Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:253–258
2:253Page 42
۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣
Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٣] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ .
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذُكِرَ مِنهم في هَذِهِ السُّورَةِ أوِ المَعْلُومَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خُصَّ بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تَفْصِيلُ التَّفْضِيلِ أيْ: مِنهم مَن فَضَّلَهُ اللَّهُ، بِأنْ كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ كَإبْراهِيمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. وداوُدَ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ والخِلافَةَ والمُلْكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ.
والظّاهِرُ: أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ أوْ أكْثَرَ. ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مَنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ، لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العَلَمُ الَّذِي لا يُشَبَّهُ والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ؛ يُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم أوْ بَعْضُكم. تُرِيدُ بِهِ الَّذِي تُعُورِفَ واشْتُهِرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. (p-٦٥٥)وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ؟ فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ أرادَ نَفْسَهُ. ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ.
ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولِي العَزْمِ.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ خَصَّ مُوسى وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ؟ قُلْتُ: لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. ولَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ وجْهَ التَّفْضِيلِ، حَيْثُ جَعَلَ التَّكْلِيمَ مِنَ الفَضْلِ وهو آيَةٌ مِنَ الآياتِ، فَلَمّا كانَ هَذانَ النَّبِيّانِ قَدْ أُوتِيا ما أُوتِيا مِن عِظامِ الآياتِ، خُصّا بِالذِّكْرِ في بابِ التَّفْضِيلِ، وهَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ مَن زِيدَ تَفْضِيلًا بِالآياتِ مِنهم فَقَدْ فُضِّلَ عَلى غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ نَبِيُّنا ﷺ هو الَّذِي أُوتِيَ مِنها ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ في كَثْرَتِها وعِظَمِها، كانَ هو المَشْهُودَ لَهُ بِإحْرازِ قَصَباتِ الفَضْلِ غَيْرَ مُدافِعٍ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِهِمْ في الدِّينِ وتَشَعُّبِ مَذاهِبِهِمْ وتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. قالَ النّاصِرُ في حَواشِيهِ: ووَراءَ التَّأْكِيدِ سِرٌّ أخَصُّ مِنهُ، وهو أنَّ العَرَبَ مَتى ثَبَتَ أوَّلُ كَلامِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ ثُمَّ اعْتَرَضَها مَقْصِدٌ آخَرُ وأرادَتِ الرُّجُوعَ إلى الأوَّلِ، قَصَدَتْ ذِكْرَهُ: إمّا بِتِلْكَ العِبارَةِ أوْ بِقَرِيبٍ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَهم مَهْيَعٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَسْلُوكٌ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَواضِعُ في هَذا المَعْنى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] (p-٦٥٦)ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا النَّمَطِ. لَمّا صَدَرَ الكَلامُ بِأنَّ اقْتِتالَهم كانَ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ثُمَّ طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ بَيانُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى كَما نَفَذَتْ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو اقْتِتالُ هَؤُلاءِ، فَهي نافِذَةٌ في كُلِّ فِعْلٍ واقِعٍ، وهو المَعْنى المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ طَرَأ ذِكْرُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِالِاقْتِتالِ لِتَلَوُّهِ عُمُومَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ لِتَناسُبِ الكَلامِ، ويُعْرَفَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ. فَهَذا سِرٌّ يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ، ويَرْتاحُ لَهُ السِّرُّ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
2:254Page 42
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ هَذا أمْرٌ بِالإنْفاقِ لِبَعْضٍ مِنَ المالِ. قِيلَ: هو أمْرُ إيجابٍ وأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ: الإنْفاقَ الواجِبَ وهو الزَّكاةُ، لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِالوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ﴾ إلخ. حَيْثُ عُنِيَ بِهِمْ مانِعُوها كَما يَأْتِي. وقالَ الأصَمُّ وأبُو عَلِيٍّ: أرادَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: أرادَ الفَرْضَ والنَّفْلَ. وهو المُتَّجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: فَتُحَصِّلُونَ ما تُنْفِقُونَهُ (p-٦٥٧)أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ: ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ حَتّى يُعِينَكُمُ الأخِلّاءُ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ حَتّى تَتَّكِلُوا عَلى شُفَعاءَ: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، بِوَضْعِ الأمْوالِ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَهُمْ، في أنْ لا تُنْفِقُوا فَتَضَعُوا أمْوالَكم في غَيْرِ مَواضِعِها. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُسْنِ المُسارَعَةِ إلى الخَيْراتِ قَبْلَ فَواتِها بِهُجُومِ ما يُخْشى مَعَهُ الفَوْتُ، مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ.
2:255Page 42
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6
(p-٦٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٥] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ﴾ أيِ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْفَناءِ: ﴿القَيُّومُ﴾ الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وقُرِئَ: القَيّامُ والقَيِّمُ.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ. أيْ: لا يَغْفُلُ عَنْ تَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ تَعالى وتَقَدَّسَ. والسِّنَةُ كَعِدَةٍ والوَسَنُ مُحَرَّكَةٌ، وبِهاءٍ والوَسْنَةُ: شِدَّةُ النَّوْمِ أوْ أوَّلُهُ، أوِ النُّعاسُ. كَذا في القامُوسِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: السِّنَةُ: فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ. والنَّوْمُ: حالٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنِ اسْتِرْخاءِ دِماغِهِ مِن رُطُوباتِ أبْخِرَةٍ مُتَصاعِدَةٍ تَمْنَعُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ عَنِ الإحْساسِ، فَهُما مُنَقِّصانِ لِلْحَياةِ مُنافِيانِ لِلْقَيُّومِيَّةِ، لِأنَّهُما مِنَ التَّغَيُّراتِ المُنافِيَةِ لِوُجُوبِ الوُجُودِ الَّذِي لِلْقَيُّومِ، ونُفِيَ النَّوْمُ أوَّلًا التِزامًا، ثُمَّ تَصْرِيحًا، لِيَدُلَّ كَمالُ نَفْيِهِ عَلى ثُبُوتِ كَمالِ ما يُنافِيهِ. ومِن كَمالِ قَيُّومِيَّتِهِ: اخْتِصاصُهُ بِمُلْكِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِنَ العَوالِمِ المُشاهَداتِ. وهَذا إخْبارٌ بِأنَّ الجَمِيعَ في مَلِكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿مَن ذا﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَضْلًا عَمّا ادَّعى الكُفّارُ شَفاعَتَهُ مِنَ الأصْنامِ: ﴿الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقاوِمَهُ أوْ يُناصِبَهُ: (p-٦٥٩)﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَمْكِينِهِ تَحْقِيقًا لِلْعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهَذا مِن عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ، أنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَشْفَعَ لِأحَدٍ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ لَهُ في الشَّفاعَةِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: ««آتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأخِرُّ ساجِدًا فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قالَ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ»» .
قالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: نَفى اللَّهُ عَمّا سِواهُ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ أوْ قِسْطٌ مِنهُ أوْ يَكُونُ عَوْنًا لِلَّهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا الشَّفاعَةُ، فَبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّبُّ، فَهَذِهِ الشَّفاعَةُ الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُونَ هي مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَما نَفاها القُرْآنُ، وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ ويَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفاعَةِ أوَّلًا، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ. وقالَ لَهُ أبُو هُرَيْرَةَ: «مَن أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِكَ؟ قالَ: «مَن قالَ: (p-٦٦٠)لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ»» . فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ لِأهْلِ الإخْلاصِ بِإذْنِ اللَّهِ، ولا تَكُونُ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ، وحَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلى أهْلِ الإخْلاصِ فَيَغْفِرُ لَهم بِواسِطَةِ دُعاءِ مِن أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، لِيُكْرِمَهُ ويَنالَ المَقامَ المَحْمُودَ، فالشَّفاعَةُ الَّتِي نَفاها القُرْآنُ ما كانَ فِيها شِرْكٌ، ولِهَذا أُثْبِتَتِ الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ في مَواضِعَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَكُونُ إلّا لِأهْلِ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما أتاهم عِلْمُهُ مِن أمْرِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ يُحِيطُ بِهِ حِسُّهُ، وما عَلِمَهُ أيْضًا، فَكَأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ قَلْبِهِ يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ: ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو ما لَمْ يَنَلْهُ عِلْمُهُمْ، لِأنَّ الخَلْفَ هو ما لا يَنالُهُ الحِسُّ، فَأنْبَأ أنَّ عِلْمَهُ مِن وراءِ عِلْمِهِمْ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِمْ فِيما عَلِمُوا وما لَمْ يَعْلَمُوا. أفادَهُ الحَرالِيُّ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ إلّا بِما أرادَ أنْ يُعْلِمَهم بِهِ مِنها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] أيْ: لِيَكُونَ ما يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِ غَيْبِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنِيَّ بِالكُرْسِيِّ: العِلْمُ. وذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ أيْ: لا يَئُودُهُ حِفْظُ ما عَلِمَ وأحاطَ بِهِ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَما أخْبَرَ عَنْ مَلائِكَتِهِ أنَّهم قالُوا في دُعائِهِمْ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فَأخْبَرَ أنَّ عِلْمَهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ (p-٦٦١)قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ظاهِرِ القُرْآنِ لِما ذُكِرَ. ولِأنَّ أصْلَ الكُرْسِيِّ العِلْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُونُ فِيها عِلْمٌ مَكْتُوبٌ: كُرّاسَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ في صِفَةِ قانِصٍ:
؎حَتّى إذا ما احْتازَها تَكَرَّسا
يَعْنِي: عَلِمَ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعُلَماءِ: الكَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ. كَما يُقالُ: أوْتادُ الأرْضِ، يَعْنِي أنَّهُمُ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِمُ الأرْضُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةُ ∗∗∗ كَراسِيَّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ
يَعْنِي بِذَلِكَ: عِلْمَهُ بِحَوادِثِ الأُمُورِ ونَوازِلِها، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُرْسِيَّ في الآيَةِ هو العَرْشُ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِأنَّ لَفْظَ عَرْشِ المَمْلَكَةِ وكُرْسِيَّها مُتَرادِفانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى عَلى لِسانِ سُلَيْمانَ: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ هُما شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما سَمّاهُ هُنا كُرْسِيًّا، إعْلامًا بِاسِمٍ لَهُ آخَرَ ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ (p-٦٦٢)أيْ: لا يُثْقِلُهُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ. يُقالُ: آدَهُ الأمْرُ أوْدًا وأُوُودًا كَقُعُودٍ بَلَغَ مِنهُ المَجْهُودَ والمَشَقَّةَ ﴿حِفْظُهُما﴾ أيِ: السَّماواتِ والأرْضِ فَلا يَفْتَقِرُ إلى شَرِيكٍ ولا ولَدٍ. وكَيْفَ يَشُقُّ عَلَيْهِ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ قالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ: عُلُوَّهُ عَنِ النَّظِيرِ والأشْباهِ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ العَلِيُّ عَلى خَلْقِهِ بِارْتِفاعِ مَكانِهِ عَنْ أماكِنِ خَلْقِهِ، لِأنَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وخَلْقَهُ دُونَهُ، كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ، فَهو عالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ ﴿العَظِيمُ﴾ أيْ: أعْظَمُ كُلِّ شَيْءٍ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ.
تَنْبِيهٌ:
آيَةُ الكُرْسِيِّ هَذِهِ لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ وفَضْلٌ كَبِيرٌ. وقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «بِأنَّها أعْظَمُ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، وأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ،» وقَدْ ساقَ ما ورَدَ في فَضْلِها الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ " والجَلالُ السُّيُوطِيُّ في " الدُّرِّ المَنثُورِ " فانْظُرْهُما.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فُضِّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى ورَدَ في فَضْلِها ما ورَدَ؟!. قُلْتُ: لِما فُضِّلَتْ لَهُ سُورَةُ الإخْلاصِ مِنِ اشْتِمالِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ وتَمْجِيدِهِ وصِفاتِهِ العُظْمى، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِن رَبِّ العِزَّةِ، فَما كانَ ذِكْرًا لَهُ كانَ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأذْكارِ.
(p-٦٦٣)وقَدْ حَكى السُّيُوطِيُّ في " الإتْقانِ " عَنِ الأشْعَرِيِّ والباقِلّانِيِّ وابْنِ حِبّانَ المَنعَ مِن أنْ يُقالَ في القُرْآنِ فاضِلٌ وأفْضَلُ. قالُوا: وما ورَدَ مِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الأعْظَمِيَّةِ في الأجْرِ، لا أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، حَتّى قالَ ابْنُ الحِصارِ: العَجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُ الِاخْتِلافَ في ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في التَّفْضِيلِ. وقالَ الغَزالِيُّ في " جَواهِرِ القُرْآنِ ": لَعَلَّكَ أنْ تَقُولَ: قَدْ أشَرْتَ إلى تَفْضِيلِ بَعْضِ آياتِ القُرْآنِ عَلى بَعْضٍ، والكَلامُ كَلامُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَتَفاوَتُ بَعْضُها بَعْضًا. وكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُها أشْرَفَ مِن بَعْضٍ؟ فاعْلَمْ أنَّ نُورَ البَصِيرَةِ إنْ كانَ لا يُرْشِدُكَ إلى الفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الكُرْسِيِّ وآيَةِ المُدايَناتِ، وبَيْنَ سُورَةِ الإخْلاصِ وسُورَةِ تَبَّتْ، وتَرْتاعُ عَلى اعْتِقادِ نَفْسِكَ الخَوّارَةِ المُسْتَغْرِقَةِ بِالتَّقْلِيدِ، فَقَلِّدْ صاحِبَ الرِّسالَةِ ﷺ، فَهو الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ وقالَ: ««يس قَلْبُ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ أفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ»» .
(p-٦٦٤)وآيَةُ الكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ. وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. والأخْبارُ الوارِدَةُ في فَضائِلِ القُرْآنِ وتَخْصِيصِ بَعْضِ السُّوَرِ والآياتِ بِالفَضْلِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ في تِلاوَتِها لا تُحْصى. انْتَهى.
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٦] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن عَمِيَ قَلْبُهُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِيهِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، فالنَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ.
(p-٦٦٥)وهُوَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في تَأْوِيلِ الآيَةِ كَثِيرٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ، أيْ: أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ. قالَ القَفّالُ - مُوَضِّحًا لَهُ - لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ؛ إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]
تَنْبِيهٌ:
عُلِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَيْفَ الجِهادِ المَشْرُوعِ في الإسْلامِ والَّذِي لا يُبْطِلُهُ عَدْلُ عادِلٍ ولا جَوْرُ جائِرٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلْإكْراهِ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، ولَكِنْ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ والإذْعانِ لِسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ العَدْلِ.
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيْ: بِالشَّيْطانِ. أيْ: بِما يَدْعُو إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنَ الدِّينِ بِأقْوى سَبَبٍ. وشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا تَنْفَصِمُ. هي في نَفْسِها مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ، ورَبْطُها قَوِيٌّ (p-٦٦٦)شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ: (لا انْفِصامَ لَها) إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مِنَ (العُرْوَةِ)، والعامِلُ (اسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (الوُثْقى) وإمّا صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ أيِ: (الَّتِي). نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: رَأيْتُ رُؤْيا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَأيْتُ كَأنِّي في رَوْضَةٍ خَضْراءَ وسَطُها عَمُودُ حَدِيدٍ أسْفَلَهُ في الأرْضِ وأعْلاهُ في السَّماءِ، في أعْلاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: اصْعَدْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لا أسْتَطِيعُ، فَجاءَنِي مُنْصِفٌ (أيْ وصَيْفٌ) فَرَفَعَ ثِيابِي مِن خَلْفِي، فَقالَ: اصْعَدْ فَصَعِدْتُ حَتّى أخَذْتُ بِالعُرْوَةِ. فَقالَ: اسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنَّها لَفي يَدِي. فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ. فَقالَ: «أمّا الرَّوْضَةُ: فَرَوْضَةُ الإسْلامِ، وأمّا العَمُودُ: فَعَمُودُ الإسْلامِ، وأمّا العُرْوَةُ: فَهي العُرْوَةُ الوُثْقى. أنْتَ عَلى الإسْلامِ حَتّى تَمُوتَ»» ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ حامِلٌ عَلى الإيمانِ، رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٧] ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: حافِظُهم وناصِرُهُمْ: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْوَلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ: نُورِ الإيمانِ الحَقِّ الواضِحِ. وإفْرادُ النُّورِ لِوَحْدَةِ الحَقِّ. كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أيِ: (p-٦٦٧)الشَّياطِينُ وسائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بِالوَساوِسِ وغَيْرِها مِن طُرُقِ الإضْلالِ والإغْواءِ: ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ: الإيمانِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً. أوْ مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والغَيِّ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ تَعالى عَلى ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الكَفَرَةُ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ بِقَوْلِهِ:
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ﴾ أيْ: جادَلَ: ﴿إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ أيْ: كَيْفَ أخْرَجَهُ الطّاغُوتُ مِن نُورِ نِسْبَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ إلى رَبِّهِ، إلى ظُلُماتِ نِسْبَتِهِما إلى نَفْسِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: لِأنْ آتاهُ اللَّهُ. يَعْنِي: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبْطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبْرَ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، أوْ حاجَّهُ لِأجْلِهِ. وضْعًا لِلْمُحاجَّةِ الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ، كَما يُقالُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ. تُرِيدُ: أنَّهُ عَكَسَ ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ لِأجْلِ الإحْسانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ بَلاءٌ وفِتْنَةٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ.
﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ حِينَ سَألَهُ مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: بِنَفْخِ الرُّوحِ في الجِسْمِ وإخْراجِها مِنهُ: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أيْ: بِالقَتْلِ (p-٦٦٨)والعَفْوِ عَنْهُ. ولَمّا سَلَكَ الطّاغِيَةُ مَسْلَكِ التَّلْبِيسِ والتَّمْوِيهِ عَلى الرِّعاعِ، كانَ بُطْلانُ جَوابِهِ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، والتَّصَدِّي لِإبْطالِهِ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إرْسالًا لِعِنانِ المُناظَرَةِ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلطّاغِيَةِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ أوْ مُشاغَبَةٍ أوْ تَلْبِيسٍ عَلى العَوامِّ. وهو ما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ أيْ: إذا كُنْتَ كَما تَدَّعِي مِن أنَّكَ تُحْيِي وتُمِيتُ فالَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ هو الَّذِي يَتَصَرَّفُ في الوُجُودِ، في خَلْقِ ذَواتِهِ وتَسْخِيرِ كَواكِبِهِ وحَرَكاتِهِ. فَهَذِهِ الشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنَ المَشْرِقِ، فَإنْ كُنْتَ إلَهًا كَما ادَّعَيْتَ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ:﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تَحَيَّرَ ودُهِشَ وغُلِبَ بِالحُجَّةِ، لَمّا عَلِمَ عَجْزَهُ وانْقِطاعَهُ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المُكابَرَةِ في هَذا المَقامِ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُلْهِمُهم حُجَّةً ولا بُرْهانًا بَلْ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences