Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:67–74

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:67–74

2:67Page 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧ ] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ فِيهِمْ، وكانُوا يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وأنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ "قالُوا" اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا ؟ هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أوْ لا. فَقِيلَ: ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ بِضَمِّ الزّايِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ مَعَ الضَّمِّ والسُّكُونِ. أيْ: أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزُوٍ، أوْ أهْلَ هُزُوٍ، أوْ مَهْزُوًّا بِنا، أوْ نَفْسَ الهُزُوِ، لِلْمُبالَغَةِ. وأشْعَرَ جَوابُهم ما ثَبَتَ مِن فَظاظَتِهِمْ؛ إذْ فِيهِ سُوءُ الأدَبِ عَلى مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ وقَدْ عَلِمُوها.

" قالَ" اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ (p-١٥٣)أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الهُزُؤَ في أثْناءِ تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ، سُبْحانَهُ، جَهْلٌ وسَفَهٌ. نَفى عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَوَهَّمُوهُ مِن قِبَلِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ، بِإخْراجِهِ مَخْرَجَ ما لا مَكْرُوهَ وراءَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ، اسْتِفْظاعًا لَهُ، واسْتِعْظامًا لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي شافَهُوهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِها. والعَوْذُ: اللَّجَأُ مِن مُتَخَوَّفٍ لِكافٍ يَكْفِيهِ. والجَهْلُ: التَّقَدُّمُ في الأُمُورِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

2:68Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾

"قالُوا" تَمادِيًا في الغِلْظَةِ "ادْعُ لَنا" أيْ: لِأجْلِنا: ﴿رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ ما حالُها، وصِفَتُها ؟ ! . وذَلِكَ أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيى. فَسَألُوا عَنْ صِفَةِ تِلْكَ البَقَرَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الخارِجَةِ عَمّا عَلَيْهِ البَقَرُ، و"ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الحَقِيقَةِ، لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ. تَقُولُ: ما زَيْدٌ ؟ فَيُقالُ: طَبِيبٌ أوْ عالِمٌ "قالَ" أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ ما دَعا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبَيانِ، وأتاهُ الوَحْيُ "إنَّهُ" تَعالى: "يَقُولُ إنَّها" أيِ البَقَرَةُ المَأْمُورُ بِذَبْحِها "بَقَرَةٌ لا فارِضٌ" أيْ لا مُسِنَّةٌ. وقَدْ فَرَضَتْ فُرُوضًا، فَهي فارِضٌ، أيْ: أسَنَّتْ. مِنَ الفَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. كَأنَّها قَطَعَتْ سِنَّها وبَلَغَتْ آخِرَها "ولا بِكْرٌ" أيْ لا فَتِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَمْ يُلَقِّحْها الفَحْلُ. "عَوانٌ" أيْ: نَصِفٌ "بَيْنَ ذَلِكَ" أيْ سِنَّيِ الفارِضِ والبِكْرِ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ هَذا أمْرٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَيانِ صِفَةِ المَأْمُورِ بِهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ، وزَجْرٌ عَنِ المُراجَعَةِ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلُوا، بَلْ سَألُوا بَيانَ اللَّوْنِ بَعْدَ بَيانِ السِّنِّ بِأنْ:

2:69Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

(p-١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾

شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، يُقالُ في التَّوْكِيدِ: أصْفَرُ فاقِعٌ ووارِسٌ، كَما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ وأبْيَضُ يَقِقٌ، وأحْمَرُ قانِئٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ ومُدْهامٌّ. وفي إسْنادِ الفُقُوعِ إلى اللَّوْنِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن أحْوالِ المُلَوَّنِ لِمُلابَسَتِهِ بِهِ- ما لا يَخْفى مِن فَضْلِ تَأْكِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها كَما في: جِدُّ جِدِّهِ "تَسُرُّ النّاظِرِينَ" أيْ: تُبْهِجُ نُفُوسَهم.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ لاكْتَفَوْا بِها، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَفَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:70Page 11

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ زِيادَةُ اسْتِكْشافٍ عَنْ حالِها لِتَمْتازَ عَمّا يُشارِكُها في التَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ. ولِذَلِكَ عَلَّلُوا تَكْرِيرَ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ "إنَّ البَقَرَ" المَوْصُوفَ بِما تَقَدَّمَ "تَشابَهَ عَلَيْنا" لِكَثْرَتِهِ، أيِ: اشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ. قالَ البِقاعِيُّ: وذَكَّرَ الفِعْلَ، لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ حُرُوفُهُ أقَلُّ مِن حُرُوفِ واحِدِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تُذَكِّرُهُ. نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البَقَرَةِ المُرادِ ذَبْحُها.

2:71Page 11

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

(p-١٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧١ ] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ: لَمْ تُذَلَّلْ لِإثارَةِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ. و"ذَلُولٌ" صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. بِمَعْنى غَيْرُ ذَلُولٍ و"لا" الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى. لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولَ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِذَلُولٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، والمَقْصُودُ: إنَّها مُكَرَّمَةٌ لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالحِراثَةِ، ولا مُعَدَّةً لِلسَّقْيِ في السّانِيَّةِ. "مُسَلَّمَةٌ"، سَلَّمَها اللَّهُ مِنَ العُيُوبِ، أوْ مُعْفاةٌ مِنَ العِلْمِ، سَلَّمَها أهْلُها مِنهُ، أوَمُخَلَّصَةُ اللَّوْنِ لَمْ يَشِبْ صُفْرَتَها شَيْءٌ مِنَ الألْوانِ. مِن: سَلَمَ لَهُ كَذا، إذا خَلَصَ لَهُ "لا شِيَةَ فِيها"، أيْ: لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها مِن بَياضٍ وسَوادٍ وحُمْرَةٍ، فَهي صَفْراءُ كُلُّها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ: وشاهٌ وشَيا وشِيَةٌ، إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. في الصِّحاحِ: الشِّيَةُ: كُلُّ لَوْنٍ يُخالِفُ مُعْظَمَ لَوْنِ الفَرَسِ وغَيْرِهِ. والهاءُ عِوَضٌ مِنَ الواوِ الذّاهِبَةِ مِن أوَّلِهِ. والجَمْعُ: شِياتٌ. يُقالُ: ثَوْرٌ أشْيَهُ، كَما يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ.

﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ بِحَيْثُ مَيَّزْتَها عَنْ جَمِيعِ ما عَداها، ولَمْ يَبْقَ لَنا في شَأْنِها اشْتِباهٌ أصْلًا. بِخِلافِ المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَإنَّ ما جِئْتَ بِهِ فِيهِما لَمْ يَكُنْ في التَّعْيِينِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ "فَذَبَحُوها"، الفاءُ فَصِيحَةٌ، كَما في "فانْفَجَرَتْ"، أيْ: فَحَصَلُوا البَقَرَةَ فَذَبَحُوها "وما كادُوا يَفْعَلُونَ" كادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ مِنَ الحُصُولِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَبَحُوا، أيْ: فَذَبَحُوها والحالُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنهُ. اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. ومَآلُهُ اسْتِثْقالُ اسْتِقْصائِهِمْ واسْتِبْطاءٌ لَهم، وأنَّهم لِفَرْطِ تَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ ما كادَ يَنْتَهِي خَيْطُ إسْهابِهِمْ فِيها.

(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ (p-١٥٦)فِعْلِهِ. فَإنَّ في الأوَّلِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وكانَ لَهم أنْ يَذْبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ شاؤُوا. وفي الثّانِي والثّالِثِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَكَأنَّهم نُهُوا عَمّا كانُوا أُمِرُوا بِهِ مِن قَبْلُ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأوَّلَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، والثّانِي والثّالِثُ كالبَيانِ لَهُ، لَمّا راجَعُوا، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهم ذَبْحُ البَقَرَةِ. بَلْ زِيدَ في أوْصافِها، وكُشِفَ عَنِ المُرادِ بِالأمْرِ الأوَّلِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ.

2:72Page 11

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٢ ] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ واخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخُصَماءِ يُدافِعُ الآخَرَ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرٌ، لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتِيلِ، لا يَتْرُكُهُ مَكْتُومًا.

2:73Page 11

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٣ ] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

"فَقُلْنا اضْرِبُوهُ" أيِ: المَقْتُولَ "بِبَعْضِها" أيِ: البَقَرَةِ. يَعْنِي فَضَرَبُوهُ فَحَيى وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ "كَذَلِكَ" أيْ: مِثْلُ هَذا الإحْياءِ العَظِيمِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ "يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى" يَوْمَ القِيامَةِ "ويُرِيكم آياتِهِ" أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ هَذا الإحْياءُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى عُضْوٍ مَيِّتٍ، وإخْبارُهُ بِقاتِلِهِ، وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ "لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ" لِتَكُونُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْصُلَ لَكم عَقْلٌ، فَيُرْشِدُكم إلى اعْتِقادِ البَعْثِ وغَيْرِهِ، مِمّا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

(p-١٥٧)قالَ الرّاغِبُ: وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ، وقِيلَ بَلْ هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، تَنْبِيهًا عَلى الِاعْتِبارِ بِإحْيائِهِ المَوْتى.

تَنْبِيهاتٌ:

(الأوَّلُ): قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما لِلْقِصَّةِ لَمْ تُقَصَّ عَلى تَرْتِيبِها، وكانَ حَقُّها أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ القَتِيلِ والضَّرْبِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ عَلى الأمْرِ بِذَبْحِها ؟ فَيُقالُ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها، فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً واضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ؟

(أُجِيبَ): بِأنَّ كُلَّ ما قُصَّ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّما قُصَّ تَعْدِيدًا لِما وُجِدَ مِنهم مِنَ الجِناياتِ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْها، ولِما جُدِّدَ فِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ. وهاتانِ قِصَّتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْرِيعِ وإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيْنِ مُتَّحِدَتَيْنِ. فالأُولى لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ. والثّانِيَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ. وإنَّما قُدِّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ، لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلى عَكْسِهِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ الغَرَضُ في تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. ولَقَدْ رُوعِيَتْ نُكْتَةٌ، بَعْدَ ما اسْتُؤْنِفَتِ الثّانِيَةُ، اسْتِئْنافَ قِصَّةٍ بِرَأْسِها أنْ وصَلَتْ بِالأُولى دَلالَةً عَلى اتِّحادِهِما بِضَمِيرِ البَقَرَةِ لا بِاسْمِها الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها، حَتّى تَبَيَّنَ أنَّهُما قِصَّتانِ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّقْرِيعِ، وتَثْنِيَتُهُ بِإخْراجِ الثّانِيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ تَأْخِيرِها. وأنَّها قِصَّةٌ واحِدَةٌ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى البَقَرَةِ. اهـ.

وقالَ الحَرالِيُّ: قُدِّمَ نَبَأُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذِكْرِ نِدائِهِمْ في القَتِيلِ، ابْتِداءً بِأشْرَفِ القَصْدَيْنِ مِن مَعْنى التَّشْرِيعِ الَّذِي هو القائِمُ عَلى أفْعالِ الِاعْتِداءِ وأقْوالِ الخُصُومَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

(التَّنْبِيهُ الثّانِي) قالَ الرّاغِبُ: قَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ النّاسِ ذَلِكَ وما حَكاهُ اللَّهُ مِنهُ، وأنْكَرَ (p-١٥٨)حُصُولَ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وقالَ: ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِن حَيْثُ الطَّبِيعَةُ، وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ فِيهِ حِكْمَةٌ إلَهِيَّةً. فَأمّا اسْتِبْعادُهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الطَّبِيعَةُ فَإنَّما هو اسْتِبْعادٌ لِلْإحْياءِ والنُّشُورِ، ولِذَلِكَ مَوْضِعٌ لا يَخْتَصُّ بِالتَّفْسِيرِ. ومَن كانَ ذَلِكَ طَرِيقَتَهُ فَلا خَوْضَ مَعَهُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ. وأمّا الحِكْمَةُ فِيهِ فَظاهِرَةٌ إذْ هو مِنَ المُعْجِزاتِ المَحْسُوسَةِ الباهِرَةِ لِلْعُقُولِ. وأمّا تَخْصِيصُ البَقَرَةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ الوُقُوفُ عَلَيْهِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ في تَخْصِيصِ بَقَرَةٍ عَلى وصْفٍ مَخْصُوصٍ إلّا تَوافُرَ المَأْمُورِينَ بِذَلِكَ عَلى طَلَبِها، واسْتِيجابَ الثَّوابِ في بَذْلِ ثَمَنِها، وجَلْبَ نَفْعٍ تَوَفَرَ إلى صاحِبِها -لَكانَ في ذَلِكَ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ.

وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ الَّتِي حُكْمُهم واحِدٌ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ الفِعْلُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ واقِعًا مِن بَعْضِهِمْ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا، كَأنَّ الجُمْلَةَ المُرَكَّبَةَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْها ما وقَعَ مِن عُضْوٍ مِنها.

وقَدْ ذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قِصَّةَ البَقَرَةِ وصاحِبِها بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ نُورِدْ شَيْئًا مِنها لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ. كَما أنَّ البَعْضَ مِنَ البَقَرَةِ لَمْ يَجِئْ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيانُهُ. فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَما أبْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ لَيْسَ في تَعْيِينِهِ لَنا فائِدَةٌ دِينِيَّةٌ ولا دُنْيَوِيَّةٌ، وإنْ كانَ مُعَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ، وأيًّا كانَ فالمُعْجِزَةُ حاصِلَةٌ بِهِ.

2:74Page 11

ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٤ ] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المُخاطَبُونَ إمّا أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِهِ ﷺ، أيِ اشْتَدَّتْ قُلُوبُكم وقَسَتْ وصَلُبَتْ مِن بَعْدِ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَتْ أوائِلَكم، والأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ، والعِقابِ الَّذِي نَزَلَ بِمَن أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ مِنهم، والآياتِ الَّتِي (p-١٥٩)جاءَهم بِها أنْبِياؤُهم، والمَواثِيقُ الَّتِي أخَذُوها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى كُلِّ مَن دانَ بِالتَّوْراةِ مِمَّنْ سِواهم. فَأخْبَرْ بِذَلِكَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجَفائِهِمْ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي تَلِينُ عِنْدَها القُلُوبُ. وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ"، خِطابُ مُشافَهَةٍ. فَحَمْلُهُ عَلى الحاضِرِينَ أوْلى. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أُولَئِكَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا، أوْ مَن قَبْلَ المُخاطَبِينَ مِن سَلَفِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.

"فَهِيَ كالحِجارَةِ" في القَساوَةِ "أوْ أشَدُّ" مِنها "قَسْوَةً" أيْ: هي في القَسْوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ زائِدَةٌ عَلَيْها فِيها. و"أوْ" لِلتَّخْيِيرِ أوْ لِلتَّرْدِيدِ. بِمَعْنى أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ بِما هو أقْسى كالحَدِيدِ، أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ قالَ هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، وتَرْكُ ضَمِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْأمْنِ مِن الِالتِباسِ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ﴾ أيْ يَتَفَتَّحُ بِالسِّعَةِ والكَثْرَةِ "مِنهُ الأنْهارُ" بَيانٌ لِأشَدِّيَّةِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الحِجارَةِ في القَساوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالعِظاتِ والقَوارِعِ الَّتِي تَمِيعُ مِنها الجِبالُ وتَلِينُ بِها الصُّخُورُ، يَعْنِي أنَّ الحِجارَةَ رُبَّما تَتَأثَّرُ حَيْثُ يَكُونُ مِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ المِياهُ العَظِيمَةُ "وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ" أيْ يَتَشَقَّقُ "فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ" أيِ العُيُونُ الَّتِي هي دُونَ الأنْهارِ ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ الجَبَلِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، انْقِيادًا لِما سَخَّرَهُ لَهُ مِنَ المَيْلِ إلى المَرْكَزِ بِالسَّلاسَةِ، قالَهُ القاشانِيُّ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ التَّمْيِيزِ في الجَمادِ حَتّى يَخْشى ويُسَبِّحَ. والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها مِنَ المَجازِ البَلِيغِ. وأنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. لا سِيَّما وأنَّ المَجازَ أكْثَرُ في اللِّسانِ مِنها، كَما بَسَطَ في مُطَوَّلاتِ البَيانِ.

وقَدْ رَدَّ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ، في أوَّلِ كِتابِهِ "الفَصْلُ" عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ تَمْيِيزًا، رَدًّا مُسْهَبًا. وقالَ: مَنِ ادَّعى ذَلِكَ أُكَذِّبُهُ العِيانَ. ثُمَّ اسْتَثْنى ما كانَ مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

(قالَ): ولَعَلَّ مُعْتَرِضًا يَعْتَرِضُ بِقَوْلِهِ تَعالى يَصِفُ الحِجارَةَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن (p-١٦٠)خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فَقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحِجارَةَ لَمْ تُؤْمَرْ بِشَرِيعَةٍ ولا بِعَقْلٍ ولا بُعِثَ إلَيْها نَبِيٌّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَإنَّ القَوْلَ مِنهُ تَعالى يَخْرُجُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ﴾ راجِعٌ إلى القُلُوبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مِن تِلْكَ القُلُوبِ القاسِيَةِ ما يَقْبَلُ الإيمانَ يَوْمًا ما، فَيَهْبِطُ عَنِ القَسْوَةِ إلى اللِّينِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا أمْرٌ يُشاهَدُ بِالعِيانِ، فَقَدْ تَلِينُ القُلُوبُ القاسِيَةُ بِلُطْفِ اللَّهِ تَعالى، ويَخْشى العاصِي. وقَدْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وكَما أخْبَرَ تَعالى أنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ أنْ أخْبَرَ أنَّ ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] (قالَ) فَهَذا وجْهٌ ظاهِرٌ مُتَيَقَّنُ الصِّحَّةِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الخَشْيَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ إنَّما هي التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى وجَرْيِ أقْدارِهِ، كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنِ السَّماءِ والأرْضِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]

(p-١٦١)والوَجْهُ الثّالِثُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الجَبَلَ الَّذِي صارَ دَكًّا، إذْ تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لَهُ يَوْمَ سَألَهُ كَلِيمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّؤْيَةَ، فَذَلِكَ الجَبَلُ بِلا شَكٍّ مِن جُمْلَةِ الحِجارَةِ، وقَدْ هَبَطَ عَنْ مَكانِهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ وآيَةٌ وإحالَةُ طَبِيعَةٍ في ذَلِكَ الجَبَلِ خاصَّةً. ويَكُونُ "يَهْبِطُ" بِمَعْنى "هَبَطَ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] مَعْناهُ: وإذْ مَكَرَ، وبَيَّنَ قَوْلُهُ تَعالى، مُصَدِّقًا إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ ﷺ في إنْكارِهِ عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الحِجارَةِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] فَصَحَّ بِهَذا، صِحَّةً لا مَجالَ لِلشَّكِّ فِيها، أنَّ الحِجارَةَ لا تَعْقِلُ. وإذْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وبِالضَّرُورَةِ والمُشاهَدَةِ فَقَدِ انْتَفى عَنْها النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ والخَشْيَةُ، المَعْهُودُ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنا.

وأمّا الأحادِيثُ المَأْثُورَةُ في أنَّ الحَجَرَ لَهُ لِسانٌ وشَفَتانِ، والكَعْبَةُ كَذَلِكَ، وأنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ، وخَشَعَ جَبَلُ كَذا، فَخُرافاتٌ مَوْضُوعَةٌ نَقَلَها كُلُّ كَذّابٍ وضَعِيفٍ، لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مِن طَرِيقِ الإسْنادِ أصْلًا. ويَكْفِي مِنَ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ شَيْئًا مِنها مَنِ انْتَدَبَ مِنَ الأئِمَّةِ لِتَصْنِيفِ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ، أوْ ما يُسْتَجازُ رِوايَتُهُ، مِمّا يُقارِبُ الصِّحَّةَ (انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ) .

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ النَّحْوِ في مَعْنى الهُبُوطِ -ما هَبَطَ مِنَ الأحْجارِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ- فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ هُبُوطَ ما هَبَطَ مِنها مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَفَيَّؤُ ظِلالَهُ. وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ الجَبَلُ الَّذِي صارَ دَكًّا إذْ تَجَلّى لَهُ رَبُّهُ. وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (p-١٦٢)كَقَوْلِهِ: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ولا إرادَةَ لَهُ. قالُوا: وإنَّما أُرِيدَ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن عِظَمِ أمْرِ اللَّهِ يُرى كَأنَّهُ هابِطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خَشْيَةِ اللَّهِ. قالَزَيْدُ الخَيْلِ:

؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الأُكْمَ مِنهُ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

وكَما قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي كاهِلٍ، يَصِفُ عَدُوًّا لَهُ:

؎ساجِدَ المَنخِرِ لاْ يَرْفَعُهُ ∗∗∗ خاشِعَ الطَّرْفِ أصَمَّ المُسْتَمَعْ

يُرِيدُ أنَّهُ ذَلِيلٌ.

(p-١٦٣)وكَما قالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:

؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُوَرُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ

وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ "يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ" أيْ يُوجِبُ الخَشْيَةَ لِغَيْرِهِ بِدَلالَتِهِ عَلى صانِعِهِ. كَما قِيلَ: ناقَةٌ تاجِرَةٌ إذا كانَتْ، مِن نَجابَتِها وفَراهَتِها، تَدْعُو النّاسَ إلى الرَّغْبَةِ فِيها، كَما قالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:

؎وأعْوَرُ مِن نَبْهانَ، أمّا نَهارُهُ ∗∗∗ فَأعْمىْ، وأمّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ

فَجَعَلَ الصِّفَةَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ، وهو يُرِيدُ بِذَلِكَ صاحِبَهُ النَّبْهانِيَّ الَّذِي يَهْجُوهُ. مِن أجْلِ أنَّهُ فِيهِما كانَ ما وصَفَهُ بِهِ. ثُمَّ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ رَدُّ ابْنُ حَزْمٍ لَهُ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ.

(p-١٦٤)ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ الرّاغِبَ حاوَلَ هُنا تَقْرِيبَ ما نَقَلَ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ظاهِرِها بِتَأْوِيلِهِ. وعِبارَتُهُ: قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كُلُّ حَجَرٍ تَرَدّى مِن رَأْسِ جَبَلٍ فَخَشْيَةُ اللَّهِ نَزَلَتْ بِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الهابِطُ مِنها قَدْ جُعِلَ لَهُ مَعْرِفَةً، قالَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الحج: ١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ [الحج: ١٨] وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ السَّلَفِ، ولا بُدَّ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِن مُقَدِّمَةٍ تَكْشِفُ عَنْ وجْهِ هَذا القَوْلِ، وحَقِيقَتِهِ. فَإنَّ قَوْمًا اسْتَسْلَمُوا لِما حُكِيَ لَهم مِن هَذا النَّحْوِ، فانْطَوَوْا عَلى شُبْهَةٍ، وقَوْمًا اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ واسْتَخَفُّوا عَقْلَ رُواتِهِ وقائِلِيهِ، فَيُقالُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ قَوْمًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرُوا أنَّ جَمِيعَ المَعارِفِ عَلى أضْرُبٍ:

الأوَّلُ المَعْرِفَةُ التّامَّةُ الَّتِي هي العِلْمُ التّامُّ. وذَلِكَ لِعَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

والثّانِي مَعْرِفَةٌ مُتَزايِدَةٌ، وهي لِلْإنْسانِ، وذاكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَهُ مَعْرِفَةً غَرِيزِيَّةً، وجَعَلَ لَهُ بِذَلِكَ سَبِيلًا إلى تَعَرُّفِ كَثِيرٍ مِمّا لَمْ يَعْرِفْهُ. ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلْإنْسانِ. والثّالِثُ مَعْرِفَةٌ دُونَ ذَلِكَ، وهي مَعْرِفَةُ الحَيَواناتِ الَّتِي سَخَّرَها لِإيثارِ أشْياءَ نافِعَةٍ لَها والسَّعْيِ إلَيْها. واسْتِرْذالِ أشْياءَ هي ضارَّةٌ لَها وتَجَنُّبِها، ودَفْعِ مَضارَّ عَنْ أنْفُسِها.

والرّابِعُ: مَعْرِفَةُ النّامِياتِ مِنَ الأشْجارِ والنَّباتِ، وهي دُونَ ما لِلْحَيَواناتِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في اسْتِجْلابِ المَنافِعِ وما يُنَمِّيها.

والخامِسُ: مَعْرِفَةُ العَناصِرِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسَخَّرٌ لِأنْ يَشْغَلَ المَكانَ المُخْتَصَّ بِهِ كالحَجَرِ في طَلَبِ السُّفْلِ، والنّارِ في (p-١٦٥)طَلَبِ العُلُوِّ، وذَلِكَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، بِلا اخْتِيارٍ مِنهُ. قالُوا: والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ العَناصِرِ إذا نُقِلَ مِن مَرْكَزِهِ قَهْرًا، أبى إلّا العَوْدَ إلَيْهِ طَوْعًا. قالُوا ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ السِّراجَ يَجْتَذِبُ الأدْهانَ الَّتِي تُبْقِيهِ، ويَأْبى الماءَ الَّذِي يُطْفِيهِ، وأنَّ المِغْناطِيسَ يَجُرُّ الحَدِيدَ ولا يَجُرُّ غَيْرَهُ. هَذا ما حَكَوْهُ.

فَعَلى هَذا إذا قِيلَ: لِهَذِهِ الأشْياءِ مَعْرِفَةٌ، فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، مَتى سَلِمَ لَهم أنَّ هَذِهِ القُوى تُسَمّى مَعْرِفَةً، فَأمّا إذا قِيلَ إنَّ لِلْجَماداتِ مَعارِفَ الإنْسانِ في أنَّها تُمَيِّزُ وتَخْتارُ وتُرِيدُ، فَهَذا مِمّا تُعافُهُ العُقُولُ. (انْتَهى قَوْلُ الرّاغِبِ) .

وهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، ومَبْناهُ عَلى أنَّ اصْطِلاحَ السَّلَفِ في كَثِيرٍ مِنَ الإطْلاقاتِ غَيْرُ اصْطِلاحاتِ الخَلَفِ. وهو مُسَلَّمٌ في كَثِيرٍ مِنَ الإطْلاقاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى. فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُونَهُ، مُطَّلِعًا عَلَيْهِ غَيْرَ غافِلٍ عَنْهُ، كانَ لِمُجازاتِهِمْ بِالمِرْصادِ، ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَساوَةَ قُلُوبِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بُعْدُهم عَنِ الإيمانِ، فالتَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ يُؤْيِسُهم مِن فَلاحِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا كانَ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ إيمانِهِمْ في مَعْرِضِ التَّنْكِيتِ عَلَيْهِمْ، والتَّبْكِيتِ لَهم، مُنْكِرًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском