Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:20–36
22:20–24Page 334
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١
And for [striking] them are maces of iron.
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.
وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤
And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] .
﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.
22:25Page 335
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥
Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ﴾ أيِ: المُقِيمُ: ﴿فِيهِ والبادِ﴾ أيِ: الطّارِئُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ أيْ: بِمَيْلٍ عَنِ القَصْدِ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: جَزاءً عَلى هَتْكِهِ حُرْمَتَهُ. ويَشْمَلُ الإلْحادُ الإشْراكَ ومَنعَ النّاسِ مِن عِمارَتِهِ، واقْتِرافَ الآثامِ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى مَن كانَ فِيهِ، أنْ يَضْبُطَ نَفْسَهُ، ويَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدادِ والعَدْلِ في جَمِيعِ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّ السَّيِّئَةَ في الحَرَمِ أعْظَمُ مِنها في غَيْرِهِ، وأنَّها تُضاعَفُ فِيهِ، وإنْ هَمَّ بِها فِيهِ أُخِذَ بِها. ومَفْعُولُ (يُرِدْ ) إمّا مَحْذُوفٌ، أيْ: يُرِدْ شَيْئًا أوْ مُرادًا ما، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. أوْ هي زائِدَةٌ و(إلْحادًا ) مَفْعُولُهُ. أوْ لِلتَّعْدِيَةِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (يَلْتَبِسُ ) . و(بِظُلْمٍ ) حالٌ مُرادِفَةٌ. أوْ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ، بِإعادَةِ الجارِّ. أوْ صِلَةٌ لَهُ. أيْ: مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ. وعَلى كُلٍّ، فَهو مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِن قَوْلِهِ: ﴿نُذِقْهُ﴾ إلَخْ يُؤْخَذُ خَبَرُ إنَّ ويَكُونُ مُقَدَّرًا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والبادِ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِآخِرِ الآيَةِ، كَما ارْتَضى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ ") . (p-٤٣٣٤)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَقْرِيعِ وتَوْبِيخِ مَن عَبَدَ غَيْرَهُ وأشْرَكَ بِهِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ، الَّتِي أُسِّسَتْ مَن أوَّلِ يَوْمٍ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
22:26Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ عَيَّنّاهُ وجَعَلْناهُ لَهُ مَباءَةً، أيْ: مَنزِلًا ومَرْجِعًا لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ فَـ(أنْ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِـ: ﴿بَوَّأْنا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى (تَعَبَّدْنا ) لِأنَّ التَّبْوِئَةَ لِلْعِبادَةِ. أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أيْ: مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ والأقْذارِ: ﴿لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيْ: لِمَن يَطُوفُ بِهِ ويُقِيمُ ويُصَلِّي. أوِ المُرادُ بِالقائِمِينَ وما بَعْدَهُ: (المُصَلِّينَ )، ويَكُونُ عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِأرْكانِها، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدِ اجْتَمَعَتْ ؟ .
22:27–28Page 335
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧ - ٢٨] ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] .
﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ أيْ: نادِ فِيهِمْ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنِّداءُ بِالحَجِّ أنْ يَقُولَ: حُجُّوا، أوْ عَلَيْكم بِالحَجِّ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالا﴾ أيْ: مُشاةً، جَمْعَ (راجِلٍ ): ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ (p-٤٣٣٥)أيْ: رُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ، أتْعَبَهُ بُعْدُ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ. والعُدُولُ عَنْ رُكْبانًا الأخْصَرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآتِينَ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: { يَأْتُونَ } صِفَةٌ لِكُلِّ ضامِرٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وقُرِئَ يَأْتُونَ صِفَةً لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ. أوِ اسْتِئْنافٌ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَعِيدٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: عَلى ما مَلَّكَهم مِنها، وذَلَّلَها لَهم، لِيَجْعَلُوها هَدْيًا وضَحايا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَنّى عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ. لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهِ إذا نَحَرُوا أوْ ذَبَحُوا. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ فِيما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ - زادَ الرّازِيُّ - وأنْ يُخالَفَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ. فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها لِلنُّصُبِ والأوْثانِ، قالَ القَفّالُ: وكَأنَّ المُتَقَرِّبَ بِها وبِإراقَةِ دِمائِها مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ مَن يَفْدِي نَفْسَهُ بِما يُعادِلُها. فَكَأنَّهُ يَبْذُلُ تِلْكَ الشّاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، واعْتِرافًا بِأنَّ تَقْصِيرَهُ كادَ يَسْتَحِقُّ مُهْجَتَهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ. أوْ يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ أوْ يَوْمانِ بَعْدَهُ. أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ ويَوْمٌ بَعْدَهُ. أقْوالٌ لِلْأئِمَّةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُعَضِّدُ الثّانِيَ والثّالِثَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] يَعْنِي بِهِ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِها. انْتَهى.
أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ (عَلى ) تَعْلِيلِيَّةً، والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ في تِلْكَ الأيّامِ بِحَمْدِهِ وشُكْرِهِ وتَسْبِيحِهِ، لِأجْلِ ما رَزَقَهم مِن تِلْكَ البُهْمِ. فَإنَّهُ هو الرَّزّاقُ لَها وحْدَهُ والمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِها: ولَوْ شاءَ لَحَظَرَها عَلَيْهِمْ ولَجَعَلَها أوابِدَ مُتَوَحِّشَةً. وقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَنْزِيلِهِ الكَرِيمِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]
(p-٤٣٣٦)والسِّرُّ في إفْرادِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ، والتَّذْكِيرِ بِها دُونَ غَيْرِها مِن نِعَمِهِ وأيادِيهِ، أنَّ بِها حَياةَ العَرَبِ وقِوامَ مَعاشِهِمْ. إذْ مِنها طَعامُهم وشَرابُهم ولِباسُهم وأثاثُهم وخِباؤُهم ورَكُوبُهم وجَمالُهم. فَلَوْلا تَفَضُّلُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِها لَهم، لَما قامَتْ لَهم قائِمَةٌ. لِأنَّ أرْضَهم لَيْسَتْ بِذاتِ زَرْعٍ وما هم بِأهْلِ صِناعَةٍ مَشْهُورَةٍ، ولا جَزِيرَتُهم مُتَحَضِّرَةٌ مُتَمَدِّنَةٌ. ومَن كانُوا كَذَلِكَ، فَيَجْدُرُ بِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا المُتَفَضِّلَ عَلَيْهِمْ بِما يُبْقِيهِمْ، ويَشْكُرُوهُ ويَعْرِفُوا لَهُ حَقَّهُ. مِن عِبادَتِهِ وحْدَهُ وتَعْظِيمِ حُرُماتِهِ وشَعائِرِهِ. فالِاعْتِبارُ بِها مِن ذَلِكَ، مُوجِبٌ لِلِاسْتِكانَةِ لِرازِقِها، والخُضُوعِ لَهُ والخَشْيَةِ مِنهُ. نَظِيرُ الآيَةِ - عَلى ما ظَهَرَ لَنا - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] هَذا أوَّلًا. وثانِيًا: قَدْ يُقالُ: إنَّما أُفْرِدَتْ لِتُتْبَعَ بِما هو البِرُّ الأعْظَمُ والخَيْرُ الأجْزَلُ. وهو مُواساةُ البُؤَساءِ مِنها. فَإنَّ ذَلِكَ مِن أجَلِّ ما يُرْضِيهِ تَعالى، ويُثِيبُ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَكُلُوا مِنها﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: مِن لُحُومِها. والأمْرُ لِلنَّدْبِ. وإزاحَةُ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَحَرَ هَدْيَهُ، أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبُضْعَةٍ فَتُطْبَخُ، فَأكَلَ مِن لَحْمِها، وحَسا مِن مَرَقِها» .
وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ لا يَأْكُلُونَ مِن ذَبائِحِهِمْ. فَرُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَن شاءَ أكَلَ ومَن شاءَ لَمْ يَأْكُلْ.
قالَ في (الإكْلِيلِ "): والأمْرُ لِلِاسْتِحْبابِ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ واجِبًا بِإطْعامِ الفُقَراءِ. وأباحَ مالِكٌ الأكْلَ مِنَ الهَدْيِ الواجِبِ، إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والأذى والنَّذْرَ، وأباحَهُ أحْمَدُ، إلّا مِن جَزاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ. وأباحَ الحَسَنُ الأكْلَ مِنَ الجَمِيعِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الآيَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ (p-٤٣٣٧)الأكْلَ مِنَ الأُضْحِيَّةِ واجِبٌ، لِظاهِرِ الأمْرِ. وقَوْمٌ إلى أنَّ التَّصَدُّقَ مِنها نَدْبٌ، وحَمَلُوا الأمْرَ عَلَيْهِ. ولا تَحْدِيدَ فِيما يُؤْكَلُ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، لِإطْلاقِ الآيَةِ. انْتَهى.
﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ: أيْ: شِدَّةٌ: ﴿الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أضْعَفَهُ الإعْسارُ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ. وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ أيْضًا.
22:29–31Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣١] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الذَّبْحِ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ مِنَ الإحْرامِ، بِالحَلْقِ والتَّقْصِيرِ وقَصِّ الأظْفارِ ولُبْسِ الثِّيابِ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ: ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: طَوافَ الإفاضَةِ. وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ. ويَقَعُ بِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ. والعَتِيقُ: (القَدِيمُ ) . لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. أوِ المُعْتَقُ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج: ٣٠] خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وهو وأمْثالُهُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ، تُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ.
قالَ الشِّهابُ: والمَشْهُورُ في الفَصْلِ (هَذا ) كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] (p-٤٣٣٨)واخْتِيارُ (ذَلِكَ ) هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ. وهو مِنَ الِاقْتِضابِ القَرِيبِ مِنَ التَّخَلُّصِ، لِمُلاءَمَةِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، كَما هُنا: ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: أحْكامَهُ. أوِ الحَرَمَ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ المَناسِكِ. و(الحُرُماتُ ) جَمْعُ حُرْمَةٍ وهو ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، بَلْ يُحْتَرَمُ شَرْعًا: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: ثَوابًا. و(خَيْرُ ) اسْمُ تَفْضِيلٍ حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ. أيْ: مِن غَيْرِهِ، أوْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلَ فَلا يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِهِ، قالَهُ الشِّهابُ. والثّانِي هو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ في مَوْضِعٍ لا يَظْهَرُ التَّفاضُلُ فِيها. وإيثارُهُ، مَعَ ذَلِكَ، لِرِقَّةِ لَفْظِهِ، وجَمْعِهِ بَيْنَ الحُسْنِ والرَّوْعَةِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: آيَةُ تَحْرِيمِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ لَكُمُ الأنْعامَ كُلَّها، إلّا ما اسْتَثْناهُ في كِتابِهِ. فَحافِظُوا عَلى حُدُودِهِ. وإيّاكم أنْ تُحَرِّمُوا مِمّا أُحِلُّ لَكم شَيْئًا. كَتَحْرِيمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ. وأنْ تُحِلُّوا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. كَإحْلالِهِمْ أكْلَ المَوْقُوذَةِ والمَيْتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِن تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ تَعالى. فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجْتِنابَ الأوْثانِ مِن أعْظَمِ المُحافَظَةِ عَلى حُدُودِهِ تَعالى. و(مِن ) بَيانِيَّةٌ. أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ. وهو غايَةُ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ تَعْظِيمِها والتَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى الأوْثانَ رِجْسًا وكَذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والأزْلامَ، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ. يَعْنِي أنَّكم، كَما تَنْفِرُونَ بِطِباعِكم عَنِ الرِّجْسِ وتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكم أنْ تَنْفِرُوا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْرَةِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] جَعَلَ العِلَّةَ في اجْتِنابِهِ أنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ مُجْتَنَبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ. كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ، رَدًّا لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وتَعْظِيمُ الأوْثانِ والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، (p-٤٣٣٩)وإعْلامًا بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وصِدْقَ القَوْلِ، أعْظَمُ الحُرُماتِ وأسْبَقُها خَطْوًا: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا في ضَلالِهِ وهَلاكِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الهُدى، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: سَقَطَ مِنها فَقَطَّعَتْهُ الطُّيُورُ في الهَواءِ: ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: تُقَدِّمُهُ: ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَن هَوى فِيهِ. و(أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ أوِ التَّنْوِيعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ في هَذا التَّشْبِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ. فَإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ نِهايَةٌ. بِأنَّ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ، فَتَفَرَّقَ مِزَعًا في حَواصِلِها. أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ. وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ، بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ. والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ، بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ. فَكَتَبَ النّاصِرُ عَلَيْهِ: أمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فَيَحْتاجُ تَأْوِيلُ تَشْبِيهِ المُشْرِكِ بِالهاوِي مِنَ السَّماءِ، إلى التَّنْبِيهِ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ المُرادُ رِدَّتَهُ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَن عَلا إلى السَّماءِ بِإيمانِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِارْتِدادِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ أصْلِيًّا، فَيَكُونُ قَدْ عَدَّ تَمَكُّنَ المُشْرِكِ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العُلُوِّ بِهِ ثُمَّ عُدُولُهُ عَنْهُ اخْتِيارًا، بِمَنزِلَةِ مَن عَلا إلى السَّماءِ ثُمَّ هَبَطَ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فَعَدَّهم مُخْرَجِينَ مِنَ النُّورِ وما دَخَلُوهُ قَطُّ، ولَكِنْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفي تَقْرِيرِهِ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُتَوَزِّعَةِ لِلْكافِرِ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ، وفي تَشْبِيهِ تَطْوِيحِ الشَّيْطانِ بِالهَوِيِّ مَعَ الرِّيحِ في مَكانٍ سَحِيقٍ - نَظَرٌ. لِأنَّ الأمْرَيْنِ ذُكِرا في سِياقِ تَقْسِيمِ حالِ الكافِرِ إلى قِسْمَيْنِ. فَإذا جُعِلَ الأوَّلُ مَثَلًا لِاخْتِلافِ الأهْواءِ (p-٤٣٤٠)والأفْكارِ، والثّانِي مَثَلًا لِنَزْغِ الشَّيْطانِ فَقَدْ جَعَلَهُما شَيْئًا واحِدًا. لِأنَّ تَوَزُّعَ الأفْكارِ واخْتِلافَ الأهْواءِ، مُضافٌ إلى نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَلا يَتَحَقَّقُ التَّقْسِيمُ المَقْصُودُ. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ التَّشْبِيهَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: لَمّا انْقَسَمَتْ حالُ الكَفْرِ إلى قِسْمَيْنِ لا مَزِيدَ عَلَيْهِما، الأوَّلُ مِنهُما: المُتَذَبْذِبُ والمُتَمادِي عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ، فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، وذَلِكَ حالُ المُذَبْذِبِ. لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ ونَزَلَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ. والثّانِي: مُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ. لَوْ نُشِرَ بِالمِنشارِ لَمْ يَكِعْ ولَمْ يَرْجِعْ. لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ، ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ.
فَهَذا مُشَبَّهٌ في إقْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ فاسْتَقَرَّ فِيهِ. ويَظْهَرُ تَشْبِيهٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الوادِي السَّحِيقِ، الَّذِي هو أبْعَدُ الأحِبّاءِ عَنِ السَّماءِ، وصَفَ ضَلالَهُ بِالبُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] و: ﴿ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] أيْ: صَمَّمُوا عَلى ضَلالِهِمْ فَبَعُدَ رُجُوعُهم إلى الحَقِّ فَهَذا تَحْقِيقُ القِسْمَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ.
ولا يَخْفى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَساغًا لَهُ. إلّا أنَّهُ لا قاطِعَ بِهِ. نَعَمْ، هو مِن بَدِيعِ الِاسْتِنْباطِ، ورَقِيقِ الِاسْتِخْراجِ. فَرَحِمَ اللَّهُ ناسِخَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ضَرَبَ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا آخَرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ.
22:32Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
(p-٤٣٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ .
﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: عَلائِمَ هِدايَتِهِ، وهو الدِّينُ. أوْ مَعالِمَ الحَجِّ ومَناسِكِهِ. أوِ الهَدايا خاصَّةً، لِأنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ وشَعائِرِهِ تَعالى. كَما تُنْبِئُ عَنْهُ آيَةُ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] وهو الأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ. وتَعْظِيمُها أنْ يَخْتارَها عِظامُ الأجْرامِ حِسانًا سِمانًا، غالِيَةَ الأثْمانِ. ويَتْرُكُ المِكاسَ في شِرائِها. فَقَدْ كانُوا يُغالُونَ في ثَلاثٍ ويَكْرَهُونَ المِكاسَ فِيهِنَّ: الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والرَّقَبَةُ.
وعَنْ سَهْلٍ: كُنّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ في المَدِينَةِ وكانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ. رَواهُ البُخارِيُّ.
وعَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحّى بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ» . رَواهُ البُخارِيُّ
وعَنِ البَراءِ مَرْفُوعًا: ««أرْبَعٌ لا تَجُوزُ في الأضاحِي، العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها، والكَسِيرَةُ الَّتِي لا تُنْقِي»» رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ ﴿فَإنَّها﴾ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها: ﴿مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ: مِن أفْعالِ ذَوِي التَّقْوى. والإضافَةُ إلى القُلُوبِ، لِأنَّ التَّقْوى وضِدَّها تَنْشَأُ مِنها.
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
(p-٤٣٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ .
﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: لَكم في الهَدايا مَنافِعُ دَرُّها ونَسْلُها وصُوفُها وظَهْرُها إلى وقْتِ نَحْرِها. وقَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً قالَ: «ارْكَبْها» . قالَ: إنَّها بَدَنَةٌ قالَ: «ارْكَبْها ويْحَكَ. في الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ»» . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: مَحَلُّ الهَدايا وانْتِهاؤُها إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو الكَعْبَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالَ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]
قالَ في (الإكْلِيلِ "): فِيهِ أنَّ الهَدْيَ لا يُذْبَحُ إلّا بِالحَرَمِ. وقِيلَ: المَعْنى: مَحِلُّ هَذِهِ الشَّعائِرِ كُلِّها الطَّوّافُ بِالبَيْتِ العَتِيقِ. فَيَقْتَضِي أنَّ الحاجَّ بَعْدَ طَوافِ الإفاضَةِ. يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. وكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما طافَ أحَدٌ بِالبَيْتِ إلّا حَلَّ، لِهَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
22:34Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ .
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ (p-٤٣٤٣)أيْ: شَرَّعْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ أنْ يَنْسَكُوا. أيْ: يَذْبَحُوا لِوَجْهِهِ تَعالى، عَلى وجْهِ التَّقَرُّبِ. وجَعَلَ العِلَّةَ، أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ. تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ. عَلى النِّسائِكِ. فَـ(مَنسَكًا ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى أصْلِهِ. أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نِعَمًا.
﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ: أخْلِصُوا لَهُ الذِّكْرَ خاصَّةً، لا تَشُوبُوهُ بِإشْراكٍ ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾
22:35–36Page 336
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٣٦] ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] .
﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: خافَتْ لِتَأثُّرِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَزِيدَ تَأثُّرٍ: ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: في ذَبْحِها تَضْحِيَةً: ﴿خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قِيامًا عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، مَعْقُولَةٌ يَدُها اليُسْرَةُ. يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ. وفي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ أتى عَلى رَجُلٍ قَدْ أناخَ (p-٤٣٤٤)بَدَنَةً وهو يَنْحَرُها. فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيِّدَةً سُنَّةَ أبِي القاسِمِ ﷺ» . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ في صِفَةِ حَجَّةِ الوَداعِ، قالَ فِيهِ: «فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً. جَعَلَ يَطْعَنُها بِحَرْبَةٍ في يَدِهِ»، ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: السّائِلَ: ﴿والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: المُتَعَرِّضَ بِغَيْرِ سُؤالٍ. أوِ القانِعُ الرّاضِي بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ سُؤالٍ، والمُعْتَرُّ المُتَعَرِّضُ بِسُؤالٍ وقَدِ اسْتُنْبِطَ أنَّ الأُضْحِيَّةَ تُجَزَّأُ ثَلاثَةَ أجْزاءَ: فَيَأْكُلُ ثُلُثًا ويُهْدِي ثُلُثًا ويَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ.
﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: ذَلَّلْناها لَكم، لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا، والشُّكْرُ صَرْفُ العَبْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences