Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:4–10
24:4–5Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٥] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] .
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنى: ﴿المُحْصَناتِ﴾ أيِ: المُسْلِماتِ الحَرائِرَ العاقِلاتِ (p-٤٤٤٩)البالِغاتِ العَفِيفاتِ عَنِ الزِّنى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أيْ: يَشْهَدُونَ عَلى ما رَمَوْهُنَّ بِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الرّامِينَ. وتَخْصِيصُ النِّساءِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، ولِأنَّ قَذْفَهُنَّ أغْلَبُ وأشْنَعُ. وإلّا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ أيْ: في أيْ: واقِعَةٍ كانَتْ، لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: لِخُرُوجِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن رِعايَةِ حُقُوقِ المُحْصَناتِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥] أيِ: القَذْفِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] أيْ: أعْمالَهم: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] أيْ: بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وعَفْوِهِ عَنْهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ذَكَرَ تَعالى عَدَدَ الشُّهَداءِ وأطْلَقَ صِفَتَهم ولَمْ يُقَيِّدْهم بِكَوْنِهِمْ (مِنّا ) ولا (مِمَّنْ نَرْضى ) ولا (مِن ذَوِي العَدْلِ ) ولِهَذا تَنازَعُوا: هَلْ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ الَّتِي لا تُوجِبُ الحَدَّ مِثْلُ شَهادَةِ أهْلِ الفُسُوقِ ؟ هَلْ تَدْرَأُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما تَدْرَأُ كَشَهادَةِ الزَّوْجِ عَلى امْرَأتِهِ أرْبَعًا. فَإنَّها تَدْرَأُ حَدَّ القَذْفِ ولا تُوجِبُ الحَدَّ عَلى المَرْأةِ. ولَوْ لَمْ تَشْهَدِ المَرْأةُ، فَهَلْ تُحَدُّ أوْ تُحْبَسُ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ، أوْ يُخَلّى سَبِيلُها ؟ فِيهِ نِزاعٌ. فَلا يَلْزَمُ مِن دَرْءِ الحَدِّ عَنِ القاذِفِ، وُجُوبُ حَدِّ الزِّنى فَإنَّ كِلاهُما حَدٌّ. والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ. وأرْبَعُ شَهاداتٍ لِلْقاذِفِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، ولَوِ اعْتَرَفَ المَقْذُوفُ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا دُرِئَ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ ولَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ ولَوْ كانَ المَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالفاحِشَةِ، لَمْ يُحَدَّ قاذِفُهُ حَدَّ القَذْفِ. ولَمْ يُحَدَّ هو حَدُّ الزِّنى بِمُجَرَّدِ الِاسْتِفاضَةِ. وإنْ كانَ يُعاقَبُ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الحَدِّ. ولا يُقامُ حَدُّ الزِّنى عَلى مُسْلِمٍ إلّا بِشَهادَةِ مُسْلِمِينَ. لَكِنْ يُقالُ لَمْ يُقَيِّدْهم بِالعَدالَةِ، وقَدْ أمَرَنا اللَّهُ أنْ نَحْمِلَ الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها لِأهْلِ العَدْلِ والرِّضا وهُمُ المُمْتَثِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا (p-٤٤٥٠)ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] فَهم يَقُومُونَ بِها بِالقِسْطِ لِلَّهِ، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الَّذِي اسْتَشْهَدُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: كَوْنُ شَهادَتِهِمْ مَقْبُولَةً لِأنَّهم أهْلُ العَدْلِ والرِّضا. فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ في القَبُولِ والأداءِ. وقَدْ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لَكِنَّ هَذا نَصٌّ في أنَّ الفاسِقَ الواحِدَ يَجِبُ التَّبَيُّنُ في خَبَرِهِ. وأمّا الفاسِقانِ فَصاعِدًا. فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ تَحْتاجُ إلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى، وما ذَكَرَهُ مِن عَدَدِ الشُّهُودِ لا يَتَعَيَّنُ في الحُكْمِ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ في مَواضِعَ. وعِنْدَ الجُمْهُورِ يُحْكَمُ بِلا شُهُودٍ في مَواضِعَ عِنْدَ النُّكُولِ والرَّدِّ ونَحْوِ ذَلِكَ.
ونَحْكُمُ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ كَما مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْتَبِرْ عِنْدَ الأداءِ هَذا القَيْدَ، لا في آيَةِ الزِّنى، ولا في آيَةِ القَذْفِ. بَلْ قالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وإنَّما أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِ الواحِدِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِهِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِينَ. فَإنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ يُوجِبُ مِنَ الِاعْتِقادِ ما لا يُوجِبُهُ خَبَرُ الواحِدِ. ولِهَذا قالَ العُلَماءُ: إذا اسْتَرابَ الحاكِمُ في الشُّهُودِ، فَرَّقَهم وسَألَهم عَمّا تَبَيَّنَ بِهِ اتِّفاقُهم واخْتِلافُهم. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ "): ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَهادَةَ القَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ تُقْبَلُ. ويَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ. سَواءٌ كانَ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ أوْ قَبْلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: فَمَن تابَ فَشَهادَتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تُقْبَلُ. وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى قَذْفِهِ. لِأنَّ (أبَدَ كُلِّ شَيْءٍ ) عَلى ما يَلِيقُ بِهِ. كَما لَوْ قِيلَ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الكافِرِ أبَدًا، فَإنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ. وبالَغَ الشَّعْبِيُّ فَقالَ: إنْ تابَ القاذِفُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ. وذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إلى (p-٤٤٥١)أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَتَعَلَّقُ بِالفِسْقِ خاصَّةً. فَإذا تابَ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ، وأمّا شَهادَتُهُ فَلا تُقْبَلُ أبَدًا. وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ التّابِعِينَ. انْتَهى.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ونَظْمُها، أنْ تَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن قَذَفَ المُحْصَناتِ فاجْلِدُوهم، ورُدُّوا شَهادَتَهم وفَسِّقُوهم. أيْ: فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ والتَّفْسِيقَ، إلّا الَّذِينَ تابُوا عَنِ القَذْفِ وأصْلَحُوا، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، فَيَنْقَلِبُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِينَ ولا مُفَسَّقِينَ. انْتَهى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في (كِتابِ الشَّهاداتِ ) في بابِ شَهادَةِ القاذِفِ والسّارِقِ والزّانِي، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أنَّهُ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ونافِعًا، بِقَذْفِ المُغِيرَةِ بِالزِّنى، لَمّا شَهِدُوا بِأنَّهم رَأوْهُ مُتَبَطِّنَ المَرْأةِ. ولَمْ يَبُتَّ زِيادٌ الشَّهادَةَ. ثُمَّ اسْتَتابَهم وقالَ: مَن تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ. وفي رِوايَةٍ قالَ لَهم: مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ. ومَن لَمْ يَفْعَلْ، لَمْ أُجِزْ شَهادَتَهُ. فَأكْذَبَ شِبْلٌ نَفْسَهُ ونافِعٌ. وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَرْجِعَ.
قالَ المُهَلِّبُ: يُسْتَنْبَطُ مِن هَذا؛ أنَّ إكْذابَ القاذِفِ نَفْسَهُ لَيْسَ شَرْطًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِ. لِأنَّ أبا بَكْرَةَ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَبْلَ المُسْلِمُونَ رِوايَتَهُ وعَمِلُوا بِها.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَذْفِ كَيْفَ تَكُونُ ؟
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ مِنهُ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَعْناهُ. فَقالَ الإصْطَخْرِيُّ: يَقُولُ كَذَبْتُ فِيما قُلْتُ فَلا أعُودُ لِمِثْلِهِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ: لا يَقُولُ كَذَبْتُ لِأنَّهُ رُبَّما يَكُونُ صادِقًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (كَذَبْتُ ) كَذِبًا، والكَذِبُ مَعْصِيَةٌ، والإتْيانُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرى، بَلْ يَقُولُ: القَذْفُ باطِلٌ. نَدِمْتُ عَلى ما قُلْتُ، ورَجَعْتُ عَنْهُ، ولا أعُودُ إلَيْهِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَيْهِ في حُسْنِ الحَلِّ، حَتّى تُقْبَلَ شَهادَتُهُ وتَعُودَ وِلايَتُهُ. ثُمَّ قَدَّرُوا تِلْكَ المُدَّةَ بِسَنَةٍ (p-٤٤٥٢)حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيها الأحْوالُ والطِّباعُ. كَما يُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أجَلُ سَنَةٍ. وقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ أحْكامًا بِالسَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ وغَيْرِهِما. انْتَهى.
وقالَ الغَزالِيُّ في (الوَجِيزِ ") يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: تُبْتُ ولا أعُودُ. إلّا إذا أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، فَهو فاسِقٌ، يَجِبُ اسْتِبْراؤُهُ كَكُلِّ فاسِقٍ يَقُولُ: تُبْتُ. فَإنَّهُ لا يُصَدَّقُ حَتّى يُسْتَبْرَأ مُدَّةً فَيُعْلَمُ بِقَرائِنِ الأحْوالِ صَلاحُ سَرِيرَتِهِ. انْتَهى.
وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ التَّقْدِيرَ بِسَنَةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلِ المَدارُ عَلى عِلْمِ صَلاحِهِ وظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ، ولَوْ عَلى أثَرِ الحَدِّ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ مِن طَرِيقِ حَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: رَأيْتُ رَجُلًا جُلِدَ حَدًّا في قَذْفٍ بِالزِّنى. فَلَمّا فُرِغَ مِن ضَرْبِهِ أحْدَثَ تَوْبَةً. فَلَقِيتُ أبا الزِّنادِ فَقالَ لِي: الأمْرُ عِنْدَنا بِالمَدِينَةِ؛ إذا رَجَعَ القاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وعَلَّقَهُ البُخارِيُّ.
الخامِسُ: نَنْقُلُ هُنا ما أجْمَلَهُ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ ") مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الآيَةِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ القَذْفِ، وأنَّهُ فِسْقٌ، وأنَّ القاذِفَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وأنَّهُ يُجْلَدُ ثَمانِينَ إذا قَذَفَ مُحْصَنَةً أيْ: عَفِيفَةً. ومَفْهُومُهُ أنَّهُ إذا قَذَفَ مَن عُرِفَتْ بِالزِّنى لا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وفِيها أنَّ الزِّنى لا يُقْبَلُ فِيهِ إلّا أرْبَعَةُ رِجالٍ، لا أقَلَّ. ولا نِساءَ. وسَواءٌ شَهِدُوا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ: يُحَدُّ العَبْدُ أيْضًا ثَمانِينَ. ومَن قالَ: يُحَدُّ قاذِفُ الكافِرِ والرَّقِيقُ وغَيْرُ البالِغِ والمَجْنُونُ ووَلَدُهُ. واحْتَجَّ بِها عَلى أنَّ مَن قَذَفَ نَفْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ لا يُحَدُّ لِنَفْسِهِ. لِأنَّهُ لَمْ يَرُحْ أحَدًا واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: إنَّ حَدَّ القَذْفِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَلا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ. انْتَهى.
ثُمَّ رَأيْتُ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، تَحْقِيقًا في بَحْثِ قَبُولِ الشَّهادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، جَدِيرًا بِأنْ يُؤَثِّرَ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ نَصٌّ في أنَّ هَؤُلاءِ القَذْفَةَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم أبَدًا. واحِدًا كانُوا أوْ عَدَدًا. بَلْ لَفْظُ الآيَةِ يَنْتَظِمُ العَدَدَ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٥٣)الجَمْعِ والبَدَلِ، لِأنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ والحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّفْسِيرِ. وكانَ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ عَدَدًا، ولَمْ يَكُونُوا واحِدًا لَمّا رَأوْها قَدِمَتْ صُحْبَةَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، بَعْدَ قُفُولِ العَسْكَرِ، وكانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ تَطْلُبُ قِلادَةً لَها فُقِدَتْ، فَرَفَعُوا هَوْدَجَها مُعْتَقِدِينَ أنَّها فِيهِ لِخِفَّتِها، ولَمْ تَكُنْ فِيهِ. فَلَمّا رَجَعَتْ لَمْ تَجِدْ أحَدًا فَمَكَثَتْ مَكانَها. وكانَ صَفْوانُ قَدْ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ. فَلَمّا رَآها أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها وأناخَ راحِلَتَهُ حَتّى رَكِبَتْها. ثُمَّ ذَهَبَ إلى العَسْكَرِ فَكانَتْ خَلْوَتُهُ بِها لِلضَّرُورَةِ. كَما يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُسافِرَ بِلا مَحْرَمٍ لِلضَّرُورَةِ كَسَفَرِ الهِجْرَةِ مِثْلَ ما قَدِمَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ مُهاجِرَةً وقِصَّةِ عائِشَةَ.
ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفِينَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم مُجْتَمِعِينَ ولا مُتَفَرِّقِينَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَهادَتَهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مَقْبُولَةٌ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. فَإنَّهُ كانَ مِن جُمْلَتِهِمْ مِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَرُدَّ شَهادَةَ أحَدٍ مِنهم، ولا المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ لِأنَّهُ كُلُّهم تابُوا لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ بِبَراءَتِها. ومَن لَمْ يَتُبْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهُ كافِرٌ مُكَذِّبٌ بِالقُرْآنِ. وهَؤُلاءِ ما زالُوا مُسْلِمِينَ وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْ قَطْعِ صِلَتِهِمْ. ولَوْ رُدَّتْ شَهادَتُهم بَعْدَ التَّوْبَةِ لاسْتَفاضَ ذَلِكَ كَما اسْتَفاضَ رَدُّ عَمَرَ شَهادَةَ أبِي بَكْرَةَ. وقِصَّةُ عائِشَةَ أعْظَمُ مِن قِصَّةِ المُغِيرَةِ. لَكِنَّ مَن رَدَّ شَهادَةِ القاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَقُولُ: أرُدُّ شَهادَةَ مَن حُدَّ في القَذْفِ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَدُّوا. والأوَّلُونَ يُجِيبُونَ بِأجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في السُّنَنِ أنَّهم حُدُّوا. الثّانِي: أنَّ هَذا الشَّرْطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في ظاهِرِ القُرْآنِ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ. الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا الحَدَّ واعْتَبَرُوهُ وقالُوا: قَدْ يَكُونُ القاذِفُ صادِقًا وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا. فَإعْراضُ المَقْذُوفِ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ قَدْ يَكُونُ لِصِدْقِ القاذِفِ. فَإذا طَلَبَهُ ولَمْ يَأْتِ القاذِفُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ظَهَرَ كَذِبُهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ ظَهَرَ كَذِبُهم أعْظَمَ مِن ظُهُورِ كَذِبِ كُلِّ أحَدٍ. فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي بَرَّأها بِكَلامِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ يُتْلى، فَإذا كانَتْ شَهادَتُهم مَقْبُولَةً، فَغَيْرُهم أوْلى. وقِصَّةُ عُمَرَ الَّتِي حَكَمَ فِيها بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، في شَأْنِ المُغِيرَةِ، دَلِيلٌ عَلى الفَصْلَيْنِ جَمِيعًا. لَمّا تَوَقَّفَ الرّابِعُ فَجَلَدَ الثَّلاثَةَ دُونَهُ ورَدَّ شَهادَتَهم لِأنَّ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاثَةِ تابا فَقَبِلَ شَهادَتَهُما. والثّالِثُ، هو أبُو بَكْرَةَ، مَعَ كَوْنِهِ مِن أفْضَلِهِمْ، لَمْ يَتُبْ (p-٤٤٥٤)فَلَمْ يَقْبَلِ المُسْلِمُونَ شَهادَتَهُ. وقَدْ قالَ عُمَرُ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ. لَكِنْ إذا كانَ القُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ أنَّهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] فَمَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: { هُمُ الفاسِقُونَ } وصْفُ ذَمٍّ لَهم زائِدٌ عَلى رَدِّ الشَّهادَةِ.
وأمّا تَفْسِيرُ العَدالَةِ فَإنَّها الصَّلاحُ في الدِّينِ والمُرُوءَةُ. وإذا وُجِدَ هَذا في شَخْصٍ كانَ عَدْلًا في شَهادَتِهِ وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ، وأمّا أنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ أحَدٌ في وصِيَّةٍ ولا رَجْعَةَ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ حَتّى يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا صِفَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي أكْمَلَ إيمانَهُ بِأداءِ الواجِباتِ وإنْ كانَ المُسْتَحَبّاتُ لَمْ يُكْمِلْها. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ المُتَّقِينَ.
ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا قَدْ يُفَسِّرُونَ الواجِباتِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ونَحْوِها، بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ، مِمّا يَكُونُ تَرْكُهُ أعْظَمَ إثْمًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ والزِّنى ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ قادِحًا في عَدالَتِهِ، إمّا لِعَدَمِ اسْتِشْعارِ كَثْرَةِ الواجِباتِ، وإمّا لِالتِفافِهِمْ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ دُونَ فِعْلِ الواجِباتِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الشَّرِيعَةِ. وبِالجُمْلَةِ، فَهَذا مُعْتَبَرٌ في بابِ الثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ والمُوالاةِ والمُعاداةِ، وهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ. وبابُ الشَّهادَةِ مَدارُهُ عَلى أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا، أوْ يَكُونُ ذا عَدْلٍ بِتَحَرِّي القِسْطِ والعَدْلِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. والصِّدْقُ في شَهادَتِهِ وخَبَرِهِ. وكَثِيرًا ما يُوجَدُ هَذا مَعَ الإخْلالِ بِكَثِيرٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ. كَما أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي اعْتَبَرُوها كَثِيرًا ما تُوجَدُ بِدُونِ هَذا كَما قَدْ رَأيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ كَثِيرًا. لَكِنْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ والعَدْلِ والمَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ ودَلِيلٌ عَلَيْها وعَلامَةٌ لَها. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: ««عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ والبِرَّ يَهْدِي (p-٤٤٥٥)إلى الجَنَّةِ.».» الحَدِيثَ. فالصِّدْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبِرِّ، كَما أنَّ الكَذِبَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفُجُورِ. فَإذا وُجِدَ المَلْزُومُ، وهو تَحَرِّي الصِّدْقِ، وُجِدَ اللّازِمُ وهو البِرُّ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو البِرُّ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الصِّدْقُ. وإذا وُجِدَ الكَذِبُ وهو المَلْزُومُ وُجِدَ الفُجُورُ وهو اللّازِمُ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو الفُجُورُ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الكَذِبُ، ولِهَذا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ بِرِّ الرَّجُلِ عَلى كَذِبِهِ. وبِعَدَمِ فُجُورِهِ عَلى صِدْقِهِ. فالعَدْلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ مَنِ انْتَفى فُجُورُهُ. وهو إتْيانُ الكَبِيرَةِ والإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ. وإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ، انْتَفى كَذِبُهُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى الفُجُورِ. والفاسِقُ هو مِن عُدِمَ بِرُّهُ، وإذا عُدِمَ بِرُّهُ عُدِمَ صِدْقُهُ. ودَلالَةُ هَذا الحَدِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى البِرِّ يَسْتَلْزِمُ البِرَّ، والدّاعِيَ إلى الفُجُورِ يَسْتَلْزِمُ الفُجُورَ. فالخَطَأُ كالنِّسْيانِ والعَمْدِ كالكَذِبِ. انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ الرّامِينَ لِأزْواجِهِ خاصَّةً، بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الرّامِينَ بِغَيْرِهِنَّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
24:6–7Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦
And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧
And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٧] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] .
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ أيْ: بِالزِّنى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةُ﴾ [النور: ٧] أيْ: والشَّهادَةُ الخامِسَةُ لِلْأرْبَعِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ القَذْفِ، ويَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ وهو الرَّجْمُ. إلّا إنْ لاعَنَتْ أيْضًا. كَما قالَ سُبْحانَهُ:
24:8–10Page 350
وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨
But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.
وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩
And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠
And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.
(p-٤٤٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٠] ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] .
﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيَّ وهو الرَّجْمُ: ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ [النور: ٩] أيِ: الزَّوْجُ: ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] أيْ: لَحَرَجْتُمْ ولَشَقَّ عَلَيْكم كَثِيرٌ مِن أُمُورِكم، ولَكِنْ لِرَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ، شَرَعَ لَكم مِنَ الفَرَجِ والمَخْرَجَ، ما أنْزَلَهُ وأحْكَمَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها فَرَجٌ لِلْأزْواجِ وزِيادَةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحَدُهم زَوْجَتَهُ وتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقامَةُ البَيِّنَةِ، أنْ يُلاعِنَها كَما أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهو أنْ يُحْضِرَها إلى الإمامِ فَيَدَّعِيَ عَلَيْها بِما رَماها بِهِ. فَيُحَلِّفُهُ الحاكِمُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ بانَتْ مِنهُ بِنَفْسِ هَذا اللِّعانِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلَماءِ. وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا. ويُعْطِيها مَهْرَها. ويَتَوَجَّهُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى. ولا يَدْرَأُ عَنْها العَذابَ إلّا أنْ تُلاعِنَ فَتَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ. والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ.
الثّانِي: رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وأنَّ «رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (p-٤٤٥٧)أرَأيْتَ رَجُلًا رَأى مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا، أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قَضى اللَّهُ فِيكَ وفي امْرَأتِكَ. وتَلا عَلَيْهِ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
وصَحَّ أيْضًا أنَّها قَدْ وقَعَتْ لِرَجُلَيْنِ سُمِّيا. وقَدِ اخْتَلَفَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ في مَعْنى ما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ فِيهِما مَعًا.
وإذا راجَعْتَ ما كَتَبْناهُ في (المُقَدِّمَةِ ) في مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، زالَ الإشْكالُ فارْجِعْ إلَيْهِ.
الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اللِّعانِ، فَفِيها أنَّ شَرْطَهُ سَبْقُ قَذْفٍ. وأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لا بَيْنَ الرَّجُلِ وأجْنَبِيَّةٍ ولا السَّيِّدِ وأمَتِهِ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ بِلِعانِ الكُفّارِ والعَبِيدِ والخِصِيِّ والمَجْبُوبِ والمَحْدُودِ في القَذْفِ والأعْمى والأخْرَسِ، ومِنَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ والآيِسَةِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: لا لِعانَ إذا أقامَ البَيِّنَةَ عَلى زِناها وبِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَمِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلَخْ فِيهِ أنَّ صِيغَتَهُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، أرْبَعًا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فاسْتَدَلَّ بِهِ مَن لَمْ يُجِزْ إبْدالَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ أوْ أُقْسِمُ ونَحْوَهُ ) أوِ اللَّهِ (بِالرَّحْمَنِ ونَحْوِهِ ) أوْ زادَ (بِعِلْمِ اللَّهِ ونَحْوِهِ ) ومَن لَمْ يُوجِبْ زِيادَةَ: (الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو )، ومَن لَمْ يُجِزْ إسْقاطَ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولا إبْدالُها بِما كَذَبْتُ عَلَيْها ونَحْوِهِ ولا الِاكْتِفاءُ بِدُونِ أرْبَعٍ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، في اكْتِفائِهِ بِثَلاثِ شَهاداتٍ. ولا تَقْدِيمُ اللَّعْنَةِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ تَوَسُّطُها، أوْ إبْدالُها بِالغَضَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، فِيهِ أنَّ لِعانَهُ يُوجِبُ عَلى المَرْأةِ حَدَّ الزِّنى وأنَّ لَها دَفْعَهُ بِأنْ تَقُولَ أرْبَعَ مَرّاتٍ. أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تُبْدِلَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ ) أوِ الغَضَبَ (بِاللَّعْنَةِ ) إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ لِعانِها عَلى لِعانِهِ. انْتَهى.
(p-٤٤٥٨)الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الحَدَّ الواجِبَ بِالزِّنى نَوْعانِ: جَلْدٌ ورَجْمٌ. فالجَلْدُ حَدُّ البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ إذا زَنَيا. فَيُجْلَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وفي تَغْرِيبِهِما سَنَةً، وتَغْرِيبِ الزّانِي وحْدَهُ كَذَلِكَ، خِلافٌ. نَعَمْ، إذا رَآهُ الإمامُ مَصْلَحَةً فَلا خِلافَ في إمْضائِهِ. والرَّجْمُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ. والإحْصانُ عِبارَةٌ عَنِ البُلُوغِ والعَقْلِ والحُرِّيَّةِ والدُّخُولِ في النِّكاحِ الصَّحِيحِ. فَلا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، بَلْ يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ، لا بِصَخْرَةٍ تُدَفِّفُ، ولا بِحَصَياتٍ تُعَذِّبُ، بَلْ بِحِجارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، كَما في (الوَجِيزِ ") وقَدِ اعْتَرَضَ جَماعَةُ الخَوارِجِ عَلى تَشْرِيعِ الرَّجْمِ في الإسْلامِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ. فالَّذِي ورَدَ في عِقابِ الزِّنى في القُرْآنِ حُكْمانِ. أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] وهَذا الحُكْمُ قَدْ نُسِخَ - أيْ: بُيِّنَ - بِالحُكْمِ الثّانِي وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] هَذِهِ حُجَّةُ الخَوارِجِ. أمّا حُجَّةُ الإجْماعِ فَهي وُرُودُ الآثارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ المُحْصَنِ»، وفَعَلَهُ. ورُوِيَ لِذَلِكَ جُمْلَةُ أحادِيثَ وأحْكامٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، كَذا في كِتابِ (المُقابَلاتِ ") وسَبَقَهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") فَطَوَّلَ النَّفَسَ في سَوْقِ شُبْهَةِ الخَوارِجِ، وأجابَ عَنْها بِما مُلَخَّصُهُ: أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالبِكْرِ، خَصَّصَها بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ بِالرَّجْمِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. فَأوْلى بِالمُتَواتِرِ. وثانِيًا - قالَ - إنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المَصالِحِ. فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ. انْتَهى.
قالَ صاحِبُ (المُقابَلاتِ "): إنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ مَعَ الشَّرْعِ العِبْرِيِّ في أغْلَبِ أحْكامِ الزِّنى، ولَمْ يَرِدْ في الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ يَنْسَخُ حُكْمَ اليَهُودِيَّةِ في الزِّنى. ولَكِنْ يُرْوى (p-٤٤٥٩)عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ما يُؤْخَذُ مِنهُ ضِمْنًا، عَدَمُ إمْكانِ إقامَةِ حَدِّ الرَّجْمِ. لِأنَّهُ اشْتَرَطَ بَراءَةَ الرّاجِمِينَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وأمَرَ الزّانِيَةَ، الَّتِي اعْتَرَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. أمّا حُكْمُ الزِّنى في القَوانِينِ الحَدِيثَةِ فَيُخالِفُ مُخالَفَةً كُلِّيَّةً لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، وحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وفَّقَنا اللَّهُ لِحِفْظِ حُدُودِهِ، وجَنَّبَنا مَحارِمَهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: مِن مَباحِثِ اللَّفْظِ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: قَدْ ورَدَتِ الفاصِلَةُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِـ(تَوّابٍ رَحِيمٍ ) فَعَلامَ فُصِلَتْ هُنا بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ مَعَ الرَّحْمَةِ، فِيما يَظْهَرُ ؟
و(الجَوابُ ): أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِالتَّلاعُنِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي أمَرَ بِها. وأرادَ بِذَلِكَ سَتْرَ هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى عِبادِهِ. وذَلِكَ حِكْمَةٌ مِنهُ. فَفُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) إثْرَ بَيانِ الحُكْمِ. جَمْعًا بَيْنَ التَّوْبَةِ المَرْجُوَّةِ مِن صاحِبِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ في سَتْرِها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ. فافْهَمْ ذَلِكَ. أشارَ لَهُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") .
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ الإفْكِ، وتَبْرِئَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences