Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:265–273
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٥] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ: و﴿وتَثْبِيتًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ. أيْ: مُبْتَغِينَ ومُتَثَبِّتِينَ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ أيْ: تَثْبِيتًا لِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا مِن شَهْوَتِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها أيْ: تَثْبِيتًا صادِرًا مِن أنْفُسِهِمْ، والتَّثْبِيتُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: يَكُونُ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مَفْعُولَ المَصْدَرِ، وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا. تَقْدِيرُهُ: (p-٦٨١)ويُثْبِتُونَ أعْمالَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا بِمَعْنى (تَثَبُّتٍ) فَيَكُونَ لازِمًا، والمَصادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ ويَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: تَبَتُّلًا. انْتَهى. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: تَثْبِيتًا تَصْدِيقًا ويَقِينًا: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ: بُسْتانٍ: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ: مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ: أخْرَجَتْ ثَمَرَها: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الجِنانِ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ، أوْ أخَفُّ المَطَرِ، أوْ أضْعَفُهُ أوِ النَّدى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ هُنا كَما تَقَدَّمَ: إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ، أيْ: ومَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ... إلخ، أوْ كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةٍ إلخ؛ رِعايَةً لِلتَّناسُبِ.
قالَ الشِّهابُ: وفي التَّشْبِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُرَكَّبٌ، والتَّشْبِيهُ لِحالِ النَّفَقَةِ بِحالِ الجَنَّةِ بِالرَّبْوَةِ في كَوْنِها زاكِيَةً مُتَكَثِّرَةَ المَنافِعِ عِنْدَ اللَّهِ، كَيْفَما كانَتِ الحالُ.
والثّانِي: أنَّ تَشْبِيهَ حالِهِمْ بِحالِ الجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ في أنَّ نَفَقَتَهُمْ، كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، زاكِيَةٌ زائِدَةٌ في حُسْنِ حالِهِمْ، كَما أنَّ الجَنَّةَ يُضَعِّفُ أُكُلَها قَوِيُّ المَطَرِ وضَعِيفُهُ، وهَذا أيْضًا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، إلّا أنَّهُ لُوحِظَ الشَّبَهُ فِيما بَيْنُ المُفْرَداتِ، وحاصِلُهُ: أنَّ حالَهم في اتِّباعِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ تَضْعِيفُ الأجْرِ، كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ تَضْعِيفُ ثِمارِها، ويَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا وهو أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ بِالمُفْرَدِ، بِأنَّ تُشَبَّهَ حالُهم بِجَنَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، والنَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ بِالطَّلِّ والوابِلِ، والأجْرِ والثَّوابِ بِالثَّمَراتِ، والرَّبْوَةُ مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وأُكُلٌ بِضَمَّتَيْنِ، وتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ. وبِهِ قُرِئَ: (واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّياءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
(p-٦٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٦] ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ: كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ أيْ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ: ﴿فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ، وبَقِيَ صاحِبُها بِمَضْيَعَةٍ مَعَ ضَعْفِهِ وثِقَلِ ظَهْرِهِ بِالعِيالِ وقِلَّةِ المالِ، والمَعْنى: تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ، ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها، كَرِياءٍ وإيذاءٍ، في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مِن هَذا شَأْنُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: فِيها، فَتَعْتَبِرُونَ بِها. ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي، قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي، (p-٦٨٣)حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ. (قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وهو مِن أفْرادِ البُخارِيِّ) ولِابْنِ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ الخَيْرِ، حَتّى إذا كانَ حِينَ فَنِيَ عُمْرُهُ خُتِمَ ذَلِكَ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، فَأفْسَدَ ذَلِكَ فَأحْرَقَهُ.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ هَذا بَيانٌ لِحالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ، إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ، أيْ: أنْفِقُوا مِن جِيادِ ما كَسَبْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فَمُقْتَضى الإيمانِ الإنْفاقُ مِنَ الجَيِّدِ، سِيَّما ما يُطْلَبُ بِهِ رِضا اللَّهِ وتَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفي الأمْرِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما يُمَثَّلُ بِالزَّرْعِ المُنْبَتِ سَبْعَ سَنابِلَ، أوْ بِالجَنَّةِ بِرَبْوَةٍ، ما أنْفَقَ مِنَ الجَيِّدِ: ﴿ومِمّا﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما: ﴿أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا: ﴿الخَبِيثَ﴾ أيِ: الرَّدِيءَ مِن أمْوالِكم ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: بِقابِلِيهِ يَعْنِي الرَّدِيءَ إذا أُهْدِيَ إلَيْكُمْ: ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ تَتَسامَحُوا في أخْذِهِ وتَتَرَخَّصُوا فِيهِ. مِن قَوْلِكَ: أغْمَضَ فُلانٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ إذا غَضَّ بَصَرَهُ، ويُقالُ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تَسْتَقِصَّ، كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ. كَذا في " الكَشّافِ ".
قالَ الرّازِيُّ: الإغْماضُ في اللُّغَةِ غَضُّ البَصَرِ وإطْباقُ جَفْنٍ عَلى جَفْنٍ، والمُرادُ هَهُنا: المُساهَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يَكْرَهُ أغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ (p-٦٨٤)كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ كُلُّ تَجاوُزٍ ومُساهَلَةٍ في البَيْعِ وغَيْرِهِ إغْماضًا. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: لَوْ أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ، لَما أخَذْتُمُوها إلّا عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ؟!: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِمَنفَعَتِكُمْ: ﴿حَمِيدٌ﴾ يُجازِي المُحْسِنَ أفْضَلَ الجَزاءِ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، مَعَ ظُهُورِ عَلَمِهِمْ بِهِ، تَوْبِيخٌ عَلى إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ تَعالى، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الجَيِّدِ حَذَّرَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في ذَلِكَ فَقالَ:
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٨] ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ في الإنْفاقِ: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ: البَخِيلُ. قالَ طَرَفَةُ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
قالَ الحَرالِيُّ: الفَحْشاءُ: كُلُّ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ اسْتِقْباحاتُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِها هُنا البُخْلُ الَّذِي هو أدْوَأُ داءٍ، لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الفَقْرِ، وعَلَيْهِ يَنْبَنِي شَرُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُلازِمُهُ الحِرْصُ ويُتابِعُهُ الحَسَدُ ويَتَلاحَقُ بِهِ الشَّرُّ كُلُّهُ.
﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ لا سِيَّما مِنَ الجَيِّدِ: ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِلذُّنُوبِ: ﴿وفَضْلا﴾ خَلَفًا وثَوابًا في الآخِرَةِ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ قُدْرَةً وفَضْلًا فَيُحَقِّقُ ما وعَدَكم بِهِ مِنَ المَغْفِرَةِ وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِصَدَقاتِكُمْ، فَلا يُضَيِّعُ أجْرَكم.
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
(p-٦٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦٩] ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ .
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ كَثِيرُونَ: الحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ والعَمَلِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ وهي كالنِّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمٌ إذا كانَ ذا حِجًا ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهي في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]
﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ إذْ بِها انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، وفي إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِي لا يَغْتَرُّ بِوَعْدِ الشَّيْطانِ ويُوقِنُ بِوَعْدِ اللَّهِ هو مَن آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِأمْثالِ القُرْآنِ والحِكْمَةِ: ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ذَوُو العُقُولِ مِنَ النّاسِ، الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الهَوى، وهُمُ الحُكَماءُ، والمُرادُ بِهِ: الحَثُّ عَلى العَمَلِ بِما تَضَمَّنَتِ الآيُ في مَعْنى الإنْفاقِ.
2:270Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٠] ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ أيْ: يَؤُولُ إلى الإنْفاقِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءَ النّاسِ، أوْ يَضَعُونَ الإنْفاقَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ بِضَمِّ المَنِّ والأذى إلَيْهِ، أوْ بِالإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ، (p-٦٨٦)أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ، أوْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في المَعاصِي، أوْ لا يَفُونَ بِالنُّذُورِ: ﴿مِن أنْصارٍ﴾ أيْ: مِن أعْوانٍ يَنْصُرُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِ السَّخِيِّ وبِيَدِ الكَرِيمِ كُلَّما عَثَرَ، فَيَجِدُ لَهُ نَصِيرًا، ولا يَجِدُ الظّالِمُ، بِوَضْعِ القَهْرِ مَوْضِعَ البِرِّ، ناصِرًا.
2:271Page 46
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧١] ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أجْمَلَ في الشَّرْطِيَّةِ، وبَيانٌ لَهُ، ولِذَلِكَ تَرَكَ العَطْفَ بَيْنَهُما، أيْ: إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، لِأنَّهُ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ ويَدْعُو لَهُ كُلَّ مَن يَسْمَعُ مِن مُحْتاجٍ وغَيْرِهِ، ويُفِيدُ اتِّباعَ النّاسِ إيّاهُ: ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ أيْ: تُسِرُّوها مَخافَةَ الرِّياءِ، وسَتْرًا لِعارِ الفُقَراءِ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَلانِيَةِ، لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الإخْلاصِ الَّذِي هو رُوحُ العِباداتِ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ ذُنُوبِكم بِقَدْرِ صَدَقاتِكُمْ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلُّهُ: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، ورَجُلانِ تَحابّا في اللَّهِ اجْتَمَعا عَلَيْهِ وتَفَرَّقا عَلَيْهِ، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخْفى حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ (p-٦٨٧)أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: «سِرٌّ إلى فَقِيرٍ، أوْ جَهْدٌ مِن مُقِلٍّ»» .
لَطائِفُ:
قالَ أبُو البَقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَنِعِمّا هِيَ): نِعْمَ فِعْلٌ جامِدٌ لا يَكُونُ فِيهِ مُسْتَقْبَلٌ، وأصْلُهُ نَعِمَ، كَعَلِمَ، وقَدْ جاءَ عَلى ذَلِكَ في الشِّعْرِ، إلّا أنَّهم سَكَّنُوا العَيْنَ ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى النُّونِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى الأصْلِ، ومِنهم مَن يَتْرُكُ النُّونَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ، ومِنهم مَن يَكْسِرُ النُّونَ والعَيْنَ اتِّباعًا، وبِكُلٍّ قَدْ قُرِئَ، وفاعِلُ (نِعْمَ) مُضْمَرٌ و(ما) بِمَعْنى شَيْءٍ، ثُمَّ قالَ: (ونُكَفِّرُ عَنْكُمْ) يُقْرَأُ بِالنُّونِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُقْرَأُ بِالياءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا، وعَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ الإخْفاءِ. ويُقْرَأُ (وتُكَفِّرُ) بِالتّاءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الصَّدَقَةِ. ويُقْرَأُ بِجَزْمِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: ونَحْنُ أوْ وهِيَ، و(مِن) هُنا زائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، فَيَكُونُ (سَيِّئاتِكُمُ) المَفْعُولَ، وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكُمْ، والسَّيِّئَةُ فَيْعَلَةٌ، وعَيْنُها واوٌ لِأنَّها مِن: ساءَ يَسُوءُ، فَأصْلُها سَيْوِئَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها. انْتَهى.
وفِي " غَيْثِ النَّفْعِ ": قَرَأ (فَنِعَمّا) الشّامِيُّ والأخَوانِ بِفَتْحِ النُّونِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ، وقَرَأ قالُونُ والبَصَرِيُّ وشُعْبَةُ بِإسْكانِ العَيْنِ، واخْتارَ كَثِيرٌ لَهم إخْفاءَ كَسْرَةِ العَيْنِ، يُرِيدُونَ الِاخْتِلاسَ فِرارًا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، والباقُونَ بِكَسْرِ العَيْنِ، واتَّفَقُوا عَلى تَشْدِيدِ المِيمِ، ثُمَّ ناقَشَ الشّاطِبِيُّ في كَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ لِقالُونَ ومَن عَطْفِ عَلَيْهِ إلّا الإخْفاءَ، مَعَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُمُ الإسْكانُ المَحْضُ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُ في نَشْرِهِ أنَّ الدّانِيَ رَوى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ قالَ: والإسْكانُ آثَرُ والإخْفاءُ أقْيَسُ وهو قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والحَسَنِ، وغايَةُ ما فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولَيْسَ أوَّلُهُما حَرْفَ مَدٍّ ولِينٍ، وهو جائِزٌ قِراءَةً ولُغَةً، ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ ولَوْ كانَ إمامَ البَصْرَةِ، والمُنْكِرُ لَهُ هُنا يَقْرَأُ بِهِ لِحَمْزَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَما اسْتَطاعُوا) . بِالكَهْفِ إذْ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ وصْلًا بِلا شَكٍّ؛ إذِ السِّينُ ساكِنٌ والطّاءُ مُشَدَّدٌ وهَذا مِثْلُهُ. (p-٦٨٨)واللَّهُ أعْلَمُ. وبِهِ يُعْلَمُ رَدُّ ما قِيلَ إنَّ راوِيَ التَّسْكِينِ لَمْ يَضْبِطِ القِراءَةَ لِأنَّ القارِئَ اخْتَلَسَ كَسْرَةَ العَيْنِ فَظَنَّهُ إسْكانًا، فَإنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ جَوازِهِ لُغَةً، كَما حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ، وعَنِ القِراءَةِ بِنَظِيرِهِ في (اسْتَطاعُوا) وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
2:272Page 46
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الإتْيانِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ المَحاسِنِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَساوِئِ المَعْدُودَةِ كالمَنِّ والأذى والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ والبُخْلِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ عَقِيبَ بَيانِكَ لِجَرَيانِ سُنَّتِهِ بِخَلْقِ الأشْياءِ عَقِيبَ أسْبابِها، لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُكَلَّفِينَ، مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ، فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَدارُكِ أمْرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْذِنٌ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: بِالحَقِيقَةِ، لِأنَّ المُنْفَقَ عَلَيْهِ إنَّما يَقْضِي بِها حاجَتَهُ الفانِيَةَ ويَحْصُلُ لَكم بِها الثَّوابُ الأبَدِيُّ، فَلِمَ تَمُنُّونَ بِهِ عَلى النّاسِ وتُؤْذُونَهُمْ؟ ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. أيْ: فَلا تَسْتَطِيلُوا بِهِ عَلى النّاسِ (p-٦٨٩)ولا تُراءُوا بِهِ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا تُنْقَصُونَ مِن حَسَناتِكُمْ، كَما لا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِكم.
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٣] ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ. أيِ: اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ، أوْ صَدَقاتِكم لِلْفُقَراءِ، أيِ: المُحْتاجِينَ إلى النَّفَقَةِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: حَبَسُوا أنْفُسَهم في طاعَتِهِ تَعالى مِن جِهادٍ أوْ غَيْرِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ أيْ: ذَهابًا: ﴿فِي الأرْضِ﴾ لِاكْتِسابٍ أوْ تِجارَةٍ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ: ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤالِ، والتَّلْوِيحُ بِهِ قَناعَةٌ بِما أعْطاهم مَوْلاهُمْ، ورِضًا عَنْهُ، وشَرَفُ نَفْسٍ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ بِما يَظْهَرُ لِذَوِي الألْبابِ مِن صِفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقالَ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحَدِيثِ الَّذِي في السُّنَنِ: (p-٦٩٠)««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»» ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ الغَزالِيُّ: يَنْبَغِي أنْ يُطْلَبَ بِالفَحْصِ عَنْ أهْلِ الدِّينِ في كُلِّ مَحَلَّةٍ، ويُسْتَكْشَفَ عَنْ بَواطِنِ أحْوالِ أهْلِ الخَيْرِ والتَّجَمُّلِ، مِمَّنْ يَكُونُ مُسْتَتِرًا مُخْفِيًا حاجَتَهُ لا يُكْثِرُ البَثَّ والشَّكْوى، أوْ يَكُونُ مِن أهْلِ المُرُوءَةِ مِمَّنْ ذَهَبَتْ نِعْمَتُهُ وبَقِيَتْ عادَتُهُ، فَهو يَتَعَيَّشُ في جِلْبابِ التَّجَمُّلِ، فَثَوابُ صَرْفِ المَعْرُوفِ إلَيْهِمْ أضْعافُ ما يُصْرَفُ إلى المُجاهِرِينَ بِالسُّؤالِ، كَما يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ بِصَدَقَتِهِ مَن تَزْكُو بِهِ الصَّدَقَةُ، كَأنْ يَكُونَ أهْلَ عِلْمٍ، فَإنَّ ذَلِكَ إعانَةٌ لَهُ عَلى العِلْمِ، والعِلْمُ أشْرَفُ العِباداتِ مَهْما صَحَّتْ فِيهِ النِّيَّةُ، وكانَ ابْنُ المُبارَكِ يُخَصِّصُ بِمَعْرُوفِهِ أهْلَ العِلْمِ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ عَمَّمْتَ؟! فَقالَ: إنِّي لا أعْرِفُ بَعْدَ مَقامِ النُّبُوَّةِ أفْضَلَ مِن مَقامِ العُلَماءِ، فَإذا اشْتَغَلَ قَلْبُ أحَدِهِمْ بِحاجَتِهِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ ولَمْ يُقْبِلْ عَلى التَّعَلُّمِ، فَتَفْرِيغُهم لِلْعِلْمِ أفْضَلُ.
لَطِيفَةٌ:
السِّيما مَقْصُورٌ، كالسِّيمَةِ، والسِّيماءُ والسِّيمِياءُ (مَمْدُودَيْنِ بِكَسْرِهِنَّ). والسُّومَةُ (بِالضَّمِّ): العَلامَةُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ سِيما حَسَنَةٌ، مَعْناهُ عَلامَةٌ، وهي مَأْخُوذَةٌ مَن وسَمْتُ أسِمُ، والأصْلُ في (سِيما) وسْمى، فَحُوِّلَتِ الواوُ مِن مَوْضِعِ الفاءِ فَوُضِعَتْ في مَوْضِعِ العَيْنِ، كَما قالُوا: ما أطْيَبَهُ وأيْطَبَهُ، فَصارَ سُومى. وجُعِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، قالَ السَّمِينُ: فَوَزْنُ سِيما عَفْلا، وإذا مُدَّتْ فالهَمْزَةُ فِيها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ حَرْفٍ زائِدٍ لِلْإلْحاقِ، إمّا واوٌ أوْ ياءٌ، فَهي كَعِلْباءٍ، مُلْحَقَةً بِسِرْداحٍ، فالهَمْزَةُ لِلْإلْحاقِ، لا لِلتَّأْنِيثِ وهي مُنْصَرِفَةٌ لِذَلِكَ. انْتَهى.
﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْحِفِينَ. يُقالُ: ألْحَفَ عَلَيْهِ إلخ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإلْحافُ الإلْحاحُ وهو اللُّزُومُ، وأنْ لا يُفارِقَ إلّا بِشَيْءٍ يُعْطاهُ، مِن قَوْلِهِمْ: لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ. أيْ: أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ. قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ سَألُوا سَألُوا (p-٦٩١)بِتَلَطُّفٍ ولَمْ يُلِحُّوا، فَيَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ وحْدَهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَفْيٌ لِلسُّؤالِ والإلْحافِ جَمِيعًا، فَمَرْجِعُ النَّفْيِ إلى القَيْدِ ومُقَيِّدُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى سُوءِ طَرِيقَةِ مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا، واسْتِيجابُ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ لِلْمُتَعَفِّفِ عَنْ ذَلِكَ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ ولا اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تَزالُ المَسْألَةُ بِأحَدِكم حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَ في وجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ المَسائِلَ كَدَوْحٍ يَكْدَحُ بِها الرَّجُلُ وجْهَهُ، فَمَن شاءَ أبْقى ومَن شاءَ تَرَكَ، إلّا أنْ يَسْألَ ذا سُلْطانٍ، أوْ في أمْرٍ لا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (p-٦٩٢)سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««المَسْألَةُ كَدَوْحٍ في وجْهِ صاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن شاءَ اسْتَبْقى عَلى وجْهِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَألَ النّاسَ أمْوالَهم تَكَثُّرًا فَإنَّما يَسْألُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ سَهْلِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَألَ شَيْئًا وعِنْدَهُ ما يُغْنِيهِ فَإنَّما يَسْتَكْثِرُ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِيهِ؟ قالَ: «ما يُغَدِّيهِ أوْ يُعَشِّيهِ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ «عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: كُنّا تِسْعَةً أوْ ثَمانِيَةً أوْ سَبْعَةً فَقالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقُلْنا عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، وتُطِيعُوا ولا تَسْألُوا النّاسَ، فَلَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أحَدِهِمْ فَلا يَسْألُ أحَدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ».
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَأنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكم حُزْمَةً عَلى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ أحَدًا فَيُعْطِيَهُ أوْ يَمْنَعَهُ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««اللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَنِ اسْتَغْنى (p-٦٩٣)أغْناهُ اللَّهُ، ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ، ومَنِ اسْتَكْفى كَفاهُ اللَّهُ، ومَن سَألَ ولَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ ألْحَفَ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطاءَ فَأقُولُ: أعْطِهِ مَن هو أفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقالَ: «خُذْهُ، إذا جاءَكَ مِن هَذا المالِ شَيْءٌ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ وإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ. وما لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»» .
قالَ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا، ولا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: ولَوْ عَلى المُلِحِّينَ وعَلى مَن لَمْ يَتَحَقَّقْ فَقْرُهم أوْ لَمْ تَشْتَدَّ حاجَتُهُمْ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَيُجازِي بِحَسَبِهِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَخْتَصُّ الإنْفاقُ بِوَقْتٍ أوْ حالٍ بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences