Al-QasimiAn‑Nur · 24:61–64

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:61–64

24:61Page 358

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ، لِضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ كالَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ وكَآيَةِ بَراءَةٍ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ عَطاءٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وزَعْمُ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ، مَرْدُودٌ بِأنَّ المُرادَ أنَّ كُلًّا مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مَنفِيٌّ عَنْهُ الحَرَجُ. ومِثالُ هَذا - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنْ يَسْتَفْتِيَكَ مُسافِرٌ عَنِ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وحاجٍّ مُفْرِدٍ عَنْ تَقْدِيمِ الحَلْقِ عَلى النَّحْرِ. قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلى المُسافِرِ حَرَجٌ أنْ يُفْطِرَ، ولا عَلَيْكَ، يا حاجُّ أنْ تُقَدِّمَ (p-٤٥٥٢)الحَلْقَ عَنِ النَّحْرِ. يَعْنِي أنَّهُ إذا كانَ في العَطْفِ غَرابَةٌ، لِبُعْدِ الجامِعِ في بادِئِ النَّظَرِ، وكانَ الغَرَضُ بَيانَ حُكْمِ حَوادِثَ تَقارَبَتْ في الوُقُوعِ، والسُّؤالَ عَنْها والِاحْتِياجَ إلى البَيانِ لِكَوْنِها في مَعْرِضِ الِاسْتِفْتاءِ، والإفْتاءِ كانَ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَها، مُحْسِنًا لِلْعَطْفِ، وإنْ تَبايَنَتْ.

قالَ الشِّهابُ: وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَنْ زَعْمِ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ.

لِأنَّ مُلاءَمَتَهُ لِما بَعْدَهُ قَدْ عُرِفَ وجْهُها. وأمّا مُلاءَمَتُهُ لِما قَبْلَهُ فَغَيْرُ لازِمَةٍ، إذا لَمْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. انْتَهى.

وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَذْهَبُونَ بِالضُّعَفاءِ وذَوِي العاهاتِ إلى بُيُوتِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وإلى بُيُوتِ قَراباتِهِمْ وأصْدِقائِهِمْ، فَيُطْعِمُونَهم مِنها. فَخالَجَ قُلُوبَ المُطْعِمِينَ والمُطْعَمِينَ رِيبَةٌ في ذَلِكَ. وخافُوا أنْ يَلْحَقَهم فِيهِ حَرَجٌ. وكَرِهُوا أنْ يَكُونَ أكْلًا بِغَيْرِ حَقٍّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَقِيلَ لَهم: لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ، ولا عَلى أنْفُسِكم، يَعْنِي عَلَيْكم، وعَلى مَن في مِثْلِ حالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، حَرَجٌ في ذَلِكَ.

وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ يَتَوَقَّوْنَ مُجالَسَةَ النّاسِ ومُواكِلَتَهم، لِما عَسى يُؤَدِّي إلى الكَراهَةِ مِن قِبَلِهِمْ. ولِأنَّ الأعْمى رُبَّما سَبَقَتْ يَدُهُ إلى ما سَبَقَتْ عَيْنُ أكِيلِهِ إلَيْهِ وهو لا يَشْعُرُ. والأعْرَجُ يَتَفَسَّحُ في مَجْلِسِهِ ويَأْخُذُ أكْثَرَ مِن مَوْضِعِهِ، فَيُضَيِّقُ عَلى جَلِيسِهِ. والمَرِيضُ لا يَخْلُو عَنْ حالَةٍ تُؤَنِّفُ.

وقِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ إلى الغَزْوِ، ويَخْلُفُونَ الضُّعَفاءَ في بُيُوتِهِمْ، ويَدْفَعُونَ إلَيْهِمُ المَفاتِيحَ، ويَأْذَنُونَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ. فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ. فَقِيلَ: لَيْسَ عَلى هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ حَرَجٌ فِيما تَحَرَّجُوا عَنْهُ، ولا عَلَيْكم أنْ تَأْكُلُوا مِن هَذِهِ البُيُوتِ.

هَذا ما ذَكَرُوهُ. ولا يَخْفى صِدْقُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، ونَفْيِ الحَرَجِ عَنْهُ كُلِّهِ.

ولا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ مُواكَلَةِ المَرِيضِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الأُخَرِ، أنْ يُشْرِكَ أكِيلَهُ الصَّحِيحَ في غَمْسِ يَدِهِ مِن إنائِهِ مِمّا حَظَرَ مِنهُ الطِّبُّ، وغَدَتِ الأنْفُسُ تَعافَهُ. بَلْ يُرادُ بِهِ حُضُورُهُ مَعَ (p-٤٥٥٣)الصَّحِيحِ عَلى مائِدَةٍ واخْتِصاصُهُ بِقَصْعَةٍ عَلى حِدَةٍ. وما أحْسَنَ عادَةَ الِانْفِرادِ بِالقِصاعِ، مِمّا تَطِيبُ مَعَهُ نَفْسُ المَرْضى والأصِحّاءِ في الِاجْتِماعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بُيُوتِ أزْواجِكم وعِيالِكم. أضافَهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّ بَيْتَ المَرْأةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ بُيُوتَ أوْلادِهِمْ. فَنَسَبَ بُيُوتَ الأوْلادِ إلى الآباءِ، لِأنَّ الوَلَدَ كَسْبُ والِدِهِ، مالُهُ كَمالِهِ. قالَ ﷺ: ««إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وأنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»» .

قالَ: والدَّلِيلُ عَلى هَذا، أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ الأقارِبَ ولَمْ يَذْكُرِ الأوْلادَ. لِأنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القَرابَةُ، كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. انْتَهى.

وعَلَيْهِ، لا يُقالُ إنَّهُ لَيْسَ في أكْلِ الإنْسانِ مِن بَيْتِ نَفْسِهِ حَرَجٌ، فَما فائِدَةُ ذِكْرِهِ بِأنَّ المُرادَ بِالأنْفُسِ مَن هو بِمَنزِلَتِها مِنَ العِيالِ والأوْلادِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]

وفِي (الكَشْفِ "): فائِدَةُ إقْحامِ النَّفْسِ، أنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ المُطْعَمِينَ، ولا عَلى الذّاهِبِينَ إلى بُيُوتِ القَراباتِ، أوْ مَن هو في مِثْلِ حالِهِمْ وهُمُ الأصْدِقاءُ - حَرَجٌ.

وقِيلَ إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ. والمُرادُ إظْهارُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَنائِهِ.

قالَ الشِّهابُ: وهو حَسَنٌ. ولا يُرادُ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الأكْلُ مِن بُيُوتِ الأزْواجِ والأوْلادِ، لِأنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ انْتَهى.

﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ يَعْنِي أمْوالَ المَرْءِ، إذا كانَ لَهُ عَلَيْها قَيِّمٌ ووَكِيلٌ يَحْفَظُها لَهُ، أنْ (p-٤٥٥٤)يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ بُسْتانِهِ ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ. ومِلْكُ المِفْتاحِ كَوْنُها في يَدِهِ وحِفْظِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أيْ: أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم. والصَّدِيقُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا. وكَذَلِكَ الخَلِيطُ والقَطِينُ والعَدُوُّ. كَذا في (الكَشّافِ ") .

قالَ النّاصِرُ: وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ سِرَّ إفْرادِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] دُونَ الشّافِعِينَ، والتَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ الأصْدِقاءِ، ولا كَذَلِكَ الشّافِعُونَ فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَحْمِي لَهُ، ويَشْفَعُ في حَقِّهِ مَن لا يَعْرِفُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ صَدِيقًا.

ويُحْتَمَلُ في الآيَتَيْنِ، أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الجَمْعَ. فَلا كَلامَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الإفْرادُ، فَيَكُونُ سِرُّهُ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْكى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دَخَلَ دارَهُ. وإذا حَلْقَةٌ مِن أصْدِقائِهِ وقَدِ اسْتَلُّوا سِلالًا مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ، فِيها الخَبِيصُ وأطايِبُ الأطْعِمَةِ، وهم مُكِبُّونَ عَلَيْها يَأْكُلُونَ فَتَهَلَّلَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ سُرُورًا، وضَحِكَ وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم، هَكَذا وجَدْناهم. يُرِيدُ كُبَراءَ الصَّحابَةِ ومَن لَقِيَهم مِنَ البَدْرِيِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ دارَ صَدِيقِهِ وهو غائِبٌ، فَيَسْألُ جارِيَتَهُ كِيسَهُ، فَيَأْخُذُ مِنهُ ما شاءَ. فَإذا حَضَرَ مَوْلاها فَأخْبَرَتْهُ، أعْتَقَها سُرُورًا بِذَلِكَ.

وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ، أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وطَرْحِ الحِشْمَةِ، بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والأخِ والِابْنِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الصَّدِيقُ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ. إنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ. فَقالُوا: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] وقالُوا: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ، قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. ورُبَّما سَمِجَ الِاسْتِئْذانُ وثَقُلُ. كَمَن قُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فاسْتَأْذَنَ صاحِبَهُ في الأكْلِ مِنهُ. انْتَهى.

(p-٤٥٥٥)﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. رُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ. وإنَّ قَوْمًا كانُوا تَحَرَّجُوا مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ، لِاخْتِلافِ النّاسِ في الأكْلِ، وزِيادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. فَأُبِيحَ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الحَيُّ مِن بَنِي كِنانَةَ، يَرى أحَدُهم؛ أنَّ مَخْزاةً عَلَيْهِ، أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ. حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَسُوقُ الذَّوْدَ الحَقْلَ وهو جائِعٌ، حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ. واشْتُهِرَ هَذا عَنْ حاتِمٍ لِقَوْلِهِ:

؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكُلُهُ وحْدِي

قالَ الشِّهابُ: وفي الحَدِيثِ: ««شَرُّ النّاسِ مَن أكَلَ وحْدَهُ، وضَرَبَ عَبْدَهُ، ومَنَعَ رِفْدَهُ»» والنَّهْيُ في الحَدِيثِ لِاعْتِيادِهِ بُخْلًا بِالقِرى، ونَفْيُ الحَرَجِ عَنْ وُقُوعِهِ أحْيانًا، بَيانٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ، ولا يُذَمُّ بِهِ شَرْعًا، كَما ذُمَّتْ بِهِ الجاهِلِيَّةُ.

﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: إذا دَخَلْتُمْ بَيْتًا مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم، قَرابَةً ودِينًا. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

أشارَ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلى أنَّ المُرادَ بِالأنْفُسِ مَن هم بِمَنزِلَتِها، لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ويُحْتَمَلُ أنَّ المُسْلِمَ، إذا رُدَّتْ تَحِيَّتُهُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ سَلَّمَ عَلى نَفْسِهِ. كَما أنَّ القاتِلَ لِاسْتِحْقاقِهِ القَتْلَ بِفِعْلِهِ، كَأنَّهُ قاتِلٌ نَفْسَهُ. وأمّا إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ في البَيْتِ أحَدٌ، يَسُرُّهُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَبَعِيدٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِعُمُومِ الآيَةِ. كَذا في (الشِّهابِ ") .

(p-٤٥٥٦)وقالَ النّاصِرُ: في التَّعْبِيرِ عَنْهم، بِالأنْفُسِ، تَنْبِيهٌ عَلى السِّرِّ الَّذِي اقْتَضى إباحَةَ الأكْلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ المَعْدُودَةِ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ، لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاخِلِ كَبَيْتِ نَفْسِهِ، لِاتِّحادِ القَرابَةِ. . فَلْيَطِبْ نَفْسًا بِانْبِساطٍ فِيها: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: ثابِتَةً بِأمْرٍ، مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ: ﴿مُبارَكَةً﴾ أيْ: مُسْتَتْبَعَةً لِزِيادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ ودَوامِها: ﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ: تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الأحْكامِ أوِ الآدابِ القائِدَةِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ.

ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالِاسْتِئْذانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، أرْشَدَ إلى الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِن مَجْلِسِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

24:62Page 359

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُرِيَهم عِظَمَ الجِنايَةِ ذَهابَ الذّاهِبِ مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَجَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ، ثالِثَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ. وجَعَلَهُما كالتَّشْبِيبِ لَهُ والبِساطِ لِذِكْرِهِ. وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ (بِإنَّما ) وإيقاعِ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأً (p-٤٥٥٧)مُخْبَرًا عَنْهُ بِمَوْصُولٍ، أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ. ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَشْدِيدًا، حَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ. وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ، وعَرَّضَ بِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ويَأْذَنَ لَهم، ألا تَراهُ كَيْفَ عَلَّقَ الأمْرَ بَعْدَ وُجُودِ اسْتِئْذانِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ لِمَنِ اسْتَوْصَوْا بِأْنَ يَأْذَنَ لَهُ.

والأمْرُ الجامِعُ: الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ. فَوُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وذَلِكَ نَحْوَ مُقاتَلَةِ عَدُوٍّ، أوْ تَشاوُرٍ في خَطْبٍ مُهِمٍّ، أوْ تَضامٍّ لِإرْهابِ مُخالِفٍ، أوْ تَسامُحٍ في حِلْفٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. أوِ الأمْرُ الَّذِي يَعُمُّ بِضَرَرِهِ أوْ بِنَفْعِهِ وقُرِئَ: أمْرٍ جَمِيعٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أنَّهُ خَطْبٌ جَلَلٌ، لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مِن ذَوِي رَأْيٍ وقُوَّةٍ، يُظاهِرُونَهُ عَلَيْهِ ويُعاوِنُونَهُ، ويَسْتَضِيءُ بِآرائِهِمْ ومَعارِفِهِمْ وتَجارِبِهِمْ، في كِفايَتِهِ. فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ، مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ، ويُشَعِّثُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ فَمِن ثَمَّ غَلَّظَ عَلَيْهِمْ وضَيَّقَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ في الِاسْتِئْذانِ، مَعَ العُذْرِ المَبْسُوطِ، ومِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، واعْتِراضِ ما يَهُمُّهم ويَعْنِيهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ الأفْضَلَ أنْ لا يُحَدِّثُوا أنْفُسَهم بِالذَّهابِ، ولا يَسْتَأْذِنُوا فِيهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَفْرِ الخَنْدَقِ. وكانَ قَوْمٌ يَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقالُوا: كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ، يُظاهِرُونَهم ولا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ، ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم، والأمْرُ في الإذْنِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ. إنْ شاءَ أذِنَ وإنْ شاءَ لَمْ يَأْذَنْ. عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ رَأْيُهُ.

تَنْبِيهٌ:

اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ ﷺ . وتُسَمّى هَذِهِ المَسْألَةُ مَسْألَةَ التَّفْوِيضِ. وهي مَبْسُوطَةٌ في الأُصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

24:63Page 359

لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.

(p-٤٥٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: إذا احْتاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ، فَدَعاكم، فَلا تَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ. ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. ورُجُوعُكم عَنِ المُجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وكَذا قالَ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") أيْ: إذا حَضَرْتُمْ في مَجْلِسِهِ، فَلا يَكُنْ حُضُورُكم كَحُضُورِكم في مَجالِسِكم. أيْ: لا تُفارِقُوا مَجْلِسَهُ إلّا بِإذْنِهِ، والزَمُوا مَعَهُ الأدَبَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ الأمْرُ. مِنهُمُ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ حَيْثُ قالَ في " الفَلَكِ الدّائِرِ ": إنَّ المَعْنى المُتَقَدِّمَ، وإنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما قالَ ابْنُ الأثِيرِ - فَفي الآيَةِ قَرِينَةٌ أُخْرى مُتَأخِّرَةٌ تَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى مَحْمَلٍ آخَرَ غَيْرَ هَذا. ولَعَلَّهُ الأصَحُّ. وهي أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ الأمْرُ. يُقالُ: دَعا فُلانٌ قَوْمَهُ إلى كَذا، أيْ: أمَرَهم بِهِ ونَدَبَهم إلَيْهِ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] أيْ: نَدَبَكم. وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ: أمَرْتُهم ونَدَبْتُهم، والقَرِينَةُ المُتَأخِّرَةُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ انْتَهى. وكَذا قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لا تَجْعَلُوا أمْرَهُ بَيْنَكم كَأمْرِكم بَيْنَكم يُجابُ تارَةً دُونَ أُخْرى. لِأنَّهُ واجِبُ الطّاعَةِ. لا يَسْقُطُ بِالِانْسِلالِ عَنْ جُمْلَةِ المَدْعُوِّ.

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ أيْ: يَنْسَلُّونَ قَلِيلًا قَلِيلًا. و(اللِّواذُ ): المُلاوَذَةُ، وهو أنْ يَلُوذَ هَذا بِذاكَ وذاكَ بِهَذا. يَعْنِي يَنْسَلُّونَ عَنِ الجَماعَةِ في الخُفْيَةِ عَلى سَبِيلِ المُلاوَذَةِ، واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. و(لِواذًا ) حالٌ. أيْ: مُلاوِذِينَ.

(p-٤٥٥٩)هَذا، وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ وتَسْمِيَتَهُ، كَنِداءِ بَعْضِكم بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ، والنِّداءِ وراءَ الحُجْرَةِ. ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظِّمِ. مِثْلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! ويا رَسُولَ اللَّهِ ! مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ.

وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ السِّياقَ واللَّحاقَ. وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِرَبْطِهِ بِما قَبْلَهُ، بِأنَّ الِاسْتِئْذانَ يَكُونُ بِقَوْلِهِمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنّا نَسْتَأْذِنُكَ. ولِأنَّ مَن مَعَهُ في أمْرٍ جامِعٍ يُخاطِبُهُ ويُنادِيهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْلى كَما في (العِنايَةِ ") .

نَعَمْ، في التَّنْزِيلِ عِدَّةُ آياتٍ، في إيجابِ مُشافَهَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالأدَبِ ومُخاطَبَتِهِ بِالتَّوْقِيرِ، جَعَلَهُ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ ومُقْتَضاهُ. كَآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] الآيَةَ، و: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَأْتُونَ بِهِ. فَضَمَّنَ (المُخالَفَةَ ) مَعْنى الإعْراضِ والصَّدِّ. أوْ عَنْ صِلَتِهِ. وقِيلَ: إذا تَعَدّى (خالَفَ ) بِـ(عْنَ ) ضِمْنَ الخُرُوجِ. وأصْلُ مَعْنى المُخالَفَةِ أنْ يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الآخَرِ في حالِهِ أوْ فِعْلِهِ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ في الدُّنْيا: ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.

تَنْبِيهٌ:

اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ وزْنِ الأُمُورِ بِمِيزانِ شَرِيعَتِهِ وسُنَّتِهِ، وأُصُولِ دِينِهِ. فَما وافَقَ قَبْلُ، وما خالَفَ رُدَّ عَلى قائِلِهِ وفاعِلِهِ، كائِنًا مَن كانَ. كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَواتُ اللَّهِ (p-٤٥٦٠)عَلَيْهِ وسَلامُهُ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ مُقْتَضى الأمْرِ مُقْتَضٍ لِأحَدِ العَذابَيْنِ. قِيلَ: هَذا إنَّما يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالأمْرِ الطَّلَبُ لا الشَّأْنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] وقَدْ جُوِّزا فِيهِ مَعَ إرادَتِهِما مَعًا. وتَفْصِيلُ البَحْثِ في (الرّازِيِّ ") .

24:64Page 359

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤

Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ، والنِّفاقِ والإخْلاصِ. وإنَّما أكَّدَ عِلْمَهُ بِـ(قَدْ ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ ﴿ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. لِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومِلْكُهُ. فَيُحِيطُ عِلْمُهُ بِهِ ضَرُورَةً ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском