Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:67–95
20:67–69Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [٦٨] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] [٦٩] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] .
﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أحَسَّ: ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وذَلِكَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ. أوْ خافَ مِن تَوَهُّمِ الخَلْقِ المُعارَضَةَ، بِأنَّ لَهم مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَيّاتٍ. كَما أنَّ لَهُ مِن عَصاهُ حَيَّةً: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] أيْ: تَلْتَقِطُهُ بِفَمِها: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] في مُقابَلَةِ آيَةٍ رَبّانِيَّةٍ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] أيْ: لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ، أيَّ مَكانٍ جاءَ لِدَفْعِ الحَقِّ.
20:70–71Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [٧١] ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] .
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أيْ: فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، تَيَقَّنُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ السِّحْرِ، وإنَّما هي آيَةٌ رَبّانِيَّةٌ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ (p-٤١٩٣)ومُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٧١] أيْ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] أيْ: فاتَّفَقْتُمْ مَعَهُ لِيَكُونَ لَكُمُ المُلْكُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ [طه: ٧١] أيْ: مِن جانِبَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الأخْشابِ وأخْشَنُها: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي أنَّكم إنَّما آمَنتُمْ بِرَبِّ مُوسى خَوْفًا مِن شِدَّةِ عَذابِهِ. أوْ مِن تَخْلِيدِهِ في العَذابِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] فَإنَّ رَبَّ مُوسى لَمْ يَقْطَعْ مِن أحَدٍ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ، ولَمْ يَصْلُبْهُ في جُذُوعِ النَّخْلِ، ولَمْ يُبْقِهِ مَصْلُوبًا، قالَهُ المَهايِمِيُّ. وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ فِرْعَوْنَ يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] أيْ: لِمُوسى. واللّامُ مَعَ الإيمانِ، في كِتابِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وقَصْدُهُ إظْهارُ اقْتِدارِهِ وبَطْشِهِ، وما جَرى بِهِ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ. وتَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِضْعافِهِ مَعَ الهُزْءِ بِهِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ.
20:72Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢] ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ .
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ: نَخْتارُكَ بِالإيمانِ والِاتِّباعِ: ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَلى يَدِ مُوسى: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: وعَلى الَّذِي خَلَقَنا. واخْتِيارُ هَذا الوَصْفِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. فَإنَّ خالِقِيَّتَهُ تَعالى لَهُمْ، وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَذا جَوابٌ مِنهم لِتَوْبِيخِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] وقِيلَ هو قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أيِ: اصْنَعْ ما أنْتَ صانِعُهُ. وهَذا جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: " لَأُقَطِّعَنَّ " إلَخْ: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: فِيها وهي لا بَقاءَ لَها، ولا سُلْطانَ لَكَ بَعْدَها. وإنَّما البُغْيَةُ الآخِرَةُ.
20:73Page 316
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
(p-٤١٩٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣] ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ثَوابًا.
20:74Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٤] ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ .
﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ أيْ: فَيَنْقَضِي عَذابُهُ: ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ: حَياةً طَيِّبَةً.
20:75Page 316
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ .
﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ.
20:76Page 316
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي، بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
لَطائِفُ:
مِنَ (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ لِلنّاصِرِ).
الأُولى: في تَخْيِيرِ السَّحَرَةِ بَيْنَ إلْقاءِ مُوسى وإلْقائِهِمُ، اسْتِعْمالُ أدَبٍ حَسَنٍ مَعَهُ، وتَواضُعٌ لَهُ (p-٤١٩٥)وخَفْضُ جَناحٍ. وتَنْبِيهٌ عَلى إعْطائِهِمُ النَّصَفَةَ مِن أنْفُسِهِمْ. وكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا ألْهَمَهم ذَلِكَ، وعَلَّمَ مُوسى -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- اخْتِيارَ إلْقائِهِمْ، أوَّلًا، مَعَ ما فِيهِ مِن مُقابَلَةِ أدَبٍ بِأدَبٍ، حَتّى يُبْرِزُوا ما مَعَهم مِن مَكايِدِ السِّحْرِ، ويَسْتَنْفِدُوا أقْصى طُرُقِهِمْ ومَجْهُودِهِمْ. فَإذا فَعَلُوا أظْهَرَ اللَّهُ سُلْطانَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ، وسَلَّطَ المُعْجِزَةَ عَلى السِّحْرِ فَمَحَقَتْهُ، وكانَتْ آيَةً نَيِّرَةً لِلنّاظِرِينَ. وعِبْرَةً بَيِّنَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ. وقَبْلَ ذَلِكَ تَأدَّبُوا مَعَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨] فَفَوَّضُوا ضَرْبَ المَوْعِدِ إلَيْهِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى ها هُنا، أنْ يَجْعَلَهم مُبْتَدِئِينَ بِما مَعَهُمْ، لِيَكُونَ إلْقاؤُهُ العَصا، بَعْدُ، قَذْفًا بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ، كَذَلِكَ ألْهَمَهُ مِنَ الأوَّلِ، أنْ يَجْعَلَ مَوْعِدَهم يَوْمَ زِينَتِهِمْ وعِيدِهِمْ، لِيَكُونَ الحَقُّ أبْلَجَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، فَيَكُونُ أفْضَحَ لِكَيْدِهِمْ وأهْتَكَ لِسِتْرِ حَرَمِهِمْ.
الثّانِيَةُ: جُوِّزَ في إيثارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] عَلى: " عَصاكَ " وجْهانِ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها. أيْ: لا تَحْتَفِلُ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَبِيرَةِ الكَثِيرَةِ. فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمَ مِنها كُلِّها. وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ وأنْزَرُهُ عِنْدَهُ. فَألْقِهِ يَتَلَقَّفُها بِإذْنِ اللَّهِ ويَمْحَقُها.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها أيْ: لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ. وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي في يَمِينِكَ. فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُها عَلى وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها، وصِغَرِهِ وعِظَمِها. وإنَّما المَقْصُودُ بِتَحْقِيرِها في جَنْبِ القُدْرَةِ، تَحْقِيرُ كَيْدِ السَّحَرَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى. لِأنَّها إذا كانَتْ أعْظَمَ مِنَّةً وهي حَقِيرَةٌ في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما الظَّنُّ بِكَيْدِهِمْ وقَدْ تَلَقَّفَتْهُ هَذِهِ الحَقِيرَةُ الضَّئِيلَةُ؟
ولِأصْحابِ البَلاغَةِ طَرِيقٌ في عُلُوِّ المَدْحِ بِتَعْظِيمِ جَيْشِ عَدُوِّ المَمْدُوحِ، لِيَلْزَمَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ جَيْشِ المَمْدُوحِ وقَدْ قَهَرَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ. فَصَغَّرَ اللَّهُ أمْرَ العَصا، لِيَلْزَمَ مِنهُ كَيْدُ السَّحَرَةِ الدّاحِضُ بِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن نُكْتَةٍ تُناسِبُ الأمْرَيْنِ -التَّعْظِيمَ والتَّحْقِيرَ- وتِلْكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، (p-٤١٩٦)هِيَ إرادَةُ المَذْكُورِ مُبْهَمًا، لِأنَّ: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] أبْهَمُ مِن: " عَصاكَ " ولِلْعَرَبِ مَذْهَبٌ في التَّنْكِيرِ والإبْهامِ، والإجْمالِ، تَسْلُكُهُ مَرَّةً لِتَحْقِيرِ شَأْنِ ما أبْهَمَتْهُ، وأنَّهُ عِنْدَ النّاطِقِ بِهِ أهْوَنُ مِن أنْ يَخُصَّهُ ويُوَضِّحَهُ. ومَرَّةً لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، ولِيُؤْذِنَ أنَّهُ مِن عِنايَةِ المُتَكَلِّمِ والسّامِعِ بِمَكانٍ، يُغْنِي في الرَّمْزِ والإشارَةِ. فَهَذا هو الوَجْهُ في إسْعادِهِ بِهِما جَمِيعًا.
ثُمَّ قالَ النّاصِرُ: وعِنْدِي في الآيَةِ وجْهٌ سِوى قَصْدِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُ ما عَلِمَ أنَّ العَصا آيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عِنْدَما سَألَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧] ثُمَّ أظْهَرَ لَهُ تَعالى آيَتَها، فَلَمّا دَخَلَ وقْتُ الحاجَةِ إلى ظُهُورِ الآيَةِ مِنها، قالَ تَعالى: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] لِيَتَيَقَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْوَقْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه: ١٧] وقَدْ أظْهَرَ لَهُ آيَتَها، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ وتَأْنِيسًا، حَيْثُ خُوطِبَ بِما عَهِدَ أنْ يُخاطَبَ بِهِ وقْتَ ظُهُورِ آيَتِها. وذَلِكَ مَقامٌ يُناسِبُ التَّأْنِيسَ والتَّثْبِيتَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] ؟ انْتَهى.
ولِأبِي حَيّانَ نُكْتَةٌ أُخْرى. وهي ما في اليَمِينِ مِنَ الإشْعارِ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ. ولا يُقالُ جاءَ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ألْقِ عَصاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] والقِصَّةُ واحِدَةٌ. لِأنَّهُ يُجابُ بِأنَّهُ مانِعٌ مِن رِعايَةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِيما وقَعَ هُنا، وحِكايَةُ ما جاءَ بِالمَعْنى.
هَذا وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: فِيما ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الخِطابُ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ أوْ مُرادِفٍ لَهُ، يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي فِيهِ. والأوَّلُ خِلافُ الواقِعِ. والثّانِي دُونَهُ خَرْطَ القَتادِ، فَتَأمَّلْ.
أقُولُ: إنَّما اسْتُبْعِدَ الثّانِي، لِتَوَهُّمِ أنْ لا بَلاغَةَ ولا نِكاتٍ إلّا في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي. وهو ظاهِرٌ. وبِهِ تُسْتَعادُ تِلْكَ اللَّطائِفُ.
20:77Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عِنايَتِهِ بِمُوسى وقَوْمِهِ، مِن إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، وقَدْ طَوى هُنا ما فَصَّلَ في آياتٍ أُخَرَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٤١٩٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ .
﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أيْ: سِرْ بِهِمْ مِن مِصْرَ لَيْلًا: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ أيْ: يابِسًا. فَضَرَبَ مُوسى بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ وجاوَزَهُ إلى ساحِلِهِ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ أيْ: لا تَخافُ مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ أنْ يُدْرِكُوكَ مِن ورائِكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أيْ: غَرَقًا مِن بَيْنِ يَدَيْكَ، ووَحْلًا.
20:78–79Page 317
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨] ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [٧٩] ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ لِأنَّهُ نَدِمَ عَلى الإذْنِ بِتَسْرِيحِهِمْ مِن مِصْرَ، وأنَّهم قَهَرُوهُ عَلى قِلَّتِهِمْ كَما قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] فَتَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ حَتّى لَحِقُوهُمْ، ونَزَلُوا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكُوهُ. فَفاجَأهُمُ المَوْجُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم مِنهُ وغَمَرَهُمْ، ما لا يُحاطُ بِهَوْلِهِ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] أيْ: أوْرَدَهُمُ الهَلاكَ، بِعُتُوِّهِ وعِنادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وما هَداهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
20:80–81Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومِنَنَهُ الكُبْرى، وما وصّاهم مِنَ المُحافَظَةِ عَلى شُكْرِها، وحَذَرِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِهِ بِكُفْرِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٤١٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [٨١] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] .
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. فَقَدْ كانُوا يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ. يَذْبَحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم. وذَلِكَ بِأنْ أقَرَّ أعْيُنَكم مِنهُمْ، بِإغْراقِهِمْ، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ أيْ: بِمُناجاةِ مُوسى وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. واليَهُودُ السّامِرِيَّةُ تَزْعُمُ أنَّ هَذا الجَبَلَ في نابُلْسَ ويُسَمُّونَهُ جَبَلَ الطُّورِ ويُذْكَرُ في الجُغْرافِيا بِلَفْظِ عِيبالَ ولَهم عِيدٌ سَنَوِيٌّ فِيهِ يَصْعَدُونَ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُونَ فِيهِ القَرابِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما عَدّى المُواعَدَةَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لابَسَتْهم واتَّصَلَتْ بِهِمْ، حَيْثُ كانَتْ لِنَبِيِّهِمْ ونُقَبائِهِمْ. وإلَيْهِمْ رَجَعَتْ مَنافِعُها الَّتِي قامَ بِها دِينُهم وشَرْعُهُمْ، وفِيما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن سائِرِ نِعَمِهِ وأرْزاقِهِ.
و(جانِبَ) مَفْعُولٌ فِيهِ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى الِاتِّساعِ. أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: إتْيانُ جانِبٍ ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [طه: ٨١] أيْ: مِن لَذائِذِهِ. فَإنَّ المَنَّ كالعَسَلِ. والسَّلْوى مِنَ الطُّيُورِ الجَيِّدِ لَحْمُها: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] أيْ: فِيما رَزَقْناكُمْ، بِأنْ يَتَعَدّى فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ، ويُخالِفَ ما أُمِرَ بِهِ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] أيْ: هَلَكَ.
20:82Page 317
وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢
But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.
(p-٤١٩٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ: تابَ عَمّا كانَ فِيهِ مِن كُفْرٍ أوْ شِرْكٍ أوْ مَعْصِيَةٍ أوْ نِفاقٍ، وعَمِلَ صالِحًا بِجَوارِحِهِ، ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيِ: اسْتَقامَ وثَبَتَ عَلى الهُدى المَذْكُورِ. وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ في وهْدَةِ الطُّغْيانِ، بِبَيانِ المَخْرَجِ لَهُ مِنهُ، كَيْ لا يَيْأسَ.
20:83Page 317
۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣
[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"
وقَوْلُهُ تَعالى:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣] ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ .
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهُمْ، عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وكانَ قَدْ مَضى مَعَهُ النُّقَباءُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَوْمِهِ إلى الطُّورِ، عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ، ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ورِضاهُ.
20:84Page 317
قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤
He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٤] ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ أيْ: قادِمُونَ يَنْزِلُونَ بِالطُّورِ، وإنَّما سَبَقْتُهم بِما ظَنَنْتُ أنَّهُ خَيْرٌ. ولِذا قالَ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أيْ: عَنِّي، بِمُسارَعَتِي إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِكَ. واعْتِنائِي بِالوَفاءِ بِعَهْدِكَ. وزِيادَةُ (رَبِّ) لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ، رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٤٢٠٠)فَإنْ قِيلَ: كانَ مُقْتَضى جَوابِ السُّؤالِ مِن مُوسى أنْ يَقُولَ: طَلَبَ زِيادَةِ رِضاكَ أوِ الشَّوْقَ إلى كَلامِكَ، فالجَوابُ. أنَّ هَذا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ سِرِّ الإنْكارِ. وذَلِكَ لِأنَّ الإنْكارَ بِالذّاتِ إنَّما هو لِلْبُعْدِ والِانْفِصالِ عَنْهم. فَهو مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ. كَما عُرِفَ في أمْثالِهِ. فالسُّؤالُ في المَعْنى عَنْ الِانْفِصالِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ (أعْجَلَكَ) المُتَعَدِّي بِـ(مَن). وإنْكارُ العَجَلَةِ لِأنَّها وسِيلَةٌ لَهُ. فالجَوابُ: هم أُولاءِ عَلى أثَرِي. وقَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ تَتْمِيمٌ. وقِيلَ الجَوابُ إنَّما هو قَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ، وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ.
وقالَ النّاصِرُ: إنَّما أرادَ اللَّهُ بِسُؤالِهِ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، وهو أعْلَمُ، أنْ يُعَلِّمَ مُوسى أدَبَ السَّفَرِ. وهو أنَّهُ يَنْبَغِي تَأخُّرُ رَئِيسِ القَوْمِ عَنْهم في المَسِيرِ، لِيَكُونَ نَظَرُهُ مُحِيطًا بِطائِفَتِهِ، ونافِذًا فِيهِمْ، ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ في تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَيْفَ عَلَّمَ هَذا الأدَبَ، لُوطًا، فَقالَ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] فَأمَرَهُ أنْ يَكُونَ أخْيَرَهم. عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أغْفَلَ هَذا الأمْرَ مُبادَرَةً إلى رِضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُسارَعَةً إلى المِيعادِ. وذَلِكَ شَأْنُ المَوْعُودِ بِما يُسِرُّهُ، يَوَدُّ لَوْ رُكِّبَ إلَيْهِ أجْنِحَةُ الطَّيْرِ. ولا أسَرَّ مِن مُواعَدَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ﷺ. انْتَهى.
20:85Page 317
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥
[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥] ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ .
﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم بَعْدَ ذَهابِكَ لِلْمُناجاةِ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ يَعْنِي اليَهُودِيَّ الَّذِي وسْوَسَ لَهم أنْ يَعْبُدُوا عِجْلًا يَتَّخِذُوهُ إلَهًا، لَمّا طالَتْ عَلَيْهِمْ غَيْبَةُ مُوسى ويَئِسُوا مِن رُجُوعِهِ. و(السّامِرِيُّ) في لُغَةِ العَرَبِ، بِمَعْنى اليَهُودِيِّ. وقَدْ قالَ بِالظَّنِّ، مَنِ ادَّعى تَسْمِيَتَهُ أوْ حاوَلَ تَعْيِينَهُ. وأمّا الطّائِفَةُ السّامِرِيَّةُ الآنَ فَهم فِئَةٌ مِنَ اليَهُودِ في (نابُلْسَ) قَلِيلَةُ العَدَدِ تُخالِفُ بَقِيَّةَ اليَهُودِ في جُلِّ عاداتِها.
(p-٤٢٠١)وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ -أعْنِي إخْبارَهُ تَعالى لِمُوسى بِالفِتْنَةِ -الأمْرَ- بِرُجُوعِهِ لِقَوْمِهِ، وإصْلاحِهِ ما فَسَدَ مِن حالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى:
20:86Page 317
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦
So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٦] ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ .
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ: حَزِينًا: ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ: بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيَّ، ورُجُوعِي بِها إلَيْكُمْ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ أيْ: زَمانُ الإنْجازِ، أوْ مَجِيئِي: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أيْ: وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى ما أمَرْتُكم بِهِ إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ.
20:87–88Page 317
قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧
They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."
فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨
And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧] ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [٨٨] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] .
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى المِيمِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ، بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا. أيْ: لَوْ مَلَكْنا أمْرَنا، وخَلَّيْنا وراءَنا، لَما أخْلَفْناهُ. ولَكِنْ غَلَبْنا مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا﴾ بِفَتْحِ الحاءِ مُخَفَّفًا، وبِضَمِّها وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدًا: أوْزارًا أيْ: أثْقالًا وأحْمالًا: ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ (p-٤٢٠٢)أيْ: مِن حُلِيِّ القِبْطِ، قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وهو حُلِيُّ نِسائِهِمْ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ أيْ: في النّارِ لِسَبْكِها: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: كانَ إلْقاؤُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: صَوْتَ عِجْلٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ صارَ حَيًّا، وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ. وقِيلَ: لَمْ تَحُلَّهُ الحَياةُ وإنَّما جَعَلَ فِيهِ مَنافِذَ ومَخارِقَ، بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ. أفادَهُ الرّازِيُّ.
وقَوْلُهُ: فَقالُوا أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتَتَنُوا بِهِ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: غَفَلَ عَنْهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ. ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلى مَن ضَلَّ بِهَذا العِجْلِ وأضَلَّ. مُسَفِّهًا لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ، مِمّا لا يُشْتَبَهُ بُطْلانُهُ عَلى أحَدٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
20:89Page 318
أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩
Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٩] ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ أيِ: العِجْلُ: ﴿إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ: لا يُرَدِّدَ لَهم جَوابًا: ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ: دَفْعَ ضُرٍّ ولا جَلْبَ نَفْعٍ، أيْ: فَكَيْفَ يُتَّخَذُ إلَهًا؟
20:90Page 318
وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠
And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠] ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ .
﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى إلَيْهِمْ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: ضَلَلْتُمْ بِعِبادَتِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، ونَبْذِ العِجْلِ.
20:91–93Page 318
قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١
They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."
قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢
[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,
أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣
From following me? Then have you disobeyed my order?"
(p-٤٢٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١] ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [٩٢] ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] [٩٣] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] .
﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٩٢] أيْ: مُوسى: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٣] أيْ: في الغَضَبِ لِلَّهِ، وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. ولا مَزِيدَةَ. أوِ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتْبَعَنِي، بِحَمْلِ النَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ. فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. أوْ ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ، فَتَكُونُ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهُمْ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو ما أمَرَهُ بِهِ مِن أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، ويُصْلِحَ ما يَراهُ فاسِدًا.
20:94Page 318
قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤
[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
﴿قالَ﴾ أيْ: هارُونُ: ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. أرادَ أُمِّي وذِكْرُها أعْطَفُ لِقَلْبِهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ: بِشَعْرِهِ. وكانَ قَبَضَ عَلَيْهِما يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ غَضَبِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: بِتَرْكِهِمْ لا راعِيَ لَهُمْ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أيْ: لَمْ تُراعِهِ في الِاسْتِخْلافِ والوُجُودِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٥] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ .
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ثُمَّ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ وقالَ لَهُ مُنْكِرًا: ما شَأْنُكَ فِيما صَنَعْتَ؟ وما دَعاكَ إلَيْهِ؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences