Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:79–86
21:79Page 328
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩] ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ .
﴿فَفَهَّمْناها﴾ أيِ: الفَتْوى أوِ الحُكُومَةَ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ: ﴿سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَكانَ القَضاءُ فِيها قَضاءَهُ، لا قَضاءَ أبِيهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ غَنَمًا أفْسَدَتْ زَرْعًا بِاللَّيْلِ، فَقَضى داوُدُ بِالغَنَمِ لِأصْحابِ الحَرْثِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: بَلْ تُؤْخَذُ الغَنَمُ فَتُدْفَعُ إلى أصْحابِ الزَّرْعِ فَيَكُونُ لَهم أوْلادُها وألْبانُها ومَنافِعُها. ويَبْذُرُ أصْحابُ الغَنَمِ لِأهْلِ الزَّرْعِ مِثْلَ زَرْعِهِمْ فَيُعَمِّرُوهُ ويُصْلِحُوهُ، فَإذا بَلَغَ الزَّرْعُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، لَيْلَةَ نَفَشَتْ فِيهِ الغَنَمُ، أخَذَهُ أصْحابُ الحَرْثِ ورَدُّوا الغَنَمَ إلى أصْحابِها. وكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا لا مَرْفُوعًا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالحَقِيقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما آتَيْناهُ حِكْمَةً وعِلْمًا كَثِيرًا، لا سُلَيْمانُ وحْدَهُ. فَفِيهِ دَفْعُ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفَهُّمِ، مِن عَدَمِ كَوْنِ حُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
(p-٤٢٩٠)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ مَغْفُورٌ لَهُ، وعَكَسَ بَعْضُهُمْ، فاسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
قالَ: لِأنَّها تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ لِلَّهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ الِاجْتِهادِ. وأنَّ الحَقَّ لَيْسَ بِواحِدٍ. فَكَذا غَيْرُها إذْ لا قائِلَ بِالفَصْلِ. إذْ لَوْ كانَ لَهُ فِيها حُكْمٌ تَعَيَّنَ. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ. ورُدَّ بِأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ لِتَخْصِيصِهِ بِالفَهْمِ دُونَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُصِيبُ لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ. ولَوْلاهُ لَما كانَ لِتَخْصِيصِهِ بِالفَهْمِ مَعْنًى. والمُسْتَدِلُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَمّا لَمْ يُخْطِئْهُ، دَلَّ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُصِيبٌ. وتَخْصِيصُهُ بِالفَهْمِ لا يَدُلُّ عَلى خَطَأِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِجَوازِ كَوْنِ كُلٍّ مُصِيبًا. ولَكِنَّ هَذا أرْفَقُ وذاكَ أوْفَقُ، بِالتَّحْرِيضِ عَلى التَّحَفُّظِ مِن ضَرَرِ الغَيْرِ. فَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كُلٌّ. فَكَما لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُ اللَّهِ فِيها، لَمْ يُعْلَمْ تَعَيُّنُ دَلالَتِها. كَذا في (العِنايَةِ).
وجاءَ في (فَتْحِ البَيانِ) ما مِثالُهُ: لا شَكَّ أنَّها تَدُلُّ عَلى رَفْعِ الإثْمِ عَنِ المُخْطِئِ، وأمّا كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُصِيبًا فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ولا غَيْرُها، بَلْ صَرَّحَ الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما: أنَّ الحاكِمَ إذا اجْتَهَدَ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ. فَسَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُخْطِئًا. فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ مُصِيبٌ لِحُكْمِ اللَّهِ مُوافِقٌ لَهُ؟ فَإنَّ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ واحِدٌ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُجْتَهِدِينَ. وإلّا لَزِمَ تَوَقُّفُ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى اجْتِهاداتِ المُجْتَهِدِينَ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وأيْضًا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ العَيْنُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها اجْتِهادُ المُجْتَهِدِينَ، بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، حَلالًا وحَرامًا في حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وهَذا اللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وأيْضًا يَلْزَمُ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، لَهُ اجْتِهادٌ في تِلْكَ (p-٤٢٩١)الحادِثَةِ، ولا يَنْقَطِعُ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها إلّا بِانْقِطاعِ المُجْتَهِدِينَ. واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ. والحاصِلُ أنَّ المُجْتَهِدِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إصابَةِ الحَقِّ في كُلِّ حادِثَةٍ. لَكِنْ لا يُصِرُّونَ عَلى الخَطَأِ. كَما رَجَعَ داوُدُ هُنا إلى حُكْمِ سُلَيْمانَ، لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّهُ الصَّوابُ.
قالَ الحَسَنُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ، لَرَأيْتُ الحُكّامَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذا بِصَوابِهِ، وأثْنى عَلى هَذا بِاجْتِهادِهِ.
الثّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ومَنَعَهُ بَعْضُهم. ولا مُسْنَدَ لَهُ. لِأنَّ قَضاءَ داوُدَ لَوْ كانَ بِوَحْيٍ لَما أُوثِرَ قَضاءُ ابْنِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ دَلالَةً ظاهِرَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَعاتَبَهُ عَلى ما وقَعَ مِنهُ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ لَمْ يُعاتِبْهُ. ومِنهُ ما صَحَّ عَنْهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ««لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَما سُقْتُ الهَدْيَ»» ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ فِيما عَمِلَهُ بِالوَحْيِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وأيْضًا، فالِاسْتِنْباطُ أرْفَعُ دَرَجاتِ العُلَماءِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وإلّا لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ المُجْتَهِدِينَ أفْضَلَ مِنهُ في هَذا البابِ.
قالَ الرّازِيُّ: إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّ نَبِيٍّ أنَّ الحُكْمَ في الأصْلِ مُعَلَّلٌ بِمَعْنًى، ثُمَّ عَلِمَ أوْ ظَنَّ قِيامَ ذَلِكَ مَعْنًى في صُورَةٍ أُخْرى، فَلا بُدَّ وأنْ يَغْلِبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ مِثْلُ ما في الأصْلِ. وعِنْدَهُ مُقَدِّمَةٌ يَقِينِيَّةٌ، وهي أنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ العِقابِ، فَيَتَوَلَّدُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ ظَنُّ اسْتِحْقاقِ العِقابِ لِمُخالَفَةِ هَذا الحُكْمِ المَظْنُونِ. وعِنْدَ هَذا، إمّا أنْ يُقْدِمَ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ مَعًا، وهو مُحالٌ، لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. أوْ يَتْرُكُهُما وهو مُحالٌ، لِاسْتِحالَةِ الخُلُوِّ عَنِ النَّقِيضَيْنِ. أوْ يُرَجِّحُ المَرْجُوحَ عَلى الرّاجِحِ وهو (p-٤٢٩٢)باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، أوْ يُرَجِّحُ الرّاجِحَ عَلى المَرْجُوحِ، وذَلِكَ هو العَمَلُ بِالقِياسِ- وهَذِهِ النُّكْتَةُ هي الَّتِي عَلَيْها التَّعْوِيلُ في العَمَلِ بِالقِياسِ. وهي قائِمَةٌ أيْضًا في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في الأحْكامِ ووُقُوعِهِ لِلْأنْبِياءِ. وقَدْ ذَكَرْناهُ قَبْلُ. وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ، وأنَّهُ مَأْجُورٌ مَعَ الخَطَأِ غَيْرُ آثِمٍ، لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ إدْراكَ الحَقِّ مَعَ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أثْنى عَلَيْهِما. وقَدْ تَقَدَّمَ أوَّلًا. واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ بِرُجُوعِ الحاكِمِ بَعْدَ قَضائِهِ مِنِ اجْتِهادٍ إلى أرْجَحَ مِنهُ. وفِيها تَضْمِينُ أرْبابِ المَواشِي ما أفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ. لِأنَّ النَّفْشَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُرَيْحٍ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ. ومَن عَمَّمَ الضَّمانَ فَسَّرَهُ بِالرَّعْيِ مُطْلَقًا. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ الحَسَنُ إلى أنَّ صاحِبَ الزَّرْعِ تُدْفَعُ إلَيْهِ الماشِيَةُ، يَنْتَفِعُ بِدَرِّها وصُوفِها حَتّى يَعُودَ الزَّرْعُ كَما كانَ. كَما حَكَمَ بِهِ سُلَيْمانُ في هَذِهِ الواقِعَةِ. إذْ لَمْ يَرِدْ في شَرْعِنا ناسِخٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَهُمُ. انْتَهى.
الرّابِعُ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عامِرٍ قالَ: جاءَ رَجُلانِ إلى شُرَيْحٍ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ شِياهَ هَذا قَطَعَتْ غَزْلًا لِي. فَقالَ شُرَيْحٌ: نَهارًا أمْ لَيْلًا؟ فَإنْ كانَ نَهارًا فَقَدْ بَرِئَ صاحِبُ الشِّياهِ. وإنْ كانَ لَيْلًا فَقَدْ ضَمِنَ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ شُرَيْحٌ شَبِيهٌ بِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ. «أنَّ ناقَةَ البَراءِ بْنِ عازِبٍ (p-٤٢٩٣)دَخَلَتْ حائِطًا. فَأفْسَدَتْ فِيهِ. فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ الحَوائِطِ، حِفْظَها بِالنَّهارِ. وما أفْسَدَ المَواشِي بِاللَّيْلِ ضامِنٌ عَلى أهْلِها». وقَدْ عُلِّلَ هَذا الحَدِيثُ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ، لَمّا اسْتَقْضى أتاهُ الحَسَنُ، فَبَكى. فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا أبا سَعِيدٍ بَلَغَنِي أنَّ القُضاةَ رَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَهو في النّارِ. ورَجُلٌ مالَ بِهِ الهَوى فَهو في النّارِ. ورَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَهو في الجَنَّةِ. فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن نَبَأِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ والأنْبِياءُ، حُكْمًا يَرُدُّ قَوْلَ هَؤُلاءِ النّاسِ عَنْ قَوْلِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآيَةَ. فَأثْنى اللَّهُ عَلى سُلَيْمانَ، ولَمْ يَذُمَّ داوُدَ.
ثُمَّ قالَ يَعْنِي الحَسَنَ: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ عَلى الحُكَماءِ ثَلاثًا: لا يَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ولا يَتَّبِعُوا فِيهِ الهَوى. ولا يَخْشَوْا فِيهِ أحَدًا. ثُمَّ تَلا: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤]
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ. وإذا اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ»» فَهَذا الحَدِيثُ يَرُدُّ نَصًّا ما تَوَهَّمَهُ إياسُ مِن أنَّ القاضِيَ إذا اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَهو في النّارِ.
وفِي السُّنَنِ: ««القُضاةُ ثَلاثَةٌ: قاضٍ في الجَنَّةِ وقاضِيانِ في النّارِ. رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ (p-٤٢٩٤)وقَضى بِهِ فَهو في الجَنَّةِ. ورَجُلٌ حَكَمَ بَيْنَ النّاسِ عَلى جَهْلٍ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ وقَضى بِخِلافِهِ فَهو في النّارِ»» .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما خَصَّ كُلًّا مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن كَراماتِهِ، إثْرَ بَيانِ كَرامَتِهِ العامَّةِ لَهُما، بِقَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: سَخَّرَنا الجِبالَ والطَّيْرَ يُقَدِّسْنَ اللَّهَ مَعَهُ، بِصَوْتٍ يَتَمَثَّلُ لَهُ أوْ يُخْلَقُ فِيها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ لِطِيبِ صَوْتِهِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِ (الزَّبُورِ) وكانَ إذا تَرَنَّمَ بِهِ تَقِفُ الطَّيْرُ في الهَواءِ فَتُجاوِبُهُ. وتَرُدُّ عَلَيْهِ الجِبالُ تَأْوِيبًا، ولِهَذا «لِما مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وهو يَتْلُو القُرْآنَ مِنَ اللَّيْلِ، وكانَ لَهُ صَوْتٌ طَيِّبٌ جِدًّا، فَوَقَفَ واسْتَمَعَ لِقِراءَتِهِ وقالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذا مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ». قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَسْمَعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا».
قالَ أبُو عُثْمانَ الهِنْدِيُّ: ما سَمِعْتُ صَوْتَ صَنْجٍ ولا بَرْبَطٍ ولا مِزْمارٍ مِثْلَ صَوْتِ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى.
وتَقْدِيمُ الجِبالِ عَلى الطَّيْرِ، لِأنَّ تَسْبِيحَها أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأدْخَلُ في الإعْجازِ، لِأنَّها جَمادٌ. والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدَعٍ في جانِبِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ عَجِيبًا. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩]
21:80Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
(p-٤٢٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ .
﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ أيْ: عَمَلَ الدُّرُوعِ المَلْبُوسَةِ. قِيلَ كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَهُ صَفائِحَ، فَحَلَّقَها وسَرَدَها. أيْ: جَعَلَها حِلَقًا وأدْخَلَ بَعْضَها في بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ [سبإ: ١٠] ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١١] أيْ: لا تُوَسِّعِ الحَلْقَةَ فَتُقْلِقَ المِسْمارِ. ولا تُغْلِظِ المِسْمارَ فَتُقَدَّ الحَلْقَةُ. ولِهَذا قالَ: ﴿لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ أيْ: لِتَحْفَظَكم مِن جِراحاتِ قِتالِكُمْ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أيْ: لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، لِما ألْهَمَ عَبْدَهُ داوُدَ فَعَلَّمَهُ ذَلِكَ رَحْمَةً بِكم فِيما يَحْفَظُ عَلَيْكم في المَعامِعِ حَياتَكم. وفي إيرادِ الأمْرِ بِالشُّكْرِ عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ، مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ.
21:81Page 328
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١] ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ .
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ أيْ: سَخَّرْناها لَهُ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ: ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أيْ: ما تَقْضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ فِيهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإنْ قُلْتَ: وُصِفَتْ هَذِهِ الرِّيحُ بِالعَصْفِ تارَةً وبِالرَّخاوَةِ أُخْرى، فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما؟ قُلْتُ: كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ. فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢] فَكانَ جَمْعُها بَيْنَ الأمْرَيْنِ، (p-٤٢٩٦)أنْ تَكُونَ رَخاءً في نَفْسِها، وعاصِفَةً في عَمَلِها، مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ، وهُبُوبِها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويَحْتَكِمُ، آيَةً إلى آيَةٍ، ومُعْجِزَةً إلى مُعْجِزَةٍ.
قالَ في (الِانْتِصافِ): وهَذا كَما ورَدَ في وصْفِ عَصا مُوسى تارَةً بِأنَّها جانٌّ وتارَةً بِأنَّها ثُعْبانٌ. والجانُّ الرَّقِيقُ مِنَ الحَيّاتِ والثُّعْبانُ العَظِيمُ الجافِي مِنها. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها جَمَعَتِ الوَصْفَيْنِ فَكانَتْ في خِفَّتِها وفي سُرْعَةِ حَرَكَتِها كالجانِّ، وكانَتْ في عِظَمِ خَلْقِها كالثُّعْبانِ، فَفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرِّيحِ والعَصا، عَلى هَذا التَّقْرِيرِ، مُعْجِزَتانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ .
﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أيْ: في البَحْرِ لِاسْتِخْراجِ نَفائِسِهِ، تَكْمِيلًا لِخَزائِنِهِ وتَزْيِينًا لِقَوْمِهِ: ﴿ويَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَيْرَ ذَلِكَ كَبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ﴾ [سبإ: ١٣] ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ: مُؤَيِّدِينَ ومُعِينِينَ.
تَنْبِيهٌ:
الشَّياطِينُ المَذْكُورُونَ، إمّا مَرَدَةُ الإنْسِ وأشِدّاؤُهُمْ، وإمّا مَرَدَةُ الجِنِّ لِظاهِرِ اللَّفْظِ. وعَلَيْهِ قالَ الجُبّائِيُّ: كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهم هَذِهِ الأعْمالُ وأجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى عَمَلِ الثَّقِيلِ؟ وإنَّما يُمْكِنُهُمُ الوَسْوَسَةُ. وأجابَ بِأنَّهُ تَعالى كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهُمْ، وزادَ في عَظْمِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
21:83–84Page 329
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣
And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤
So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].
(p-٤٢٩٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣] ﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [٨٤] ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] .
﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] أيِ: اذْكُرْ أيُّوبَ وما أصابَهُ مِنَ البَلاءِ ودُعاءَهُ رَبَّهُ في كَشْفِ ما نَزَلَ بِهِ، واسْتِجابَتَهُ تَعالى دُعاءَهُ وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في رَفْعِ البَلاءِ. وما ضاعَفَ لَهُ بَعْدَ صَبْرِهِ مِنَ النَّعْماءِ، لِتَعْلَمَ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ عاقِبَةَ العُسْرِ اليُسْرُ. وأنَّ لَكَ الأُسْوَةَ بِمِثْلِ هَذا النَّبِيِّ الصَّبُورِ، فِيما يَنْزِلُ أحْيانًا بِكَ مِن ضُرٍّ. وأنَّ البَلاءَ لَمْ يَنْجُ مِنهُ الأنْبِياءُ. بَلْ هم أشَدُّ النّاسِ ابْتِلاءً. كَما في الحَدِيثِ ««أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الصّالِحُونَ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ»» .
وإنَّ مِن أسْبابِ الفَرَجِ دُعاءَهُ تَعالى والِابْتِهالَ إلَيْهِ والتَّضَرُّعَ لَهُ، وذَكَّرَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا. وإنَّ البَلاءَ لا يَدُلُّ عَلى الهَوانِ والشَّقاءِ. فَإنَّ السَّعادَةَ والشَّقاءَ في هَذا العالَمِ لا يَتَرَتَّبانِ عَلى صالِحِ الأعْمالِ وسَيِّئِها. لِأنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ. وإنَّ عاقِبَةَ الصِّدْقِ في الصَّبْرِ، هي تَوْفِيَةُ الأجْرِ ومُضاعَفَةُ البِرِّ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا امْتُحِنَ بِما فَقَدَ أرْزاقَهُ وهَلَكَ بِهِ جَمِيعُ آلِ بَيْتِهِ، وبِما لَبِثَ يُعانِي مِن قُرُوحِ جَسَدِهِ آلامًا، وصَبَرَ وشَكَرَ، رَحِمَهُ مَوْلاهُ فَعادَتْ لَهُ صِحَّةُ بَدَنِهِ وأُوتِيَ أضْعافَ ما فَقَدَهُ. ورُزِقَ عِدَّةَ أوْلادٍ، وعاشَ عُمْرًا طَوِيلًا أبْصَرَ أوْلادَهُ إلى الجِيلِ الرّابِعِ. ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] أيْ: تَذْكِرَةٌ لِغَيْرِهِ (p-٤٢٩٨)مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ، حَتّى يُثابُوا كَما أُثِيبَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وبِالجُمْلَةِ فالسِّرُّ هو تَثْبِيتُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وحَمْلُهم عَلى الصَّبْرِ في المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ الحَقِّ. وقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ هَهُنا في بَلاءِ أيُّوبَ رِواياتٍ مُخْتَلِفاتٍ، بِأسانِيدَ واهِياتٍ، لا يُقامُ لَها عِنْدَ أئِمَّةِ الأثَرِ وزْنٌ. ولا تُعارُ مِنَ الثِّقَةِ أدْنى نَظَرٍ. نَعَمْ يُوجَدُ في التَّوْراةِ سِفْرٌ لِأيُّوبَ فِيهِ مِن شَرْحِ ضُرِّهِ، بِفَقْدِ كُلِّ مُقْتَنَياتِهِ ومَواشِيهِ وآلِ بَيْتِهِ، وبِنُزُولِ مَرَضٍ شَدِيدٍ بِهِ، عَدِمَ مَعَهُ الرّاحَةَ ولَذَّةَ الحَياةِ، غَرائِبُ. إلّا أنَّها مِمّا لا يُوثَقُ بِها جَمِيعُها. لِما داخَلَها مِنَ المَزِيجِ، وتَوَسَّعَ بِها في الدَّخِيلِ، حَتّى اخْتَلَطَ الحابِلُ بِالنّابِلِ. وإنْ كانَ يُؤْخَذُ مِن مَجْمُوعِها بَلاءٌ فادِحٌ وضُرٌّ مُدْهِشٌ. ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ خَيْرًا في أكْثَرِ مِمّا أجْمَلَهُ في تَنْزِيلِهِ الحَكِيمِ، لَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِتَفْصِيلِهِ. ولِذا يُوقَفُ عِنْدَ إجْمالِهِ فِيما أجْمَلَ، وتَفْصِيلِهِ فِيما فَصَّلَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُهُمْ: أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّ أيُّوبَ كانَ بَعْدَ زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وأنَّهُ كانَ غَنِيًّا مِن أرْبابِ العَقارِ والماشِيَةِ. وكانَ أمِيرًا في قَوْمِهِ. وأنَّ أمْلاكَهُ ومَنزِلَهُ في أرْضٍ خَصِيبَةٍ رائِعَةِ التُّرْبَةِ كَثِيرَةِ المُتَسَلْسِلَةِ في الجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ البَحْرِ المَيِّتِ. ومِن جَبَلِ سُعَيْرٍ بَيْنَ بِلادِ أدُومَ وصَحْراءِ العَرَبِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
21:85–86Page 329
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥
And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦
And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥] ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [٨٦] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] .
﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى القِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ، وعَلى شَدائِدِ النَّوْبِ، وعَلى احْتِمالِ الأذى في نُصْرَةِ دِينِهِ تَعالى، فَفِيهِمْ أعْظَمُ أُسْوَةٍ: ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ [الأنبياء: ٨٦] أيْ: في النُّبُوَّةِ أوْ في نِعْمَةِ الآخِرَةِ: ﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] أيِ: الكامِلِينَ في الصَّلاحِ.
(p-٤٢٩٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا إسْماعِيلُ فالمُرادُ بِهِ ابْنُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ. وكَذا إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا ذُو الكِفْلِ فالظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ ما قُرِنَ مَعَ الأنْبِياءِ إلّا وهو نَبِيٌّ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّما كانَ رَجُلًا صالِحًا، وكانَ مَلِكًا عادِلًا وحَكَمًا مُقْسِطًا، وتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ في ذَلِكَ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ ذا الكِفْلِ هو حَزْقِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences