Al-QasimiAn‑Nur · 24:33–35

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:33–35

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣] ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: ولْيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا، أيْ: أسْبابَهُ، أوِ اسْتِطاعَةَ نِكاحٍ أيْ: تَزَوُّجٌ. فَهو عَلى المَجازِ، أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ. أوِ المُرادُ (بِالنِّكاحِ ): ما يُنْكَحُ بِهِ.

قالَ الشِّهابُ: فَإنَّ (فِعالًا ) يَكُونُ صِفَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ. كَكِتابٍ بِمَعْنى مَكْتُوبٍ. واسْمَ آلَةٍ كَرِكابٍ لِما يُرْكَبُ بِهِ. وهو كَثِيرٌ. كَما نَصَّ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ تَرْجِيَةٌ لِلْمُسْتَعَفِّينَ وتَقْدِمَةُ وعْدٍ بِالتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ بِالغِنى، لِيَكُونَ انْتِظارُ ذَلِكَ (p-٤٥٢٠)وتَأْمِيلُهُ، لُطْفًا لَهم في اسْتِعْفافِهِمْ، ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ. ولِيَظْهَرَ بِذَلِكَ أنَّ فَضْلَهُ أوْلى بِالأعِفّاءِ. وأدْنى مِنَ الصُّلَحاءِ. وما أحْسَنَ ما رَتَّبَ هَذِهِ الأوامِرَ. حَيْثُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ مِنَ الفِتْنَةِ، ويُبْعِدُ مِن مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ، وهو غَضُّ البَصَرِ، ثُمَّ بِالنِّكاحِ الَّذِي يُحَصِّنُ بِهِ الدِّينَ، وقَعَ بِهِ الِاسْتِغْناءُ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ. ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، وعَزْفِها عَنِ الطُّمُوحِ إلى الشَّهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِّكاحِ، إلى أنْ يُرْزَقَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ اسْتِحْبابُ الصَّبْرِ عَنِ النِّكاحِ لِمَن لا يَقْدِرُ عَلى مُؤْنَتِهِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ نِكاحِ المُتْعَةِ.

ولَمّا أمَرَ تَعالى لِلسّادَةِ بِتَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِن عَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ، مَعَ الرِّقِّ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ، لِيَصِيرُوا أحْرارًا؛ فَيَتَصَرَّفُوا في أنْفُسِهِمْ كالأحْرارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ: ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهُمْ﴾ حِرْصًا عَلى تَحْرِيرِهِمُ الَّذِي هو الأصْلُ فِيهِمْ، وحُبًّا بِتَحْقِيقِ المُساواةِ في الأُخُوَّةِ الجِنْسِيَّةِ. والمُكاتَبَةُ أنْ يَقُولَ السَّيِّدُ: كاتَبْتُكَ. أيْ: جَعَلْتُ عِتْقَكَ مَكْتُوبًا عَلى نَفْسِي، بِمالٍ كَذا تُؤَدِّيهِ في نُجُومٍ كَذا. ويَقْبَلُ العَبْدُ ذَلِكَ، فَيَصِيرُ مالِكًا لِمَكاسِبِهِ ولِما يُوهَبُ لَهُ، وإنَّما وجَبَ مَعَهُ الإمْهالُ، لِأنَّ الكَسْبَ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ. واشْتُرِطَ النُّجُومُ لِئَلّا تَخْلُوَ تِلْكَ المُدَّةُ عَنِ الخِدْمَةِ وعِوَضِها جَمِيعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: كالأمانَةِ، لِئَلّا يُؤَدُّوا النُّجُومَ مِنَ المالِ المَسْرُوقِ. والقُدْرَةُ عَلى الكَسْبِ والصَّلاحِ، فَلا يُؤْذِي أحَدًا بَعْدَ العِتْقِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْمَوالِي بِبَذْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ. وفي حُكْمِهِ، حَطُّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ. ولِغَيْرِهِمْ بِإعْطائِهِمْ مِنَ الزَّكاةِ إعانَةً لَهم عَلى تَحْرِيرِهِمْ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الكِتابَةِ. وأنَّها مُسْتَحَبَّةٌ. وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: (p-٤٥٢١)واجِبَةٌ لِظاهِرِ الآيَةِ. وأنَّ لِنَدْبِها أوْ وُجُوبِها، شَرْطَيْنِ: طَلَبُ العَبْدِ لَها وعِلْمُ الخَيْرِ فِيهِ وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ بِالمالِ والحِرْفَةِ والوَفاءِ والصِّدْقِ والأمانَةِ.

ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ إكْراهِ الجَوارِي عَلى الزِّنى كَما اعْتادُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ أيْ: إماءَكم، فَإنَّهُ يُكَنّى بِالفَتى والفَتاةِ، عَنِ العَبْدِ والأمَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««لِيَقُلْ أحَدُكم: فَتايَ وفَتاتِي، ولا يَقُلْ. عَبْدِي وأمَتِي»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى البِغاءِ﴾ أيِ: الزِّنى. يُقالُ: بَغَتْ بَغْيًا وبِغاءً، إذا عَهَرَتْ. وذَلِكَ لِتَجاوُزِها إلى ما لَيْسَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفُ عَنِ الزِّنى، وإخْراجُ ما عَداها مِن حُكْمِهِ، بَلْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ، حَيْثُ كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى البِغاءِ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ عَنْهُ، مَعَ وُفُورِ شَهْوَتِهِنَّ الآمِرَةِ بِالفُجُورِ، وقُصُورِهِنَّ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ، الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ، الزّاجِرَةِ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، انْتَهى كَلامُ أبِي السُّعُودِ. أيْ: وحِينَئِذٍ فَلا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ، وهَذا كَجَوابِ بَعْضِهِمْ: إنَّ غالِبَ الحالِ أنَّ الإكْراهَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ. والكَلامُ الوارِدُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ الخِطابِ. كَما أنَّ الخُلْعَ يَجُوزُ في غَيْرِ حالَةِ الشِّقاقِ. ولَكِنْ لَمّا كانَ الغالِبُ وُقُوعَ الخُلْعِ في حالَةِ الشِّقاقِ، لا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَفْهُومٌ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] والقَصْرُ لا يَخْتَصُّ بِحالِ الخَوْفِ. ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ. فَكَذا ها هُنا انْتَهى.

قالَ أبُو سُعُودٍ: وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ، ما لا يَخْفى. فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ لا يَكادُ يَرْضى بِفُجُورِ مَن يَحْوِيهِ حَرَمُهُ مِن إمائِهِ، وفَضْلًا (p-٤٥٢٢)عَنْ أمْرِهِنَّ بِهِ، أوْ إكْراهِهِنَّ عَلَيْهِ. لا سِيَّما عِنْدَ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ. وإيثارُ كَلِمَةِ إنْ عَلى (إذا ) مَعَ تَحَقُّقِ الإرادَةِ في مَوْرِدِ النَّصِّ حَتْمًا، لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ الإكْراهِ، عِنْدَ كَوْنِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ والشَّكِّ. فَكَيْفَ إذا كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ كَما هو الواقِعُ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَيْدٌ لِلْإكْراهِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُعْتادُ فِيما بَيْنَهم، كَما قَبْلَهُ جِيءَ بِهِ تَشْنِيعًا لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ احْتِمالِ الوِزْرِ الكَبِيرِ، لِأجْلِ النَّزْرِ الحَقِيرِ. أيْ: لا تَفْعَلُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن إكْراهِهِنَّ عَلى البِغاءِ لِطَلَبِ المَتاعِ السَّرِيعِ الزَّوالِ، الوَشِيكِ الِاضْمِحْلالِ. يَعْنِي مِن كَسْبِهِنَّ وأوْلادِهِنَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ بِبَيانِ خَلاصِ المُكْرَهاتِ عَنْ عُقُوبَةِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ عِبارَةً، ورُجُوعِ غائِلَةِ الإكْراهِ إلى المُكْرِهِينَ إشارَةً، أيْ: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البِغاءِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ. كَما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وكَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ﴾ أيْ كَوْنِهِنَّ مُكْرَهاتٍ. عَلى أنَّ الإكْراهَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ ) وخَبَرِها، لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: لَهُنَّ، واللَّهِ ! لَهُنَّ، واللَّهِ ! وفي تَخْصِيصِهِما (بِهِنَّ ) وتَعْيِينِ مَدارِهِما، مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ المُكْرِهِينَ أيْضًا في الشَّرْطِيَّةِ، دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَحْرُومِينَ مِنهُما بِالكُلِّيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِلْمُكْرِهِ. ولِظُهُورِ هَذا التَّقْدِيرِ، اكْتَفى بِهِ عَنِ العائِدِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ. فَتَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِما بِهِمْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ اسْتِقْلالًا، أوْ مَعَهُنَّ، إخْلالٌ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِ النَّهْيِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ. وحاجَتُهُنَّ إلى المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الإثْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ مُكْرَهاتٍ، لا يَخْلُونَ في تَضاعِيفِ الزِّنى عَنْ شائِبَةِ مُطاوَعَةٍ ما يَحْكُمُ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ. وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ الإكْراهَ قَدْ يَكُونُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ بِالمَرَّةِ. وإمّا لِغايَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ الزِّنى، وحَثِّ المُكْرَهاتِ عَلى التَّثَبُّتِ في التَّجافِي عَنْهُ، والتَّشْدِيدِ في تَحْذِيرِ المُكْرِهِينَ، بِبَيانِ أنَّهُنَّ حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً لِلْعُقُوبَةِ، لَوْلا أنْ تَدارَكَهُنَّ (p-٤٥٢٣)المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، مَعَ قِيامِ العُذْرِ في حَقِّهِنَّ. فَما حالُ مَن يُكَرِّهْنَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ ؟ انْتَهى كَلامُ أبِي السُّعُودِ وقَدْ أجادَ في تَحْقِيقِ المَرامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ إكْراهِ الإماءِ عَلى الزِّنى. وأنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ولا آثِمٍ. وأنَّ الإكْراهَ عَلى الزِّنى يُتَصَوَّرُ. وإنَّ مَهْرَ البَغِيِّ حَرامٌ. وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن أوْجَبَ الحَدَّ عَلى المُكْرِهِ لَهُ.

ثُمَّ حَذَّرَ سُبْحانَهُ مِن مُخالَفَةِ ما نَهى عَنْهُ، مِمّا بَيَّنَهُ أشَدَّ البَيانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤] ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتٍ أوْ مُفَسِّراتٍ لِكُلِّ ما تَهُمُّ حاجَتُكم إلَيْهِ مِن عِباداتٍ ومُعامَلاتٍ وآدابٍ. ومِنهُ ما ذُكِرَ قَبْلُ، مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإكْراهِ. فَلا يَخْفى المُرادُ مِنها: ﴿ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: خَبَرًا عَظِيمًا عَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وما حَلَّ بِهِمْ، بِظُلْمِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَنْزَجِرُونَ عَمّا لا يَنْبَغِي لَهم. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] أيْ: عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها. وإيثارَ المُتَّقِينَ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ عَلى الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ، فَإنَّهُمُ الفائِزُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ (p-٤٥٢٤)مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورُ عَلى نُورُ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مِن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُنَوِّرُهُما بِالكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ. فَهو مَجازٌ مِن إطْلاقِ الأثَرِ عَلى مُؤَثِّرِهِ. كَما يُطْلَقُ السَّبَبُ عَلى مُسَبِّبِهِ. أوْ مُدَبِّرِهِما، مِن قَوْلِهِمْ لِلرَّئِيسِ الفائِقِ في التَّدْبِيرِ: (نُورُ القَوْمِ ) لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ في الأُمُورِ فَيَكُونُ مَجازًا. أوِ اسْتِعارَةً اسْتُعِيرَ (النُّورُ ) بِمَعْنى: المُنَوِّرِ، لِلْمُدَبِّرِ، لِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ. أوْ مُوجِدُهُما فَإنَّ النُّورَ ظاهِرٌ بِذاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ - كَما قالَهُ الغَزالِيُّ - فَيَكُونُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَعالى مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وعَبَّرَ عَنِ المُنَوِّرِ بِالنُّورِ، تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ التَّنْوِيرِ وشِدَّةِ التَّأْثِيرِ. وإيذانًا بِأنَّهُ تَعالى ظاهِرٌ بِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِواهُ ظاهِرٌ بِإظْهارِهِ. كَما أنَّ النُّورَ نَيِّرٌ بِذاتِهِ وما عَداهُ مُسْتَنِيرٌ بِهِ. وأُضِيفَ النُّورُ إلى: ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ. أوِ المُرادُ بِهِما العالَمُ كُلُّهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: نُورُهُ الفائِضُ مِنهُ تَعالى عَلى الأشْياءِ المُسْتَنِيرَةِ بِهِ وهو القُرْآنُ المُبِينُ. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِ آياتِهِ بِالإنْزالِ والتَّبْيِينِ. وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ نُورًا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ: كَصِفَةِ كُوَّةٍ - طاقَةٍ - غَيْرِ نافِذَةٍ في الجِدارِ، في الإنارَةِ والتَّنْوِيرِ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ: سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ - شَدِيدُ الإضاءَةِ - وقِيلَ: المِشْكاةُ الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ، والمِصْباحُ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ: ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ أيْ: قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ: مُتَلَأْلِئٌ وقّادٌ شَبِيهٌ بِالدُّرِّ في صَفائِهِ وزُهْرَتِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرَةِ المَنافِعِ، بِأنْ رُوِيَتْ فَتِيلَتُهُ بِزَيْتِها: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ (p-٤٥٢٥)أيْ لا شَرْقِيَّةٍ تَقَعُ عَلَيْها الشَّمْسُ وقْتَ الشُّرُوقِ فَقَطْ، ولا غَرْبِيَّةٍ تَقَعُ عَلَيْها عِنْدَ الغُرُوبِ. ولا تُصِيبُها في الغَداةِ بَلْ في مَكانٍ عَلَيْها الشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ مِن أوَّلِ طُلُوعِها إلى آخِرِ غُرُوبِها. كَصَحْراءَ أوْ رَأْسِ جَبَلٍ. فَزَيْتُها أضْوَأُ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ: يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ نارٍ لِصَفائِهِ ولَمَعانِهِ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ النُّورُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ عَنِ القُرْآنِ، ومُثِّلَتْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ بِما فُضِّلَ عَنْ صِفَةِ المِشْكاةِ. نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ كَذَلِكَ. فَـ(نُورٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ، والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ، وتَصْرِيحٌ لِما حَصَلَ مِنهُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ. ولَيْسَ مَعْنى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نُورٌ واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ مِثْلِهِ، ولا مَجْمُوعُ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ مُتَضاعِفٍ كَتَضاعُفِ ما مُثِّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذُكِرَ. فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ، كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعَ لِنُورِهِ. بِخِلافِ المَكانِ الواسِعِ، فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ. والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ. وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ. ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورَها إشْراقًا، مَرْتَبَةً أُخْرى عادَةً ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِهَذا النُّورِ الثّاقِبِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ بِهِ وفَهْمِ دَلائِلِ حَقِّيَّتِهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ. لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِيَدْنُوَ لَهُمُ المَعْقُولُ مِنَ المَحْسُوسِ، تَوْضِيحًا وبَيانًا. ولِذَلِكَ مَثَّلَ نُورَهُ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالقُرْآنِ، بِنُورِ المِشْكاةِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ. لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى، عِبارَةٌ عَنْ مَجازاتِهِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيِ.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - آيَةُ النُّورِ - مِنَ الآياتِ الَّتِي صُنِّفَتْ فِيها مُصَنَّفاتٌ خاصَّةٌ. مِنها (مِشْكاةُ الأنْوارِ ") لِلْإمامِ الغَزالِيِّ، وقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") هُنا جُمْلَةً سابِغَةَ الذَّيْلِ. ورَأيْتُ (p-٤٥٢٦)لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في كِتابِهِ (الجُيُوشِ الإسْلامِيَّةِ ") ما يَجْمُلُ إيرادُهُ، تَعْزِيزًا لِلْمَقامِ واسْتِظْهارًا بِزِيادَةِ العِلْمِ.

قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ نُورًا وجَعَلَ كِتابَهُ نُورًا ورَسُولَهُ ﷺ نُورًا ودِينَهُ نُورًا. واحْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ بِالنُّورِ وجَعَلَ دارَ أوْلِيائِهِ نُورًا يَتَلَأْلَأُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ فُسِّرَ بِكَوْنِهِ مُنَوِّرَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهادِيَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَبِنُورِهِ اهْتَدى أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا إنَّما هو فِعْلُهُ. وإلّا فالنُّورُ الَّذِي هو مِن أوْصافِهِ قائِمٌ بِهِ. ومِنهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمُ النُّورِ الَّذِي هو أحَدُ الأسْماءِ الحُسْنى. والنُّورُ يُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ. إضافَةَ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفِها، وإضافَةَ مَفْعُولٍ إلى فاعِلِهِ. فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩] فَهَذا إشْراقُها يَوْمُ القِيامَةِ بِنُورِهِ تَعالى، إذا جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الدُّعاءِ المَشْهُورِ: ««أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الكَرِيمِ أنْ تُضِلَّنِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ»» . وفي الأثَرِ الآخَرِ: ««أعُوذُ بِوَجْهِكَ - أوْ بِنُورِ وجْهِكَ - الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ»» . فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ . أنَّ الظُّلُماتِ أشْرَقَتْ لِنُورِ وجْهِ اللَّهِ. كَما أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأرْضَ تُشْرِقُ يَوْمَ القِيامَةِ بِنُورِهِ.

وفِي (مُعْجَمٍ الطَّبَرانِيِّ ") و(السُّنَّةِ ") لَهُ و(كِتابِ عُثْمانَ الدّارِمِيِّ ") وغَيْرِها، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكم لَيْلٌ ولا نَهارٌ، نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن نُورِ وجْهِهِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْرَبُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، مِن قَوْلِ مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. وأمّا مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. والحَقُّ أنَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ بِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ كُلِّها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ (p-٤٥٢٧)ﷺ بِخَمْسِ كَلِماتٍ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، ويُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ»» . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورٌ، أنّى أراهُ»» فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَعْناهُ كانَ ثَمَّةَ نُورٌ، وحالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ نُورٌ، فَأنّى أراهُ ؟ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في بَعْضِ الألْفاظِ الصَّحِيحَةِ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ: رَأيْتُ نُورًا. وقَدْ أعْضَلَ أمْرُ هَذا الحَدِيثِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى صَحَّفَهُ بَعْضُهم فَقالَ: نُورانِيٌّ أراهُ. عَلى أنَّها ياءُ النَّسَبِ، والكَلِمَةُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ. وهَذا خَطَأٌ لَفْظًا ومَعْنى. وإنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا الإشْكالَ والخَطَأ أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَبَّهُ وكانَ قَوْلُهُ: ««أنّى أراهُ»» كالإنْكارِ لِلرُّؤْيَةِ، حارُوا في الحَدِيثِ، ورَدَّهُ بَعْضُهم بِاضْطِرابِ لَفْظِهِ، وكُلُّ هَذا عُدُولٌ عَنْ مُوجِبِ الدَّلِيلِ. وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في كِتابِ (الرُّؤْيَةِ ") لَهُ إجْماعَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ. وبَعْضُهُمُ اسْتَثْنى ابْنَ عَبّاسٍ فِيمَن قالَ ذَلِكَ. وشَيْخُنا يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافٍ في الحَقِيقَةِ. فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَقُلْ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ ﷺ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ. ولَمْ يَقُلْ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. ولَفْظُ أحْمَدَ لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ ما قالَ شَيْخُنا في مَعْنى حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الآخَرِ: ««حِجابُهُ النُّورُ»» فَهَذا النُّورُ، واللَّهُ أعْلَمُ. النُّورُ المَذْكُورُ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ««رَأيْتُ نُورًا»» .

ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ هَذا مَثَلٌ لِنُورِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ. كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: وقَدِ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في (نُورِهِ ) فَقِيلَ: هو النَّبِيُّ ﷺ . أيْ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: مُفَسِّرُهُ المُؤْمِنُ. أيْ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ.

(p-٤٥٢٨)والصَّحِيحُ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ. وأعْظَمُ عِبادِهِ نَصِيبًا مِن هَذا النُّورِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَهَذا، مَعَ ما تَضَمَّنَهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ - وهو وجْهُ الكَلامِ - يَتَضَمَّنُ التَّقادِيرَ الثَّلاثَةَ، وهو أتَمُّ لَفْظًا ومَعْنًى. وهَذا النُّورُ يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى. إذْ هو مُعْطِيهِ لِعَبْدِهِ وواهِبُهُ إيّاهُ. ويُضافُ إلى العَبْدِ. إذْ هو مَحَلُّهُ وقابِلُهُ. فَيُضافُ إلى الفاعِلِ والقابِلِ. ولِهَذا النُّورِ فاعِلٌ وقابِلٌ، ومَحَلٌّ وحامِلٌ، ومادَّةٌ. وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ذِكْرَ هَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ. فالفاعِلُ وهو اللَّهُ تَعالى مُفِيضُ الأنْوارِ. الهادِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ. والقابِلُ: العَبْدُ المُؤْمِنُ. والمَحَلُّ: قَلْبُهُ. والحامِلُ: هِمَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ وإرادَتُهُ. والمادَّةُ: قَوْلُهُ وعَمَلُهُ. وهَذا التَّشْبِيهُ العَجِيبُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، فِيهِ مِنَ الأسْرارِ والمَعانِي وإظْهارِ تَمامِ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ، بِما أنالَهُ مِن نُورِهِ، ما تَقَرُّ بِهِ عُيُونُ أهْلِهِ وتَبْتَهِجُ بِهِ قُلُوبُهم. وفي هَذا التَّشْبِيهِ لِأهْلِ المَعانِي طَرِيقَتانِ: إحْداهُما: طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهي أقْرَبُ مَأْخَذًا وأسْلَمُ مِنَ التَّكَلُّفِ. وهي أنْ تُشَبِّهَ الجُمْلَةُ بِرُمَّتِها بِنُورِ المُؤْمِنِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُشَبَّهِ، ومُقابَلَتُهُ بِجُزْءٍ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ. وعَلى هَذا عامَّةُ أمْثالِ القُرْآنِ. فَتَأمَّلْ صِفَةَ المِشْكاةِ، وهي كُوَّةٌ تُنَفَّذُ لِتَكُونَ أجْمَعَ لِلضَّوْءِ، وقَدْ وُضِعَ فِيها مِصْباحٌ، ذَلِكَ المِصْباحُ داخِلُ زُجاجَةٍ تُشْبِهُ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في صَفائِها وحُسْنِها. ومادَّتُهُ مِن أصْفى الأدْهانِ وأتَمِّها وقُودًا، مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ في وسَطِ القِراحِ، لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، بِحَيْثُ تُصِيبُها الشَّمْسُ في إحْدى طَرَفَيِ النَّهارِ، بَلْ هي في وسَطِ القِراحِ، مَحْمِيَّةٌ بِأطْرافِهِ تُصِيبُها الشَّمْسُ أعْدَلَ إصابَةٍ، والآفاتُ إلى الأطْرافِ دُونَها. فَمِن شِدَّةِ إضاءَةِ زَيْتِها وصَفائِها وحُسْنِها، يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ نارٌ. فَهَذا المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ هو مَثَلُ نُورِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي وضْعِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ وخَصَّهُ بِهِ. والطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ، طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ. فَقِيلَ: المِشْكاةُ صَدْرُ المُؤْمِنِ، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ. شَبَّهَ قَلْبَهُ بِالزُّجاجَةِ لِرِقَّتِها وصَفائِها وصَلابَتِها. وكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ. فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ. فَهو يَرْحَمُ ويُحْسِنُ ويَتَحَنَّنُ ويُشْفِقُ عَلى الخَلْقِ بِرِقَّتِهِ وبِصَفائِهِ. تَتَجَلّى فِيهِ صُوَرُ الحَقائِقِ والعُلُومِ عَلى ما هي عَلَيْهِ. ويَتَباعَدُ الكَدَرُ والدَّرَنُ والوَسَخُ بِحَسَبِ ما فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ. وبِصَلابَتِهِ يَشْتَدُّ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَصَلَّبُ (p-٤٥٢٩)فِي ذاتِ اللَّهِ تَعالى، ويَغْلُظُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى. ويَقُومُ بِالحَقِّ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القُلُوبَ كالآنِيَةِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: القُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ فَأحَبُّها إلَيْهِ أرَقُّها وأصْلَبُها وأصْفاها. والمِصْباحُ هو نُورُ الإيمانِ في قَلْبِهِ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ هي شَجَرَةُ الوَحْيِ المُتَضَمِّنَةُ لِلْهُدى ودِينِ الحَقِّ. وهي مادَّةُ المِصْباحِ الَّتِي يَتَّقِدُ مِنها. والنُّورُ عَلى النُّورِ، نُورُ الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، والإدْراكِ الصَّحِيحِ، ونُورُ الوَحْيِ والكِتابِ. فَيَنْضافُ أحَدُ النُّورَيْنِ إلى الآخَرِ، فَيَزْدادُ العَبْدُ نُورًا عَلى نُورٍ. ولِهَذا يَكادُ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ، قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ ما فِيهِ بِالأثَرِ. ثُمَّ يَبْلُغُهُ الأثَرُ بِمِثْلِ ما وقَعَ في قَلْبِهِ ونَطَقَ بِهِ. فَيَتَّفِقُ عِنْدَهُ شاهِدُ العَقْلِ والشَّرْعِ والفِطْرَةِ والوَحْيِ. فَيُرِيهِ عَقْلُهُ وفِطْرَتُهُ وذَوْقُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ هو الحَقَّ لا يَتَعارَضُ عِنْدَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ البَتَّةَ. بَلْ يَتَصادَقانِ ويَتَوافَقانِ. فَهَذا عَلامَةُ النُّورِ عَلى النُّورِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском