Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:63–78
22:63–65Page 339
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣
Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2
لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٥] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] .
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: جَعَلَها مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم: ﴿والفُلْكَ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ، حَتّى أنَّ الفُلْكَ: ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِتَيْسِيرِهِ لِمَنافِعِكم: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. أيْ: ما يُمْسِكُها ويَحْفَظُها إلّا ذَلِكَ، رَحْمَةً بِكم، فاشْكُرُوا آلاءَهُ وحْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: في آلائِهِ وآياتِهِ المَذْكُورَةِ، ما أبانَ فِيها مِن طُرُقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، لا إلَهَ إلّا هو. وكَذَلِكَ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ما تَضَمَّنَ قَوْلَهُ تَعالى:
22:66Page 340
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦] ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ .
(p-٤٣٧٧)﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أيْ: جَحُودٌ لِلنِّعَمِ، بِعِبادَةِ غَيْرِ بارِئِها. أوْ إشْراكِهِ مَعَهُ، مَعَ أنَّهُ هو الخالِقُ لِكُلِّ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلَيْهِ، وغَيْرُهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا.
22:67Page 340
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا﴾ أيْ: وضَعْنا: ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ: شَرِيعَةً ومُتَعَبَّدًا: ﴿هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الجَعْلِ والوَضْعِ والحِوارِ في تَنَوُّعِهِ في كُلِّ أُمَّةٍ، وعَدَمِ وحْدَتِهِ، أوْ في أمْرِ ما جِئْتَهم بِهِ، زَعْمًا بِأنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِما شَرَّعَ قَبْلَهُ. لِأنَّهُ جَهْلٌ بِحِكْمَتِهِ تَعالى في تَكْوِينِ الأُمَمِ وتَرْبِيَتِها بِالشَّرائِعِ المُناسِبَةِ لِزَمَنِها ومَكانِها، وحَياتِها ومَنشَئِها. ولِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ أهْدى الشَّرائِعِ لِلِامْتِنانِ بِها، حِينَما بَلَغَ الإنْسانُ أعْلى طَوْرِ الرُّشْدِ ولِذَلِكَ وجَبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْها خاصَّةً كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أيِ: اثْبُتْ عَلى دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ عَنْهُ. أوْ مَعْناهُ: ثابِرْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى ما أُمِرْتَ بِهِ. فَلا تَضُرُّكَ مُنازَعَتُهم. وعَلى الكُلِّ اتِّباعُكَ وعَدَمُ مُخالَفَتِكَ، لِاسْتِقْرارِ الأمْرِ عَلى شِرْعَتِكَ. لِأنَّها الطَّرِيقُ القَوِيمُ.
هَذا، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أصْلُ المَنسَكِ في كَلامِ العَرَبِ، المَوْضِعُ المُعْتادُ الَّذِي يَعْتادُهُ الرَّجُلُ ويَأْلَفُهُ، لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ. يُقالُ: (إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا يَعْتادُهُ )، يُرادُ مَكانًا يَغْشاهُ ويَأْلَفُهُ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في مَعْنى (النُّسُكِ ) هُنا، فَقِيلَ: عِيدًا. وقِيلَ: إراقَةُ الدَّمِ (ثُمَّ اسْتَظْهَرَ ) أنَّ المَعْنى إراقَةُ الدَّمِ أيّامَ النَّحْرِ بِمِنًى. لِأنَّ المَناسِكَ الَّتِي كانَ المُشْرِكُونَ جادَلُوا فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَتْ إراقَةُ الدَّمِ في هَذِهِ الأيّامِ، أيْ: فَلا يُنازِعُكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في ذَبْحِكَ ومَنسَكِكَ بِقَوْلِهِمْ: (أتَأْكَلُونَ ما قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ المَيْتَةَ الَّتِي قَتَلَها اللَّهُ ) ؟ انْتَهى.
(p-٤٣٧٨)وعَلَيْهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالجَعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا﴾ الجَعْلَ القَدَرِيَّ لا التَّشْرِيعِيَّ. كَما قالَ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨] أيْ: هَؤُلاءِ إنَّما يَفْعَلُونَ هَذا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وإرادَتِهِ. فَلا تَتَأثَّرْ بِمُنازَعَتِهِمْ لَكَ، ولا يَصْرِفُكَ ذَلِكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في رِوايَةِ عَطاءٍ، أنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ: الشَّرِيعَةُ المِنهاجُ. قالَ: وهو اخْتِيارُ القَفّالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وهو الَّذِي آثَرْناهُ أوَّلًا لِظُهُورِهِ فِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
22:68–71Page 340
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨ - ٧١] ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] .
﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] أيْ: حُجَّةً: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: يَدْفَعُ عَنْهم ما يُرادُ بِهِمْ.
22:72–74Page 340
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣
O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1
مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤
They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
(p-٤٣٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ - ٧٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] .
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى حَقِيقَتِها وما تَضَمَّنَتْهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّهَجُّمِ والبُسُورِ. أوِ الشَّرَّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مَخايِلِهِ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ. قالَ في (فَتْحِ البَيانِ "): وكَذَلِكَ أهْلُ البِدَعِ المُضِلَّةِ، إذا سَمِعَ الواحِدُ مِنهم ما يَتْلُوهُ العالِمُ عَلَيْهِ، مِن آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، مُخالِفًا لِما اعْتَقَدَهُ مِنَ الباطِلِ، رَأيْتَ في وجْهِهِ مِنَ المُنْكَرِ، ما لَوْ تَمَكَّنَ مِن أنْ يَسْطُوَ بِذَلِكَ لَفَعَلَ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِالمُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: بُيِّنَ: ﴿مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: حالٌ مُسْتَغْرَبٌ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ. فَإنَّ الِاسْتِماعَ بِلا تَدَبُّرٍ وتَعَقُّلٍ لا يَنْفَعُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٣] يَعْنِي: الأصْنامَ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: لِخَلْقِهِ مُتَعاوِنِينَ. وتَخْصِيصُهُ الذُّبابَ، لِمَهانَتِهِ (p-٤٣٨٠)وضَفْعِهِ واسْتِقْذارِهِ. وهَذا مِن أبْلَغِ ما أُنْزِلَ في تَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ. حَيْثُ وُصِفُوا بِالإلَهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِدارَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ عَنْ آخِرِها، صُوَرًا وتَماثِيلَ، يَسْتَحِيلُ مِنها أنْ تَقْدِرَ عَلى أقَلِّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وأذَلِّهِ، ولَوِ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: هَذا الخَلْقُ الأقَلُّ الأذَلُّ، لَوِ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنهُ، لَمْ يَقْدِرُوا: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ ما سُلِبَ مِنهُ: ﴿والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الذُّبابُ بِما سَلَبَ. وهَذا كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ. ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ. فَإنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ. وهو غالِبٌ وذَلِكَ مَغْلُوبٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطّالِبِ عابِدُ الصَّنَمِ، وبِالمَطْلُوبِ مَعْبُودُهُ. قِيلَ: وهو أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِأنَّهُ لِتَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَعْبُوداتِهِمْ. فَناسَبَ إرادَتَهم والأصْنامُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ. واخْتارَ الوَجْهَ الأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ. لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ، بِجَعْلِ الصَّنَمِ طالِبًا عَلى الفَرْضِ تَهَكُّمًا وأنَّهُ أضْعَفُ مِنَ الذُّبابِ لِأنَّهُ مَسْلُوبٌ وجَمادٌ، وذَلِكَ حَيَوانٌ بِخِلافِهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ التَّذْيِيلِيَّةُ إخْبارٌ أوْ تَعَجُّبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ ما لا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبابِ ولا يَنْتَصِفُ مِنهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: قادِرٌ وغالِبٌ. فَكَيْفَ يُتَّخَذُ العاجِزُ المَغْلُوبُ شَبِيهًا بِهِ. أوْ لَقَوِيٌّ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ، عَزِيزٌ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.
22:75–76Page 341
ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥
Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦
He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥ - ٧٦] ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] .
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ أيْ: يَخْتارُ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ: فَلا نُكْرانَ لِاصْطِفائِهِ مِنَ البَشَرِ مَن شاءَ لِرِسالَتِهِ. ولا وجْهَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] قالَ (p-٤٣٨١)أبُو السُّعُودِ: كَأنَّهُ تَعالى. لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ، في الأُلُوهِيَّةِ، ونَفى أنْ يُشارِكَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفَيْنَ لِلرِّسالَةِ، يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، إلى عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَقَدَّمَهُ بِنَحْوِهِ البَيْضاوِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: ما عَمِلُوهُ وما سَيَعْمَلُونَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: لِأنَّهُ مالِكُها. فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، مِنَ الِاصْطِفاءِ وغَيْرِهِ، وهم يُسْألُونَ.
22:77Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧
O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ أيْ: صَلُّوا. وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها. أوِ اخْضَعُوا لَهُ تَعالى، وخِرُّوا لَهُ سُجَّدًا، لا لِغَيْرِهِ: ﴿واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أيْ: تَحَرَّوْهُ. كَصِلَةِ الأرْحامِ ومُواساةِ الأيْتامِ والحَضِّ عَلى الإطْعامِ والِاتِّصافِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَسْعَدُوا وتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في السَّجْدَةِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ. واخْتَلَفُوا في السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ - هَذِهِ - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي مُوسى؛ أنَّهم قالُوا: في الحَجِّ سَجْدَتانِ. وبِهِ قالَ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الحَجِّ سَجْدَتانِ ؟ قالَ: «نَعَمْ (p-٤٣٨٢)ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما»» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ فَسَجَدَ فِيها سَجْدَتَيْنِ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ. أخْرَجَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ ") وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الحَجَّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ، وهي الأُولى، ولَيْسَتْ هَذِهِ بِسَجْدَةٍ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ. بِدَلِيلِ أنَّهُ قَرَنَ السُّجُودَ بِالرُّكُوعِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّهُ سَجْدَةُ صَلاةٍ، لا سَجْدَةَ تِلاوَةٍ - كَذا في (لُبابِ التَّأْوِيلِ ") أيْ: لِأنَّ المَعْهُودَ في مِثْلِهِ مِن كُلِّ آيَةٍ، قَرَنَ الأمْرَ بِالسُّجُودِ فِيها بِالرُّكُوعِ، كَوْنُهُ أمْرًا بِما هو رُكْنٌ لِلصَّلاةِ، بِالِاسْتِقْراءِ نَحْوَ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] وإذا جاءَ الِاحْتِمالُ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ.
وما رُوِيَ مِنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إسْنادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وكَذا قالَ غَيْرُهُ كَما في " شَرْحِ الهِدايَةِ " لِابْنِ الهُمامِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ ما في " الكَشْفِ " أنَّ الحَقَّ أنَّ السُّجُودَ حَيْثُ ثَبَتَ، لَيْسَ مِن مُقْتَضى خُصُوصٍ في تِلْكَ الآيَةِ، لِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِحالِ التِّلاوَةِ البَتَّةَ. بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ قَوْلِهِ. فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ دالَّةً عَلى فَرْضِيَّةِ سُجُودِ الصَّلاةِ. ومَعَ ذَلِكَ يُشْرَعُ السُّجُودُ عِنْدَ تِلاوَتِها، لِما ثَبَتَ مِنَ الرِّوايَةِ فِيهِ.
الثّانِي: قالَ في (اللُّبابِ ") اخْتَلَفَ العُلَماءُ في عِدَّةِ سُجُودِ التِّلاوَةِ. فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. لَكِنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: في الحَجِّ سَجْدَتانِ. وأسْقَطَ سَجْدَةَ (ص ) . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الحَجِّ سَجْدَةٌ. وأثْبَتَ سَجْدَةَ (ص ) وبِهِ قالَ أحْمَدُ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. فَعِنْدَهُ أنَّ السَّجَداتِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُفَصَّلَ لَيْسَ فِيهِ سُجُودٌ. يُرْوى ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مالِكٌ.
(p-٤٣٨٣)فَعَلى هَذا يَكُونُ سُجُودُ القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««في القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً»» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وقالَ: إسْنادُهُ واهٍ. ودَلِيلُ مَن قالَ: في القُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ما رُوِيَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في القُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. مِنها ثَلاثٌ في المُفَصَّلِ. وفي سُورَةِ الحَجِّ سَجْدَتانِ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ. وصَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] و: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. انْتَهى.
والخَمْسَ عَشْرَةَ: في الأعْرافِ، والرَّعْدِ، والنَّحْلِ، والإسْراءِ، ومَرْيَمَ، والحَجِّ، والفُرْقانِ، والنَّمْلِ، والَمْ تَنْزِيلَ، وصَ، وحَمِ، والسَّجْدَةِ، والنَّجْمِ، والِانْشِقاقِ، واقْرَأْ.
والمُفَصَّلُ مِن سُورَةِ الحُجُراتِ إلى آخِرِ القُرْآنِ، في أصَحِّ الأقْوالِ. سُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ.
الثّالِثُ: سُجُودُ التِّلاوَةِ سُنَّةٌ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ. لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنا السُّورَةَ فِيها السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ مَعَهُ، حَتّى ما يَجِدُ أحَدُنا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ» . رَواهُ الشَّيْخانِ.
(p-٤٣٨٤)وقالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنا السُّجُودَ إلّا أنْ نَشاءَ. رَواهُ البُخارِيُّ وقَوْلُهُ تَعالى:
22:78Page 341
وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨
And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨] ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ عامٌّ في جِهادِ الكُفّارِ والظَّلَمَةِ والنَّفْسِ. و(حَقَّ ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والأصْلُ (جِهادًا فِيهِ حَقًّا ) فَعَكَسَ، وأُضِيفَ الحَقُّ إلى الجِهادِ مُبالَغَةً، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ القِيامُ بِمَواجِبِهِ وشَرائِطِهِ عَلى وجْهِ التَّمامِ والكَمالِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ. وعَنِ الرَّضِيِّ: إنَّ (كُلَّ ) و(جَدَّ ) و(حَقَّ ) إذا وقَعَتْ تابِعَةً لِاسْمِ جِنْسٍ، مُضافَةً لِمِثْلِ مَتْبُوعِها لَفْظًا ومَعْنًى، نَحْوَ: (أنْتَ عالِمٌ كُلَّ عالِمٍ ) أوْ (جَدَّ عالِمٍ ) أوْ (حَقَّ عالِمٍ ) أفادَتْ أنَّهُ تَجَمَّعَ فِيهِ مِنَ الخِلالِ ما تَفَرَّقَ في الكُلِّ. وأنَّ ما سِواهُ باطِلٌ أوْ هَزْلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيِ: اخْتارَكم لِدِينِهِ ولِنُصْرَتِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلْجِهادِ والدّاعِي إلَيْهِ. لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَخْتارُ مَن يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ. وهي بِما ذُكِرَ. ولِأنَّ مَن قَرَّ بِهِ العَظِيمُ، يَلْزَمُهُ دَفْعُ أعْدائِهِ ومُجاهَدَةُ نَفْسِهِ، بِتَرْكِ ما لا يَرْضاهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ مِن ضِيقٍ، بِتَكْلِيفِ ما يَشُقُّ القِيامُ بِهِ. كَما كانَ عَلى مَن قَبْلَنا، فالتَّعْرِيفُ في الدِّينِ (p-٤٣٨٥)لِلِاسْتِغْراقِ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): هَذا أصْلُ القاعِدَةِ (المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ "): ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ. بَعْدَ حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِيعَ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ. أوْ عَلى الإغْراءِ بِتَقْدِيرِ: (اتَّبِعُوا أوِ الزَمُوا )، أوِ الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ: (أعْنِي ) ونَحْوَهُ. أوْ هو بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِمّا قَبْلَهُ. فَيَكُونُ مَجْرُورًا بِالفَتْحِ، أفادَهُ الشِّهابُ. قالَ القاضِي؛ وإنَّما جَعَلَهُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ. أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ. فَغُلِّبُوا عَلى غَيْرِهِمْ.
وقالَ القاشانِيُّ: مَعْنى أُبُوَّتِهِ كَوْنُهُ مُقَدَّمًا في التَّوْحِيدِ، مُفِيضًا عَلى كُلِّ مُوَحِّدٍ، فَكُلُّهم مِن أوْلادِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: إنَّها كالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ: ﴿وفِي هَذا﴾ أيِ: القُرْآنِ. أيْ: فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ الأكْرَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِـ(إبْراهِيمَ ) عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ القاضِي: وتَسْمِيَتُهم بِـ(مُسْلِمِينَ ) في القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ، كانَ بِسَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مِن قَبْلُ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أيْ: لِدُخُولِ أكْثَرِهِمْ في الذُّرِّيَّةِ. فَجُعِلَ مُسَمِّيًا لَهم مَجازًا ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم رِسالاتِ رَبِّكم: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ رِسالاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيْ: وإذْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ، فاعْبُدُوهُ وأنْفِقُوا مِمّا آتاكم بِالإحْسانِ إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وثِقُوا بِهِ، ولا تَطْلُبُوا النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ.
* *
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences