Al-QasimiAl‑Furqan · 25:1–23

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الفرقان

Al-Furqan

The Criterion · Meccan · 77 ayahs

25:1Page 359

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -

(p-٤٥٦١)سُورَةُ الفُرْقانِ

الجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وعَنِ الضَّحّاكِ: مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ (والَّذِينَ لا يَدْعُونَ ) إلى (رَحِيمًا ) .

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِالفُرْقانِ لِاشْتِمالِها عَلى أنَّهُ ظَهَرَ كَثْرَةُ خَيْراتِ الحَقِّ بِالفُرْقانِ، الَّذِي هو التَّمْيِيزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. والأظْهَرُ أنَّهُ لِذِكْرِهِ فِيها بِمَعانِيهِ الآتِيَةِ المُتَّسِعُ لَها اللَّفْظُ لا خُصُوصَ ما ذَكَرَهُ، وآياتُها سَبْعٌ وسَبْعُونَ.

(p-٤٥٦٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .

﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يَحْمَدُ تَعالى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ ويُثْنِي عَلَيْها، لِما أنْزَلَهُ مِنَ الفُرْقانِ، كَما قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١] ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ [الكهف: ٢]

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (البَرَكَةُ ): كَثْرَةُ الخَيْرِ وزِيادَتُهُ. ومِنها: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وفِيهِ مَعْنَيانِ: تَزايَدَ خَيْرُهُ وتَكاثَرَ أوْ تَزايَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ، في صِفاتِهِ وأفْعالِهِ. و: { الفُرْقانُ } مَصْدَرُ فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إذا فُصِلَ بَيْنَهُما. وسُمِّيَ بِهِ القُرْآنُ لِفَصْلِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً، ولَكِنَّ مَفْرُوقًا مُفَصَّلًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ في الإنْزالِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ: والأظْهَرُ ها هُنا هو المَعْنى الثّانِي. لِأنَّهُ في أثْناءِ السُّورَةِ بَعْدَ آياتِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أيْ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا كَذَلِكَ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] فَيَكُونُ وصْفُهُ بِالفُرْقانِ في أوَّلِ السُّورَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - . كالمُقَدِّمَةِ والتَّوْطِئَةِ لِما يَأْتِي بَعْدُ. انْتَهى.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيرادُهُ ﷺ بِذَلِكَ العُنْوانِ، لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ؛ رَدًّا (p-٤٥٦٣)عَلى النَّصارى، والكِنايَةُ في (لِيَكُونَ ) لِلْعَبْدِ أوْ لِلْفُرْقانِ. و(النَّذِيرُ ) صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنُّكْرِ مُبالَغَةً.

25:2Page 359

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢

He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أيْ: أحْدَثَهُ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ لِما أُرِيدَ مِنهُ. كَخَلْقِ الإنْسانِ لِلْإدْراكِ والفَهْمِ والنَّظَرِ والتَّدْبِيرِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُتَنَوِّعَةِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ المُفِيدَةِ. وكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ خُلِقَ عَلى الصُّورَةِ المُقَدَّرَةِ. بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ لِأمْرٍ ما، ومَصْلَحَتُهُ مُطابِقًا لِما قُدِّرَ لَهُ، غَيْرَ مُتَجافٍ عَنْهُ.

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا إثْباتَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، تَأثَّرَهُ بِالبَرْهَنَةِ عَلَيْهِما، وتَضْلِيلِ المُخالِفِينَ فِيهِما، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

25:3Page 360

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣

But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ .

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ أيْ: لا يَمْلِكُونَ دَفْعَ ضُرٍّ ولا جَلْبَ نَفْعٍ ولا إماتَةَ أحَدٍ وإحْياءَهُ أوَّلًا وبَعْثَهُ ثانِيًا. ومَن كانَ كَذَلِكَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، لِعِرائِهِ عَنْ لَوازِمِها واتِّصافِهِ بِما يُنافِيها. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ. أفادَهُ القاضِي.

(p-٤٥٦٤)قالَ الشِّهابُ: قَدَّمَ المَوْتَ لِمُناسَبَتِهِ لِلضُّرِّ المُتَقَدِّمِ وفُسِّرَ المَوْتُ والحَياةُ بِالإماتَةِ والإحْياءِ والإنْشارِ، إمّا بَيانًا لِحاصِلِ المَعْنى، لِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَهُ القُدْرَةُ عَلى الإماتَةِ، أوْ إشارَةً إلى أنَّهُ بِمَعْنى الأفْعالِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]

25:4–5Page 360

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤

And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.

وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥

And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤ - ٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا﴾ أيْ: بِجَعْلِ الصِّدْقِ إفْكًا، والبَرِيءِ عَنِ الإعانَةِ مُعِينًا: ﴿وزُورًا﴾ أيْ: باطِلًا لا مِصْداقَ لَهُ، يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ باطِلٌ وبُهْتانٌ: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] أيْ: ما سَطَّرُوهُ، كَتَبَها لِنَفْسِهِ وأخَذَها: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها: ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الفرقان: ٥] أيْ: دائِمًا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الكَلامُ، لِسَخافَتِهِ وكَذِبِهِ وبُهْتِهِ مِنهم، يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ بُطْلانَهُ. فَإنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ: أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يَكُنْ يُعانِي شَيْئًا مِنَ الكِتابَةِ، لا في أوَّلِ عُمُرِهِ ولا في آخِرِهِ. وقَدْ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِن أوَّلِ مَوْلِدِهِ، إلى أنْ بَعَثَهُ اللَّهُ نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، وهم يَعْرِفُونَ مَدْخَلَهُ ومَخْرَجَهُ وصِدْقَهُ وبِرَّهُ ونَزاهَتَهُ وأمانَتَهُ. وبُعْدَهُ عَنِ الكَذِبِ والفُجُورِ وسائِرِ الأخْلاقِ الرَّدِيَّةِ، حَتّى إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ في صِغَرِهِ، وإلى أنْ بُعِثَ (بِالأمِينِ ) لِما يَعْلَمُونَ مِن صِدْقِهِ وبِرِّهِ. فَلَمّا أكْرَمَهُ اللَّهُ بِما أكْرَمَهُ بِهِ، نَصَبُوا لَهُ العَداوَةَ، ورَمَوْهُ بِهَذِهِ الأقْوالِ، الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ عاقِلٍ بَراءَتَهُ مِنها. وحارُوا بِما يَقْذِفُونَهُ بِهِ، فَتارَةً مِن إفْكِهِمْ يَقُولُونَ: ساحِرٌ. وتارَةً يَقُولُونَ: شاعِرٌ. وتارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ. وتارَةً يَقُولُونَ كَذّابٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ (p-٤٥٦٥)كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٩] وقالَ تَعالى في جَوابِ ما افْتَرَوْهُ هُنا.

25:6Page 360

قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿قُلْ أنْـزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

﴿قُلْ أنْـزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الخَفِيَّ فِيهِما. إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ تَعالى بِحالِهِمْ بِالأوْلى. ومِن مُقْتَضاهُ رَحَمْتُهُ إيّاهم بِإنْزالِهِ، لِزِيادَةِ حاجَتِهِمْ وافْتِقارِ أمْثالِهِمْ إلى إخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ بِأنْوارِهِ. وفي طَيِّهِ تَرْهِيبٌ لَهم بِأنَّ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ الكَيْدِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ ما يَتَقَوَّلُونَهُ ويَفْتَرُونَهُ، لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ. فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ بِزُهُوقِ باطِلِهِمْ ومَحْوِ أثَرِهِمْ، وسُمُوقِ حَقِّهِ وظُهُورِ أمْرِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما هو مُشاهَدٌ مِن تَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ، مَعَ اسْتِيجابِهِمْ إيّاها. أيْ: فَهو يُمْهِلُ ولا يُعاجِلُ لِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ. أوِ الوَصْفانِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم. لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ إلّا القادِرُ. هَذا ما يُسْتَفادُ مِنَ (الكَشّافِ ") ومَن تابَعَهُ، لِبَيانِهِ مُطابَقَةَ ذَلِكَ لِما قَبْلَهُ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ دُعاءٌ لَهم إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وإخْبارٌ لَهم بِأنَّ رَحْمَتَهُ واسِعَةٌ، وأنَّ حِلْمَهُ عَظِيمٌ، وأنَّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ. فَهَؤُلاءِ مَعَ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ وفُجُورِهِمْ وبُهْتانِهِمْ وكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، وقَوْلِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ ما قالُوا، يَدْعُوهم سُبْحانَهُ إلى التَّوْبَةِ، والإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، إلى الإسْلامِ والهُدى. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ (p-٤٥٦٦)ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: انْظُرُوا إلى هَذا الكَرَمِ والجُودِ. قَتَلُوا أوْلِياءَهُ وهو يَدْعُوهم إلى التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَعَنُّتِهِمْ بِخُصُوصِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ:

25:7Page 360

وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧

And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ .

﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ أيْ: كَما نَأْكُلُ: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ أيْ: يَتَرَدَّدُ فِيها لِشُؤُونِهِ كَما نَمْشِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنُونَ أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ. أيْ: فَيُخالِفُ حالُهُ حالَنا. قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَلْ هو إلّا لِعَمَهِهِمْ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ، وقُصُورِ أنْظارِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ. فَإنَّ تَمَيُّزَ الرُّسُلِ عَمَّنْ عَداهم لَيْسَ بِأُمُورٍ جُسْمانِيَّةٍ، وإنَّما هو بِأُمُورٍ نَفْسانِيَّةٍ. كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ثُمَّ نَزَلُوا عَنِ اقْتِراحِهِمْ أنْ يَكُونَ مَلَكًا، إلى اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ إنْسانًا مَعَهُ مَلَكٌ حَتّى يَتَسانَدا في الإنْذارِ فَقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ثُمَّ نَزَلُوا أيْضًا إلى اقْتِراحِ أنْ يُرْفَدَ بِكَنْزٍ، إنْ لَمْ يُرْفَدْ بِمَلَكٍ، فَقالُوا:

25:8Page 360

أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨

Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ .

﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْـزٌ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى طَلَبِ المَعاشِ، ويَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ. ثُمَّ نَزَلُوا فاقْتَنَعُوا بِاقْتِراحِ ما هو أيْسَرُ مِنهُ، فَقالُوا: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ (p-٤٥٦٧)جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ أيْ: بُسْتانٌ يَرْتَزِقُ مِنهُ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ. وقَوْلُهُ:

25:9Page 360

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ .

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ اسْتِعْظامٌ لِلْأباطِيلِ الَّتِي اجْتَرَأُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِها. والتَّعَجُّبُ مِنها. أيِ: انْظُرْ كَيْفَ قالُوا في حَقِّكَ تِلْكَ الأقْوالَ الخارِجَةَ عَنِ العُقُولِ: ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أيِ: القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، بِأنْ يَجِدُوا قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أوْ فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلَيْهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كُلُّ مَن خَرَجَ عَنِ الحَقِّ وطَرِيقِ الهُدى فَإنَّهُ ضالٌّ، حَيْثُما تَوَجَّهَ، لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ، ومَنهَجَهُ مُتَّحِدٌ يَصْدُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ إنْ شاءَ آتاهُ خَيْرًا مِمّا يَقْتَرِحُونَ، بِقَوْلِهِ:

25:10Page 360

تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠

Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .

﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أيْ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِمّا قالُوا. وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ. ولَكِنْ قَضَتْ حِكْمَتُهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ الرُّضُوخُ لِلْحَقِّ لا لِلْمالِ. ولِيَصْدَعَ بِأنَّ الأمْرَ مَبْنِيٌّ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لا ما يُلْهِي المَشاعِرَ والخَيالَ. مِمّا يَتَطَرَّقُ إلى الشَّغَبِ فِيهِ والجِدالِ، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ المُتَعالِ. وقَوْلُهُ تَعالى.

25:11Page 360

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١

But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.

(p-٤٥٦٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ .

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِحِكايَةِ جِنايَتِهِمُ السّابِقَةِ، وانْتِقالٌ مِنهُ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِحِكايَةِ جِنايَتِهِمُ الأُخْرى، لِلتَّخَلُّصِ إلى بَيانِ ما لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِها، مِن فُنُونِ العَذابِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الِاسْتِعارِ، أيِ: التَّوَقُّدِ والِالتِهابِ.

وقِيلَ: هَذا الإضْرابُ عُطِفَ عَلى ما حَكى عَنْهم وهو: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] عَلى مَعْنى: بَلْ أتَوْا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. والحالُ أنّا قَدْ أعْتَدْنا لِكُلِّ مَن كَذَّبَ بِها سَعِيرًا. فَإنَّ جَراءَتَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِها، وعَدَمَ خَوْفِهِمْ مِمّا أُعِدَّ لِمَن كَذَّبَ بِها، أعْجَبَ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ.

ويَجُوزُ أنْ يَتَّصِلَ بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ ؟ وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ ما وعَدَكَ اللَّهُ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِها ؟ . ثُمَّ وصَفَ تَعالى السَّعِيرَ بِقَوْلِهِ:

25:12Page 361

إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢

When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ .

﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ أيْ: إذا كانَتْ بِمَرْأى مِنهم: (أيْ: قَرِيبَةٌ مِنهم ) ونِسْبَةُ الرُّؤْيَةِ إلَيْها لا إلَيْهِمْ، لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ مِنها، لِهَيَجانِ غَضَبِها عَلَيْهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِها إيّاهم، حَقِيقَةً أوْ تَمْثِيلًا. و(مِن ) في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ المَسافَةِ، حِينَ رَأتْهم، خارِجٌ عَنْ حُدُودِ البُعْدِ المُعْتادِ في المَسافاتِ المَعْهُودَةِ. فِيهِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِأمْرِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. و(التَّغَيُّظُ ): (p-٤٥٦٩)إظْهارُ الغَيْظِ وهو أشَدُّ الغَضَبِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ صَوْتٍ كَما هُنا. شَبَّهَ صَوْتَ غَلَيانِها بِصَوْتِ المُغْتاظِ وزَفِيرِهِ، وهو صَوْتٌ يُسْمَعُ مِن جَوْفِهِ، تَصْرِيحًا أوْ مَكْنِيًّا أوْ تَمْثِيلًا.

25:13–14Page 361

وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣

And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.

لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤

[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣ - ١٤] ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] .

﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ أيْ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ أيْ: هَلاكًا. أيْ: نادَوْهُ نِداءَ المُتَمَنِّي الهَلاكَ. لِيَسْلَمُوا مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ. كَما قِيلَ: أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يُتَمَنّى مَعَهُ المَوْتُ. فَيُقالُ لَهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] لِكَثْرَةِ أنْواعِهِ المُتَوالِيَةِ. فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ ألْوانٌ وأفانِينَ. أوْ كَثْرَتُهُ بِاعْتِبارِ تَجَدُّدِ أفْرادِهِ وإنْ كانَ مُتَّحِدًا. أوْ كَثْرَتُهُ كِنايَةً عَنْ دَوامِهِ. لِأنَّ الكَثِيرَ شَأْنُهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ في ضِدِّهِ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقِيلَ: وُصِفَ الثُّبُورُ بِالكَثْرَةِ، لِكَثْرَةِ الدُّعاءِ أوِ المَدْعُوِّ بِهِ.

25:15–16Page 361

قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥

Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.

لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦

For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥ - ١٦] ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ [الفرقان: ١٦] .

﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ [الفرقان: ١٦] أيْ: حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ ويُتَنافَسَ فِيهِ. وما في (عَلى ) مِن مَعْنى الوُجُوبِ، لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى.

25:17–18Page 361

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

(p-٤٥٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٨] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] .

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى لِلْمَعْبُودِينَ، تَقْرِيعًا لَعَبَدَتِهِمْ: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: عَنِ السَّبِيلِ بِأنْفُسِهِمْ، لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ [الفرقان: ١٨] تَعَجُّبًا مِمّا قِيلَ لَهم. لِأنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ مَعْصُومُونَ أوْ جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ. أوْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الأنْدادِ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] أيْ: نَعْبُدُهم فَأنّى يُتَصَوَّرُ أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَكَ، أوْ (مِن أوْلِياءَ ) أيْ: أتْباعًا لِلْعِبادَةِ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨] اسْتِدْراكٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ، بَعْدَ بَيانِ تَنَزُّهِهِمْ عَنْ إضْلالِهِمْ. وقَدْ نَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ أسْبابًا لِلضَّلالَةِ. أيْ: ما أضْلَلْناهم. ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم بِأنْواعِ النِّعَمِ، لِيَعْرِفُوا حَقَّها ويَشْكُرُوها. فانْهَمَكُوا في الشَّهَواتِ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ، أيْ: ذِكْرَكَ. أوِ التَّذَكُّرَ في آلائِكَ، والتَّدَبُّرَ في آياتِكَ، فَجَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ، بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، ذَرِيعَةً إلى الغَوايَةِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] أيْ: هالِكِينَ. ثُمَّ أشارَ تَعالى لِاحْتِجاجِهِ عَلى عَبَدَتِهِمْ وإلْزامِهِمْ ما يُبَكِّتُهم، بِقَوْلِهِ:

25:19Page 361

فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩

So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ .

(p-٤٥٧١)﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيِ: المَعْبُودُونَ، أيُّها الكَفَرَةُ: ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ. أوْ في قَوْلِكم هَؤُلاءِ أضَلُّونا: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: ما تَمْلِكُونَ: ﴿صَرْفًا﴾ أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ ما: ﴿ولا نَصْرًا﴾ أيْ: لِأنْفُسِكم مِنَ البَوارِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ، كَدَأْبِ هَؤُلاءِ: ﴿نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمُ السّابِقَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

25:20Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ .

﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ أيْ: لَيَحْتاجُونَ إلى التَّغَذِّي بِالطَّعامِ ويَتَجَوَّلُونَ في الأسْواقِ لِلتَّكَسُّبِ والتِّجارَةِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُنافٍ لِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ. فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَهم مِنَ السِّماتِ الحَسَنَةِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ، والأقْوالِ الفاضِلَةِ، والأعْمالِ الكامِلَةِ، والخَوارِقِ الباهِرَةِ، والأدِلَّةِ القاهِرَةِ، ما يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ ذِي لُبٍّ بِهِ كُلُّ سَلِيمٍ وبَصِيرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، عَلى صِدْقِ ما جاءُوا بِهِ مِنَ اللَّهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنبياء: ٨]

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ إباحَةُ دُخُولِ الأسْواقِ لِلْعُلَماءِ وأهْلِ الصَّلاحِ خِلافًا لِمَن كَرِهَها لَهم.

(p-٤٥٧٢)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَصْبِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْدَعُوهُ مِن أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ. بَعْدَما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ. يَقُولُ: وجَرَتْ عادَتِي ومُوجِبُ حِكْمَتِي عَلى ابْتِلاءِ بَعْضِكم، أيُّها النّاسُ، بِبَعْضٍ. والمَعْنى أنَّهُ ابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ. وبِمُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ. وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ، وأنْواعِ أذاهم، وطَلَبَ مِنهُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ. ونَحْوَهُ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ زِيادَةُ تَسْلِيَةٍ وعِدَةٌ جَلِيلَةٌ. أيْ: هو عالِمٌ فِيما يُبْتَلى بِهِ وغَيْرُهُ، فَلا يَضِقْ صَدْرُكَ. فَإنَّ في صَبْرِكَ سَعادَةً وفَوْزًا في الدّارَيْنِ.

25:21Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

ثُمَّ أشارَ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، وإبْطالِها، بِقَوْلِهِ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ .

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيِ: الرُّجُوعَ إلَيْهِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: لِلرِّسالَةِ، أوْ لِتُخْبِرَنا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ أيْ: فَيُخْبِرَنا بِذَلِكَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِها حَتّى تَفَوَّهُوا بِمِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ: ﴿وعَتَوْا﴾ أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ والطُّغْيانِ: ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: بالِغًا أقْصى غايَتِهِ حَيْثُ أمَّلُوا رُتْبَةَ التَّكْلِيمِ الرَّبّانِيِّ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الرَّسُولِ والمَلَكِ. ولَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ والخارِقِ العَظِيمِ.

25:22Page 362

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

(p-٤٥٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢] ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القِيامَةِ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ: كَما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ وشِدَّةِ النّازِلَةِ: ﴿حِجْرًا﴾ أيْ: أسْألُ اللَّهَ أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويَحْجُرَهُ حِجْرًا و: ﴿مَحْجُورًا﴾ تَأْكِيدٌ لِـ: ﴿حِجْرًا﴾ وقِيلَ هو مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ومَعْناهُ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الغُفْرانُ والجَنَّةُ والبُشْرى، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَرامًا عَلَيْكم.

25:23Page 362

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣] ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ .

﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ أيْ: مِمّا كانُوا يُراءُونَ بِهِ ابْتِغاءَ السُّمْعَةِ والشُّهْرَةِ، ويَرَوْنَهُ مِن مَكارِمِهِمْ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ أيْ: مِثْلَ الغُبارِ المَنثُورِ في الجَوِّ، في حَقارَتِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском