Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:35–46

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:35–46

2:35Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥ ] ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخَلَقَ لَهُ زَوْجَةً وأقَرَّهُما في الجَنَّةِ، أباحَهُما الأكْلَ مِنها بِقَوْلِهِ "وكُلا مِنها رَغَدًا" أيْ: أكْلًا واسِعًا. و"حَيْثُ" لِلْمَكانِ المُبْهَمِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما. أطْلَقَ لَهُما الأكْلَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْسِعَةِ البالِغَةِ المُزِيحَةِ لِلْعِلَّةِ. حِينَ لَمْ يُحَظِّرْ عَلَيْهِما بَعْضَ الأكْلِ ولا بَعْضَ المَواضِعِ الجامِعَةِ لِلْمَأْكُولاتِ مِنَ الجَنَّةِ. حَتّى لا يَبْقى لَهُما عُذْرٌ في التَّناوُلِ مِمّا مُنِعا مِنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيْ هَذِهِ الحاضِرَةِ مِنَ الشَّجَرِ، أيْ لا تَأْكُلا مِنها، وإنَّما عَلَّقَ النَّهْيَ بِالقُرْبانِ مِنها، مُبالَغَةً في تَحْرِيمِ الأكْلِ، ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ. لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ مُقْتَضى الأُلْفَةِ. والأُلْفَةُ داعِيَةٌ لِلْمَحَبَّةِ، ومَحَبَّةُ الشَّيْءِ تُعْمِي وتُصِمُّ. فَلا يَرى قَبِيحًا، ولا (p-١٠٦)يَسْمَعُ نَهْيًا، فَيَقَعُ. والسَّبَبُ الدّاعِي إلى الشَّرِّ مَنهِيٌّ عَنْهُ، كَما أنَّ السَّبَبَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ مَأْمُورٌ بِهِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ««العَيْنانِ تَزْنِيانِ»» لِما كانَ النَّظَرُ داعِيًا إلى الأُلْفَةِ، والأُلْفَةُ إلى المَحَبَّةِ، وذَلِكَ مُفْضٍ لِارْتِكابِهِ، فَصارَ النَّظَرُ مَبْدَأ الزِّنا. وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: سَمِعْتُ الشّاشِيَّ في مَجْلِسِ النَّظَرِ يَقُولُ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ، كانَ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ، مَعْناهُ لا تَدْنُ، نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ. ونَقَلَ الفَرْقَ المَذْكُورَ بَيْنَهُما أيْضًا السَّيِّدُ مُرْتَضى في شَرْحِ القامُوسِ عَنْ شَيْخِهِ العَلّامَةِ الفاسِيِّ. قالَ: إنَّ أرْبابَ الأفْعالِ نَصُّوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَإنَّهُ قالَ: قَرُبَ مِنهُ، كَكَرُمَ، وقَرِبَهُ كَسَمِعَ قُرْبًا وقُرْبانًا، وقِرْبانًا: دَنا، فَهو قَرِيبٌ. لِلْواحِدِ والجَمْعِ. انْتَهى.

(p-١٠٧)لَطِيفَةٌ:

جاءَ في آيَةِ الأعْرافِ "فَكُلا" وهُنا بِالواوِ، لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ كالشَّرْطِ، وذِكْرُ الشَّيْءِ كالجَزاءِ، عُطِفَ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] لَمّا كانَ وُجُودُ الأكْلِ مِنها مُتَعَلِّقًا بِدُخُولِها ذُكِرَ بِالفاءِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ دَخَلْتُمُوها أكَلْتُمْ مِنها، فالأكْلُ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الدُّخُولِ. وقَوْلُهُ في الأعْرافِ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها﴾ [الأعراف: ١٦١] بِالواوِ دُونَ الفاءِ، لِأنَّهُ مِنَ السُّكْنى، وهو في المَقامِ مَعَ اللُّبْثِ الطَّوِيلِ، والأكْلُ لا يَخْتَصُّ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ بُسْتانًا قَدْ يَأْكُلُ مِنهُ، وإنْ كانَ مُجْتازًا، فَلَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الثّانِي بِالأوَّلِ تَعَلُّقَ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، عُطِفَ بِالواوِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ يُرادُ بِـ "اسْكُنِ" الزَمْ مَكانًا دَخَلْتَهُ، ولا تَنْتَقِلْ عَنْهُ، وقَدْ يُرادُ ادْخُلْهُ واسْكُنْ فِيهِ. فَفي البَقَرَةِ، ورَدَ الأمْرُ، بَعْدَ أنْ كانَ آدَمُ في الجَنَّةِ، فَكانَ المُرادُ المُكْثَ، والأكْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَجِيءَ بِالواوِ. وفي الأعْرافِ ورَدَ قَبْلَ أنْ دَخَلَ الجَنَّةَ، والمُرادُ الدُّخُولُ والأكْلُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَوَرَدَ بِالفاءِ.

(p-١٠٨)تَنْبِيهٌ:

لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ المَجِيدِ، ولا في السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ تَعْيِينُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ إذْ لا حاجَةَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعَرُّفَ عَيْنِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وما لا يَكُونُ مَقْصُودًا، لا يَجِبُ بَيانُهُ. وقَوْلُهُ "مِنَ الظّالِمِينَ" أيْ: مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيُّ في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ: قالَ ابْنُ حَزْمٍ: حَمْلُ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ، والنَّهْيِ عَلى الكَراهَةِ، يَقَعُ فِيهِ الفُقَهاءُ والأفاضِلُ كَثِيرًا، وهو الَّذِي يَقَعُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، وعَلى السَّبِيلِ أكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ "فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ" أيْ: ظالِمِينَ لِأنْفُسِكُما، والظُّلْمُ في اللُّغَةِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَمَن وضَعَ الأمْرَ والنَّهْيَ في مَوْضِعِ النَّدْبِ والكَراهَةِ، فَقَدْ وضَعَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. انْتَهى.

ثُمَّ قالَ: وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في "المِلَلِ والنِّحَلِ": لا بَراءَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ أعْظَمُ مِن حالِ مَن ظَنَّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ حانِثًا، وهَكَذا فَعَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُ اللَّهُ عَنْها ناسِيًا لِنَصِّ القُرْآنِ، ومُتَأوِّلًا وقاصِدًا إلى الخَيْرِ، لِأنَّهُ قَدَّرَ أنَّهُ يَزْدادُ حُظْوَةً عِنْدَ اللَّهِ فَيَكُونُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، أوْ خالِدًا فِيما هو فِيهِ أبَدًا، فَأدّاهُ ذَلِكَ إلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وكانَ الواجِبُ أنْ يَحْمِلَ أمْرَ رَبِّهِ عَلى ظاهِرِهِ، لَكِنْ تَأوَّلَ وأرادَ الخَيْرَ فَلَمْ يُصِبْهُ، ولَوْ فَعَلَ هَذا عالِمٌ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ لَكانَ مَأْجُورًا، ولَكِنَّ آدَمَ لَمّا فَعَلَ وأُخْرِجَ عَنِ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا، كانَ بِذَلِكَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى قاتِلَ الخَطَأِ قاتِلًا، كَما سَمّى العامِدَ، والمُخْطِئُ لَمْ يَعْمِدْ مَعْصِيَةً، وجَعَلَ في مِثْلِ الخَطَأِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وهو لَمْ يَعْمِدْ ذَنْبًا. انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: الصَّوابُ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا قاسَمَهُ عَدُوُّ اللَّهِ أنَّهُ ناصِحٌ، وأكَّدَ كَلامَهُ بِأنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيداتِ: أحَدُها القَسَمُ.

والثّانِي الإتْيانُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لا فِعْلِيَّةٍ.

والثّالِثُ تَصْدِيرُها بِأداةِ التَّأْكِيدِ.

الرّابِعُ الإتْيانُ بِلامِ التَّأْكِيدِ في الخَبَرِ.

الخامِسُ الإتْيانُ بِهِ اسْمَ فاعِلٍ لا فِعْلًا دالًّا عَلى الحَدَثِ.

السّادِسُ (p-١٠٩)تَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَظُنَّ آدَمُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا يَمِينَ غَمُوسٍ، فَظَنَّ صِدْقَهُ، وأنَّهُ إنْ أكَلَ مِنها لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، ورَأى أنَّ الأكْلَ، وإنْ كانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ، فَمَصْلَحَةُ الخُلُودِ أرْجَحُ، ولَعَلَّهُ يَتَأتّى لَهُ اسْتِدْراكُ مَفْسَدَةِ اليَمِينِ في أثْناءِ ذَلِكَ بِاعْتِذارٍ أوْ تَوْبَةٍ، كَما تَجِدُ هَذا التَّأْوِيلَ في نَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ أقْدَمَ عَلى مَعْصِيَةٍ. اهـ.

قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِالتَّأْوِيلِ، فالتَّأْوِيلُ لِنَصِّ اللَّهِ أخْرَجَهُ، وإلّا فَهو لَمْ يَقْصِدِ المَعْصِيَةَ، والمُخالَفَةَ، وأنْ يَكُونَ ظالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلشَّقاءِ. انْتَهى.

2:36Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦ ] ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾

"فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها" أيْ: أذْهَبَهُما عَنِ الجَنَّةِ، وأبْعَدَهُما. يُقالُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأزَلَّهُما، بِتَشْدِيدِ اللّامِ، بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما، مِن قَوْلِكَ زَلَّ الرَّجُلُ في دِينِهِ، إذا هَفا فِيهِ وأخْطَأ، فَأتى ما لَيْسَ لَهُ إتْيانٌ فِيهِ، وأزَلَّهُ غَيْرُهُ إذا سَبَّبَ لَهُ ما يَزِلُّ مِن أجْلِهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ. وقُرِئَ "فَأزالَهُما" بِالألِفِ، مِنَ التَّنْحِيَةِ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الرَّغَدِ والنَّعِيمِ والكَرامَةِ "وقُلْنا اهْبِطُوا" أيِ: انْزِلُوا إلى الأرْضِ، خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ والشَّيْطانِ، أوْ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُما أصْلا الإنْسِ، فَكَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم "بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" مُتَعادِينَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ: "ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ" مَنزِلٌ ومَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ "ومَتاعٌ" تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ "إلى حِينٍ" أيْ: إلى المَوْتِ.

2:37Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

(p-١١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧ ] ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

"فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ" اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ، والعَمَلِ بِها حِينَ عَلِمَها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي الكَلِماتُ الَّتِي أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَها مُتَنَصِّلًا بِقِيلِها إلى رَبِّهِ، مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآيَةَ، فَدَعا بِها لِكَيْ تَكُونَ عُنْوانًا لَهُ ولِأوْلادِهِ عَلى التَّوْبَةِ "فَتابَ عَلَيْهِ" فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ والقَبُولِ، وتَجاوَزَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ" في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وعْدٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ مَعَ العَفْوِ.

2:38Page 7

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨ ] ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

"قُلْنا" لِآدَمَ وحَوّاءَ "اهْبِطُواْ مِنها" مِنَ الجَنَّةِ "جَمِيعًا" ثُمَّ ذَكَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فَقالَ "فَإمّا" بِإدْغامِ نُونِ "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ في "ما" الزّائِدَةِ "يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى" كِتابٌ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم، ورَسُولٌ أبْعَثُهُ إلَيْكم "فَمَن تَبِعَ هُدايَ" أقْبَلَ عَلى الهُدى وقَبِلَ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في الآخِرَةِ بِأنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

2:39Page 7

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بِالكِتابِ والرَّسُولِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ.

(p-١١١)تَنْبِيهٌ:

إنَّما كَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِتَحَتُّمِ مُقْتَضاهُ. وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ. أوْ لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ. فَإنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى أنَّ هُبُوطَهم إلى دارِ بَلِيَّةٍ يَتَعادُّونَ فِيها ولا يَخْلُدُونَ. والثّانِي أشْعَرَ بِأنَّهم أُهْبِطُوا لِلتَّكْلِيفِ. فَمَنِ اتَّبَعَ الهُدى نَجا، ومَن ضَلَّهُ هَلَكَ.

فَوائِدُ:

الأُولى:

ذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَتْ في الأرْضِ. قالَ بَعْضُهم: هي عَلى رَأْسِ جَبَلٍ بِالمَشْرِقِ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِواءِ. وحَمَلُوا الهُبُوطِ عَلى الِانْتِقالِ مِن بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ: لَوْ كانَتْ هي دارَ الثَّوابِ، لَكانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، ولَوْ كانَ آدَمُ في جَنَّةِ الخُلْدِ، لَما لَحِقَهُ الغُرُورُ مِنَ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ولَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]

وثانِيها: أنَّ مَن دَخَلَ هَذِهِ الجَنَّةَ لا يَخْرُجُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]

(p-١١٢)وثالِثُها: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، ولَوْ كانَ تَعالى قَدْ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالذِّكْرِ، لِأنَّ نَقْلَهُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَنَّةِ غَيْرُ جَنَّةِ الخُلْدِ.

ورابِعُها: رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««سَيَحانُ وجِيحانُ والفُراتُ والنِّيلُ، كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»» .

قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آدَمَ جَنَّةَ الخُلْدِ، دارَ الثَّوابِ. ثُمَّ قالَ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ومَن قالَ إنَّها جَنَّةٌ في الأرْضِ بِالهِنْدِ أوْ جُدَّةَ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهو مِنَ المُلْحِدَةِ المُبْتَدِعِينَ. والكِتابُ والسُّنَّةُ يَرِدانِ هَذا القَوْلَ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامُ فِيها في " مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ " وكِتابِ " حادِي الأرْواحِ إلى بِلادِ الأفْراحِ " .

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ النّاسُ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ مُتَوَلِّيًا إغْواءَ آدَمَ، واخْتُلِفَ في الكَيْفِيَّةِ. فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: أغْواهُما مُشافَهَةً، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومُقاسَمَتُهُ لَهُما (p-١١٣)﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ، كَما قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] فَإغْواؤُهُ إغْراؤُهُ بِوَسْواسِهِ وسُلْطانِهِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ، كَما قالَ ﷺ: ««إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»» .

وزَعَمُوا أنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ إلى آدَمَ بَعْدَ ما أُخْرِجَ مِنها. والوَسْوَسَةُ: لُغَةً، حَدِيثُ النَّفْسِ والأفْكارِ. وحَدِيثُ الشَّيْطانِ بِما لا نَفْعَ فِيهِ ولا خَيْرَ، والكَلامُ الخَفِيُّ. وظاهِرُ الآياتِ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ:

لَمْ يُسَمَّ الشَّيْطانُ في الآيَةِ، إذْ لا حاجَةَ ماسَّةً إلى اسْمِهِ، كَما تَقَدَّمَ في الشَّجَرَةِ.

ولَمّا قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى دَعْوَةَ النّاسِ عُمُومًا، وذَكَرَ مَبْدَأهم - دَعا بَنِي إسْرائِيلَ خُصُوصًا، وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّهم كانُوا أوْلى النّاسِ بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، وقَدْ جَرى الكَلامُ مَعَهم (مِن هُنا إلى الآيَةِ رَقْمِ ١٤٢) فَتارَةً دَعاهم بِالمُلاطَفَةِ، وذِكْرِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ. وتارَةً بِالتَّخْوِيفِ، وتارَةً بِإقامَةِ الحُجَّةِ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وذِكْرِ عُقُوباتِهِمُ الَّتِي عاقَبَهم بِها، كَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَقالَ تَعالى:

2:40Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

(p-١١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٠ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾

"يا بَنِي إسْرائِيلَ" أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ. وقَدْ هَيَّجَهم تَعالى بِذِكْرِ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا بَنِي العَبْدِ الصّالِحِ المُطِيعِ لِلَّهِ، كُونُوا مِثْلَ أبِيكم، كَما تَقُولُ: يا ابْنَ الكَرِيمِ، افْعَلْ كَذا، ويا ابْنَ العالِمِ، اطْلُبِ العِلْمَ، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نِعَمُهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: اصْطِفاؤُهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ، وإنْزالُهُ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، واسْتِنْقاذُهُ إيّاهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والضَّرّاءِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، إلى التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ، وتَفْجِيرُ عُيُونِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ، وإطْعامُ المَنِّ والسَّلْوى، فَأمَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ أعْقابَهم أنْ يَكُونَ ما سَلَفَ مِنهُ إلى آبائِهِمْ عَلى ذِكْرٍ، وأنْ لا يَنْسَوْا صَنِيعَهُ إلى أسْلافِهِمْ وآبائِهِمْ، فَيَحِلُّ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ما أحَلَّ بِمَن نَسِيَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ مِنهم وكَفْرَها، وجَحَدَ صَنائِعَهُ عِنْدَهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ العَهْدُ هو المِيثاقُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ. فَعَهْدُ اللَّهِ هو وصِيَّتُهُ لَهم، بِما ذَكَرَ في الآيَةِ. ومِنها: الإيمانُ بِرُسُلِهِ المُتَناوِلُ لِخاتَمِهِمْ (p-١١٥)عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ. وعَهْدُهُ تَعالى إيّاهم، هو أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اخْشَوْنِي واتَّقُوا، أيُّها المُضَيِّعُونَ عَهْدِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُكَذِّبُونَ رَسُولِي الَّذِي أخَذْتُ مِيثاقَكم فِيما أنْزَلْتُ عَلى أنْبِيائِي أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وتَتَّبِعُوهُ، أنْ أُحِلَّ بِكم مِن عُقُوبَتِي إنْ لَمْ تَتُوبُوا إلَيَّ بِاتِّباعِهِ والإقْرارِ بِما أنْزَلْتُ إلَيْهِ، ما أحْلَلْتُ بِمَن خالَفَ أمْرِي، وكَذَّبَ رُسُلِي مِن أسْلافِكم.

2:41Page 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١ ] ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾

"وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ" أيْ: مِنَ القُرْآنِ: "مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ" أيْ: مُوافِقًا بِالتَّوْحِيدِ، وصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتِهُ، وبَعْضِ الشَّرائِعِ، لِما مَعَكم مِنَ الكِتابِ -كَما في التَّنْوِيرِ- قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أمَرَهم بِالتَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ، وأخْبَرَهم أنَّ في تَصْدِيقِهِمْ بِالقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنهم لِلتَّوْراةِ؛ لِأنَّ الَّذِي في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ، نَظِيرُ الَّذِي مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ. فَفي تَصْدِيقِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، تَصْدِيقٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. وفي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ تَكْذِيبٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. انْتَهى.

وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم مِمّا يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا.

تَنْبِيهٌ:

كَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ مُجادِلَةُ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها، كَآيَةِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] وآيَةِ: ﴿ولَكِنْ (p-١١٦)تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] وغَيْرِهِما. مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ ذَهابُ قَدْرٍ كَبِيرٍ مِن كُتُبِهِمْ، واخْتِلاطُ حَقِّها بِباطِلِها فِيما بَقِيَ، كَما صُنِّفَتْ في ذَلِكَ مُصَنَّفاتٌ عِدَّةٌ، وقَدْ رُدَّ اسْتِدْلالُهم بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى ما ادَّعُوهُ، بِأنَّ مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ في تَأْوِيلِها؛ وحاصِلُهُ أنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ هو طِبْقُ ما عِنْدَهم مِن حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ، وصِحَّةِ البَشائِرِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] أيْ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ طِبْقَ ما عِنْدَهم عَنْهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، بِمَعْنى أنَّ أحْوالَهُ جَمِيعًا تُوافِقُ البَشائِرَ.

﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ يَعْنِي مِن جِنْسِكم أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ سَماعِكم بِمَبْعَثِهِ. فالأوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةٌ، فَإنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ أوَّلُ بَنِي إسْرائِيلَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ، ولِأنَّهم كانُوا المُبَشِّرِينَ بِزَمانِ مَن أوْحى إلَيْهِ، والمُسْتَفْتِحِينَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وكانُوا يُعِدُّونَ أتْباعَهُ أوَّلَ النّاسِ كُلِّهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]

﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَعْتاضُوا عَنِ الإيمانِ بِآياتِي وتَصْدِيقِ رَسُولِي، بِالدُّنْيا وشَهَواتِها، فَإنَّها قَلِيلَةٌ فانِيَةٌ، فالِاشْتِراءُ اسْتِعارَةٌ لِلِاسْتِبْدالِ ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنْ حُطامِ الدُّنْيا.

2:42–43Page 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].

(p-١١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢ ] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٤٣ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] اللَّبْسُ الخَلْطُ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطِينَ. والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ أوْ يَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ حَتّى يُشْتَبَهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقَوْلُهُ "وتَكْتُمُوا" مَجْزُومٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ. وتَكْرِيرُ الحَقِّ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ، ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ، وقَوْلُهُ "وأقِيمُوا الصَّلاةَ" الآيَةَ، أمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرائِعِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ بِأدائِها بِفُرُوضِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها. وإعْطاءِ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، والرُّكُوعِ لِلَّهِ، أيِ: الخُضُوعُ لِأوامِرِهِ بِإطاعَتِها.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، لِمَن ذَكَرَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ومُنافِقِيها بِالإنابَةِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وبِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مَعَ المُسْلِمِينَ في الإسْلامِ، والخُضُوعِ لَهُ بِالطّاعَةِ، ونَهْيٌ مِنهُ لَهم عَنْ كِتْمانِ ما قَدْ عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعْدَ تَظاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ الإعْذارِ لَهم والإنْذارِ. وبَعْدَ تَذْكِيرِهِ نِعَمَهُ إلَيْهِمْ، وإلى أسْلافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وإبْلاغًا إلَيْهِمْ في المَقْدِرَةِ. اهـ.

وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: "وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ" حَثٌّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ.

2:44Page 7

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤

Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

(p-١١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٤ ] ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

"أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ" أيْ: بِما فِيهِ لِلَّهِ رِضًا مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ. وجِماعُ البِرِّ كُلُّ ما فِيهِ طاعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ: "وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ" أيْ: تَتْرُكُونَها مِنَ البَرِّ كالمَنسِيّاتِ. والمَعْنى تُخالِفُونَ ما تَأْمُرُونَ بِهِ مِن ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ "وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ" تَبْكِيتٌ مِثْلُ قَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يَعْنِي تَتْلُونَ التَّوْراةَ، وفِيها الوَعِيدُ عَلى الخِيانَةِ وتَرْكِ البِرِّ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ. "أفَلا تَعْقِلُونَ" تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أفَلا تَفْطِنُونَ لِقُبْحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ وكَأنَّكم في ذَلِكَ مَسْلُوبُوا العُقُولِ، لِأنَّ العُقُولَ تَأْباهُ وتَدْفَعُهُ.

رَوى الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: إنِّي لَأكْرَهُ القَصَصَ لِثَلاثِ آياتٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْلِهِ إخْبارًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]

2:45Page 7

وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥

And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]

(p-١١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥ ] ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾

"واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ "والصَّلاةِ" أيِ الَّتِي سِرُّها خُشُوعُ القَلْبِ لِلرَّبِّ. فَإنَّها مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى الثَّباتِ في الأمْرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: اسْتَعِينُوا عَلى الوَفاءِ بِعَهْدِيِ الَّذِي عاهَدْتُمُونِي في كِتابِكم مِن طاعَتِي واتِّباعِ أمْرِي وتَرْكِ ما تَهْوَوْنَهُ مِنَ الرِّياسَةِ وحُبِّ الدُّنْيا إلى ما تَكْرَهُونَهُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِي، واتِّباعِ رَسُولِي مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، والصَّلاةِ. فالآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها. كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِما شَقَّ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ وتَرْكِ الرِّياسَةِ والإعْراضِ عَنِ المالِ عُولِجُوا بِذَلِكَ "وإنَّها" الضَّمِيرُ لِلصَّلاةِ. وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها واشْتِمالِها عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الصَّبْرِ؛ وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِهِما "لَكَبِيرَةٌ" لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾

2:46Page 7

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦ ] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ مَحْشُورُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ. والظَّنُّ (p-١٢٠)هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي اليَقِينَ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً، والضِّياءَ سُدْفَةً، والمُغِيثَ صارِخًا، والمُسْتَغِيثَ صارِخًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يُسَمّى بِها الشَّيْءُ وضِدُّهُ.

والشَّواهِدُ عَلى ذَلِكَ مِن أشْعارِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ: ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ فَيُجازِيهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском