Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:24–53
25:24–25Page 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُـزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْـزِيلا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أيْ: يَنْصَدِعُ نِظامُها فَلا يَبْقى أمْرٌ ما فِيها مِنَ الكَواكِبِ عَلى ما يُرى اليَوْمَ. فَيُخَرَّبُ العالَمُ بِأسْرِهِ. و(الباءُ ) بِمَعْنى: (مَعَ ) أيْ: مَعَ السُّحُبِ الجَوِّيَّةِ أوْ بِمَعْنى: (عَنْ ) أيْ: تَنْفَطِرُ عَنِ الغَمامِ الَّذِي يَسُودُ الجَوَّ ويُظْلِمُهُ، ويَغُمُّ القُلُوبَ مَرْآهُ: ﴿ونُـزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْـزِيلا﴾ [الفرقان: ٢٥] فَيُحِيطُونَ بِالخَلائِقِ في المَحْشَرِ.
25:26–29Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
(p-٤٥٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٩] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ [الفرقان: ٢٨] ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان: ٢٩] .
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ: فَلا يَدَّعِيهِ ثَمَّ غَيْرُهُ. ويَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ السُّلْطَةُ القاهِرَةُ الشّامِلَةُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] أيْ: تَشْتَدُّ حَسَراتُهُ وتَتَصاعَدُ زَفَراتُهُ: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ [الفرقان: ٢٨] يَعْنِي مَن أضَلَّهُ عَنِ الذِّكْرِ، وصَدَّهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] أيِ: القُرْآنِ، أوْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ: ﴿إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان: ٢٩] أيْ: مُبالِغًا في إضْلالِهِ، يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ في الدُّنْيا، ما يُحَسِّرُهُ عَلَيْهِ في العُقْبى.
25:30Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ .
﴿وقالَ الرَّسُولُ﴾ أيْ: إثْرَ ما شاهَدَ مِن عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ: ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ أيْ: مَتْرُوكًا، مُعْرِضًا عَنْهُ. وجُمْلَةُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ﴾ عُطِفَ عَلى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ [الفرقان: ٢١] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، سِيقَتْ لِانْتِظامِ ما قالُوهُ، وطَلَبِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ واسْتِنْزالِ الفَرَجِ الإلَهِيِّ مِمّا أضاقُوا بِهِ الصُّدُورَ، وجَلَبُوهُ مِنَ الكُدُورِ، ولِلْإشارَةِ إلى ما يَحِيقُ بِهِمْ مِن شَقاءِ الدّارَيْنِ.
(p-٤٥٧٥)تَنْبِيهٌ:
الآيَةُ، وإنْ كانَتْ في المُشْرِكِينَ، وإعْراضِهِمْ هو عَدَمُ إيمانِهِمْ، إلّا أنَّ نَظْمَها الكَرِيمَ مِمّا يُرْهِبُ عُمُومَ المُعْرِضِينَ عَنِ العَمَلِ بِهِ، والأخْذِ بِآدابِهِ. الَّذِي هو حَقِيقَةُ الهَجْرِ. لِأنَّ النّاسَ إنَّما تَعَبَّدُوا مِنهُ بِذَلِكَ. إذْ لا تُؤَثِّرُ تِلاوَتَهُ إلّا لِمَن تَدَبَّرَها. ولا يَتَدَبَّرُها إلّا مَن يَقُومُ بِها ويَتَمَسَّكُ بِأحْكامِها.
ومِن (فَوائِدِ ) الإمامِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ. قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: هَجْرُ القُرْآنِ أنْواعٌ:
أحَدُها: هَجْرُ سَماعِهِ والإيمانِ بِهِ والإصْغاءِ إلَيْهِ.
والثّانِي: هَجْرُ العَمَلِ بِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ حَلالِهِ وحَرامِهِ، وإنْ قَرَأهُ وآمَنَ بِهِ.
والثّالِثُ: هَجْرُ تَحْكِيمِهِ والتَّحاكُمِ إلَيْهِ في أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، واعْتِقادِ أنَّهُ لا يُفِيدُ اليَقِينَ، وأنَّ أدِلَّتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا تُحَصِّلُ العِلْمَ.
والرّابِعُ: هَجْرُ الِاسْتِشْفاءِ والتَّداوِي بِهِ في جَمِيعِ أمْراضِ القُلُوبِ وأدْوائِها. فَيَطْلُبُ شِفاءَ دائِهِ مِن غَيْرِهِ، ويَهْجُرُ التَّداوِيَ بِهِ.
قالَ: وكُلُّ هَذا داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ الهَجْرِ أهْوَنَ مِن بَعْضٍ. انْتَهى.
وفِي (الإكْلِيلِ "): إنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى التَّحْذِيرِ مِن هَجْرِ المُصْحَفِ وعَدَمِ تَعاهُدٍ بِالقِراءَةِ فِيهِ. وكَذا قالَ أبُو السُّعُودِ: فِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ كَثِيرَ التَّعاهُدِ لِلْقُرْآنِ، كَيْلا يَنْدَرِجَ تَحْتَ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. ثُمَّ قالَ: وفِيهِ مِنَ التَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى. فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذا شَكَوْا إلى اللَّهِ تَعالى قَوْمَهم، عَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ولَمْ يُنْظَرُوا.
25:31Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يَكُونُ أُسْوَةً لِنَبِيِّهِ، وتَسْلِيَةً لَهُ، ووَعْدًا بِالنُّصْرَةِ، بِقَوْلِهِ:
(p-٤٥٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ .
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ أيْ: إلى ما يُبَلِّغُكَ ما تَتَمَنّاهُ: ﴿ونَصِيرًا﴾ أيْ: لَكَ عَلى كُلِّ مَن يُناوِئُكَ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مُقْتَرَحٍ خاصٍّ بِالتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، بِقَوْلِهِ:
25:32–33Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٣] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ أيْ: دُفْعَةً واحِدَةً في وقْتٍ واحِدٍ. وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بُطْلانَ هَذِهِ المُماراةِ والحَمْقاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نُقَوِّيهِ بِهِ عَلى القِيامِ بِأعْباءِ الرِّسالَةِ، والنُّهُوضِ لِنَشْرِ الحَقِّ بَيْنَ قادَةِ الجَهالَةِ. فَإنَّ ما يَتَواتَرُ إنْزالُهُ لِذَلِكَ، أبْعَثُ لِلْهِمَّةِ وأثْبَتُ لِلْعَزِيمَةِ وأنْهَضُ لِلدَّعْوَةِ، مِن نُزُولِهِ مَرَّةً واحِدَةً: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ أيْ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا بَدِيعًا، لا يُلْحَقُ شَأْوُهُ ولا يُدْرَكُ أمَدُهُ.
قالَ القاشانِيُّ: التَّرْتِيلُ هو أنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَ كُلِّ نَجْمٍ وآخَرَ، مُدَّةً يُمْكِنُ فِيها تَرَسُّخُهُ في قَلْبِهِ، وأنْ يَصِيرَ مَلَكَةً لا حالًا: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ [الفرقان: ٣٣] أيْ: بِصِفَةٍ عَجِيبَةٍ مِن باطِلِهِمْ في قَدْحٍ أوْ مُقْتَرَحٍ: ﴿إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٣٣] أيِ: الَّذِي يَقْمَعُ تِلْكَ الصِّفَةَ. كَما قالَ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] أيْ: بَيانًا وهِدايَةً، عِنايَةً بِكَ (p-٤٥٧٧)وبِما أُرْسِلْتَ مِن أجْلِهِ، وخِذْلانًا لِأعْداءِ الحَقِّ وخُصُومِ الرَّشادِ.
تَنْبِيهٌ:
يَذْكُرُ المُفَسِّرُونَ ها هُنا أنَّ الآيَةَ رَدٌّ عَلى الكَفَرَةِ في طَلَبِهِمْ نُزُولَ القُرْآنِ جُمْلَةً، كَنُزُولِ بَقِيَّةِ الكُتُبِ جُمْلَةً. ويَرَوْنَ أنَّ القَوْلَ بِنُزُولِ بَقِيَّةِ الكُتُبِ دُفْعَةً، صَحِيحٌ. فَيَأْخُذُونَ لِأجْلِهِ في سِرِّ مُفارَقَةِ التَّنْزِيلِ لَهُ. والحالُ أنَّ القَوْلَ بِنُزُولِها دُفْعَةً واحِدَةً لا أصْلَ لَهُ، ولَيْسَ عَلَيْهِ أثارَةٌ مِن عِلْمٍ، ولا يُصَحِّحُهُ عَقْلٌ. فَإنَّ تَفْرِيقَ الوَحْيِ وتَمْدِيدَ مُدَّتِهِ بَدِيهِيُّ الثُّبُوَتِ. لِمِقْدارِ مُكْثِ النَّبِيِّ. إذْ ما دامَ بَيْنَ ظَهْرانِيِّ قَوْمِهِ، فالوَحْيُ يَتَوارَدُ تَنَزُّلُهُ ضَرُورَةً. ومَن راجَعَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ المَوْجُودَيْنِ، يَتَجَلّى لَهُ ذَلِكَ واضِحًا لا مِرْيَةَ فِيهِ. وعُذْرُ القائِلِ بِهِ ظَنُّهُ أنَّ الآيَةَ تَعْرِيضٌ بِنُزُولِ غَيْرِهِ كَذَلِكَ. وما كَلُّ كَلامٍ مُعَرَّضٌ بِهِ. وإنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ لِاقْتِراحٍ خاصٍّ، وتَعَنُّتٍ مُتَفَنَّنٍ فِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
25:34–36Page 363
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٦] ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥] ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦] .
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥] ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الفرقان: ٣٦] وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. والآياتُ الخَوارِقُ التِّسْعُ. أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ. فَأرَياهُمُوها فَكَذَّبُوها: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦] أيْ: بِالإغْراقِ في البَحْرِ.
25:37–39Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
(p-٤٥٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧ - ٣٩] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩] .
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يَعْنِي نُوحًا. وجُمِعَ تَعْظِيمًا لِرِسالَتِهِ. أوْ هو ومَن تَقَدَّمَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا﴾ [الفرقان: ٣٨] يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ: ﴿وثَمُودَ﴾ [الفرقان: ٣٨] بِالصَّرْفِ وعَدَمِهِ. قِراءَتانِ. عَلى مَعْنى الحَيِّ أوِ القَبِيلَةِ: ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] اسْمُ بِئْرٍ. ونَبِيُّهم قِيلَ: شُعَيْبٌ، وقِيلَ غَيْرُهُ. ويَرْوِي هُنا بَعْضُهم آثارًا مُنْكَرَةً لا تَصِحُّ. كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَلا يَحِلُّ الجَراءَةُ عَلى رِوايَتِها، ولا تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلَيْها. لِأنَّهُ مِن قَفْوِ ما لَيْسَ لِلْمَرْءِ بِهِ عِلْمٌ. ومِثْلُهُ يَحْظُرُ الخَوْضَ فِيهِ ﴿وقُرُونًا﴾ [الفرقان: ٣٨] أيْ: أقْوامًا: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفرقان: ٣٩] أيِ: الأنْباءَ الَّتِي تَزْجُرُ عَنِ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩] أيْ: إهْلاكًا عَظِيمًا.
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ أيْ: أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: في مُرُورِهِمْ، يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ ونَكالِهِ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَرْكِهِمُ الذِّكْرَ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ: ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أيْ: كَفَرَةٌ، لا يَتَوَقَّعُونَ عاقِبَةً وجَزاءً.
25:41–42Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
(p-٤٥٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٢] .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ أيْ: يَسْتَهْزِئُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ. والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ. لِأنَّ كَلِمَةَ (هَذا ) تُسْتَعْمَلُ لَهُ. وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ. أيْ: بَعَثَهُ. و(رَسُولًا ) حالٌ مِنهُ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] أيْ: أنَّهُ كادَ لَيَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِها صَرْفًا كُلِّيًّا، لَوْلا أنْ ثَبَتْنا عَلَيْها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِ قُصارى الوُسْعِ والطّاعَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ، مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ، أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٢] جَوابٌ مِنهُ تَعالى لِآخِرِ كَلامِهِمْ. وفِيهِ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ. ولا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم، فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ.
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣] ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ .
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن شَناعَةِ حالِهِمْ، بَعْدَ حِكايَةِ قَبائِحِهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن كانَ في طاعَةِ الهَوى في دِينِهِ، يَتْبَعُهُ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ، ولا يَتَبَصَّرُ دَلِيلًا، ولا يُصْغِي إلى بُرْهانٍ، فَهو عابِدٌ هَواهُ وجاعِلُهُ إلَهَهُ. فَيَقُولُ تَعالى لِرَسُولِهِ: هَذا الَّذِي لا يَرى مَعْبُودًا إلّا هَواهُ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ إلى الهُدى ؟ أفَتَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وتُجْبِرُهُ (p-٤٥٨٠)عَلى الإسْلامِ ؟ وتَقُولُ: لا بُدَّ أنْ تُسْلِمَ، شِئْتَ أوْ أبَيْتَ. ولا إكْراهَ في الدِّينِ. وهَكَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]
25:44Page 364
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ .
﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ أيْ: مِنهم. لِأنَّ الأنْعامَ تَصْرِفُ قُواها إلى طَلَبِ ما يَنْفَعُها، والنَّفْرَةِ مِمّا يَضُرُّها. وهَؤُلاءِ عَطَّلُوا قُواهم وهي العُقُولُ الَّتِي يُهْتَدى بِها لِلْحَقِّ، ويُمَيَّزُ بِها بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى بَعْضِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وما فِيها مِنَ النِّعَمِ العُظْمى الجَدِيرَةِ بِأنْ تُتَلَقّى بِالشُّكْرِ لا بِالكُفْرِ، كَحالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
25:45Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أيْ: عَجِيبُ صُنْعِهِ أنْ جَعَلَهُ يَمْتَدُّ ويَنْبَسِطُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ أيْ: ثابِتًا عَلى حالِهِ، مِنَ الطُّولِ والِامْتِدادِ. مِنَ السُّكْنى أوْ غَيْرِ مُتَقَلِّصٍ مِنَ (السُّكُونِ ) بِأنْ يَجْعَلَ الشَّمْسَ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أحَدٌ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ أيْ: عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِها في مَسِيرِها عَلى أحْوالِ الظِّلِّ، مِن كَوْنِهِ ثابِتًا في مَكانٍ، زائِلًا ومُتَّسِعًا ومُتَقَلِّصًا. فَيَبْنُونَ حاجَتَهم إلى الظِّلِّ واسْتِغْناءَهم عَنْهُ، عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
25:46–47Page 364
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
(p-٤٥٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] .
﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ أيْ: أنْزَلْناهُ بَعْدَ ما أنْشَأْناهُ مُمْتَدًّا، ومَحَوْناهُ بِمَحْضِ قُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أيْ: عَلى مَهَلٍ، قَلِيلًا قَلِيلًا حَسَبَ ارْتِفاعِ دَلِيلِهِ عَلى وتِيرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُطَّرِدَةٍ مُسْتَتْبِعَةٍ لِمَصالِحِ المَخْلُوقاتِ ومُرافَقَتِها. وفي هَذا القَبْضِ اليَسِيرِ، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مِنَ المَنافِعِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَرُ. ولَوْ قُبِضَ دُفْعَةً واحِدَةً، لَتَعَطَّلَتْ أكْثَرُ مَرافِقِ النّاسِ بِالظِّلِّ والشَّمْسِ جَمِيعًا ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] أيْ: ساتِرًا كاللِّباسِ: ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ [الفرقان: ٤٧] أيْ: راحَةً لِلْأبْدانِ تَسْتَعِيضُ بِهِ ما خَسِرَتْهُ مِن قُواها: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] أيْ: زَمانَ انْتِشارٍ لِطَلَبِ المَعاشِ.
25:48–49Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٤٩] ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩] .
﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ أيْ: ناشِراتٍ لِلسَّحابِ وفي قِراءَةِ بُشْرًا بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ، أيْ: مُبَشِّراتٍ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: قُدّامَ المَطَرِ. وهي اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ. اسْتُعِيرَتِ الرَّحْمَةُ لِلْمَطَرِ ثُمَّ رُشِّحَتْ. كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] وجَعَلَها بَيْنَ يَدَيْهِ تَتِمَّةً لَها. لِأنَّ البَشِيرَ يَتَقَدَّمُ المُبَشَّرَ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَمْثِيلِيَّةً. و(بُشْرًا ) مِن تَتِمَّةِ الِاسْتِعارَةِ، داخِلٌ في جُمْلَتِها. ومَن قَرَأ (نَشْرًا ) كانَ تَجْرِيدًا لَها. (p-٤٥٨٢)لِأنَّ النَّشْرَ يُناسِبُ السَّحابَ: ﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: مُطَهَّرًا، لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في الطَّهارَةِ بِالماءِ.
قالَ القاضِي: وتَوْصِيفُ الماءِ بِهِ إشْعارٌ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ، وتَتْمِيمٌ لِلْمِنَّةِ فِيما بَعْدَهُ. فَإنَّ الماءَ الطَّهُورَ أهْنَأُ وأنْفَعُ مِمّا خالَطَهُ ما يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ. وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ظَواهِرَهم لَمّا كانَتْ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطَهِّرُوها، فَبَواطِنُهم بِذَلِكَ أوْلى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٩] أيْ: بِإنْباتِ النَّباتِ: ﴿ونُسْقِيَهُ﴾ [الفرقان: ٤٩] أيْ: ذَلِكَ الماءَ: ﴿مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩] قالَ الكَرْخِيُّ: خَصَّ الأنْعامَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّها ذَخِيرَتُنا ومَدارُ مَعاشِ أكْثَرِ أهْلِ المَدَرِ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ سَقْيَها عَلى سِقْيِهِمْ، كَما قَدَّمَ عَلَيْها إحْياءَ الأرْضِ. فَإنَّها سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها، فَقَدَّمَ ما هو سَبَبُ حَياتِهِمْ ومَعاشِهِمْ.
25:50–52Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ - ٥٢] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١] ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] .
﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ: كَرَّرْنا هَذا القَوْلَ الَّذِي هو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ: ﴿بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْرِفُوا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ ويَشْكُرُوا: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ: كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجُحُودَها: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١] أيْ: نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَهُ فَيَخِفُّ عَلَيْكَ أعْباءُ النُّبُوَّةِ. لَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ، فَلَمْ نَفْعَلْهُ. بَلْ قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا، وتَفْضِيلًا لَكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لَكِنْ لَمْ نَشَأْ. لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفَرُّقَ الأُمَمِ، وتَكْثُّرَ الِاخْتِلافاتِ. (p-٤٥٨٣)فَجَعَلْنا الواحِدَ نَذِيرًا لِلْكُلِّ لِيُطِيعُوهُ أوْ يُقاتِلَهم. والكُفّارُ يُرِيدُونَ أنْ يُطِيعَهُمُ الرُّسُلُ أوْ يَتْرُكُوهم عَلى ما هم عَلَيْهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الفرقان: ٥٢] أيْ: فَقابِلْ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ والتَّشَدُّدِ والتَّصَبُّرِ. ولا تُطِعْهم فِيما يُرِيدُونَكَ عَلَيْهِ. وأرادَ بِهَذا النَّهْيِ، تَهْيِيجَهُ وتَهْيِيجَ المُؤْمِنِينَ، وتَحْرِيكَهم. أيْ: إثارَةَ غَيْرَتِهِ وغَيْرَتِهِمْ. وإلّا فَإطاعَتُهُ لَهم غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: كَأنَّهُ نَهْيٌ لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَنِ المُداراةِ مَعَهم، والتَّلَطُّفِ مَعَهم. أيْ: لِأنَّ في ذَلِكَ إضْعافًا لِلْحَقِّ وتَغْشِيَةً عَلَيْهِ. وطُولَ أمَدٍ في سَرَيانِهِ. ولِذا قالَ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٢] أيْ: بِالقُرْآنِ وما نَزَلَ إلَيْكَ مِنَ الحَقِّ: ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] أيْ: لا يُخالِطُهُ فُتُورٌ، بِأنْ تُلْزِمَهم بِالحُجَجِ والآياتِ، وتَدْعُوَهم إلى النَّظَرِ في سائِرِ الآناتِ، لِتَتَزَلْزَلَ عَقائِدُهم، وتَسْمُجَ في أعْيُنِهِمْ عَوائِدُهم. وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في وُجُوبِ مُجادَلَةِ المُبْطِلِينَ، ودَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ بِقُوَّةٍ، والتَّفَنُّنِ في مُحاجَّتِهِمْ بِأفانِينَ الأدِلَّةِ. فَإنَّ الحَقَّ يَتَّضِحُ بِالأدِلَّةِ. كَما أنَّ الشُّهُورَ تَشْتَهِرُ بِالأهِلَّةِ.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣] ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أرْسَلَهُما مُتَجاوِرِينَ مُتَلاصِقِينَ، بِحَيْثُ لا يَتَمازَجانِ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ العُذُوبَةِ قامِعٌ لِلظَّمَأِ: ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ أيْ: حاجِزًا لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ: مَنعًا مِن وُصُولِ أثَرِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ، وامْتِزاجِهِ بِهِ، حَتّى بَعْدَ دُخُولِ أحَدِهِما في الآخَرِ مَسافَةً.
لَطِيفَةٌ:
تَلَطَّفَ هُنا المَهايِمِيُّ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، بِمَعْنى يَصِلُها بِالآيَةِ قَبْلَها، في أُسْلُوبٍ غَرِيبٍ. قالَ (p-٤٥٨٤)رَحِمَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] يُؤَثِّرُ في بَواطِنِهِمْ فَيَكُونُ: { كَبِيرًا } يَفُوقُ ما يُؤَثِّرُ في الظَّواهِرِ (و ) إنْ زَعَمُوا أنَّهُ كَيْفَ يُجاهِدُ بِالدَّلائِلِ مَن يُورِدُ شُبُهاتِ تَجاوُرِها ؟ قِيلَ: غايَةُ أمْرِها أنْ يَكُونا كالبَحْرَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ المُتَجاوِرَيْنِ. وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الِالتِباسَ بَيْنَهُما بَعْدَ ما جاوَرَ بَيْنَهُما وهُما مَحْسُوسانِ، فَكَيْفَ لا يُرْفَعُ الِالتِباسُ بَيْنَ البَحْرَيْنِ المَعْقُولَيْنِ إذْ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ﴾ أيْ: جاوَرَ: ﴿البَحْرَيْنِ﴾ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ إذْ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أيْ: قاطِعٌ لِلْعَطَشِ وهو مِثْلُ بَحْرِ الدَّلائِلِ المُفِيدَةِ لِلذَّوْقِ، القاطِعَةِ عَطَشَ الطَّلَبِ: ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المُلُوحَةِ. وهو مِثْلُ بَحْرِ الشُّبُهاتِ المُوجِبَةِ لِلنَّفْرَةِ جِدًّا لِأهْلِ الذَّوْقِ وأمّا لِأهْلِ النَّظَرِ فَقَدْ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ أيْ: مانِعًا مِنَ الخَلْطِ. وهو النَّظَرُ في مَوادِّ المُقَدِّماتِ وصُوَرِها لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ صِحَّةَ الدَّلائِلِ (و ) أمّا فَسادُ الشُّبُهاتِ فَيُعْلَمُ بِالِاعْتِراضاتِ الَّتِي لا جَوابَ عَنْها، كَما أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُما: ﴿حِجْرًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أيْ: مَنعًا مِن وُصُولِ أثَرِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ: ﴿مَحْجُورًا﴾ أيْ: مَمْنُوعًا أنْ يُمْنَعَ. وإنْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَرى مُمْسِكاتِهِ تُفِيدُهُ الذَّوْقُ وتَقْطَعُ عَنْهُ الطَّلَبَ ويَتَنَفَّرُ عَنْ مُتَمَسِّكاتِ صاحِبِهِ أشَدَّ مِنَ التَّنَفُّرِ عَنِ المِلْحِ الأُجاجِ، قِيلَ: لَيْسَ هَذا بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الدَّلائِلِ، بَلْ بِواسِطَةِ التَّعَصُّبِ مِن جِهَةِ الآباءِ والمَشايِخِ والأصْحابِ. وقَدْ أوْجَدَ اللَّهُ لِإزالَةِ العُذْرِ عَنْهُ مِثالًا، في قَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences