Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:30–34
2:30Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ ] ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أيْ: قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقالَ (p-٩٥)﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] وقالَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنكم، لِأنَّهم كانُوا سُكّانَ الأرْضِ، فَخَلَفَهم فِيها آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وأنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنِّي، لِأنَّ آدَمَ كانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ نَبِيٍّ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] والغَرَضُ مِن إخْبارِ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ، هو أنْ يَسْألُوا ذَلِكَ السُّؤالَ، ويُجابُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، فَيَعْرِفُوا حِكْمَتَهُ في اسْتِخْلافِهِمْ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، صِيانَةً لَهم عَنِ اعْتِراضِ الشُّبْهَةِ في وقْتِ اسْتِخْلافِهِمْ، أوِ الحِكْمَةُ: تَعْلِيمُ العِبادِ المُشاوَرَةَ في أُمُورِهِمْ قَبْلَ أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْها، وعَرْضُها عَلى ثِقاتِهِمْ ونُصَحائِهِمْ -وإنْ كانَ هو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ غَنِيًّا عَنِ المُشاوَرَةِ- أوْ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ، بِأنْ بَشَّرَ بِوُجُودِ سُكّانِ مَلَكُوتِهِ، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ إيجادِهِ، ولَقَّبَهُ بِالخَلِيفَةِ.
﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هَذا تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ -لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها- مَن يُفْسِدُ فِيها، واسْتِعْلامٌ عَنِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. أيْ: كَيْفَ تَسْتَخْلِفُ هَؤُلاءِ، مَعَ أنَّ (p-٩٦)مِنهم مَن يُفْسِدُ في الأرْضِ ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ فَإنْ كانَ المُرادُ عِبادَتَكَ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، ونُقَدِّسُ لَكَ -أيْ ولا يَصْدُرُ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ- وهَلّا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْنا ... ؟ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم "إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ: إنَّ لِي حِكْمَةً -فِي خَلْقِ الخَلِيقَةِ- لا تَعْلَمُونَها.
فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ عَرَفَ المَلائِكَةُ ذَلِكَ حَتّى تَعَجَّبُوا مِنهُ، وإنَّما هو غَيْبٌ ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهم عَرَفُوهُ: إمّا بِعِلْمٍ خاصٍّ، أوْ بِما فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. فَإنَّهُ أخْبَرَهم أنَّهُ يَخْلُقُ هَذا الصِّنْفَ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أوْ فَهِمُوا مِنَ "الخَلِيفَةِ" أنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ، ما يَقَعُ بَيْنَهم مِنَ المَظالِمِ، ويَرْدَعُهم عَنِ المَحارِمِ والمَآثِمِ.
قالَ العَلّامَةُ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، في الأرْضِ خَلْقٌ يَعْصُونَ، قاسَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ حالَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ. بَلْ آدَمُ أوَّلُ ساكِنِيها بِنَفْسِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أيْ: نُنَزِّهُكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ، مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِكَ- عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَوْفِيقُنا لِهَذِهِ العِبادَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ أيْ: نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ -مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ- ونُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ. وقِيلَ: المَعْنى نُطَهِّرُ نُفُوسَنا عَنِ الذُّنُوبِ لِأجْلِكَ. كَأنَّهم قابَلُوا الفَسادَ، الَّذِي أعْظَمُهُ الإشْراكُ بِالتَّسْبِيحِ. وسَفْكَ الدِّماءِ الَّذِي هو تَلْوِيثُ النَّفْسِ بِأقْبَحِ الجَرائِمِ، بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ الآثامِ. لا تَمَدُّحًا بِذَلِكَ، ولا إظْهارًا لِلْمِنَّةِ، بَلْ بَيانًا لِلْواقِعِ
(p-٩٧)تَنْبِيهاتٌ
فِي وُجُوهِ فَوائِدَ مِنَ الآيَةِ
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى -فِي عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ- يَرْضى لِعَبِيدِهِ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ حِكْمَتِهِ في صُنْعِهِ، وما يَخْفى عَلَيْهِمْ مِن أسْرارِهِ في خَلْقِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ الحَيْرَةِ. والسُّؤالُ يَكُونُ بِالمَقالِ، ويَكُونُ بِالحالِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى في إفاضَةِ العِلْمِ بِالمَطْلُوبِ مِن يَنابِيعِهِ الَّتِي جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى بِأنْ يَفِيضَ مِنها -كالبَحْثِ العِلْمِيِّ، والِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ، والإلْهامِ الإلَهِيِّ- .
الثّانِي: إذا كانَ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وحِكَمِهِ، ما يَخْفى عَلى المَلائِكَةِ، فَنَخْنُ أوْلى بِأنْ يَخْفى عَلَيْنا، فَلا مَطْمَعَ لِلْإنْسانِ في مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أسْرارِ الخَلِيقَةِ وحُكْمِها، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا. . . . . . . !
الثّالِثُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى المَلائِكَةَ في حَيْرَتِهِمْ، وأجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ -بَعْدَ الإرْشادِ- إلى الخُضُوعِ والتَّسْلِيمِ. وذَلِكَ أنَّهُ -بَعْدَ أنْ أخْبَرَهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ- عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
الرّابِعُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ تَكْذِيبِ النّاسِ، ومُحاجَّتِهِمْ في النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ بُرْهانٍ، عَلى إنْكارِ ما أنْكَرُوا، وبُطْلانِ ما جَحَدُوا. فَإذا كانَ المَلَأُ الأعْلى قَدْ مُثِّلُوا عَلى أنَّهم يَخْتَصِمُونَ، ويَطْلُبُونَ البَيانَ والبُرْهانَ، فِيما لا يَعْلَمُونَ، فَأجْدِرْ بِالنّاسِ أنْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ، وبِالأنْبِياءِ أنْ يُعامِلُوهم كَما عامَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ. أيْ: فَعَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَصْبِرَ عَلى هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، وتُرْشِدَ المُسْتَرْشِدِينَ، وتَأْتِيَ أهْلَ الدَّعْوَةِ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يُبَيِّنُ اتِّصالَ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها. وكَوْنَ الكَلامِ لا يَزالُ في مَوْضُوعِ الكِتابِ، وكَوْنَهُ لا رَيْبَ فِيهِ؛ والرَّسُولِ، وكَوْنَهُ يُبَلِّغُ وحْيَ اللَّهِ تَعالى، ويَهْدِي بِهِ عِبادَهُ، واخْتِلافَ النّاسِ فِيها.
(p-٩٨)ومِن خَواصِّ القُرْآنِ الحَكِيمِ الِانْتِقالُ مِن مَسْألَةٍ إلى أُخْرى مُبايِنَةٍ لَها، أوْ قَرِيبَةٍ مِنها، مَعَ كَوْنِ الجَمِيعِ في سِياقِ مَوْضُوعٍ واحِدٍ، -كَذا في تَفْسِيرِ مُفْتِي مِصْرَ- .
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم أوَّلًا عَلى وجْهِ الإجْمالِ والإبْهامِ، أنَّ في الخَلِيفَةِ فَضائِلَ غائِبَةً عَنْهم، لِيَسْتَشْرِفُوا إلَيْها، أبْرَزَ لَهم طَرَفًا مِنها، لِيُعايِنُوهُ جَهْرَةً، ويُظْهِرَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ، وتَنْزاحَ شُبْهَتُهم بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ:
2:31Page 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ ] ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها" إمّا بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِها فِيهِ، أوْ إلْقاءٍ في رُوعِهِ. وآدَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن أدَمَهْ، وهي لَفْظَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها التُّرابُ، لِأنَّهُ جُبِلَ مِن تُرابِ الأرْضِ. كَما أنَّ حَوّاءَ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها "حَيٌّ"، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ أُمَّ الأحْياءِ. والمُرادُ بِالأسْماءِ، أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ: إنْسانٌ، ودابَّةٌ، وأرْضٌ، وسَهْلٌ، وبَحْرٌ، وجَبَلٌ، وحِمارٌ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ وغَيْرِها، وفي التَّوْراةِ مِصْداقُ الآيَةِ: وهو أنَّهُ تَعالى صَوَّرَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ حَيَواناتِ البَرِّ، وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ، وأحْضَرَها إلى آدَمَ، لِيَنْظُرَ ما يُسَمِّيها، وكُلُّ ما سَمّاهُ آدَمُ مِن نَفْسٍ حَيَّةٍ، فَهو اسْمُهُ. وسَمّى آدَمُ جَمِيعَ الحَيَواناتِ بِأسامِيها، وجَمِيعَ طُيُورِ السَّماءِ، وجَمِيعَ وُحُوشِ الأرْضِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفي هَذِهِ الآياتِ العِبْرَةُ لِمَنِ اعْتَبَرَ، والذِّكْرى لِمَنِ ادَّكَرَ، والبَيانُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَمّا أوْدَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذا القُرْآنِ، مِن لَطائِفِ الحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْ أوْصافِها الألْسُنُ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ، احْتَجَّ فِيها لِنَبِيِّهِ ﷺ، عَلى مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، مَن يَهُودِ بَنِي إسْرائِيلَ، بِإطْلاعِهِ إيّاهُ مِن عُلُومِ الغَيْبِ، الَّتِي لَمْ يَكُنْ تَعالى (p-٩٩)أطْلَعَ عَلَيْها مِن خَلْقِهِ إلّا خاصًّا، ولَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا عِلْمَهُ إلّا بِالأنْباءِ والأخْبارِ، لِتَتَقَرَّرَ عِنْدَهم صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ، ويَعْلَمُوا أنَّ ما آتاهم بِهِ فَمِن عِنْدِهِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وإنَّما قَدَّمَ هَذا الفَصْلَ عَلى ذاكَ، لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ هَذا المَقامِ، وعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الخَلِيفَةِ، حِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ. فَأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، ولِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا المَقامَ، عَقِيبَ هَذا، لِيُبَيِّنَ لَهم شَرَفَ آدَمَ بِما فُضِّلَ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيْ: عَرَضَ أهْلَ الأسْماءِ، فالضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها ضِمْنًا: ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّتِي عَلَّمْتُها آدَمَ. وإنَّما اسْتَنْبَأهم، وقَدْ عَلِمَ عَجْزَهم عَنِ الإنْباءِ، تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم مِن أمْرِ الخِلافَةِ، فَإنَّ التَّصَرُّفَ والتَّدْبِيرَ، وإقامَةَ المُعَدِّلَةِ، بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ، ومَقادِيرِ الحُقُوقِ، مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أيْ: في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ مِمَّنِ اسْتَخْلَفْتُهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ مَقالُكم. والتَّصْدِيقُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ، قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الأخْبارِ. فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، هو الوُقُوفُ عَلى أسْماءِ ما في الأرْضِ، ولِما اتَّضَحَ لَهم مَوْضِعُ خَطَأِ قِيلِهِمْ، وبَدَتْ لَهم هَفْوَةُ زَلَّتِهِمْ، أنابُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى:
2:32Page 6
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ ] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
"قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ" تَقْدِيسٌ وتَنْزِيهٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُحِيطَ أحَدٌ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، إلّا بِما شاءَ. وأنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى. واعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ والقُصُورِ عَمّا كُلِّفُوهُ، وأنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِن الِاسْتِعْدادِ لَهُ، مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ (p-١٠٠)إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هو قابِلٌ لَهُ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ، والمَعارِفِ الجُزْئِيَّةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ الوارِدَةِ عَلى ما في الأرْضِ، وبِناءِ أمْرِ الخِلافَةِ عَلَيْها.
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ ] ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
"قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ" أيْ: أعْلِمْهم "بِأسْمائِهِمُ" الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ﴾ عَزَّ وجَلَّ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إيرادُ ما لا تَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّماواتِ والأرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ، وغايَةِ سِعَتِهِ. مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ، وعِلْمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِما لا تَعْلَمُونَ، فِيما سَبَقَ، ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ، هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ. وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِمُعاتَبَتِهِمْ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وهو أنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ لِأنْ يُبَيِّنَ لَهم: ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ لا عَلى "أعْلَمُ"، إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ. أيْ: ما تُظْهِرُونَهُ بِألْسِنَتِكم، وما كُنْتُمْ تُخْفُونَ في أنْفُسِكم.
2:34Page 6
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
(p-١٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ ] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾
"وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ" لَمّا أنْبَأهم بِأسْماءٍ، وعَلَّمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا، أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ، واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، واعْتِذارًا عَمّا قالُوا فِيهِ. وهَذِهِ كَرامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ أيِ: امْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ "واسْتَكْبَرَ" أيْ: تَكَبَّرَ، وقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ، فالسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ "وكانَ" في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أوْ صارَ "مِنَ الكافِرِينَ" .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: لِلنّاسِ في هَذا السُّجُودِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّهُ تَكْرِيمٌ لِآدَمَ، وطاعَةٌ لِلَّهِ، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً لِآدَمَ. وقِيلَ: السُّجُودُ لِلَّهِ، وآدَمُ قِبْلَةٌ، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ تَحِيَّةً، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ عِبادَةً بِأمْرِ اللَّهِ، وفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، وجَماعَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ: أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، كانَ تَحِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً، وكانَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وتَسْلِيمٍ وتَحِيَّةٍ، لا سُجُودَ صَلاةٍ وعِبادَةٍ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: السُّجُودُ كانَ لِآدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ وفَرْضِهِ. وعَلى هَذا إجْماعُ كُلِّ مَن يَسْمَعُ قَوْلَهُ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إلى آدَمَ. وكُلُّ حَرْفٍ لَهُ مَعْنًى، وفَرْقٌ بَيْنَ "سَجَدْتُ لَهُ"، وبَيْنَ "سَجَدْتُ إلَيْهِ" . قالَ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ (p-١٠٢)مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِلْأحْجارِ، والأشْجارِ، والدَّوابِّ مُحَرَّمٌ، وأمّا الكَعْبَةُ، فَيُقالُ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ صَلّى إلى الكَعْبَةِ، ولا يُقالُ صَلّى لِبَيْتِ المَقْدِسِ، ولا لِلْكَعْبَةِ. والصَّوابُ أنَّ الخُضُوعَ بِالقُلُوبِ، والِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، لا يُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وأمّا السُّجُودُ فَشَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ يَتْبَعُ الأمْرَ. فَلَوْ أمَرَنا سُبْحانَهُ أنْ نَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، لَسَجَدْنا طاعَةً واتِّباعًا لِأمْرِهِ. فَسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ عِبادَةٌ لِلَّهِ، وطاعَةٌ، وقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلَيْهِ. وهو لِآدَمَ تَشْرِيفٌ وتَعْظِيمٌ وتَكْرِيمٌ. وسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ تَحِيَّةٌ وسَلامٌ. ولَمْ يَأْتِ أنَّ آدَمَ سَجَدَ لِلْمَلائِكَةِ. بَلْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ إلّا لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وبِالجُمْلَةِ، أهْلُ السُّنَّةِ قالُوا: إنَّهُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ وتَحِيَّةٍ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كانَ آدَمُ كالقِبْلَةِ يَسْجُدُ إلَيْهِ، ولَمْ يَسْجُدُوا لَهُ. قالُوا ذَلِكَ هَرَبًا مِن أنْ تَكُونَ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قالُوا: إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وصالِحُ البَشَرِ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، واحْتَجُّوا بِسُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ. وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ وقالَتِ: المَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، وسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ كانَ كالقِبْلَةِ، ويُبْطِلُهُ ما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢]
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المَلائِكَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ في الأرْضِ. قالَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ مِن أقْوالِ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ النَّصارى. وقِيلَ: هم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، حَتّى جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ. وهَذا قَوْلُ العامَّةِ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: ومَن قالَ خِلافَهُ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ بِالكَذِبِ والبُهْتانِ، (p-١٠٣)لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ.
الثّالِثُ: لِلْعُلَماءِ في إبْلِيسَ، هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، واخْتارَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، والشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، وأئِمَّةُ المالِكِيَّةِ، وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. قالَ البَغَوِيُّ: هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ فَلَوْلا أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لَما تَوَجَّهَ الأمْرُ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ، ولَوْ لَمْ يَتَوَجَّهِ الأمْرُ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا، ولَما اسْتَحَقَّ الخِزْيَ والنَّكالَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، في رِوايَةٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ، والكَواشِيُّ في تَفْسِيرِهِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فَهو أصْلُ الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أصْلُ الإنْسِ، ولِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، والمَلائِكَةُ خُلِقُوا مِن نُورٍ، ولِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً، ولا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلائِكَةِ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّما تَناوَلَهُ الأمْرُ، وهو لِلْمَلائِكَةِ خاصَّةً، لِأنَّ إبْلِيسَ كانَ في صُحْبَتِهِمْ، وكانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عِبادَتَهم، فَلَمّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ والتَّواضُعِ لَهُ كَرامَةً لَهُ كانَ الجِنِّيُّ الَّذِي مَعَهم أجْدَرَ بِأنْ يَتَواضَعَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وصَحَّحَهُ البَغَوِيُّ. وأجابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ.
(p-١٠٤)قالَ ابْنُ القَيِّمِ: الصَّوابُ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وأنَّ القَوْلَيْنِ في الحَقِيقَةِ قَوْلٌ واحِدٌ. فَإنَّ إبْلِيسَ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ بِصُورَتِهِ ولَيْسَ مِنهم بِمادَّتِهِ وأصْلِهِ؛ كانَ أصْلُهُ مِن نارٍ، وأصْلُ المَلائِكَةِ مِن نُورٍ. فالنّافِي كَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، والمُثْبِتُ، لَمْ يَتَوارَدا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ. وكَذَلِكَ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ في الفَتاوى المِصْرِيَّةِ: وقِيلَ إنَّ فِرْقَةً مِنَ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النّارِ. سُمُّوا "جِنًّا"؛ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ الأعْيُنِ، فَإبْلِيسُ كانَ مِنهُمُ. الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وهو قَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ولَمّا أخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ جَعَلَ لَهُ ذُرِّيَّةً.
سُئِلَ الشَّعْبِيُّ: هَلْ لِإبْلِيسَ زَوْجَةٌ ؟ قالَ: ذَلِكَ عُرْسٌ لَمْ أشْهَدْهُ ! قالَ: ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ولا أوْلادٌ، وذُرِّيَّتُهُ أعْوانُهُ مِنَ الشَّياطِينِ.
الرّابِعُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ وقْتَ العِبادَةِ كانَ مُنافِقًا، والثّانِي أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ كَفَرَ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. فَقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: "وكانَ مِنَ الكافِرِينَ" في عِلْمِ اللَّهِ، أيْ كانَ عالِمًا في الأزَلِ أنَّهُ سَيَكْفُرُ. والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ إبْلِيسَ أوَّلُ كافِرٍ بِاللَّهِ. أوْ يُقالُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ صارَ مِنَ الَّذِينَ وافَقُوهُ في الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ النّاسُ بِأيِّ سَبَبٍ كَفَرَ إبْلِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. فَقالَتِ الخَوارِجُ: إنَّما كَفَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ. وهَذا قَوْلٌ باطِلٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ. وقالَ آخَرُونَ: كَفَرَ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ ومُخالَفَتِهِ أمْرَ اللَّهِ. وقالَ آخَرُونَ: كَفَرَ لِأنَّهُ خالَفَ الأمْرَ الشَّفاهِيَّ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ خاطَبَ المَلائِكَةَ وأمَرَهم بِالسُّجُودِ. ومُخالَفَةُ الأمْرِ الشَّفاهِيِّ أشَدُّ قُبْحًا. وقالَ جُمْهُورُ النّاسِ: كَفَرَ إبْلِيسُ لِأنَّهُ أبى السُّجُودَ واسْتَكْبَرَ وعانَدَ وطَعَنَ، (p-١٠٥)واعْتَقَدَ أنَّهُ مُحِقٌّ في تَمَرُّدِهِ، واسْتَدَلَّ بِـ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢] كَما يَأْتِي. فَكَأنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ. تَسْفِيهًا لِأمْرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. وهَذا الكِبْرُ عَبَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ»» كَذا في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ لِلْإمامِ ابْنِ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences