَذْرُونَ أزْواجًا، (p-٦٣٤)وقَدْ وصَّوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ بِنَفَقَةِ الحَوَلِ وسُكْنى الحَوْلِ، فَإنْ خَرَجْنَ قَبْلَ ذَلِكَ وخالَفْنَ وصِيَّةَ الزَّوْجِ بَعْدَ أنْ يُقِمْنَ المُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ فَلا حَرَجَ: ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: نِكاحٌ صَحِيحٌ، لِأنَّ إقامَتَهُنَّ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ غَيْرُ لازِمَةٍ. قالَ: والسَّبَبُ أنَّهم كانُوا في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ يُوَصُّونَ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى حَوْلًا كامِلًا، وكانَ يَجِبُ عَلى المَرْأةِ الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، واحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ ساقَها الفَخْرُ الرّازِيُّ عَنْهُ - إلى أنْ قالَ: فَكانَ المَصِيرُ إلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أوْلى مِنِ التِزامِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ قالَ: وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَكُونُ جُمْلَةً واحِدَةً شَرْطِيَّةً، فالشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَهَذا كُلُّهُ شَرْطٌ، والجَزاءُ هو قَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ، هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.

قالَ الرّازِيُّ: وهو في غايَةِ الصِّحَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

2:241Page 39

وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٤١

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤١] ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِلْمُطَلَّقاتِ مُتْعَةٌ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، جَبْرًا لِوَحْشَةِ الفِراقِ، وأمّا المَهْرُ فَهو حَقُّ البُضْعِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَواءٌ كانَتْ مُفَوَّضَةً، أوْ مَفْرُوضًا لَها، أوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ المَسِيسِ، أوْ مَدْخُولًا بِها.

وإلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ طُلِّقَتْ، حُرَّةً أوْ أُمَّةً، مُتْعَةٌ. وقَرَأ الآيَةَ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا طَلَّقَ حَفْصُ بْنُ المُغِيرَةِ امْرَأتَهُ فاطِمَةَ، أتَتِ (p-٦٣٥)النَّبِيَّ ﷺ. فَقالَ لِزَوْجِها: «مَتِّعْها» . قالَ: لا أجِدُ ما أُمَتِّعُها قالَ: «فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَتاعِ، مَتِّعْها ولَوْ نِصْفَ صاعٍ مِنَ التَّمْرِ»».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَقالَ لَهُ شُرَيْحٌ: مَتِّعْها! فَقالَتِ المَرْأةُ: إنَّهُ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ مُتْعَةٌ. إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ {ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ } . ولَيْسَ مِن أُولَئِكَ!.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ فارَقَ امْرَأتَهُ: لا تَأْبى أنْ تَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ. لا تَأْبى أنْ تَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ.

2:242Page 39

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢

Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., laws] that you might use reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٢] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الشّافِي: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في جَمِيعِ المَواضِعِ: ﴿آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى أحْكامِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها.

2:243Page 39

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٣] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ أيْ: مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ الأُمَمِ: ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي ألِفُوها لِما وقَعَ فِيها مِمّا لا طاقَةَ لَهم بِهِ مِنَ المَوْتِ. ولَفْظَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ، فَتَكُونُ لِلتَّعْجِيبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ - كالأحْبارِ وأهْلِ التّارِيخِ - وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ.

(p-٦٣٦)قالَ الرّاغِبُ: "رَأيْتُ" يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الجارِّ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ " ألَمْ تَرَ " لِمَعْنى " ألَمْ تَنْظُرْ " عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ بِـ " إلى " وفائِدَةُ اسْتِعارَتِهِ: أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لِلرُّؤْيَةِ اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ إلى كَذا.

﴿وهم أُلُوفٌ﴾ أيْ: في العَدَدِ جَمْعُ ألْفٍ، أوْ وهم مُؤْتَلِفُونَ ومُجْتَمِعُونَ جَمْعُ آلِفٌ، بِالمَدِّ - كَشاهِدٍ وشُهُودٍ - أيْ: إنَّ خُرُوجَهم لَمْ يَكُنْ عَنِ افْتِراقٍ كانَ مِنهم ولا تَباغُضٍ، ولَكِنْ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ - أيْ: فِرارًا مِنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ مَعْناهُ: فَأماتَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وتِلْكَ مَشِيئَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِشَيْءٍ فامْتَثَلُوهُ امْتِثالًا مِن غَيْرِ إباءٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]

﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ عَطْفٌ. إمّا عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المُقامُ، أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم - وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ، وإمّا عَلى " قالَ " لِما أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ قاطِبَةً. أمّا أُولَئِكَ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم فَقَدْ هَداهم إلى مَسْلَكِ الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلى الجَمِيعِ لِيَشْكُرُوهُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَضْلَهُ كَما يَنْبَغِي.

تَنْبِيهٌ:

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ كَثِيرُو العَدَدِ، خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم أنْ يُجاهِدُوا عَدُوَّهُمْ، فَكَأنَّها ذُكِرَتْ مُمَهِّدَةً لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]

(p-٦٣٧)ومَعْلُومٌ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِمّا نَزَلَ في المَدِينَةِ إثْرَ الهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكانَ العَدُوُّ في مَكَّةَ وما حَوْلَها في كَثْرَةٍ وقُوَّةٍ ومَنَعَةٍ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ المُهاجِرُونَ ومَن آواهم أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَصَّ لَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ بَعْثٌ لَهم عَلى الجِهادِ وتَبْشِيرٌ لَهم بِالفَوْزِ والعاقِبَةِ، وإنْ يَكُونُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، ما دامُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ الوِفاقِ والصَّبْرِ والمُصابَرَةِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الرُّواةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عُنِيَ بِها ما قُصَّ في التَّوْراةِ عَنْ حِزْقِيلَ - أحَدِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ إلى فَلاةٍ واسِعَةٍ قَدْ مُلِئَتْ عِظامًا يابِسَةً مِن مَوْتى بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُنادِيَها بِاسْمِهِ تَعالى، فَجَعَلَتْ تَتَقارَبُ ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ثُمَّ نادى أرْواحَها فَعادَتْ إلى أجْسامِها واسْتَوَوْا أحْياءً عَلى أقْدامِهِمْ بِأمْرِهِ تَعالى. وهم جَيْشٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وأُوحِيَ إلى (حِزْقِيلَ) أنَّهم سَيَعُودُونَ إلى وطَنِهِمْ بَعْدَ أنْ أُجْلُوا عَنْهُ. وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في تَوْراتِهِمْ في الفَصْلِ السّابِعِ والثَّلاثِينَ مِن نُبُوَّةِ (حِزْقِيلَ).

ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ نَبَأُ (حِزْقِيلَ)، وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وأشْعَثُ بْنُ أسْلَمَ البَصْرِيُّ والحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ والسُّدِّيُّ وهِلالُ بْنُ يِسافٍ وغَيْرُهم. أخْرَجَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ (حِزْقِيلَ) في إحْياءِ المَوْتى لَهُ، كَما أُحْيِيَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَرى قَوْمُهُ ما لا يَيْأسُونَ مَعَهُ مِن جِهادِ عَدُوِّهِمْ لِيَسْتَرْجِعُوا وطَنَهُمُ الَّذِي أجْلاهم عَنْهُ عَدُوُّهُمْ، لِأنَّ (حِزْقِيلَ) كانَ فِيمَن أُجْلِيَ إلى بابِلَ. قالُوا: ونُبُوَّتُهُ تَتَضَمَّنُ القَضاءَ المُنَزَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُشْرى السَّلامِ الَّذِي يَعْقُبُ ذَلِكَ القَضاءَ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَثَلٌ. ولَعَلَّ مُرادَهُ: أنَّها مَثَلٌ في تَكْوِينِهِ تَعالى أُمَّةً قَوِيَّةً تَقْهَرُ وتَغْلِبُ وتَسُوسُ غَيْرَها بَعْدَ بُلُوغِها غايَةَ الضَّعْفِ والخُمُولِ، فَكانَ حَياتُها ومَوْتُها تَمْثِيلًا لِحالَتَيْها قَبْلُ وبَعْدُ. فَيَكُونُ إشْعارًا بِما سَتَصِيرُ إلَيْهِ العَرَبُ مِنَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ والمَدَنِيَّةِ الفَخِيمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوُصُولَ إلى ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجِهادِ الظّالِمِينَ واتِّفاقِ المُتَّقِينَ عَلى دَحْرِ المُتَغَلِّبِينَ الباغِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.

(p-٦٣٨)ثُمَّ إنَّهُ لا خَفاءَ في أنَّ ما قَصَّ مِن حَوادِثِ الإسْرائِيلِيِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في الجُمْلَةِ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ.

قالَ ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ في " الفَوْزُ الكَبِيرُ ": واخْتارَ سُبْحانَهُ في تَنْزِيلِهِ مِن أيّامِ اللَّهِ، يَعْنِي: الوَقائِعَ الَّتِي أحْدَثَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: كَإنْعامِ المُطِيعِينَ وتَعْذِيبِ العُصاةِ، ما قَرَعَ سَمْعَهُمْ، وذَكَرَ لَهم إجْمالًا مِثْلَ قِصَصِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وكانَتِ العَرَبُ تَتَلَقّاها أبًا عَنْ جَدٍّ، ومِثْلَ قِصَصِ سَيِّدِنا إبْراهِيمَ وأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ مَأْلُوفَةً لِأسْماعِهِمْ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ العَرَبَ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ، وانْتَزَعَ مِنَ القِصَصِ المَشْهُورَةِ جُمَلًا تَنْفَعُ في تَذْكِيرِهِمْ، ولَمْ يَسْرُدِ القِصَصَ بِتَمامِها مَعَ جَمِيعِ خُصُوصِيّاتِها. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ العَوامَّ إذا سَمِعُوا القِصَصَ النّادِرَةَ غايَةَ النُّدْرَةِ، أوِ اسْتَقْصى بَيْنَ أيْدِيهِمْ ذِكْرُ الخُصُوصِيّاتِ، يَمِيلُونَ إلى القِصَصِ نَفْسِها ويَفُوتُهُمُ التَّذَكُّرُ الَّذِي هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ فِيها. ونَظِيرُ هَذا الكَلامِ ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ النّاسَ لَمّا حَفِظُوا قَواعِدَ التَّجْوِيدِ شُغِلُوا عَنِ الخُشُوعِ في التِّلاوَةِ.

2:244Page 39

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤

And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٤] ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: في إتْباعِ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الأمْرَ بِالقِتالِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّها سِيقَتْ بَعْثًا عَلى الجِهادِ. فَحَرَّضَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الإعْلامِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ لا يُغْنِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] وأصْلُ السَّبِيلِ هو الطَّرِيقُ، وسُمِّيَتِ المُجاهَدَةُ سَبِيلًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَسْلُكُها ويَتَوَصَّلُ إلى اللَّهِ بِها لِيَتَمَكَّنَ مِن إظْهارِ عِبادَتِهِ تَعالى، ونَشْرِ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِهِ وحِمايَةِ أهْلِها والمُدافَعَةِ عَنِ الحَقِّ وأهْلِهِ، فالقِتالُ: دِفاعٌ في سَبِيلِ اللَّهِ لِإزالَةِ الضَّرَرِ العامِّ. (p-٦٣٩)وهُوَ مَنعُ الحَقِّ وتَأْيِيدُ الشِّرْكِ، وذَلِكَ بِتَرْبِيَةِ الَّذِينَ يَفْتِنُونَ النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ ويَنْكُثُونَ عُهُودَهم لا لِحُظُوظِ النَّفْسِ وأهْوائِها، والضَّراوَةِ بِحُبِّ التَّسافُكِ وإزْهاقِ الأرْواحِ، ولا لِأجْلِ الطَّمَعِ في الكَسْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بَعْثٌ عَلى صِدْقِ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجاعَةً ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويُقاتِلُ رِياءً، أيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقالَ: «مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ»» .

2:245Page 39

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٥] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ - هَذا حَثٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى الصَّدَقَةِ، وقَدْ كَرَّرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ في كِتابِهِ العَزِيزِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: طَلَبُ القَرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ لِما هو تَأْنِيبٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَ. واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ. لَكِنَّهُ تَعالى شَبَّهَ إعْطاءَهُ المُؤْمِنِينَ، وإنْفاقَهم في الدُّنْيا الَّذِي يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الآخِرَةِ، بِالقَرْضِ. كَما شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ، بِالبَيْعِ والشِّراءِ. حَسْبَما يَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ بَراءَةَ، وكَنّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ الفَقِيرِ بِنَفْسِهِ العَلِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنِ (p-٦٤٠)الحاجاتِ تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ، كَما كَنّى عَنِ المَرَضِ والجائِعِ والعَطْشانِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ، فَفي صَحِيحِ الحَدِيثِ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ تَعالى: ««يا ابْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قالَ: يا رَبِّ! كَيْفَ أسْقِيكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: اسْتَسْقاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ. أما أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»» وكَذا فِيما قَبْلَهُ. أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ. وهَذا كُلُّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيفِ لِمَن كَنّى عَنْهُ تَرْغِيبًا لِمَن خُوطِبَ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وإنَّ اللَّهَ لَيُرِيدَ مِنّا القَرْضَ؟ قالَ: «نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ» قالَ: أرِنِي يَدَكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ! فَناوَلَهُ يَدَهُ. قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي (وحائِطٌ لَهُ، فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وأُمُّ الدَّحْداحِ فِيها وعِيالُها) فَجاءَ أبُو الدَّحْداحِ فَناداها: يا أُمَّ الدَّحْداحِ! قالَتْ: لَبَّيْكَ، قالَ: اخْرُجِي فَقَدْ أقْرَضْتُهُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ (p-٦٤١)قَبِلَهُ مِنكَ» . فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ اليَتامى الَّذِينَ في حِجْرِهِ. فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «رُبَّ عِذْقٍ لِأبِي الدَّحْداحِ مُدَلًّى في الجَنَّةِ» وفي رِوايَةٍ: «كَمْ مِن عِذْقٍ»» إلخ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسَنًا﴾ أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] ولَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في إقْراضِهِ أتْبَعَهَ جُمْلَةً مُرَهِّبَةً مُرَغِّبَةً فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ في الرِّزْقِ ويُوَسِّعُهُ عَلى آخَرِينَ. أيْ: فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، لِئَلّا يُبَدِّلَ السَّعَةَ الحاصِلَةَ لَكم بِالضِّيقِ.

﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيكم.

قالَ المَهايِمِيُّ: وكَيْفَ يُنْكَرُ بَسْطُ اللَّهِ وقَبْضُهُ، وهو الَّذِي يُعْطِي الفَقِيرَ المُلْكَ ويَسْلُبُهُ مِن أهْلِهِ، ويُقَوِّي الضُّعَفاءَ مِنَ الجَمْعِ القَلِيلِ ويُضْعِفُ الأقْوِياءُ مِنَ الجَمْعِ الكَثِيرِ؟! يَعْنِي كَما قَصَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском