Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:33–52
27:33–35Page 379
قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣
They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."
قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤
She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥
But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٥] ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] .
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ أيْ: في العَدَدِ والعُدَدِ: ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: وأمْرُ القِتالِ أوِ الصُّلْحِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِكِ. فانْظُرِي ما هو أبْقى لِشَرَفِكِ ومُلْكِكِ: ﴿قالَتْ﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: مُشِيرَةً إلى اخْتِيارِ خُطَّةِ المُسالَمَةِ وإيثارِها، بِالنَّظَرِ لِحالَتِها ومَرْكَزِها وضَعْفِها أمامَ عَدُوِّها، بِأنَّ القِتالَ إنَّما يُؤْثَرُ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ دُخُولُ العَدُوِّ في قَرْيَةِ العَدُوِّ. وألّا تَعَيَّنَ الِانْقِيادُ. وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: عَنْوَةً وقَهْرًا: ﴿أفْسَدُوها﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: أخْرَبُوها: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] أيْ: بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] تَأْكِيدٌ لِما وُصِفَتْ مِن حالِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ. وقِيلَ تَصْدِيقٌ لَها مِنهُ تَعالى: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] أيْ: وإنِّي سَأُرْسِلُ إلى سُلَيْمانَ ومَلَئِهِ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ تُوجِبُ المَحَبَّةَ وتُشْبِهُ الِانْقِيادَ. مِن غَيْرِ اخْتِلالٍ لِشَرَفِنا. ثُمَّ أنْتَظِرُ بِأيِّ أمْرٍ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ مِنهُ، حَتّى أعْمَلَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
27:36–40Page 380
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."
قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨
[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"
قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩
A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."
قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠
Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."
(p-٤٦٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٤٠] ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيِ: المُرْسَلُونَ مِنها: ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المُلْكِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: فَلا أُبالِي بِجَمِيعِ ما عِنْدَكم فَضْلًا عَنِ الهَدِيَّةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: إذا أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُها، أوْ أُهْدِيتُمْ مِثْلُها، تَفْرَحُونَ اسْتِكْثارًا أوِ افْتِخارًا: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] أيْ: مُهانُونَ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ (p-٤٦٦٨)وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أأشْكُرُ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، أمْ أكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]
27:41–42Page 380
قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١
He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."
فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢
So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]
﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ مُتَنَكِّرًا مُتَغَيِّرًا عَنْ هَيْئَتِهِ وشَكْلِهِ كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ: ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) خَوْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ، مَعَ نَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ. ولا (لا) خَوْفًا مِنَ التَّجْهِيلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ تَقُلْ: (هُوَ هُوَ) ولا (لَيْسَ بِهِ) وذَلِكَ مِن رَجاحَةِ عَقْلِها حَيْثُ لَمْ تَقْطَعْ في المُحَتَّمِ. أيْ: فَأتَتْ بِـ(كَأنَّ) الدّالَّةِ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ (كَأنَّ) لَيْسَ المُرادُ بِها هُنا التَّشْبِيهَ بَلِ الشَّكَّ وهو مَشْهُورٌ فِيها.
وقَدْ أبْدى صاحِبُ (الِانْتِصافِ) فَرْقًا بَيْنَ (كَأنَّ) و(هَكَذا) في التَّشْبِيهِ. وعِبارَتُهُ: (p-٤٦٦٩)وفِي قَوْلِها: (كَأنَّهُ هُوَ) وعُدُولُها عَنْ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ بِأنْ تَقُولَ: (هَكَذا هُوَ) نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ. ولَعَلَّ قائِلًا يَقُولُ: كِلْتا العِبارَتَيْنِ تَشْبِيهٌ. إذْ كانَ التَّشْبِيهُ فِيهِما جَمِيعًا، وإنْ كانَتْ في إحْداهُما داخِلَةً عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وفي الأُخْرى داخِلَةً عَلى المُضْمَرِ، وكِلاهُما (أعْنِي: اسْمَ الإشارَةِ والمُضْمَرَ) واقِعٌ عَلى الذّاتِ المُشَبَّهَةِ. وحِينَئِذٍ تَسْتَوِي العِبارَتانِ في المَعْنى. ويُفَضَّلُ قَوْلُها: هَكَذا هو بِمُطابَقَتِهِ لِلسُّؤالِ. فَلا بُدَّ في اخْتِيارِ: "كَأنَّهُ هُوَ" مِن حِكْمَةٍ. فَنَقُولُ: حِكْمَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ: "كَأنَّهُ هُوَ" عِبارَةُ مَن قَرُبَ عِنْدَهُ الشَّبَهُ حَتّى شَكَّكَ نَفْسَهُ في التَّغايُرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. فَكادَ يَقُولُ: (هُوَ هُوَ) وتِلْكَ حالُ بِلْقِيسَ. وأمّا (هَكَذا هُوَ) فَعِبارَةُ جازِمٍ بِتَغايُرِ الأمْرَيْنِ، حاكِمٍ بِوُقُوعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما لا غَيْرَ. فَلِهَذا عَدَلَتْ إلى العِبارَةِ المَذْكُورَةِ في التِّلاوَةِ، لِمُطابَقَتِها لِحالِها، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] هَذا مِن تَمامِ كَلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى فَضْلِهِمْ عَلَيْها، وسَبْقِهِمْ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ. أيْ: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ، وبِصِحَّةِ ما جاءَ مِن عِنْدِهِ، قَبْلَ عِلْمِها الَّذِي أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ اقْتَضاهُ المَقامُ المُقْتَضِي، لِلْإفاضَةِ في وصْفِها بِرَجاحَةِ الرَّأْيِ في الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ. والتَّقْدِيرُ: أصابَتْ في جَوابِها وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، وعَلِمَتْ قُدْرَةَ اللَّهِ. وأُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ، مَوْصُولًا بِقَوْلِها: "كَأنَّهُ هُوَ"، لا مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، كَأنَّها ظَنَّتْ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ اخْتِبارَ عَقْلِها وإظْهارَ مُعْجِزَةٍ لَها، فَقالَتْ: أُوتِينا العِلْمَ إلَخْ. أيْ: لا حاجَةَ إلى الِاخْتِبارِ لِأنِّي آمَنتُ قَبْلُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ عَقْلِها.
أوِ المَعْنى: عَلِمْنا إتْيانَكَ بِالعَرْشِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، أوْ هَذِهِ الحالَةُ بِالقَرائِنِ أوِ الأخْبارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ، أيْ: أنَّهُ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ، أنَّها إنَّما أظْهَرَتِ الإسْلامَ بَعْدَ دُخُولِها إلى الصَّرْحِ، كَما سَيَأْتِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
27:43–44Page 380
وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣
And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."
قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤
She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."
(p-٤٦٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣ - ٤٤] ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]
﴿وصَدَّها﴾ أيْ: وكانَ صَدُّها عَنِ الهِدايَةِ: ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] أيِ: القَصْرَ، أوْ صَحْنَ الدّارِ وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ قَصْرًا بَدِيعًا مِن زُجاجٍ، فَأرادَ أنْ يُرِيَها مِنهُ عَظَمَةَ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ومِقْدارُ ما آثَرَهُ اللَّهُ بِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: صَحْنَهُ: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: ماءً عَظِيمًا: ﴿وكَشَفَتْ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: لِلْخَوْضِ فِيهِ: ﴿عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُمَلَّسٌ: ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مِنَ الزُّجاجِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: بِكُفْرِها السّالِفِ وعِبادَتِها وقَوْمِها الشَّمْسَ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] أيْ: مُتابَعَةً لَهُ في دِينِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: رَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَهُنا أقاصِيصَ لَمْ تَصِحَّ سَنَدًا ولا مُخْبِرًا. وما هَذا سَبِيلُهُ، فَلا يَسُوغُ نَقْلُهُ ورِوايَتُهُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، بَعْدَ أنْ ساقَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ مُسْتَحْسِنًا لَهُ، ما مِثالُهُ: قُلْتُ: بَلْ هو مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ: والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، مِمّا وُجِدَ في صُحُفِهِمْ. كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ، سامَحَهُما اللَّهُ تَعالى، فِيما نَقَلاهُ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ. مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ. ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ.
(p-٤٦٧١)وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِما هو أصَحُّ مِنهُ وأنْفَعُ وأوْضَحُ وأبْلَغُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
الثّانِي: أُشِيرَ في (التَّوْراةِ) في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الثّالِثِ إلى تَفْصِيلِ نَبَأِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَظَمَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. ومِمّا جاءَ فِيهِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ مُتَسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ المَمالِكِ مِن نَهْرِ الفُراتِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وإلى تُخُمِ مِصْرَ. وإنَّ مُلُوكَ الأطْرافِ كانُوا يَحْمِلُونَ لَهُ الهَدايا خاضِعِينَ لَهُ كُلَّ أيّامِ حَياتِهِ أيْ: أنَّها تُؤَدِّي لَهُ الجِزْيَةَ، وإنْ كانَ مَحْصُورًا في فِلَسْطِينَ. وأنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ حِكْمَةً وفَهِمًا ذَكِيًّا جِدًّا، وسِعَةَ صَدْرٍ. فَفاقَتْ حِكْمَتُهُ حِكْمَةَ جَمِيعِ أهْلِ المَشْرِقِ وأهْلِ مِصْرَ. وقالَ ثَلاثَةُ آلافِ مِثْلٍ. وتَكَلَّمَ. في الشَّجَرِ، مِنَ الأرْزِ الَّذِي عَلى لُبْنانَ إلى الزُّوفى الَّتِي تَخْرُجُ في الحائِطِ. وتَكَلَّمَ في البَهائِمِ والطَّيْرِ والزَّحّافاتِ والسَّمَكِ. وأمّا صَرْحُهُ وبَيْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ جاءَ وصْفُهُ في الفَصْلِ الخامِسِ مِنَ السِّفْرِ المُتَقَدِّمِ. وأنَّهُ أكْمَلَ بِناءَهُ في ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وأنَّهُ بَنى جازَرَ وبَيْتَ حُورُونَ السُّفْلى وبَعْلَتَ وتَدْمُرَ في أرْضِ البَرِّيَّةِ. وجاءَ في الفَصْلِ العاشِرِ مِن هَذا السِّفْرِ أيْضًا قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَقْدِمِها مِنَ اليَمَنِ عَلى سُلَيْمانَ لِتُخْبِرَ حِكْمَتَهُ وعَظَمَةَ مُلْكِهِ، ودَهْشَتُها مِمّا رَأتْهُ وتَحَقَّقَتْهُ، وإيمانُها بِرَبِّهِ تَعالى. ثُمَّ إعْطاؤُهُ إيّاها بُغْيَتَها. ثُمَّ انْصِرافُها إلى أرْضِها.
وقَدْ ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لا يَسُوقُ أنْباءَ ما تَقَدَّمَ سَوْقَ مُؤَرِّخٍ، بَلْ يَقُصُّها مُوجَزَةً لِيَتَحَقَّقَ أنَّهُ مِصْداقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ القَصْدَ مِنها مَوْضِعُ العِبْرَةِ والحِكْمَةِ. ومَثارُ التَّبَصُّرِ والفِطْنَةِ.
الثّالِثُ: مِمّا اسْتُنْبِطَ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ، أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّبَسُّمِ والضَّحِكِ عَنِ التَّعَجُّبِ وغَيْرِهِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠] اسْتِحْبابُ تَفَقُّدِ المَلِكِ أحْوالَ رَعِيَّتِهِ. وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم تَفَقُّدَ الإخْوانِ، فَأنْشَدَ:
؎تَفَقُّدُ الإخْوانِ مُسْتَحْسَنٌ فَمَن بَداهُ نِعْمَ ما قَدْ بَدا
؎سَنَّ سُلَيْمانُ لَنا سُنَّةً ∗∗∗ وكانَ فِيما سَنَّهُ مُقْتَدى
؎تَفَقَّدَ الطَّيْرَ عَلى مُلْكِهِ ∗∗∗ فَقالَ: ما لِي لا أرَ الهُدْهُدا
(p-٤٦٧٢)وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] الآيَةَ، دَلِيلًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ، لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ. وعَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ وإسْراعِها ونَحْوَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] أنَّ الصَّغِيرَ يَقُولُ لِلْكَبِيرِ والتّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ: عِنْدِي مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَكَ، إذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] قَبُولَ الوالِي عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، ودَرْءَهُ العُقُوبَةَ عَنْهُمْ، وامْتِحانَ صِدْقِهم فِيما اعْتَذَرُوا بِهِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] إرْسالَ الطَّيْرِ بِالكُتُبِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] اسْتِحْبابَ خَتْمِ الكُتُبِ، لِقَوْلِ السُّدِّيِّ: كَرِيمٌ بِمَعْنى مَخْتُومٍ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] المُشاوَرَةَ والِاسْتِعانَةَ بِالآراءِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ. وأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦] الآيَةَ، اسْتِحْبابَ رَدِّ هَدايا المُشْرِكِينَ. كَذا في (الإكْلِيلِ) بِزِيادَةٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ ثَمُودَ وما كانَ مِن أمْرِها مَعَ نَبِيِّها صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
27:45–47Page 381
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥
And We had certainly sent to Thamūd their brother Ṣāliḥ, [saying], "Worship Allāh," and at once they were two parties conflicting.
قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦
He said, "O my people, why are you impatient for evil before [i.e., instead of] good?1 Why do you not seek forgiveness of Allāh that you may receive mercy?"
قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧
They said, "We consider you a bad omen, you and those with you." He said, "Your omen [i.e., fate] is with Allāh. Rather, you are a people being tested."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (p-٤٦٧٣)أيْ: فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ. يَخْتَصِمُونَ خُصُومَةً لا يَرْجِعُ فِيها المُبْطِلُ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] أيْ: بِالعُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ الحَسَنَةِ. أيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ العُقُوبَةِ ولا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ بِالإيمانِ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: تَطَيَّرْنا أيْ: تَشاءَمْنا: ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ كانُوا، لِشَقائِهِمْ، إذا أُصِيبُوا بِسُوءٍ قالُوا: هَذا مِن قِبَلِ صالِحٍ وصَحْبِهِ: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: سَبِيلُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عَنِ اللَّهِ. وهو قَدَرُهُ وقِسْمَتُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ المُسافِرُ مِنَ العَرَبِ إذا خَرَجَ مَرَّ بِهِ طائِرٌ سانِحًا، وهو ما ولِيَهُ بِمَيْسَرَتِهِ، أوْ بارِحًا وهو ما ولِيَهُ بِمَيْمَنَتِهِ - تَيَمَّنُوا بِالأوَّلِ وتَشاءَمُوا بِالثّانِي. ونَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ وقِسْمَتِهِ. أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ. ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ، لا طائِرُكَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أيْ: مَفْتُونُونَ بِضَلالِكم وكُفْرِكم. لا تَرَوْنَ حُسْنًا إلّا ما يُوافِقُ هَواكُمْ، ولا شُؤْمًا إلّا يُخالِفُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ طُغاةِ ثَمُودَ ورُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا دُعاةَ قَوْمِهِمْ إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، وتَكْذِيبِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما آلَ بِهِمُ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
27:48–52Page 381
وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨
And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩
They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠
And they planned a plan, and We planned a plan, while they perceived not.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٢] ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ (p-٤٦٧٤)﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعادَتُهُمُ الإفْسادُ، كَما يُفِيدُهُ المُضارِعُ وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الأرْضِ" الدّالُّ عَلى عُمُومِ فَسادِهِمْ. وهو صِفَةُ (رَهْطٍ) أوْ (تِسْعَةُ): ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِينَ، بِاللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعْبُودِينَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهُ لَيْلًا. قُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيِ: الطّالِبِ ثَأْرَهُ عَلَيْنا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ما حَضَرْنا مَكانَ هَلاكِ الأهْلِ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ في الأماكِنِ الكَثِيرَةِ، فَضْلًا عَنْ مَكانِهِ، فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ. أوْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِهَذِهِ الحِيلَةِ: ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] أيْ: بِأنْ جَعَلْناهم سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: خالِيَةً ساقِطَةً. لَمْ تُعْمَرْ بَعْدَهم لِأنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا: ﴿بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] أيْ: بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا لِظُلْمِهِمْ. وإنَّ عاقِبَةَ الظُّلْمِ الدَّمارُ والبَوارُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences