Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:26
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
﴿الخَبِيثاتُ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ: ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيْ: مِنَ الرِّجالِ: ﴿والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَجاوَزُ كُلُّ واحِدٍ إلى غَيْرِهِ. و(الطَّيِّبُ ): ضِدُّ الخَبِيثِ وهو الأفْضَلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ والأحْسَنُ والأجْوَدُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وحَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أطْيَبَ الأطْيَبِينَ، وخِيرَةَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، تَبَيَّنَ كَوْنُ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِن أطْيَبِ الطَّيِّباتِ بِالضَّرُورَةِ. واتَّضَحَ بُطْلانُ ما قِيلَ في حَقِّها مِنَ الخُرافاتِ، (p-٤٤٦٨)حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ. وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَّ نَبَأُ أهْلِ الإفْكِ.
واعْلَمْ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ مِنَ الأحْكامِ والفَوائِدِ والمَطالِبِ والآدابِ، لا تَفِي بِها مُجَلَّداتٌ. إلّا أنّا نُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، نَقْتَبِسُهُ مِن أهَمِّ المُراجِعِ، تَتْمِيمًا لِما أجْمَلْناهُ في تَأْوِيلِها.
فالأوَّلُ: أنَّ نَبَأ الإفْكِ كانَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ (تَصْغِيرُ مَرْسُوعٍ، بِئْرٌ أوْ ماءٌ لِخُزاعَةَ ) وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ خَمْسٍ. وسَبَبُها أنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ الحارِثَ بْنَ أبِي ضِرارٍ، سَيِّدَ بَنِي المُصْطَلِقِ سارَ في قَوْمِهِ ومَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ العَرَبِ يُرِيدُ حَرْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وخَرَجَ مَعَهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ لَمْ يَخْرُجُوا في غَزاةٍ قَبْلَها، فَأغارَ عَلَيْهِمْ، فَسَبى ذَرارِيهِمْ وأمْوالَهم. وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَدْ خَرَجَتْ مَعَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في هَذِهِ الغَزْوَةِ، بِقُرْعَةٍ أصابَتْها وكانَتْ تِلْكَ عادَتُهُ مَعَ نِسائِهِ. فَلَمّا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوَةِ، نَزَلُوا في بَعْضِ المَنازِلِ. فَخَرَجَتْ عائِشَةُ لِحاجَتِها فَفَقَدَتْ عِقْدًا لِأُخْتِها كانَتْ أعارَتْها إيّاهُ. فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ في المَوْضِعِ الَّذِي فَقَدَتْهُ فِيهِ في وقْتِها. فَجاءَ النَّفَرُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونَ هَوْدَجَها، فَظَنُّوها فِيهِ، فَحَمَلُوا الهَوْدَجَ، ولا يُنْكِرُونَ خِفَّتَهُ، لِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ فَتِيَّةَ السِّنِّ لَمْ يَغْشِها اللَّحْمُ الَّذِي كانَ يُثْقِلُها. وأيْضًا، فَإنَّ النَّفَرَ لَمّا تَساعَدُوا عَلى حَمْلِ الهَوْدَجِ، لَمْ يُنْكِرُوا خِفَّتَهُ. ولَوْ كانَ الَّذِي حَمَلَهُ واحِدًا أوِ اثْنَيْنِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِما الحالُ. فَرَجَعَتْ عائِشَةُ إلى مَنزِلِهِمْ وقَدْ أصابَتِ العِقْدَ، فَإذا لَيْسَ لَها داعٍ ولا مُجِيبٌ. فَقَعَدَتْ في المَنزِلِ، وظَنَّتْ أنَّهم سَيَفْقِدُونَها فَيَرْجِعُونَ في طَلَبِها واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، يُدَبِّرُ الأمْرَ فَوْقَ عَرْشِهِ كَما يَشاءُ فَغَلَبَتْها عَيْناها فَنامَتْ فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إلّا بِقَوْلِ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ (بِفَتْحِ الطّاءِ المَشْدُودَةِ سَلْمى ذَكْوانِيٌّ صَحابِيٌّ فاضِلٌ مُتَقَدِّمُ الإسْلامِ ): إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ صَفْوانُ قَدْ عَرَّسَ في أُخْرَياتِ الجَيْشِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرَ النَّوْمِ كَما جاءَ عَنْهُ في صَحِيحِ أبِي حاتِمٍ وفي السُّنَنِ. فَلَمّا رَآها عَرَفَها. وكانَ يَراها قَبْلَ نُزُولِ الحِجابِ. فاسْتَرْجَعَ وأناخَ راحِلَتَهُ، فَقَرَّبَها إلَيْها، فَرَكِبَتْها. وما كَلَّمَها كَلِمَةً واحِدَةً. ولَمْ (p-٤٤٦٩)تَسْمَعْ مِنهُ إلّا اسْتِرْجاعَهُ. ثُمَّ سارَ بِها يَقُودُها حَتّى قَدِمَ بِها، وقَدْ نَزَلَ الجَيْشُ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ النّاسُ تَكَلَّمَ كُلٌّ مِنهم بِشاكِلَتِهِ وما يَلِيقُ بِهِ. ووَجَدَ الخَبِيثُ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ مُتَنَفَّسًا. فَتَنَفَّسَ مِن كَرْبِ النِّفاقِ والحَسَدِ الَّذِي بَيْنَ ضُلُوعِهِ. فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الإفْكَ ويَسْتَوْشِيهِ ويُشِيعُهُ ويُذِيعُهُ ويَجْمَعُهُ ويُفَرِّقُهُ. وكانَ أصْحابُهُ يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ. فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ أفاضَ أهْلُ الإفْكِ في الحَدِيثِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ. ثُمَّ اسْتَشارَ أصْحابَهُ في فِراقِها، فَأشارَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُفارِقَها ويَأْخُذَ غَيْرَها، تَلْوِيحًا لا تَصْرِيحًا. وأشارَ عَلَيْهِ أُسامَةُ وغَيْرُهُ بِإمْساكِها، وألّا يَلْتَفِتَ إلى كَلامِ الأعْداءِ. فَعَلِيٌّ، لَمّا رَأى أنَّ ما قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، أشارَ بِتَرْكِ الشَّكِّ والرِّيبَةِ إلى اليَقِينِ، لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ الَّذِي لَحِقَهُ مِن كَلامِ النّاسِ فَأشارَ بِحَسْمِ الدّاءِ. وأُسامَةُ لَمّا عَلِمَ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها ولِأبِيها، وعَلِمَ مِن عِفَّتِها وبَراءَتِها وحَصانَتِها ودِيانَتِها، ما هي فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمَ مِنهُ، وعَرَفَ مِن كَرامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى رَبِّهِ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ ودِفاعِهِ عَنْهُ؛ أنَّهُ لا يَجْعَلُ رَبَّةَ بَيْتِهِ وحَبِيبَتَهُ، مِنَ النِّساءِ وبِنْتَ صِدِّيقِهِ بِالمَنزِلِ الَّذِي أنْزَلَها بِهِ أرْبابُ الإفْكِ. وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّهِ وأعَزُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ امْرَأةً بَغِيًّا. وعَلِمَ أنَّ الصِّدِّيقَةَ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّها مِن أنْ يَبْتَلِيَها بِالفاحِشَةِ وهي تَحْتَ رَسُولِهِ. ومَن قَوِيَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ رَسُولِهِ وقَدْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ في قَلْبِهِ - قالَ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وغَيْرُهُ مِن ساداتِ الصَّحابَةِ، لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وتَأمَّلْ ما في تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ وتَنْزِيهِهِمْ لَهُ في ذَلِكَ المَقامِ، مِنَ المَعْرِفَةِ بِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَجْعَلَ لِرَسُولِهِ وخَلِيلِهِ وأكْرَمِ الخَلْقِ عَلَيْهِ، امْرَأةً خَبِيثَةً بَغِيًّا. فَمَن ظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ هَذا الظَّنَّ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ السُّوءَ. وعَرَفَ أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أنَّ المَرْأةَ الخَبِيثَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِمِثْلِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ فَقَطَعُوا قَطْعًا لا يَشُكُّونَ فِيهِ، أنَّ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وفِرْيَةٌ ظاهِرَةٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَما بالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَقَّفَ في أمْرِها وسَألَ عَنْها وبَحَثَ واسْتَشارَ وهو أعْرَفُ بِاللَّهِ وبِمَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ فِيما يَلِيقُ بِهِ. وهَلّا قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، كَما قالَهُ فُضَلاءُ الصَّحابَةِ ؟ (p-٤٤٧٠)فالجَوابُ: أنَّ هَذا مِن تَمامِ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ سَبَبًا لَها، وامْتِحانًا وابْتِلاءً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِجَمِيعِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أقْوامًا ويَضَعَ بِها آخَرِينَ. ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وإيمانًا، ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا. واقْتَضى تَمامُ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ أنْ حَبَسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيَ شَهْرًا في شَأْنِها. لا يُوحِي إلَيْهِ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ لِيُتِمَّ حِكْمَتَهُ الَّتِي قَدَّرَها وقَضاها، ويَظْهَرَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، ويَزْدادَ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ إيمانًا وثَباتًا عَلى العَدْلِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ والصِّدِّيقِينَ مِن عِبادِهِ. ويَزْدادَ المُنافِقُونَ إفْكًا ونِفاقًا. ويَظْهَرَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ سَرائِرُهم، ولِتَتِمَّ العُبُودِيَّةُ المُرادَّةُ مِنَ الصِّدِّيقَةِ وأبِيها. وتَتِمَّ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ولِتَشْدُدَ الفاقَةُ والرَّغْبَةُ مِنها ومِن أبِيها، والِافْتِقارُ إلى اللَّهِ، والذُّلُّ لَهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، والرَّجاءُ لَهُ. ولِيَنْقَطِعَ رَجاؤُها مِنَ المَخْلُوقِينَ، وتَيْأسَ مِن حُصُولِ النُّصْرَةِ والفَرَجِ عَلى يَدِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ. ولِهَذا وقَّتَ لِهَذا المَقامِ حَقَّهُ، لَمّا قالَ لَها أبُوها: قُومِي إلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَراءَتَها، قالَتْ: واللَّهِ ! لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي.
وأيْضًا، فَكانَ مِن حِكْمَةِ حَبْسِ الوَحْيِ شَهْرًا، أنَّ القَضِيَّةَ نَضِجَتْ وتَمَخَّضَتْ واسْتَشْرَفَتْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ أعْظَمَ اسْتِشْرافٍ، إلى ما يُوحِيهِ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ فِيها.
وتَطَلَّعَتْ إلى ذَلِكَ غايَةَ التَّطَلُّعِ. فَوافى الوَحْيُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُ بَيْتِهِ، والصِّدِّيقُ، وأهْلُهُ وأصْحابُهُ، والمُؤْمِنُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الغَيْثِ عَلى الأرْضِ، أحْوَجَ ما كانَتْ إلَيْهِ. فَوَقَعَ مِنهم أعْظَمَ مَوْقِعٍ وألْطَفَهُ. وسُرُّوا بِهِ أتَمَّ السُّرُورِ، وحَصَلَ لَهم بِهِ غايَةُ الهَناءِ. فَلَوْ أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وأنْزَلَ الوَحْيَ عَلى الفَوْرِ بِذَلِكَ، لَفاتَتْ هَذِهِ الحِكَمُ وأضْعافُها، بَلْ أضْعافُ أضْعافِها.
وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَبَّ أنْ يُظْهِرَ مَنزِلَةَ رَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهم، وكَرامَتَهُ عَلَيْهِ. وأنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ ويَتَوَلّى هو بِنَفْسِهِ الدِّفاعَ والمُنافَحَةَ عَنْهُ، والرَّدَّ عَلى أعْدائِهِ، (p-٤٤٧١)وذَمَّهم وعَيْبَهم بِأمْرٍ لا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ هو وحْدَهُ المُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ، الثّائِرَ لِرَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ.
وأيْضًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ هو المَقْصُودَ بِالأذى. والَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ أنْ يَشْهَدَ بِبَراءَتِها. مَعَ عِلْمِهِ، أوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ المُقارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَراءَتِها، ولَمْ يَظُنَّ بِها سُوءًا قَطُّ، وحاشاهُ وحاشاها. ولِذَلِكَ لَمّا اسْتَعْذَرَ مِن أهْلِ الإفْكِ، قالَ: ««مَن يَعْذُرُنِي في رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي ؟ واللَّهِ ! ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا. ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا. وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي»» فَكانَ عِنْدَهُ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تَشْهَدُ بِبَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ أكْثَرَ مِمّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ. لَكِنْ لِكَمالِ صَبْرِهِ وثَباتِهِ ورِفْقِهِ وحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، وثِقَتِهِ بِهِ، وفّى مَقامَ الصَّبْرِ والثَّباتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ حَقَّهُ. حَتّى جاءَ الوَحْيُ بِما أقَرَّ عَيْنَهُ وسَرَّ قَلْبَهُ وعَظَّمَ قَدْرَهُ وظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفالُ رَبِّهِ بِهِ واعْتِناؤُهُ بِشَأْنِهِ.
ولَمّا جاءَ الوَحْيُ بِبَراءَتِها أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن صَرَّحَ بِالإفْكِ، فَحُدُّوا ثَمانِينَ ثَمانِينَ. ولَمْ يُحَدَّ الخَبِيثُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، مَعَ أنَّهُ رَأْسُ الإفْكِ. فَقِيلَ: لِأنَّ الحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أهْلِها وكَفّارَةٌ. والخَبِيثُ لَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ. ولَقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنِ الحَدِّ. وقِيلَ: بَلْ كانَ يَسْتَوْشِي الحَدِيثَ ويَجْمَعُهُ ويَحْكِيهِ، ويُخْرِجُهُ في قَوالِبَ مَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ وقِيلَ: الحَدُّ لا يَثْبُتُ إلّا بِالإقْرارِ أوْ بَيِّنَةٍ. وهو لَمْ يُقِرَّ بِالقَذْفِ ولا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أحَدٌ فَإنَّهُ إنَّما كانَ يَذْكُرُ مِن أصْحابِهِ ولَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: حَدُّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ، لا يُسْتَوْفى إلّا بِمُطالَبَتِهِ: وإنْ قِيلَ إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلا بُدَّ مِن مُطالَبَةِ المَقْذُوفِ وعائِشَةُ لَمْ تُطالِبْ بِهِ ابْنَ أُبَيٍّ. وقِيلَ: بَلْ تَرَكَ حَدَّهُ لِمَصْلَحَةٍ هي أعْظَمُ مِن إقامَتِهِ. كَما تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفاقِهِ وتَكَلُّمِهِ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرارًا. وهي تَأْلِيفُ قَوْمِهِ وعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الإسْلامِ. فَإنَّهُ كانَ مُطاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يُؤْمَن إثارَةُ فِتْنَةٍ في حَدِّهِ، ولَعَلَّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها. فَجُلِدَ مِسَطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ. وهَؤُلاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، تَطْهِيرًا لَهم وتَكْفِيرًا. وتُرِكَ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ إذًا فَلَيْسَ هو مِن أهْلِ ذاكَ (p-٤٤٧٢)- هَذا ما أفادَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (زادِ المَعادِ ") وهو خُلاصَةُ الرِّواياتِ في هَذا البابِ.
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَن تَأمَّلَ قَوْلَ الصِّدِّيقَةِ، وقَدْ نَزَلَتْ بَراءَتُها، فَقالَ لَها أبُوها: قُومِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: واللَّهِ ! لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ - عَلِمَ مَعْرِفَتَها وقُوَّةَ إيمانِها وتَوْلِيَتَها النِّعْمَةَ لِرَبِّها. وإفْرادَهُ بِالحَمْدِ في ذَلِكَ المَقامِ، وتَجْدِيدَها التَّوْحِيدَ، وقُوَّةَ جَأْشِها وإدْلالِها بِبَراءَةِ ساحَتِها، وأنَّها لَمْ تَفْعَلْ ما يُوجِبُ قِيامَها في مَقامِ الرّاغِبِ في الصُّلْحِ الطّالِبِ لَهُ. ولِثِقَتِها بِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها، قالَتْ ما قالَتْ. إدْلالًا لِلْحَبِيبِ عَلى حَبِيبِهِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي هو أحْسَنُ مَقاماتِ الإدْلالِ، فَوَضَعَتْهُ مَوْضِعَهُ. ولِلَّهِ ! ما كانَ أحَبَّها إلَيْهِ حِينَ قالَتْ: لا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ فَإنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي. ولِلَّهِ ! ذَلِكَ الثَّباتُ والرَّزانَةُ مِنها، وهو أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْها، ولا صَبْرَ لَها عَنْهُ، وقَدْ تَنَكَّرَ قَلْبُ حَبِيبِها لَها شَهْرًا. ثُمَّ صادَفَتِ الرِّضاءَ مِنهُ والإقْبالَ، فَلَمْ تُبادِرْ إلى القِيامِ إلَيْهِ، والسُّرُورِ بِرِضاهُ وقُرْبِهِ، مَعَ شِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ. وهَذا غايَةُ الثَّباتِ والقُوَّةِ. انْتَهى.
* *
وطُرُقُ حَدِيثِ الإفْكِ مُتَعَدِّدَةٌ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وأُمِّ رُومانَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي اليُسْرِ. ورَواهُ مِنَ التّابِعِينَ عَشَرَةٌ كَما في (فَتْحِ البارِي ") وذَلِكَ في المَسانِيدِ والصِّحاحِ والسُّنَنِ وغَيْرِها. ما بَيْنَ مُطَوَّلٍ ومُوجَزٍ. ومِنَ الثّانِي ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُمِّ رُومانَ قالَتْ: «بَيْنا أنا عِنْدَ عائِشَةَ، إذْ دَخَلَتْ عَلَيْها امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِابْنِها وفَعَلَ. فَقالَتْ عائِشَةُ: ولِمَ ؟ قالَتْ: إنَّهُ كانَ فِيمَن حَدَّثَ الحَدِيثَ قالَتْ: وأيُّ حَدِيثٍ ؟ قالَتْ كَذا وكَذا. قالَتْ: وقَدْ بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ نَعَمْ، وبَلَغَ أبا بَكْرٍ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَخَرَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَغْشِيًّا عَلَيْها. فَما أفاقَتْ وإلّا وعَلَيْها حُمّى بِنافِضٍ. قالَتْ: فَقُمْتُ فَدَثَّرْتُها. قالَتْ: فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: فَما شَأْنُ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذَتْها حُمّى بِنافِضٍ. قالَ: فَلَعَلَّهُ في حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ ؟ قالَتْ: فاسْتَوَتْ عائِشَةُ قاعِدَةً، فَقالَتْ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَكم لا تُصَدِّقُونِي، (p-٤٤٧٣)ولَئِنْ اعْتَذَرْتُ إلَيْكم لا تَعْذُرُونِي. فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ حِينَ قالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]
قالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَها. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ. فَدَخَلَ فَقالَ: يا عائِشَةُ ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ عُذْرَكِ. فَقالَتْ: بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِكَ. فَقالَ لَها أبُو بَكْرٍ: تَقُولِينَ هَذا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: نَعَمْ.
قالَتْ: وكانَ فِيمَن حَدَّثَ هَذا الحَدِيثَ رَجُلٌ يَعُولُهُ أبُو بَكْرٍ. فَحَلَفَ ألّا يَصِلَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى، فَوَصَلَهُ» . تَفَرَّدَ بِهِ البُخارِيُّ.
المَطْلَبُ الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ ") في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١] نَزَلَتْ في بَراءَةِ عائِشَةَ مِمّا قُذِفَتْ بِهِ، فاسْتَدَلَّ بِها الفُقَهاءُ عَلى أنَّ قاذِفَها يُقْتَلُ لِتَكْذِيبِهِ لِنَصِّ القُرْآنِ قالَ العُلَماءُ: قَذْفُ عائِشَةَ كُفْرٌ. لِأنَّ اللَّهَ سَبَّحَ نَفْسَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ. فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] كَما سَبَّحَ نَفْسَهُ عِنْدَ ذِكْرِ ما وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] تَحْرِيمُ ظَنِّ السُّوءِ، وأنَّهُ لا يُحْكَمُ بِالظَّنِّ. وأنَّ مَن عُرِفَ بِالصَّلاحِ لا يَعْدِلُ بِهِ عَنْهُ لِخَبَرِ مُخْبِرٍ. وأنَّ القاذِفَ مُكَذَّبٌ شَرْعًا، ما لَمْ يَأْتِ بِالشُّهَداءِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآيَةَ، الحَثُّ عَلى سَتْرِ المُؤْمِنِ وعَدَمِ هَتْكِهِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، قالَ: مَن حَدَّثَ بِما أبْصَرَتْ عَيْناهُ وسَمِعَتْ أُذُناهُ فَهو مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا، وأخْرَجَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: مَن أشاعَ الفاحِشَةَ فَعَلَيْهِ النَّكالُ وإنْ كانَ صادِقًا.
(p-٤٤٧٤)وأخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زَكَرِيّا، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يُتَكَلَّمُ عِنْدَهُ في الرَّجُلِ، فَيَشْتَهِي ذَلِكَ ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ. النَّهْيُ عَنِ الحَلِفِ ألّا يَفْعَلَ خَيْرًا، وأنَّ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، يُسْتَحَبُّ لَهُ الحِنْثُ. وفِيهِ الأمْرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ.
واسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٢٣] الآيَةَ، نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، يُقْتَلُ قاذِفُهُنَّ، إذا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ تَوْبَةٌ، كَما ذَكَرْتُ في قاذِفِ غَيْرِهِنَّ في أوَّلِ السُّورَةِ انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها خاصَّةٌ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ المُؤْمِناتِ، ويَدْخُلُ فِيهِنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لا سِيَّما مَن كانَتْ سَبَبَ نُزُولِها، وهي عائِشَةُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قاطِبَةً، عَلى أنَّ مَن سَبَّها بَعْدَ هَذا الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ كافِرٌ لِأنَّهُ مُعانِدٌ لِلْقُرْآنِ. وفي بَقِيَّةِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ قَوْلانِ: أصَحُّهُما: أنَّهُنَّ كَهي. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآيَةَ أخْبَرَ تَعالى أنَّ النِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ. فَلا تَكُونُ خَبِيثَةٌ لِطَيِّبٍ. فَإنَّهُ خِلافُ الحَصْرِ. وأخْبَرَ أنَّ الطَّيِّبِينَ لِلطَّيِّباتِ فَلا يَكُونُ طَيِّبٌ لِخَبِيثَةٍ، فَإنَّهُ خِلافُ الحَصْرِ. إذْ قَدْ ذَكَرَ أنَّ جَمِيعَ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ. فَلا يَبْقى خَبِيثَةٌ لِطَيِّبٍ ولا طَيِّبٌ لِخَبِيثَةٍ. وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَّيِّباتِ لِلطَّيِّبِينَ. فَلا يَبْقى طَيِّبَةٌ لِخَبِيثٍ. فَجاءَ الحَصْرُ مِنَ الجانِبَيْنِ، مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الآيَةَ. ولِهَذا قالَ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، فَإنَّ السُّورَةَ نَزَلَ صَدْرُها بِسَبَبِ أهْلِ الإفْكِ.
ولِهَذا لَمّا صارَتْ شُبْهَةً، اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٤٧٥)فِي طَلاقِها. إذْ لا يَصْلُحُ لَهُ أنْ تَكُونَ امْرَأتُهُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ دَيُّوثٌ»» وهو الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ في أهْلِهِ، ولِهَذا كانَتِ الغَيْرَةُ عَلى الزِّنى مِمّا يُحِبُّها اللَّهُ وأمَرَ بِها. حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي»»، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ. ولِهَذا أذِنَ اللَّهُ لِلْقاذِفِ إذا كانَ زَوْجًا، أنْ يُلاعِنَ، لِأجْلِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الغَيْرَةِ، ولِأنَّها أفْسَدَتْ فِراشَهُ، وإنْ حَبِلَتْ مِنَ الزِّنى، فَعَلَيْهِ اللِّعانُ، لِئَلّا يَلْحَقَ بِهِ مَن لَيْسَ مِنهُ. ومَضَتِ السُّنَّةُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُما، سَواءٌ حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بِالتَّلاعُنِ أوْ بِحاكِمٍ أوْ عِنْدَ انْقِضاءِ لِعانِ الزَّوْجِ. لِأنَّ أحَدَهُما مَلْعُونٌ أوْ خَبِيثٌ. فاقْتِرانُهُما يَقْتَضِي مُقارَنَةَ الخَبِيثِ لِلطَّيِّبِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ في النّاقَةِ الَّتِي لَعَنَتْها المَرْأةُ، أنَّهُ أمَرَ فَأُخِذَ ما عَلَيْها وأُرْسِلَتْ. وقالَ: ««لا تَصْحَبُنا ناقَةٌ مَلْعُونَةٌ»» . ولَمّا اجْتازَ بِدِيارِ ثَمُودَ قالَ: ««لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ. لِئَلّا يُصِيبَكم ما أصابَهم»» . فَنَهى عَنْ عُبُورِ دِيارِهِمْ إلّا عَلى وجْهِ الخَوْفِ المانِعِ مِنَ العَذابِ. وهَكَذا السُّنَّةُ في مُقارَنَةِ الظّالِمِينَ والزُّناةِ وأهْلِ البِدَعِ والفُجُورِ وسائِرِ المَعاصِي. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُقارِنَهم ويُخالِطَهم إلّا عَلى وجْهٍ يَسْلَمُ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِظُلْمِهِمْ، ماقِتًا لَهم شانِئًا ما هم فِيهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ. كَما في قَوْلِهِ: ««مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا لِظُلْمِهِمْ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إلَخْ»» . وقالَ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] الآيَةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ عَنْ يُوسُفَ وعَمَلِهِ لِصاحِبِ مِصْرَ لِقَوْمٍ كُفّارٍ. وذَلِكَ أنَّ مُقارَنَةَ الكُفّارِ إنَّما يَفْعَلُها المُؤْمِنُ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ (p-٤٤٧٦)يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَيْها. الثّانِي: أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، راجِحَةٌ عَلى مَفْسَدَةِ المُقارَنَةِ، أوْ أنْ يَكُونَ في تَرْكِها مَفْسَدَةٌ راجِحَةٌ في دِينِهِ فَيَدْفَعُ أعْظَمَ المَفْسَدَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما، وتَحْصُلُ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ بِاحْتِمالِ المَفْسَدَةِ المَرْجُوحَةِ. وفي الحَقِيقَةِ: المُكْرَهُ هو مَن يَدْفَعُ الفَسادَ بِاحْتِمالِ أدْناهُما. وهو الأمْرُ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] وقالَ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ [النساء: ٧٥] فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُناكَحَةِ الزّانِي، والمُناكَحَةُ نَوْعٌ خاصٌّ مِنَ المُصاحَبَةِ. والمُناكَحَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ المُجامَعَةُ. فَقُلُوبُهُما تَجْتَمِعُ إذا عُقِدَ النِّكاحُ بَيْنَهُما، ويَصِيرُ بَيْنَهُما مِنَ التَّعاطُفِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. حَتّى يُثْبِتَ ذَلِكَ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ في غَيْرِ الرَّبِيبَةِ، بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ في التَّوارُثِ وعِدَّةِ الوَفاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وأوْسَطُ ذَلِكَ اجْتِماعُهُما خالِيَيْنِ في مَكانٍ واحِدٍ، وهو المُعاشَرَةُ المُقَرِّرَةُ لِلصَّداقِ، كَما أفْتى بِهِ الخُلَفاءُ. وآخِرُ ذَلِكَ اجْتِماعُ المُباضَعَةِ. وهَذا، وإنِ اجْتَمَعَ بِدُونِ عَقْدِ نِكاحٍ، فَهو اجْتِماعٌ ضَعِيفٌ، بَلِ اجْتِماعُ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ اجْتِماعِ البَدَنَيْنِ بِالسِّفاحِ ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى ومِن جِهَةِ اللَّفْظِ ودَلَّ أيْضًا عَلى النَّهْيِ عَنْ مُقارَنَةِ الفُجّارِ ومُزاوِجَتِهِمْ، كَما دَلَّ عَلى هَذا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ. مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: نُظَراءَهم وأشْباهَهم. والزَّواجُ أعَمُّ مِنَ النِّكاحِ المَعْرُوفِ. قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] وقالَ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وقالَ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وقالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] وقالَ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨] (p-٤٤٧٧). وقالَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وإنْ كانَ في الآيَةِ نَصٌّ في الزَّوْجَةِ الَّتِي هي الصّاحِبَةُ وفي الوَلَدِ مِنها. فَمَعْنى ذَلِكَ: في كُلِّ مُشابِهٍ ومُقارَنٍ في كُلِّ نَوْعٍ وتابِعٍ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] الآيَتَيْنِ. فالمُصاحَبَةُ والمُصاهَرَةُ والمُؤاخاةُ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ طاعَةِ اللَّهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي في السُّنَنِ ««لا تُصاحِبْ إلّا مُؤْمِنًا. ولا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا تَقِيٌّ»» وفِيها ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ»» وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ««إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» إلى قَوْلِهِ «ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ»» والضَّفِيرُ الحَبْلُ وهَذا أمْرٌ بِبَيْعِها ولَوْ بِأدْنى ما يُقابِلُهُ. قالَ أحْمَدُ: إنْ لَمْ يَبِعْها كانَ تارِكًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . والإماءُ اللّاتِي يَفْعَلْنَ هَذا، يَكُونُ عامَّتُهُنَّ لِلْخِدْمَةِ. فَكَيْفَ بِأمَةِ التَّمَتُّعِ ؟ وإذا وجَبَ إخْراجُ الأمَةِ الزّانِيَةِ عَنْ مِلْكِهِ، فَكَيْفَ بِالزَّوْجَةِ الزّانِيَةِ ؟ والعَبْدُ نَظِيرُ الأمَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن آوى مُحْدِثًا» فَهَذا يُوجِبُ لَعْنَةَ كُلِّ مَن آوى مُحْدِثًا. (p-٤٤٧٨)سَواءٌ كانَ إحْداثُهُ بِالزِّنى أوِ السَّرِقَةِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وسَواءٌ كانَ الإيواءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، أوْ نِكاحٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّ أقَلَّ ما فِيهِ تَرْكُ إنْكارِ المُنْكَرِ. والمُؤْمِنُ يَحْتاجُ إلى امْتِحانِ مَن يُرِيدُ أنْ يُصاحِبَهُ ويُقارِنَهُ، بِالنِّكاحِ وغَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وكَذَلِكَ المَرْأةُ الَّتِي زَنى بِها رَجُلٌ، فَإنَّهُ لا يَتَزَوَّجُها إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ في الأصَحِّ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والآثارُ. لَكِنْ إذا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَها. هَلْ هي صَحِيحَةُ التَّوْبَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: يُراوِدُها. فَإنْ أجابَتْهُ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُها. وإنْ لَمْ تُجِبْهُ فَقَدْ تابَتْ. ونَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ. وقِيلَ: هَذا فِيهِ طَلَبُ الفاحِشَةِ. وقَدْ تَنْقُضُ التَّوْبَةَ. وقَدْ تَأْمُرُهُ نَفْسُهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ. ويُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطانُ، لا سِيَّما إنْ كانَ يُحِبُّها وتُحِبُّهُ، وقَدْ ذاقَتْهُ وذاقَها. ومَن قالَ بِالأوَّلِ قالَ: الأمْرُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ امْتِحانُها، لا يَكُونُ أمْرًا بِما نَهى اللَّهُ عَنْهُ. ويُمْكِنُهُ أنْ لا يَطْلُبَ الفاحِشَةَ بَلْ يُعَرِّضُ. والتَّعْرِيضُ لِلْحاجَةِ جائِزٌ بَلْ واجِبٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. وأمّا نَقْضُها، فَإذا جازَ أنْ تَنْقُضَ لِلتَّوْبَةِ مَعَهُ، جازَ أنْ تَنْقُضَها مَعَ غَيْرِهِ والمَقْصُودُ أنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةً مِمَّنْ يُراوِدُها. وأمّا تَزْيِينُ الشَّيْطانِ لَهُ الفِعْلَ. فَهَذا داخِلٌ في كُلِّ أمْرٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ مِنَ الخَيْرِ يَجِدُ فِيهِ مِحْنَةً. فَإذا أرادَ المُؤْمِنُ أنْ يُصاحِبَ أحَدًا، وقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ الفُجُورُ، وقِيلَ إنَّهُ تابَ، أوْ كانَ ذَلِكَ مَقُولًا صِدْقًا أوْ كَذِبًا، فَإنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِما يَظْهَرُ بِهِ بِرُّهُ وفُجُورُهُ، وكَذَلِكَ إذا أرادَ أنْ يُوَلِّيَ أحَدًا وِلايَةً، امْتَحَنَهُ، كَما أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ غُلامَهُ أنْ يَمْتَحِنَ ابْنَ أبِي مُوسى، لَمّا أعْجَبَهُ سَمْتُهُ. فَقالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَكانِي عِنْدَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ. فَكَمْ تُعْطِينِي إذا أشَرْتُ عَلَيْهِ بِوِلايَتِكَ ؟ فَبَذَلَ لَهُ مالًا عَظِيمًا. فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ. وكَذَلِكَ في المُعامَلاتِ. وكَذَلِكَ الصِّبْيانُ والمَمالِيكُ الَّذِينَ عُرِفُوا، أوْ قِيلَ عَنْهُمُ الفُجُورُ، وأرادَ الرَّجُلُ أنْ يَشْتَرِيَهُ فَإنَّهُ يَمْتَحِنُهُ. ومَعْرِفَةُ أحْوالِ النّاسِ تارَةً تَكُونُ بِشَهاداتِ النّاسِ، وتارَةً بِالجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وتارَةً بِالِاخْتِبارِ والِامْتِحانِ.
* *
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences