Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:29–82
26:29–39Page 368
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩
[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."
قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠
[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"
قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١
[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢
So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣
And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.
قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤
[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥
He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧
Who will bring you every learned, skilled magician."
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨
So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩
And it was said to the people, "Will you congregate
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣٩] ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] (p-٤٦١٥)﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٧] ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩]
﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ [الشعراء: ٣٦] قُرِئَ بِهَمْزٍ وبِدُونِهِ، وهُما لُغَتانِ. يُقالُ أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ. والمَعْنى أخَّرَهُما ومُناظَرَتَهُما لِوَقْتِ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ: ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] أيْ: شُرَطًا يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ، أيْ: يَجْمَعُونَهم عِنْدَكَ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٧] ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] أيْ: لِرُؤْيَةِ ما يُعارِضُ مُعْجِزَةَ مُوسى. وكانَ خامَرَ فُؤادَهم عَجَبٌ مِنها وانْدِهاشٌ. والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الحَثِّ والِاسْتِعْجالِ.
26:40–46Page 369
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠
That we might follow the magicians if they are the predominant?"
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١
And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢
He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣
Moses said to them, "Throw whatever you will throw."
فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."
فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥
Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦
So the magicians fell down in prostration [to Allāh].
(p-٤٦١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠ - ٤٦] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٢] ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] .
﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٢] ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] أيْ: تَبْتَلِعُ ما مَوَّهُوا بِهِ إفْكًا وزُورًا: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] أيْ: عَلى وُجُوهِهِمْ مُنْقادِينَ لَهُ بِالإيمانِ، لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَتَأتّى بِالسِّحْرِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُنْتَهى السِّحْرِ تَمْوِيهٌ وتَزْوِيقٌ يُخَيِّلُ شَيْئًا لا حَقِيقَةَ لَهُ، التَّبَحُّرَ في كُلِّ فَنٍّ نافِعٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ لِتَبَحُّرِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، عَلِمُوا حَقِيقَةَ ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ. فانْتَقَلُوا بِزِيادَةِ عِلْمِهِمُ الَّذِي أدّاهم إلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ والإيمانِ، لِفَرْقِهِمْ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ. قالَهُ القاضِي شِهابٌ.
26:47–51Page 369
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨
The Lord of Moses and Aaron."
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."
قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠
They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.
إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١
Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."
(p-٤٦١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٥١] ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩] ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]
﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء: ٤٩] أيْ: فَعَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، ولِذَلِكَ غَلَبَكم. أوْ فَواعَدَكم ذَلِكَ وتَواطَأْتُمْ عَلَيْهِ. أرادَ بِهِ التَّلْبِيسَ عَلى قَوْمِهِ؛ كَيْ لا يَعْتَقِدُوا أنَّهم آمَنُوا عَلى بَصِيرَةٍ وظُهُورِ حَقٍّ.
﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ [الشعراء: ٤٩] أيْ: جانِبَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩] ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أيْ: لا ضَرَرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ، بَلْ لَنا فِيهِ أعْظَمُ النَّفْعِ، لِأنّا بِفِعْلِكَ هَذا وصَبْرِنا عَلَيْهِ، شَهادَةٌ عَلى حَقِّيَّتِهِ، إلى ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ راجِعُونَ، فَنَنْقَلِبُ خَيْرَ مُنْقَلَبٍ، شُهَداءَ سُعَداءَ: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ﴾ [الشعراء: ٥١] أيْ: لِأنَّ: ﴿كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] أيْ: مَن أظْهَرَ الإيمانَ كِفاحًا، مُجاهَرَةً بِالحَقِّ بِلا تَقِيَّةٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى خُرُوجِ مُوسى بِقَوْمِهِ مِن مِصْرَ بِإيحائِهِ إلَيْهِ. وكانَ إذْنُ فِرْعَوْنَ لَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ما أراهُ الآياتِ البَيِّناتِ ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ، فَأتاهُ الإذْنُ الإلَهِيُّ بِهِ، كَما قالَ تَعالى:
26:52Page 369
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢
And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."
(p-٤٦١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢] ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ .
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا، فَإنَّهُ إذا وصَلَ خَبَّرَ سَيْرَكم إلى فِرْعَوْنَ، لا بُدَّ أنْ يَتْبَعَكم بِجُنُودِهِ لِإرْجاعِكُمْ، إلّا أنَّكم تَتَقَدَّمُونَهُ ولا يُدْرِكُكم.
26:53Page 369
فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣
Then Pharaoh sent among the cities gatherers1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣] ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ .
﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ أيْ: حِينَ أُخْبِرَ بِسَراهُمْ: ﴿فِي المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ: جامِعِينَ لِعَسْكَرِهِ، قائِلِينَ ما يُقَلِّلُ بِهِ الأعْداءَ في أعْيُنِ الجُنُودِ:
26:54–58Page 369
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤
[And said], "Indeed, those are but a small band,
وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥
And indeed, they are enraging us,
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦
And indeed, we are a cautious society..."
فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧
So We removed them from gardens and springs
وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨
And treasures and honorable station1 -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤ - ٥٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] .
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ الخارِجِينَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] أيْ: يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضِيقُ صُدُورَنا مِن مُخالَفَةِ أمْرِنا والخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنّا: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] أيْ: مِن مَكْرِهِمْ وسَعْيِهِمْ بِالفَسادِ في الأرْضِ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] يَعْنِي: المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ.
26:59Page 369
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
(p-٤٦١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهُمْ، فَهو في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أوْ هو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: كَذَلِكَ.
قالَ الشِّهابُ: وإذا قُدِّرَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالمُرادُ تَقْرِيرُهُ وتَحْقِيقُهُ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ حِينَئِذٍ كالَّتِي بَعْدَها ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ الشِّهابُ: هو اسْتِعارَةٌ؛ أيْ: مَلَّكْناها لَهم تَمْلِيكَ الإرْثِ بَعْدَ زَمانٍ. وكَأنَّ العاقِبَةَ، لَمّا كانَتْ لَهُمْ، صارُوا كَأنَّهم مَلَّكُوها حِينَ خُرُوجِ أرْبابِها مِنها.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾
﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: لَحِقُوهم وقْتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ.
26:61–63Page 370
فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١
And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"
قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢
[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣
Then We inspired to Moses, "Strike with your staff the sea," and it parted, and each portion was like a great towering mountain.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١ - ٦٣] ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]
﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ: تَقارَبا رَأى واحِدٌ مِنهُما الآخَرَ: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: لَمُلْحَقُونَ: ﴿قالَ كَلا﴾ [الشعراء: ٦٢] أيْ: لَنْ يُدْرِكُوكم فَإنَّ اللَّهَ وعَدَكم بِالخَلاصِ مِنهُمْ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] أيْ: لِطَرِيقِ النَّجاةِ مِنهم ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ (p-٤٦٢٠)اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ: فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ: كُلُّ جُزْءٍ مُتَفَرِّقٍ مِنهُ كالجَبَلِ الكَبِيرِ.
26:64–68Page 370
وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤
And We advanced thereto the others [i.e., the pursuers].
وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥
And We saved Moses and those with him, all together.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦
Then We drowned the others.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤ - ٦٨] ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٨] .
﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ: قَرَّبْنا: ﴿ثَمَّ﴾ أيْ: حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ: ﴿الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، أيْ: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ حَتّى دَخَلُوا عَلى أثَرِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥] أيْ: بِحِفْظِ البَحْرِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ إلى أنْ عَبَرُوا ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] أيْ: بِإطْباقِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ [الشعراء: ٦٧] أيْ: لَعِبْرَةً: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧] أيْ: مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ العُظْمى الَّتِي تُوجِبُ تَصْدِيقَهُ بَعْدَها في كُلِّ ما جاءَ بِهِ. مِنهم مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ كَبَقِيَّةِ القِبْطِ. ومِنهم مَن عَصاهُ واقْتَرَحَ عَلَيْهِ ما اقْتَرَحَ كَبَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ووَعْدٌ لَهُ ووَعِيدٌ لِمَن عَصاهُ.
26:69–74Page 370
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
And recite to them the news of Abraham,
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣
Or do they benefit you, or do they harm?"
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩ - ٧٤] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٠] ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] (p-٤٦٢١)﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٣] ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] .
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ: ﴿نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٠] أيْ: ما الَّذِي تَدْعُونَهُ وتَلْجَئُونَ إلَيْهِ. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ، ولَكِنَّهُ سَألَهم لِيُرِيَهُمْ، أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] أيْ: مُقِيمِينَ عَلى عِبادَتِها لا نَتَخَطّاها إلى غَيْرِها ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٣] ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] أيْ: مِثْلَ عِبادَتِنا، فَقَلَّدْناهم.
قالَ أبُو السُّعُودِ: اعْتَرَفُوا بِأنَّها بِمَعْزِلٍ مِمّا ذُكِرَ مِنَ السَّمْعِ والمَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ بِالمَرَّةِ. واضْطُرُّوا إلى إظْهارِ أنْ لا سَنَدَ لَهم سِوى التَّقْلِيدِ.
26:75–81Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦
You and your ancient forefathers?
فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧
Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1
ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨
Who created me, and He [it is who] guides me.
وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩
And it is He who feeds me and gives me drink.
وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠
And when I am ill, it is He who cures me
وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١
And who will cause me to die and then bring me to life
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥ - ٨١] ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٦] ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] .
(p-٤٦٢٢)﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٦] ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] أيْ: أفَأبْصَرْتُمْ، أوْ أتَأمَّلْتُمْ فَعَلِمْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وسَلَفُكم. فَإنَّهم بُغَضائِي: ﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ ولِيِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا أعْبُدُ غَيْرَهُ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلى مُوجَبِ قَصْرِ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] أيْ: إلى كُلِّ ما يُهِمُّنِي مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى وحْدَهُ يَهْدِي كُلًّا لِمَ خُلِقَ لَهُ. والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِـ(رَبَّ) وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرًا - غَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] أيْ: يَرْزُقُنِي بِما سَخِرَ ويَسَّرَ مِنَ الأسْبابِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، فَساقَ المُزْنَ، وأنْزَلَ الماءَ وأحْيى بِهِ الأرْضَ وأخْرَجَ بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ رِزْقًا لِلْعِبادِ، وأنْزَلَ الماءَ عَذْبًا زُلالًا يَسْقِيهِ مِمّا خَلَقَ أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا.
﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] أيْ: إذا وقَعْتُ في مَرَضٍ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شِفائِي أحَدٌ غَيْرُهُ بِما قَدَّرَهُ مِنَ الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ. وإنَّما نَسَبَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ والشِّفاءَ إلى اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُما مِنهُ، لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ مَعَهُ تَعالى. بِتَخْصِيصِهِ بِنِسْبَةِ الشِّفاءِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ إلَيْهِ تَعالى كَما قالَ الخِضْرُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ [الكهف: ٨٢] وكَقَوْلِ الجِنِّ في آيَةِ: ﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] ولِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لِأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكُمْ؟ لَقالُوا: التُّخَمُ.
﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] فَإنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ. فَإنْ قِيلَ إنَّ المَوْتَ قَدْ يَكُونُ بِتَفْرِيطِ الإنْسانِ، وقَدْ أضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ نِسْبَةِ المَوْتِ ونِسْبَةِ المَرَضِ في مُقْتَضى الأدَبِ؟ أُجِيبَ كَما في (الِانْتِصافِ): بِأنَّ المَوْتَ (p-٤٦٢٣)قَدْ عُلِمَ بِهِ بِأنَّهُ قَضاءٌ مَحْتُومٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ البَشَرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يَخُصُّ، ولا كَذَلِكَ المَرَضُ فَكَمْ مِن مُعافى مِنهُ قَدْ بَغَتَهُ المَوْتُ؛ فالتَّأسِّي بِعُمُومِ المَوْتِ لَعَلَّهُ يُسْقِطُ أثَرَ كَوْنِهِ بَلاءً، فَيَسُوغُ في الأدَبِ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا المَرَضُ، فَلَمّا كانَ مِمّا يُخَصُّ بِهِ بَعْضُ البَشَرِ دُونَ بَعْضٍ، كانَ بَلاءً مُحَقَّقًا. فاقْتَضى العُلُوُّ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، أنْ يَنْسُبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، بِاعْتِبارِ ذَلِكَ السَّبَبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ مَعَ المَرَضِ، أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ بَتًّا وجَزْمًا، لِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ. وأمّا المَرَضُ، فَلَمّا يَتَّفِقْ وقَدْ لا، أوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِشَرْطِ إذا فَقالَ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء: ٨٠] وكانَ مُمْكِنًا أنْ يَقُولَ والَّذِي يُمَرِّضُنِي فَيَشْفِينِي، كَما في غَيْرِهِ فَما عَدَلَ عَنِ المُطابَقَةِ المُجانِسَةِ المَأْثُورَةِ، إلّا لِذَلِكَ. انْتَهى.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وأمّا الإماتَةُ، فَحَيْثُ كانَتْ مِن مُعْظَمِ خَصائِصِهِ تَعالى كالإحْياءِ، بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَها في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] عَلى أنَّ المَوْتَ، لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْمُوعٍ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
26:82Page 370
وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢
And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيِ: الجَزاءِ. وخَطِيئَتُهُ ما كانَ يَراها هو صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ويُعِدُّها بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِهِ الكَرِيمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أنْ يَجْتَنِبُوا المَعاصِيَ ويَكُونُوا عَلى حَذَرٍ وطَلَبِ مَغْفِرَةً لِما يَفْرِطُ مِنهم وتَلافِيًا لِما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الصَّغائِرِ، وتَنْبِيهًا لِأبِيهِ وقَوْمِهِ عَلى أنْ يَتَأمَّلُوا في أمْرِهِمْ فَيَقِفُوا عَلى أنَّهم مِن سُوءِ الحالِ في دَرَجَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، فَإنَّ حالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ كَوْنِهِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، في الغايَةِ القاصِيَةِ، حَيْثُ كانَتْ بِتِلْكَ المَثابَةِ. فَما ظَنُّكَ بِحالِ أُولَئِكَ المَغْمُورِينَ في الكُفْرِ، وفُنُونِ المَعاصِي والخَطايا؟
(p-٤٦٢٤)وتَعْلِيقُ مَغْفِرَةِ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ، مَعَ أنَّها إنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا، لِأنَّ أثَرَها يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَهْوِيلًا لَهُ وإشارَةً إلى وُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ، إنْ لَمْ تَغْفِرْ، وبَعْدَ أنْ ذَكَرَ عِنايَتَهُ تَعالى بِهِ مِن مَبْدَأِ خَلْقِهِ إلى بَعْثِهِ، حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُناجاتِهِ، فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences