Al-QasimiAl‑Hajj · 22:37–53

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:37–53

22:37Page 336

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧

Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ .

﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يُصِيبَ رِضاءَهُ لُحُومُها المُتَصَدَّقُ بِها، ولا دِماؤُها المِهْراقَةُ، مِن حَيْثُ أنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ. ولَكِنْ بِمُراعاةِ النِّيَّةِ والإخْلاصِ، ابْتِغاءَ وجْهِهِ الأعْلى، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِها: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أيْ: لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ عَلى ما أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها، وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها عَلى لِسانِ أكْرَمِ رُسُلِهِ المَبْعُوثِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. وإنَّما كَرَّرَهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ وتَعْلِيلًا بِما بَعْدَهُ. (p-٤٣٤٥)وفِي التَّعْلِيلِ المَذْكُورِ شاهِدٌ لِما قَدَّمْناهُ أوَّلًا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] فَتَذَكَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُخْلِصِينَ في أعْمالِهِمْ.

22:38Page 336

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨

Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، مَسُوقٌ لِتَوْطِينِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، بِبَيانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِمْ عَنِ الحَجِّ، لِيَتَفَرَّغُوا إلى أداءِ مَناسِكِهِ. كَذا قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الرّازِيُّ إلَيْهِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ طَلِيعَةٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الإذْنِ بِالقِتالِ، مُبَشِّرَةٌ بِغايَةِ النُّصْرَةِ والحِفْظِ والكِلاءَةِ والعاقِبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِ مَن ظَلَمَهم، وتَشْوِيقًا إلى اسْتِخْلاصِ بَيْتِهِ الحَرامِ، لِيَتَسَنّى لَهم إقامَةُ شَعائِرِهِ وأداءُ مَناسِكِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أيْ: في أمانَةِ اللَّهِ: ﴿كَفُورٍ﴾ أيْ: لِنِعْمَتِهِ بِعِبادَتِهِ غَيْرَهُ، فَلا يَرْتَضِي فِعْلَهم ولا يَنْصُرُهم. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِما، لِأنَّهُ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهم كَذَلِكَ ولِأنَّ خِيانَةَ أمانَةِ اللَّهِ وكُفْرانَ نِعْمَتِهِ لا يَكُونُ حَقِيرًا، بَلْ هو أمْرٌ عَظِيمٌ.

22:39–40Page 337

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩

Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩ - ٤٠] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .

(p-٤٣٤٦)﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ. والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجَبَ الإقْرارِ والتَّمْكِينِ، لا مُوجَبَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ. ومِثْلُهُ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ.

﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: لَوْلا كَفُّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، وإذْنُهُ بِمُجاهِدَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، لاسْتَوْلى المُشْرِكُونَ عَلى أهْلِ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ في أزْمِنَتِهِمْ، وعَلى مُتَعَبَّداتِهِمْ فَهَدَمُوها.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى بِبَعْضِهِمُ التَّظالُمَ. كالسُّلْطانِ الَّذِي كَفَّ بِهِ رَعِيَّتَهُ عَنِ التَّظالُمِ بَيْنَهم ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى لِمَن أجازَ شَهادَتَهُ بَيْنَهم بِبَعْضِهِمْ عَنِ الذَّهابِ بِحَقِّ مَن لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ. ونَحْوَ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ دَفْعٌ مِنهُ النّاسَ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ. لَوْلا ذَلِكَ لَتَظالَمُوا. فَهَدَمَ القاهِرُونَ صَوامِعَ المَقْهُورِينَ وبِيَعَهم، وما سَمّى جَلَّ ثَناؤُهُ. و(الصَّوامِعُ ): مَبانِي الرَّهْبانِيَّةِ لِخَلْوَتِهِمْ. و(البِيَعُ ): مَعابِدُ النَّصارى. و(الصَّلَواتُ ): رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَنى بِها كَنائِسَ اليَهُودِ. سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَحِلُّها. وقِيلَ هي بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ. و(هُدِّمَتْ ): بِمَعْنى عُطِّلَتْ. أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ.

قالَ القاضِي: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، بِأنْ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَتِهِمْ، وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]

22:41Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١] ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .

(p-٤٣٤٧)﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَرْجِعُها إلى حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِن إظْهارِ أوْلِيائِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِمْ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، عَمّا يَنالُهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ، وحاضًّا لَهُ عَلى الصَّبْرِ عَلى ما يَلْحَقُهُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

22:42–44Page 337

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢

And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣

And the people of Abraham and the people of Lot

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤

And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢ - ٤٤] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] .

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ: ﴿وثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ: ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤] وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] وإنَّما لَمْ يَقُلْ و(قَوْمُ مُوسى ) كَسابِقِهِ، لِأنَّ مُوسى ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وهُمُ القِبْطُ. وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ، بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وعِظَمِ مُعْجِزاتِهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا صَدَّرَ الكَلامَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ أصْنافَ المُكَذِّبِينَ وطَوائِفَهم، ولَمْ يَنْتَهِ إلى مُوسى إلّا بَعْدَ طُولِ الكَلامِ، حَسُنَ تَكْرِيرُهُ لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] فَيَتَّصِلُ المُسَبَّبُ بِالسَّبَبِ، كَما قالَ في آيَةِ (ق ) بَعْدَ تَعْدِيدِهِمْ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] فَرَبَطَ العِقابَ والوَعِيدَ، ووَصَلَهُما (p-٤٣٤٨)بِالتَّعْذِيبِ، بَعْدَ أنْ جَدَّدَ ذِكْرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وإيرادُ مَن زَعَمَ بِأنَّ مُوسى كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، إيرادُ مَن لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو رَدُّ دَعْوَةِ النَّبِيِّ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِ والإصْرارُ عَلى الكُفْرِ بِوَحْيِهِ، والقِيامِ في وجْهِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِهِ. وما وقَعَ مِن قَوْمِ مُوسى هو تَخْلِيطٌ، وخَطَأُ اجْتِهادٍ، وتَعَنُّتٌ ولَجاجٌ مَعَ الِاسْتِظْلالِ بِظِلِّ دَعْوَتِهِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ إجابَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: أمْهَلْتُهم: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: بِالعُقُوبَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ.

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥] ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ .

﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: فَكَمْ مِن أهالِي قَرْيَةٍ: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أيْ: مُشْرِكَةٌ كافِرَةٌ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أيْ: ساقِطَةٌ: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: سُقُوفِها: ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أيْ: وكَمْ مِن بِئْرٍ مَتْرُوكَةٍ لا يُسْتَقى مِنها، لِهَلاكِ أهْلِها: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أيْ: مَرْفُوعٍ. مِن (شادَ البِناءَ ): رَفَعَهُ. أوْ مَعْناهُ مَطْلِيٌّ ومَعْمُولٌ بِالشِّيدِ، بِالكَسْرِ، وهو الجِصُّ، أيْ: مُجَصَّصٌ، أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، ومِن شَواهِدِ الأوَّلِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:

؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْ سا، فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

(p-٤٣٤٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ .

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ في تِجارَتِهِمْ: ﴿فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: بِما يُشاهِدُونَهُ مِن مَوادِّ الِاعْتِبارِ: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ: ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ والتَّخْوِيفِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ الضَّمِيرُ في (فَإنَّها ) لِلْقِصَّةِ. أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ (الأبْصارُ ) . والمَعْنى: لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في الغَفْلَةِ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الصُّدُورِ هو التَّأْكِيدُ مِثْلَ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] و: ﴿طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] إلّا أنَّهُ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الحَقِيقَةِ، وهُنا لِتَقْرِيرِ مَعْنى المَجازِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفائِدَةُ زِيادَةُ التَّصْوِيرِ والتَّعْرِيفِ وعِبارَتُهُ: الَّذِي قَدْ تُعُورِفَ واعْتُقِدَ؛ أنَّ العَمى عَلى الحَقِيقَةِ مَكانَهُ البَصَرُ، وهو أنْ تُصابَ الحَدَقَةُ بِما يَطْمِسُ نُورَها. واسْتِعْمالُهُ في القَلْبِ اسْتِعارَةٌ ومَثَلٌ. فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُ ما هو خِلافُ المُعْتَقَدِ مِن نِسْبَةِ العَمى إلى القُلُوبِ حَقِيقَةً، ونَفْيِهِ عَنِ الأبْصارِ، احْتاجَ هَذا التَّصْوِيرُ إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ وفَضْلِ تَعْرِيفٍ، لِيَتَقَرَّرَ أنَّ مَكانَ العَمى هو القُلُوبُ لا الأبْصارُ. كَما تَقُولُ: (لَيْسَ المُضاءُ لِلسَّيْفِ، ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ )، فَقَوْلُكَ: (الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ ) تَقْرِيرٌ لِما ادَّعَيْتَهُ لِلِسانِهِ، وتَثْبِيتٌ. لِأنَّ مَحَلَّ المُضاءِ هو هو لا غَيْرَ. وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما نَفَيْتُ المُضاءَ عَنِ السَّيْفِ. وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ، فَلْتَةً ولا سَهْوًا مِنِّي، ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا.

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

(p-٤٣٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ .

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ أيِ: المُبَيَّنِ في آيَةِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: فَيُصِيبَهم ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: هو تَعالى حَلِيمٌ لا يَعْجَلُ، فَإنَّ مِقْدارَ ألْفِ سَنَةٍ عِنْدَ خَلْقِهِ، كَيَوْمٍ واحِدٍ عِنْدَهُ، بِالنِّسْبَةِ إلى حِلْمِهِ. لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ عَلى الِانْتِقامِ قادِرٌ، وأنَّهُ لا يَفُوَتُهُ شَيْءٌ. وإنْ أنْظَرَ وأمْلى. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ:

22:48Page 338

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ .

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ أيْ: أمْهَلْتُها: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ إلى حُكْمِي مَرْجِعُ الكُلِّ فَأجْزِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ. فَتَأثُّرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها صَرِيحٌ في بَيانِ خَطَئِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ المَذْكُورِ، بِبَيانِ كَمالِ سِعَةِ حِلْمِهِ تَعالى، وإظْهارِ غايَةِ ضِيقِ عِطْنِهِمْ، المُسْتَتْبَعِ لِكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عَنْهُ تَعالى، مُدَدًا طُوالًا عِنْدَهم، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ولِذَلِكَ يَرَوْنَ مَجِيئَهُ بَعِيدًا، ويَتَّخِذُونَهُ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِهِ، ويَجْتَرِئُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ بِهِ، ولا يَدْرُونَ أنَّ مِعْيارَ تَقْدِيرِ الأُمُورِ كُلِّها، وُقُوعًا وإخْبارًا، ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المِقْدارِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو السُّعُودِ.

وفِي (العِنايَةِ "): لَمّا ذَكَرَ اسْتِعْجالَهم، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ ما اسْتَعْجَلُوهُ، وإنَّما أُخِّرَ (p-٤٣٥١)حِلْمًا، لِأنَّ اليَوْمَ ألْفُ سَنَةٍ عِنْدَهُ. فَما اسْتَطالُوهُ لَيْسَ بِطَوِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، بَلْ هو أقْصَرُ مِن يَوْمٍ. فَلا يُقالُ: إنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ أنَّ ألْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ، والقَلْبُ لا وجْهَ لَهُ.

وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا حَكى تَعالى مِن عِظَمِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاسْتِعْجالِ العَذابِ، بَيَّنَ أنَّ العاقِلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يَعْنِي فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ وشِدَّتِهِ: ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧] لَوْ عُدَّ في كَثْرَةِ الآلامِ وشِدَّتِها. فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ عَرَفُوا حالَ عَذابِ الآخِرَةِ، وأنَّهُ بِهَذا الوَصْفِ لَما اسْتَعْجَلُوهُ.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أوْلى الوُجُوهِ. انْتَهى.

وقَدْ حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وقِيلَ مَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِ مَن يَوْمٌ واحِدٌ مِن أيّامِ عَذابِهِ، في طُولِ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِيكم. لِأنَّ أيّامَ الشَّدائِدِ مُسْتَطالَةٌ، أيْ: تُعَدُّ طَوِيلَةً كَما قِيلَ:

؎تَمَتَّعْ بِأيّامِ السُّرُورِ فَإنَّها قِصارٌ وأيّامُ الهُمُومِ طِوالُ

أوْ كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ الواحِدُ، لِشِدَّةِ عَذابِهِ، كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي العَذابِ. انْتَهى.

واعْتَمَدَ الوَجْهَ الأوَّلَ أبُو السُّعُودِ. وناقَشَ فِيما بَعْدَهُ؛ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الجَلِيلُ ولا سِياقُهُ. فَإنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِأنَّ المُرادَ هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ. وأنَّ الزَّمانَ المُمْتَدَّ هو الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ حُلُولِهِ بِطَرِيقِ الإمْلاءِ والإمْهالِ. لا الزَّمانُ المُقارَنُ لَهُ. ألا يَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ العاجِلُ الشَّدِيدُ، بَعْدَ الإمْلاءِ المَدِيدِ. انْتَهى. وفِيهِ قُوَّةٌ. فاللَّهُ أعْلَمُ.

22:49–51Page 338

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩ - ٥١] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] (p-٤٣٥٢)﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] .

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] وهي الجَنَّةُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] أيْ: والَّذِينَ سَعَوْا في رَدِّ آياتِنا، وصَدِّ النّاسِ عَنْها مُشاقِّينَ. فالمُعاجَزَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُشاقَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومُعارَضَتِهِمْ. فَكُلَّما طَلَبُوا إظْهارَ الحَقِّ طَلَبَ هَؤُلاءِ إبْطالَهُ. كَما يُقالُ: (جاراهُ في كَذا ) . قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] وقُرِئَ: (مُعَجِّزِينَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. بِمَعْنى أنَّهم عَجَّزُوا النّاسَ وثَبَّطُوهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإيمانِ بِالقُرْآنِ. وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ مَن عَجَّزَ عَنْ آياتِ اللَّهِ، فَقَدْ عاجَزَ اللَّهَ. ومِن مُعاجَزَةِ اللَّهِ التَّعْجِيزُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، والعَمَلُ بِمَعاصِيهِ، وخِلافُ أمْرِهِ. وكانَ مِن صِفَةِ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآياتُ أنَّهم كانُوا يُبَطِّئُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ. ويُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَحْسَبُونَ أنَّهم يُعْجِزُونَهُ ويَغْلِبُونَهُ. وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ ذَلِكَ مُعاجَزَتَهُمُ اللَّهَ. كَذا في الشِّهابِ وابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن صَدِّ شَياطِينِ قَوْمِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ كُلِّ رَسُولٍ وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

22:52Page 338

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢

And We did not send before you any messenger or prophet except that when he spoke [or recited], Satan threw into it [some misunderstanding]. But Allāh abolishes that which Satan throws in; then Allāh makes precise His verses.1 And Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى﴾ أيْ: رَغِبَ في انْتِشارِ (p-٤٣٥٣)دَعْوَتِهِ، وسُرْعَةِ عُلُوِّ شِرْعَتِهِ: ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أيْ: بِما يَصُدُّ عَنْها، ويَصْرِفُ المَدْعُوِّينَ عَنْ إجابَتِها: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ أيْ: يُبْطِلُهُ ويَمْحَقُهُ: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُها: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ الإلْقاءاتِ الشَّيْطانِيَّةَ، وطَرِيقَ نَسْخِها مِن وجْهِ وحْيِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُحْكِمُ آياتِهِ بِحِكْمَتِهِ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مِن مُقْتَضَياتِ حِكْمَتِهِ أنَّهُ يَجْعَلُ الإلْقاءَ الشَّيْطانِيَّ فِتْنَةً لِلشّاكِّينَ المُنافِقِينَ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ابْتِلاءً لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا. ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا ثَباتًا واسْتِقامَةً، فَقالَ تَعالى:

22:53Page 338

لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣

[That is] so He may make what Satan throws in [i.e., asserts] a trial for those within whose hearts is disease1 and those hard of heart. And indeed, the wrongdoers are in extreme dissension.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ .

﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ وارْتِيابٌ: ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهُمُ العُتاةُ المُتَمَرِّدُونَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ: ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْ مُوافَقَتِهِ جِدًّا، بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وشِرْكِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском