Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:98–112
21:98–100Page 330
إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨
Indeed, you [disbelievers] and what you worship other than Allāh are the firewood of Hell. You will be coming to [enter] it.
لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩
Had these [false deities] been [actual] gods, they would not have come to it, but all are eternal therein.
لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
For them therein is heavy sighing, and they therein will not hear.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨] ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [٩٩] ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩] [١٠٠] ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] .
﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الأوْثانِ والأصْنامِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: ما يُرْمى بِهِ إلَيْها: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩] أيْ: فَلا مَنجى لَهم مِنها.
(p-٤٣١١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُرِنُوا بِآلِهَتِهِمْ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم لا يَزالُونَ لِمُقارَنَتِهِمْ في زِيادَةِ غَمٍّ وحَسْرَةٍ. حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم بِسَبَبِهِمْ والنَّظَرُ إلى وجْهِ العَدُوِّ بابٌ مِنَ العَذابِ. ولِأنَّهم قَدَّرُوا أنَّهم يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ويَسْتَنْفِعُونَ بِشَفاعَتِهِمْ. فَإذا صادَفُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوا، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيْهِمْ مِنهُمْ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] أيْ: تَرْدِيدُ نَفْسٍ تَنْتَفِخُ مِنهُ الضُّلُوعُ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] أيْ: مِنَ الهَوْلِ وشِدَّةِ العَذابِ.
21:101–103Page 330
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١
Indeed, those for whom the best [reward] has preceded from Us - they are from it far removed.
لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢
They will not hear its sound, while they are, in that which their souls desire, abiding eternally.
لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣
They will not be grieved by the greatest terror,1 and the angels will meet them, [saying], "This is your Day which you have been promised" -
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ إثْرَ حالِ الكافِرِينَ، حَسْبَما جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ التَّنْزِيلِ، مِن شَفْعِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ، وإيرادِ التَّرْغِيبِ مَعَ التَّرْهِيبِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [١٠٢] ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] [١٠٣] ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ: الخَصْلَةُ الحُسْنى، وهي السَّعادَةُ أوِ التَّوْفِيقُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لِأنَّهم في غُرُفاتِ الجِنانِ آمِنُونَ. إذْ وقاهم رَبُّهم عَذابَ السَّعِيرِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] أيْ: صَوْتًا يَحُسُّ بِهِ مِنها، لِبُعْدِهِمْ عَنْها وعَمّا يُفْزِعُهُمْ: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] أيْ: لِلْحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] أيْ: تَسْتَقْبِلُهم مُهَنِّئِينَ لَهم قائِلِينَ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] أيْ في الدُّنْيا، وتُبَشَّرُونَ بِنَيْلِ المَثُوبَةِ الحُسْنى فِيهِ.
21:104–107Page 331
يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤
The Day when We will fold the heaven like the folding of a [written] sheet for the records. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.1
وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥
And We have already written in the book [of Psalms]1 after the [previous] mention2 that the land [of Paradise] is inherited by My righteous servants.
إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ ١٠٦
Indeed, in this [Qur’ān] is notification for a worshipping people.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٤٣١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [١٠٥] ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] [١٠٦] ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] [١٠٧] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ أيِ: اذْكُرْهُ. أوْ ظَرْفٌ لِـ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] أوْ لِـ: " تَتَلَقّاهم " . والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أيْ: كَما يُطْوى السِّجِلُّ وهو الكِتابُ. واللّامُ في (لِلْكُتُبِ) لامُ التَّبْيِينِ. ولِذَلِكَ قُرِئَ: (الكِتابُ) بِالإفْرادِ. أوْ بِمَعْنى (مِن) وفِيهِ قُرْبٌ مِنَ الأوَّلِ. أوِ (الكُتُبُ) بِمَعْنى المَكْتُوبِ. أيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى مَكْتُوبِها. فاللّامُ بِمَعْنى (عَلى) وهو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
تَنْبِيهٌ:
ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ اسْمُ رَجُلٍ كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَما رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما، فَأثَرٌ مُنْكَرٌ لا يَصِحُّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ صَرَّحَ بِوَضْعِهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ. مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ أبُو الحَجّاجِ المِزِّيُّ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ في رَدِّهِ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ وقالَ: لا يُعْرَفُ في الصَّحابَةِ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ. (p-٤٣١٣)وكُتّابُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَعْرُوفُونَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ.
وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ. وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ.
وأمّا مَن ذَكَرَهُ في أسْماءِ الصَّحابَةِ، فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ. والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هي الصَّحِيفَةُ. انْتَهى.
هَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] وطَيُّ السَّماءِ كِنايَةٌ عَنِ انْكِدارِ نُجُومِها، ومَحْوِ رُسُومِها، بِفَسادِ تَرْكِيبِها واخْتِلالِ نِظامِها. فَلا يَبْقى أمْرُ ما فِيها مِنَ الكَواكِبِ عَلى ما نَراهُ اليَوْمَ. فَيُخَرَّبُ العالَمُ بِأسْرِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: مُنْجِزِينَ إيّاهُ. ثُمَّ أشارَ إلى تَحْقِيقِ مِصْداقِهِ، بِإعْزازِ المُنْبِئِ عَنْهُ، وإيراثِهِ مُلْكَ جاحِدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أيِ: العامِلُونَ بِطاعَتِهِ. المُنْتَهُونَ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. دُونَ العامِلِينَ مِنهم بِمَعْصِيَتِهِ، المُؤْثِرِينَ طاعَةَ الشَّيْطانِ عَلى طاعَتِهِ. و(الزَّبُورُ) عَلَمٌ عَلى كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ: المُرادُ بِهِ كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ. والذِّكْرُ -قالُوا- التَّوْراةُ أوْ أُمُّ الكِتابِ. يَعْنِي اللَّوْحَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ الخَلْقِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ. أوْ إلى العِبْرَةِ في إيراثِ الأرْضِ الصّالِحِينَ ودَحْرِ المُجْرِمِينَ. و(البَلاغُ) الكِفايَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] أيْ: يَعْبُدُونَ اللَّهَ، بِما شَرَعَهُ وأحَبَّهُ ورَضِيَهُ. ويُؤْثِرُونَ طاعَتَهُ عَلى طاعَةِ الشَّياطِينِ وشَهَواتِ النَّفْسِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أيْ: وما أرْسَلْناكَ بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ والدِّينِ الفِطْرِيِّ، إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. وفي جَعْلِهِ نَفْسَ الرَّحْمَةِ مُبالَغَةٌ جَلِيَّةٌ. وجُوِّزَ كَوْنُ (رَحْمَةً) مَفْعُولًا لَهُ. أيْ: لِلرَّحْمَةِ، فَهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ.
(p-٤٣١٤)تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا. أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ. فَدَعاهم إلى الحَقِّ وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ. ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ، ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. انْتَهى.
وقَدْ أشَرْتُ إلى وجْهِ الرَّحْمَةِ في بِعْثَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، في (الشَّذْرَةِ) الَّتِي جَمَعَتْها في سِيرَتِهِ الزَّكِيَّةِ، في بَيانِ افْتِقارِ النّاسِ جَمِيعًا إلى رِسالَتِهِ، فَقُلْتُ: كُلُّ مَن لَحَظَ بِعَيْنِ الحِكْمَةِ والِاعْتِبارِ، ونَفَذَتْ بَصِيرَتُهُ إلى مَكْنُونِ الأسْرارِ، عَلِمَ حاجَةَ البَشَرِ كافَّةً إلى رِسالَةِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وأكْبَرَ مِنَّةَ اللَّهِ بِهِ عَلى العالَمِينَ، فَقَدْ بُعِثَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وإخافَةٍ لِلسُّبُلِ، وانْتِشارٍ مِنَ الأهْواءِ، وتَفَرُّقٍ مِنَ المِلَلِ، ما بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، ومُلْحِدٍ في اسْمِهِ، ومُشِيرٍ إلى غَيْرِهِ، كُفْرٌ بَواحٌ، وشِرْكٌ صُراحٌ، وفَسادٌ عامٌّ، وانْتِهابٌ لِلْأمْوالِ والأرْواحِ واغْتِصابٌ لِلْحُقُوقِ، وشَنٌّ لِلْغاراتِ، ووَأْدٌ لِلْبَناتِ وأكْلٌ لِلدِّماءِ والمَيْتاتِ، وقَطْعٌ لِلْأرْحامِ، وإعْلانٌ بِالسِّفاحِ، وتَحْرِيفٌ لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، واعْتِقادٌ لِأضالِيلِ المُتَكَهِّنَةِ. وتَأْلِيهٌ لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ، وسَيْطَرَةٌ مِن جَبابِرَةِ الجَوْرِ وزُعَماءِ الفِتَنِ وقادَةِ الغُرُورِ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وطامّاتٌ طَبَّقَتْ أكْنافَ الأرْضِ، اسْتَمَرَّتِ الأُمَمُ عَلى هَذِهِ الحالِ، الأجْيالَ الطِّوالَ، حَتّى دَعا داعِي الفَلاحِ، وأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِالإصْلاحِ. فَأحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا، وجَعَلَ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا. فَإنَّ النَّوائِبَ إذا تَناهَتِ انْتَهَتْ، وإذا تَوالَتْ تَوَلَّتْ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى البَشَرِ رَسُولًا لِيُعْتِقَهم مِن أسْرِ الأوْثانِ، (p-٤٣١٥)ويُخْرِجَهم مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ وعَمى التَّقْلِيدِ إلى نُورِ الإيمانِ، ويُنْقِذَهم مِنَ النّارِ والعارِ، ويَرْفَعَ عَنْهُ الآصارَ، ويُطَهِّرَهم مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، ويُرْشِدَهم إلى صِراطِ الحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
21:108–112Page 331
قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨
Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩
But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.
إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠
Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.
وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١
And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."
قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢
[The Prophet (ﷺ)] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٨] ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٠٩] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] [١١٠] ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٠] [١١١] ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] [١١٢] ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .
﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، إلّا اسْتِئْثارُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ في الأُلُوهِيَّةِ. ومَعْنى القَصْرِ عَلى ذَلِكَ، أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ، وما عَداهُ راجِعٌ إلَيْهِ في جَنْبِهِ. فَهو قَصْرُ دُعائِي: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِما يُوحى مِنَ التَّوْحِيدِ، مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: عَنِ التَّوْحِيدِ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: أعْلَمْتُكم وهَدَيْتُكم عَلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، نُؤْمِنُ بِها ونَجْنِي ثَمَراتِ سَعادَتِها في الدّارَيْنِ. أوِ المَعْنى دَلَلْتُكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وبَلَّغَتْكُمُ الأمْرَ بِهِ. فَإنْ آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ سَعِدْتُمْ، وإلّا فَإنَّ وعْدَ الجاحِدِينَ آتِيكُمْ، ولَيْسَ بِمَصْرُوفٍ عَنْكم. وإنْ كُنْتُ لا أدْرِي مَتى يَكُونُ ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْلِمْنِي عِلْمَهُ، ولَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿وإنْ أدْرِي﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: وما أدْرِي: ﴿أقَرِيبٌ (p-٤٣١٦)أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: مِنَ الفَتْحِ عَلَيْكُمْ، وإيراثِ أرْضِكم غَيْرَكُمْ، ولُحُوقِ الذُّلِّ والصِّغارِ بِعِصْيانِكُمْ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٠] أيْ: فَسَيَجْزِيكم عَلى ذَلِكَ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] أيْ: وما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكُمْ، وزِيادَةٌ في افْتِتانِكُمْ، أوِ ابْتِلاءٌ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فَـ(الفِتْنَةُ) إمّا مَجازٌ عَنْ الِاسْتِدْراجِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ، أوْ هو بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ. فَهو اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] أيْ: تَمْتِيعٌ لَكم إلى أجَلٍ مَقْدُورٍ. والتَّمْتِيعُ بِمَعْنى الإبْقاءِ والتَّأْخِيرِ: قالَ وقُرِئَ::" قُلْ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ " أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالحَقِّ. وذَلِكَ بِنَصْرِ مَن آمَنَ بِما أنْزَلَتْ، عَلى مَن كَفَرَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أيْ: مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ، وقَهْرِ أعْدائِهِ. وقَدْ أجابَ سُبْحانَهُ دَعْوَتَهُ، وأظْهَرَ كَلِمَتَهُ، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
قالَ الرّازِيُّ: قالَ القاضِي: إنَّما خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَلَغَ في البَيانِ لَهُمُ الغايَةَ، وبَلَغُوا النِّهايَةَ في أذِيَّتِهِ وتَكْذِيبِهِ. فَكانَ قُصارى أمْرِهِ تَعالى بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَعْرِيفًا أنَّ المَقْصُودَ مَصْلَحَتُهم. فَإذا أبَوْا إلّا التَّمادِيَ في كُفْرِهِمْ، فَعَلَيْكَ بِالِانْقِطاعِ إلى رَبِّكَ، لِيَحْكُمَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم بِالحَقِّ. إمّا بِتَعْجِيلِ العِقابِ بِالجِهادِ أوْ بِغَيْرِهِ. وإمّا بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ. فَإنَّ أمْرَهُمْ، وإنْ تَأخَّرَ فَما هو كائِنٌ قَرِيبٌ. وما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ في حُرُوبِهِ، كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ، كالِاسْتِعْجالِ لِلْأمْرِ بِمُجاهَدَتِهِمْ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences