Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:283–285

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:283–285

2:283Page 49

۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٣] ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: مُسافِرِينَ وتَدايَنْتُمْ إلى أجَلٍ مُسَمّى: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (p-٧٢٤)أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَقْبِضُها صاحِبُ الحَقِّ، وثِيقَةً لِدَيْنِهِ. هَذا إذا لَمْ يَأْمَنِ البَعْضُ البَعْضَ بِلا وثِيقَةٍ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الارْتِهانِ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدِينُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ، ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ: ﴿أمانَتَهُ﴾ أيْ: دَيْنَهُ. وإنَّما سُمِّيَ أمانَةً: لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في رِعايَةِ حُقُوقِ الأمانَةِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى:﴿ولا تَكْتُمُوا﴾ أيُّها الشُّهُودُ: ﴿الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ فَإنَّهُ آثِمٌ. وما فائِدَةُ ذِكْرِ القَلْبِ والجُمْلَةُ هي الآثِمَةُ لا القَلْبُ وحْدَهُ؟ قُلْتُ: كِتْمانُ الشَّهادَةِ هو أنْ يُضْمِرَها ولا يَتَكَلَّمَ بِها، فَلَمّا كانَ إثْمًا مُقْتَرَفًا بِالقَلْبِ أُسْنِدَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ. ألا تَراكَ تَقُولُ، إذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي، ولِأنَّ القَلْبَ هو رَئِيسُ الأعْضاءِ، والمُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ تَمَكَّنَ الإثْمُ في أصْلِ نَفْسِهِ، ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ فِيهِ. ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، ولِيُعْلَمَ أنَّ القَلْبَ أصْلُ مُتَعَلِّقِهِ ومَعْدِنُ اقْتِرافِهِ، (p-٧٢٥)واللِّسانَ تُرْجُمانٌ عَنْهُ، ولِأنَّ أفْعالَ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، وهي لَها كالأُصُولِ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، ألا تَرى أنَّ أصْلَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ الإيمانُ والكُفْرُ، وهُما مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَإذا جَعَلَ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِن آثامِ القُلُوبِ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ مِن مُعْظَمِ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ. كَقَوْلِهِ: سَفِهَ نَفْسَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أثِمَ قَلْبُهُ. أيْ: جَعَلَهُ آثِمًا: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِقُلُوبِكم وألْسِنَتِكم وجَوارِحِكُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾

2:284Page 49

لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٤] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ: تُظْهِرُوا: ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِاللِّسانِ أوِ الجَوارِحِ: ﴿أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ومَعْنى هَذا المُلْكِ، أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَمّا كانَتْ مُحْدَثَةً فَقَدْ وُجِدَتْ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ، ومَن كانَ فاعِلًا لِهَذِهِ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ المُتْقَنَةِ العَجِيبَةِ الغَرِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الحِكَمِ المُتَكاثِرَةِ والمَنافِعِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِها. إذْ مِنَ المُحالِ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ الجاهِلِ بِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، مَعَ ما فِيها مِن وُجُوهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأجْزائِها وجُزْئِيّاتِها.

قالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأوْعَدَ عَلَيْهِ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيُجازِي عَلى الكِتْمانِ والإظْهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ (p-٧٢٦)وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ إلخ نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ وإقامَتِها.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم مِن شَيْءٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا» . قالَ: فَألْقى اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ». وفي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيِّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَتْ هَذِهِ الوَسْوَسَةُ مِمّا لا طاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِها، وصارَ الأمْرُ إلى أنْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنَّ لِلنَّفْسِ ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، أقُولُ إنَّ ما جاءَ مِن أنَّ الآيَةَ هالَتْ مَن هالَتْ مِنَ الصَّحابَةِ، فَإنَّما جاءَهُ مِن عُمُومِها ومِن قَوْلِهِ: ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ إذْ حَمَلَهُ عَلى حِسابِ المُؤاخَذَةِ، فَأمّا عُمُومُها فَنَظْمُها ظاهِرٌ فِيهِ، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ الشَّهادَةَ وكِتْمانَها أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرِها ثانِيًا وبِالعَرْضِ، وأمّا حَمْلُ الحِسابِ عَلى المُؤاخَذَةِ والِانْتِقامِ فَإنْ كانَ عُرْفِيًّا أوْ لُغَوِيًّا فالإخْفاءُ حِينَئِذٍ مُرادٌ بِهِ إخْفاءٌ مُتَّفَقٌ عَلى حَظْرِهِ، كَنِفاقٍ ورَيْبٍ في الدِّينِ، ولا إشْكالَ في الآيَةِ، وقَدْ يُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الإيمانِ بَعْدَهُ، ويَكُونُ خِتامُ السُّورَةِ بِالإبْداءِ والإخْفاءِ بِمَثابَةِ رَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ، لِافْتِتاحِ السُّورَةِ بِالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما لِكُلٍّ مِنهُما، وإنْ لَمْ يَكُنِ الحِسابُ حَقِيقَةً فِيما ذُكِرَ بَلْ كانَ مَعْناهُ إيقافَهُ تَعالى العَبْدَ عَلى عَمَلِهِ خَيْرًا أوْ شَرًّا وإراءَتِهِ عاقِبَتَهُ الحُسْنى أوِ السُّوأى، وهو الَّذِي يَظْهَرُ، فَلا إشْكالَ أيْضًا. فَما رُوِيَ عَنْ بَعْضَ الصَّحْبِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ مَنشَؤُهُ قُوَّةُ اليَقِينِ وشِدَّةُ الخَوْفِ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ مَعَ وُرُودِ الحِسابِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ في مَعْرِضِ أخْطارِ القِيامَةِ مِمّا يَحِقُّ أنْ (p-٧٢٧)يَخْفِقَ لَهُ فُؤادُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ولا تَنْسَ ما أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، أنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتْ في كَذا، قَدْ يُرادُ أنَّ كَذا مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ لِعُمُومِها لَهُ ولِغَيْرِهِ. وهَكَذا هُنا، فالآيَةُ وإنْ كانَ سِياقُها في الشَّهادَةِ وكِتْمانِها، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ غَيْرَها بِعُمُومِها، ولِذَلِكَ دَخَلَ فِيها الوَسْوَسَةُ وتَوَهُّمُ ما تُوُهِّمَ، وقَوْلُهُ في الرِّوايَةِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا يُتَوَهَّمُ التَّراخِي بَيْنَ ما دَخَلَ قُلُوبَهم وبَيْنَ نُزُولِها، بَلِ المُرادُ، كَما أسْلَفْنا في سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ لَفْظَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلخ الَّذِي نَزَلَ مَعَها مُبَيِّنٌ أنْ لا حَرَجَ في مِثْلِ الوَسْوَسَةِ ونَحْوِها، فافْهَمْ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وبِهِ يُزاحُ عَنْكَ ما يَبْحَثُ فِيهِ الكَثِيرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ويَرَوْنَهُ مِنَ المُعْضِلاتِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

هَذا وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي ما وسْوَسَتْ بِها صُدُورُها، ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوها عَلَيْهِ، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها سَيِّئَةً وإذا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها فاكْتُبُوها حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها عَشْرًا»» ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ وقُرِئَ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: فَهو يَغْفِرُ إلخ. وبِجَزْمِهِما عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ إشْعارٌ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالَ الرّازِيُّ: قَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّهُ كامِلُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ إلخ. أنَّهُ كامِلُ العِلْمِ والإحاطَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّكْوِينِ والإعْدامِ، ولا كَمالَ أعْلى وأعْظَمَ مِن حُصُولِ الكَمالِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، والمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الكَمالاتِ يَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا مُنْقادًا لَهُ، خاضِعًا لِأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ، مُحْتَرِزًا عَنْ سُخْطِهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

2:285Page 49

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

(p-٧٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٥] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ كَما قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ» والتَّرَقِّي بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَذَلِكَ آمَنُوا.

قالَ الزَّجّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والطَّلاقِ والحَيْضِ والإيلاءِ والجِهادِ وقَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرِّبا والدَّيْنِ، خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ لِتَعْظِيمِهِ وتَصْدِيقِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وغَيْرِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ وفَذْلَكَةً.

لَطِيفَةٌ:

قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ إمّا مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. أعْنِي: كُلٌّ آمَنَ، والعائِدُ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينُ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ في " كُلٌّ "، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ العائِدِ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينَ النّائِبَ مَنابَ الضَّمِيرِ، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّنْوِينُ راجِعًا إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وقَدِ اخْتارَ كَثِيرُونَ الأوَّلَ، ومِنهُمُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ في تَوْجِيهِهِ. وعِنْدِي أنَّ الوَجْهَ هو الثّانِي، (p-٧٢٩)لِأنَّ المَقامَ لِتَعْدادِ المُؤْمِنِ بِهِ، وذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وإنْ كانَ كُنْهُ إيمانِ الرَّسُولِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فالمَقامُ لَيْسَ مَقامَ الخُصُوصِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ: ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أيْ: بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ، ولا نَشُكُّ في كَوْنِهِمْ عَلى الحَقِّ وبِالحَقِّ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: قَوْلَكَ وفَهِمْناهُ: ﴿وأطَعْنا﴾ أيِ: امْتَثَلْنا أمْرَكَ وقُمْنا بِهِ واسْتَقَمْنا عَلَيْهِ، ولَمّا عَلِمُوا أنَّهم لا يَخْلُونَ مِن تَقْصِيرٍ، وأنَّ الرَّبَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذُنُوبَنا، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ والطّاعَةِ عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ لِما أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ والقَبُولِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أيِ: الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِكَ، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ، لَمّا أنَّ الرُّجُوعَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском