Al-QasimiTaha · 20:124–132

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:124–132, continued

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِهَذا عُذْرٌ في ضَلالِهِ، إذا كانَ يَحْسَبُ أنَّهُ عَلى هُدًى كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠] ؟ قِيلَ: لا عُذْرَ لِهَذا وأمْثالِهِ في الضَّلالِ، الَّذِينَ مَنشَأُ ضَلالِهِمُ الإعْراضُ عَنِ الوَحْيِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ. ولَوْ ظَنَّ أنَّهُ مُهْتَدٍ، فَإنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإعْراضِهِ عَنِ اتِّباعِ داعِي الهُدى. فَإذا ضَلَّ فَإنَّما أُتَيَ مِن تَفْرِيطِهِ وإعْراضِهِ. وهَذا بِخِلافِ مَن كانَ ضَلالُهُ لِعَدَمِ بُلُوغِ الرِّسالَةِ، وعَجْزِهِ عَنِ الوُصُولِ إلَيْها، فَذاكَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ.

والوَعِيدُ في القُرْآنِ إنَّما يَتَناوَلُ الأوَّلَ. وأمّا الثّانِي فَإنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إقامَةِ (p-٤٢٢٩)الحُجَّةِ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقالَ تَعالى في أهْلِ النّارِ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] وقالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أوْ تَقُولَ ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ القَيِّمِ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ [طه: ١٢٥] هَلْ هو مِن عَمى البَصِيرَةِ أوْ مِن عَمى البَصَرِ ؟ والَّذِينَ قالُوا هو مِن عَمى البَصِيرَةِ، إنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] ونَظائِرُ هَذا مِمّا يَثْبُتُ لَهُمُ الرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]

(p-٤٢٣٠)والَّذِينَ رَجَّحُوا أنَّهُ مِن عَمى البَصَرِ، قالُوا: السِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] وهو لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا في كُفْرِهِ قَطُّ، بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ أنَّهُ كانَ في الدُّنْيا في عَمًى عَنِ الحَقِّ. فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] وكَيْفَ يُجابُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ [طه: ١٢٦] ؟ بَلْ هَذا الجَوابُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عَمى البَصَرِ وأنَّهُ جُوزِيَ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ. فَإنَّهُ لَمّا أعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وعَمِيَتْ عَنْهُ بَصِيرَتُهُ، أعْمى اللَّهُ بِهِ بَصَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَرَكَهُ في العَذابِ، كَما تَرَكَ الذِّكْرَ في الدُّنْيا، فَجازاهُ عَلى عَمى بَصِيرَتِهِ عَمى بَصَرِهِ في الآخِرَةِ. وعَلى تَرْكِهِ ذِكْرَهُ، تَرْكَهُ في العَذابِ. وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقَدْ قِيلَ في هَذِهِ الآيِ أيْضًا: إنَّهم عُمْيٌ وبُكْمٌ وصُمٌّ عَنِ الهُدى. كَما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قالُوا لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَئِذٍ ويَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ.

ومَن نَصَرَ أنَّهُ العَمى والبُكْمُ والصَّمَمُ، المُضادُّ لِلْبَصَرِ والسَّمْعِ والنُّطْقِ، قالَ: هو عَمًى وصَمَمٌ وبَكَمٌ مُقَيَّدٌ لا مُطْلَقٌ. فَهو عَمًى عَنْ رُؤْيَةِ ما يَسُرُّهم وسَماعِهِ. وهَذا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم. وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَشْرُ حِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا كَذَلِكَ. فَإذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ إلى المَوْقِفِ قامُوا كَذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهم يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ فِيما بَعْدُ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ.

وقالَ آخَرُونَ: هَذا إنَّما يَكُونُ إذا دَخَلُوا النّارَ واسْتَقَرُّوا فِيها، سُلِبُوا الأسْماعَ والأبْصارَ والنُّطْقَ، حِينَ يَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ الرَّجاءُ وتَبْكُمُ عُقُولُهم فَيُبْصَرُونَ بِأجْمَعِهِمْ، عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لا يُبْصِرُونَ (p-٤٢٣١)ولا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ. ولا يَسْمَعُ فِيها بَعْدَها إلّا الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ. وهَذا مَنقُولٌ عَنْ مُقاتِلٍ.

والَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِهِ العُمْيُ عَنِ الحُجَّةِ، إنَّما مُرادُهم أنَّهم لا حُجَّةَ لَهُمْ، ولَمْ يُرِيدُوا أنَّ لَهم حُجَّةً، هم عُمْيٌ عَنْها، بَلْ هم عُمْيٌ عَنِ الهُدى كَما كانُوا في الدُّنْيا. فَإنَّ العَبْدَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ. ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ الصَّوابَ هو القَوْلُ الآخَرُ، وأنَّهُ عَمى البَصَرِ. وأنَّ الكافِرَ يَعْلَمُ الحَقَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَيانًا، ويُقِرُّ بِما كانَ يَجْحَدُ في الدُّنْيا. فَلَيْسَ هو أعْمى عَنِ الحَقِّ يَوْمَئِذٍ.

وفَصْلُ الخِطابِ؛ أنَّ الحَشْرَ هو الضَّمُّ والجَمْعُ. ويُرادُ بِهِ تارَّةً الحَشْرُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ««إنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيَّ حُفاةً عُراةً»» وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ويُرادُ بِهِ الضَّمُّ والجَمْعُ إلى دارِ المُسْتَقَرِّ. فَحَشْرُ المُتَّقِينَ جَمْعُهم وضَمُّهم إلى الجَنَّةِ. وحَشْرُ الكافِرِينَ جَمْعُهم وضَمُّهم إلى النّارِ. لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] الآيَةَ وهَذا الحَشْرُ الثّانِي، وعَلى هَذا فَهم ما بَيْنَ الحَشْرِ الأوَّلِ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ والحَشْرِ الثّانِي. يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ ويُجادِلُونَ ويَتَكَلَّمُونَ، وعِنْدَ الحَشْرِ الثّانِي يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا. ولِكُلِّ مَوْقِفٍ حالٌ يَلِيقُ بِهِ، ويَقْتَضِيهِ عَدْلُ الرَّبِّ تَعالى وحِكْمَتُهُ. فالقُرْآنُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] انْتَهى.

(p-٤٢٣٢)السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] أيْ: لِما أعْرَضْتَ عَنْ آياتِ اللَّهِ وعامَلْتَها مُعامَلَةَ مَن لَمْ يَذْكُرْها بَعْدَ بَلاغِها إلَيْكَ، تَناسَيْتَها وأعْرَضْتَ عَنْها وأغْفَلْتَها. كَذَلِكَ اليَوْمَ نُعامِلُكَ مُعامَلَةَ مَن يَنْساكَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. فالنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا نِسْيانُ لَفْظِ القُرْآنِ مَعَ فَهْمِ مَعْناهُ، والقِيامِ بِمُقْتَضاهُ، فَلَيْسَ داخِلًا في هَذا الوَعِيدِ الخاصِّ. وإنْ كانَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى. فَإنَّهُ قَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ الأكِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ في ذَلِكَ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن رَجُلٍ قَرَأ القُرْآنَ فَنَسِيَهُ، إلّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقاهُ، وهو أجْذَمُ»»؛.

السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ [طه: ١٢٧] الآيَةَ، أيْ: وهَكَذا نَجْزِي المُسْرِفِينَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى، مِن ضَنْكِ العَيْشِ في الدُّنْيا. لِكَوْنِهِ دائِمًا. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن لُحُوقِ العَذابِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

20:128Page 321

أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨

Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٨] ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ .

﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيِ: الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، أيْ: يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ عادٍ وثَمُودَ ولُوطٍ ويُعايِنُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، وأنْ لَيْسَ لَهم باقِيَةٌ ولا عَيْنٌ ولا أثَرٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ أيِ: العُقُولِ السَّلِيمَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ (p-٤٢٣٣)فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقَوْلُهُ تَعالى:

20:129Page 321

وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩

And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٩] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ .

﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ مَعَ إشْعارِ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨] الآيَةَ، بِإهْلاكِهِمْ مِثْلَ هَلاكِ أُولَئِكَ والكَلِمَةِ السّابِقَةِ، قالَ القاشانِيُّ: هو القَضاءُ السّابِقُ أنْ لا يَسْتَأْصِلَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالدَّمارِ والعَذابِ في الدُّنْيا، لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكَلِمَةُ السّابِقَةُ هي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ جَزائِهِمْ إلى الآخِرَةِ. يَقُولُ: لَوْلا هَذِهِ العِدَةُ لَكانَ مِثْلُ إهْلاكِنا عادًا وثَمُودَ لازِمًا لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ. واللِّزامُ إمّا مَصْدَرُ لازَمَ كالخِصامِ، وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً. أوِ اسْمُ آلَةٍ لِأنَّها تُبْنى عَلَيْهِ كَحِزامٍ ورِكابٍ، واسْمُ الآلَةِ يُوصَفُ بِهِ مُبالَغَةً أيْضًا، كَقَوْلِهِمْ: مِسْعَرُ حَرْبٍ، ولِزازُ خَصْمٍ بِمَعْنى مُلِحٌّ عَلى خَصْمِهِ. مِن لَزَّ بِمَعْنى ضِيقِ عَلَيْهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ فِيهِ كَوْنَهُ جَمْعَ لازِمٍ. كَقِيامٍ جَمْعِ قائِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى كَلِمَةٍ، أيْ: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لِأعْمارِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ بَدْرٍ، لَما تَأخَّرَ عَذابُهم أصْلًا.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفَصْلُهُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ، لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما، بِنَفْيِ لُزُومِ العَذابِ ومُراعاةِ فَواصِلِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

(p-٤٢٣٤)وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى المَسْتَكِنِّ في (كانَ) العائِدُ إلى الأخْذِ العاجِلِ، المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ، تَنْزِيلًا لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ. لَكانَ الأخْذُ العاجِلُ، وأجَلٌ مُسَمًّى لازِمَيْنِ لَهُمْ، كَدَأْبِ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ. ولَمْ يَنْفَرِدِ الأجَلُ المُسَمّى دُونَ الأخْذِ العاجِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

20:130Page 321

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠

So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٠] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ .

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أيْ: إذا كانَ تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ لَيْسَ بِإهْمالٍ بَلْ إمْهالٍ، فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ مِن كَلِماتِ الكُفْرِ، فالفاءُ سَبَبِيَّةٌ. والمُرادُ بِالصَّبْرِ عَدَمُ الِاضْطِرابِ لِما صَدَرَ مِنهُمْ، لا تَرْكُ القِتالِ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً. وفي التَّسْبِيحِ المَأْمُورِ بِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ التَّنْزِيهُ. والمَعْنى: ونَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ ما يُضِيفُونَ إلَيْهِ مِنَ النَّقائِضِ، حامِدًا عَلى ما مَيَّزَكَ بِالهُدى، مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها. ومِن صِيَغِهِ المَأْثُورَةِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ. وعَلَيْهِ فَسِرُّ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأوْقاتِ الإشارَةُ إلى الدَّوامِ، مَعَ أنَّ لِبَعْضِ الأوْقاتِ مَزِيَّةً يَفْضُلُ بِها غَيْرَها.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ وهو الأقْرَبُ لِآيَةِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] والآياتُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. والمَعْنى: صَلِّ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَعْنِي صَلاةَ الفَجْرِ. وقَبْلَ غُرُوبِها، يَعْنِي صَلاةَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، لِأنَّهُما واقِعَتانِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ النَّهارِ، بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ أيْ: مِن ساعاتِهِ، يَعْنِي المَغْرِبَ والعِشاءَ. وإنَّما قَدَّمَ الوَقْتَ فِيهِما، لِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ الفَضْلِ. وذَلِكَ (p-٤٢٣٥)لِأنَّ أفْضَلَ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِاجْتِماعِ القَلْبِ وهُدُوءِ الرَّجْلِ والخُلُوِّ بِالرَّبِّ تَعالى. ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ، فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى النَّفْسِ أشَدَّ وأشَقَّ، ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ وأنْصَبَ، فَكانَتْ أفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ وأقْرَبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ تَكْرِيرٌ لِصَلاةِ الفَجْرِ والمَغْرِبِ، إيذانًا بِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ مَزِيَّةٍ. ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأمْنِ الإلْباسِ، والمُرَجَّحِ مُشاكَلَتُهُ لِـ: آناءِ اللَّيْلِ أوْ أمَرَ بِصَلاةِ الظُّهْرِ. فَإنَّهُ نِهايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ، وبِدايَةُ النِّصْفِ الأخِيرِ. وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ النِّصْفَيْنِ. أوْ لِأنَّ النَّهارَ جِنْسٌ فَيَشْمَلُ كُلَّ نَهارٍ، أوْ أمْرٌ بِالتَّطَوُّعِ في أجْزاءِ النَّهارِ.

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما أمَرَ، عَقِيبَ الصَّبْرِ، بِالتَّسْبِيحِ، لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ السَّلْوَةَ والرّاحَةَ. إذْ لا راحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. قُلْتُ: وقَدْ أُشِيرَ إلى حِكْمَةِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّسْبِيحِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أيْ: رَجاءٌ أنْ تَنالَ ما بِهِ تَرْضى نَفْسُكَ، مِن رَفْعِ ذِكْرِكَ. ونَقْهَرُكَ عَلى عَدُوِّكَ وبُلُوغِ أُمْنِيَّتِكَ مِن ظُهُورِ تَوْحِيدِ رَبِّكَ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ ما مُتِّعَ بِهِ الكُفّارُ مِنَ الزَّخارِفِ، إنَّما هو فِتْنَةٌ لَهم فَلا يَنْبَغِي الرَّغْبَةُ فِيهِ، وإنَّ ما أوَيْتَهُ أجَلُّ وأسْمى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

20:131Page 321

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١

And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣١] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .

﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ: أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ: (p-٤٢٣٦)﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ زِينَتَها. مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن: أزْواجًا أوْ بِـ: ﴿مَتَّعْنا﴾ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى: أعْطَيْنا وخَوَّلْنا: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ: لِنَخْتَبِرَهم فِيما مَتَّعْناهم بِهِ مِن ذَلِكَ ونَبْتَلِيَهِمْ. فَإنَّ ذَلِكَ فانٍ وزائِلٌ وغُرُورٌ وخُدَعٌ تَضْمَحِلُّ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: " لِنَفْتِنَهم " مُتَعَلِّقٌ بِـ: " مَتَّعْنا " جِيءَ بِهِ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ بِبَيانِ سُوءِ عاقِبَتِهِ مَآلًا، إثْرَ إظْهارِ بَهْجَتِهِ حالًا. أيْ: لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِمْ ويَخْتَبِرُهم فِيهِ. أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ: ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ثَوابُهُ الأُخْرَوِيُّ خَيْرٌ في نَفْسِهِ مِمّا مُتِّعُوا بِهِ وأدْوَمُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٨٠] أوِ المَعْنى ما أُوتِيتَ مِنَ النُّبُوَّةِ والهُدى، خَيْرٌ مِمّا فُتِنُوا بِهِ وأبْقى، لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ الهُدى الَّذِي تَتْبَعُهُ السَّعادَةُ في الدّارَيْنِ، وبَيْنَ زَهْرَةٍ يَتَمَتَّعُ بِها مُدَّةً ثُمَّ تَذْبُلُ وتَفْنى. وفي التَّعْبِيرِ بِالزَّهْرَةِ إشارَةٌ لِسُرْعَةِ الِاضْمِحْلالِ، فَإنَّ أجَلَها قَرِيبٌ. ومِن لَطائِفِ الآيَةِ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ونَصُّهُ: مَدُّ النَّظَرِ تَطْوِيلُهُ وأنْ لا يَكادَ يَرُدُّهُ اسْتِحْسانًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ، وإعْجابًا بِهِ وتَمَنِّيًا أنْ يَكُونَ لَهُ. كَما فَعَلَ نَظّارَةُ قارُونَ حِينَ قالُوا: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] حَتّى واجَهَهم أُولُوا العِلْمِ والإيمانِ بِـ: ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٨٠]

وفِيهِ: أنَّ النَّظَرَ غَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وذَلِكَ مِثْلُ نَظَرِ مَن بادَهَ الشَّيْءُ بِالنَّظَرِ ثُمَّ غَضَّ الطَّرْفَ. ولِما كانَ النَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ كالمَرْكُوزِ في الطِّباعِ، وإنَّ مَن أبْصَرَ مِنها شَيْئًا أحَبَّ أنْ يَمُدَّ إلَيْهِ نَظَرَهُ ويَمْلَأ مِنهُ عَيْنَيْهِ، قِيلَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ ما أنْتَ مُعْتادٌ لَهُ وضارٌّ بِهِ. ولَقَدْ شَدَّدَ العُلَماءُ مِن أهْلِ التَّقْوى في وجْبِ غَضِّ النَّظَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ، وعَدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَراكِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما اتَّخَذُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِعُيُونِ النَّظّارَةِ، (p-٤٢٣٧)فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ، وكالمُغْرِي لَهم عَلى اتِّخاذِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

20:132Page 321

وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢

And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٢] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ .

﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ يَعْنِي بِأهْلِهِ: أهْلَ بَيْتِهِ أوِ التّابِعِينَ لَهُ. أيْ: مُرْهم بِإقامَتِها لِتَجْذِبَ قُلُوبَهم إلى خَشْيَةِ اللَّهِ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى أدائِها، لِتُرَسِّخَ بِالصَّبْرِ عَلَيْها مَلَكَةَ الثَّباتِ عَلى العِبادَةِ، والخُشُوعِ والمُراقَبَةِ، الَّتِي يَنْتُجُ عَنْها كُلُّ خَيْرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الأمْرَ بِها، إنَّما هو لِفَلاحِ المَأْمُورِ ومَنفَعَتِهِ، ولا يَعُودُ عَلى الآمِرِ بِها نَفْعٌ ما، لِتَعالِيهِ وتَنَزُّهِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أيْ: لا نَسْألُكَ مالًا. بَلْ نُكَلِّفُكَ عَمَلًا بِبَدَنِكَ نُؤْتِيكَ عَلَيْهِ أجْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. ومَعْنى نَحْنُ نَرْزُقُكَ: أيْ: نَحْنُ نُعْطِيكَ المالَ ونُكْسِبُكَ ولا نَسْألُكَهُ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُرِيدُ مِنهُ ومِنهُمُ العِبادَةُ. ولا يُرِيدُ مِنهُ أنْ يَرْزُقَهُ كَما تُرِيدُ السّادَةُ مِنَ العَبِيدِ الخَراجَ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى الآيَةِ. أقْبِلْ مَعَ أهْلِكَ عَلى الصَّلاةِ واسْتَعِينُوا بِها عَلى خَصاصَتِكم. ولا تَهْتَمُّوا بِأمْرِ الرِّزْقِ والمَعِيشَةِ، فَإنَّ رِزْقَكَ مَكْفِيٌّ مِن عِنْدِنا، ونَحْنُ رازِقُوكَ. وهَذا المَعْنى لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ مَنطُوقًا ولا مَفْهُومًا. وفِيهِ حَضٌّ عَلى القُعُودِ عَنِ الكَسْبِ، ومُسْتَنَدٌ لِلْكُسالى القانِعِينَ بِسُكْنى المَساجِدِ عَنِ السَّعْيِ المَأْمُورِ بِهِ. وقَدْ قالَ تَعالى في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ (p-٤٢٣٨)ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] إشارَةٌ إلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: والعاقِبَةُ الحَسَنَةُ مِن عَمَلِ كُلِّ عامِلٍ، لِأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، دُونَ مَن لا يَخافُ لَهُ عِقابًا ولا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском