Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:77–93
27:77–81Page 384
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ - ٨١] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١]
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِن إقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي يَعْقِلُها المُؤْمِنُونَ المُنْصِفُونَ المُصَدِّقُونَ بِالحَقِّ، المُذْعِنُونَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بَيْنَ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ومَن كَفَرَ بِهِ، بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ الغالِبُ (p-٤٦٨٥)فِي انْتِقامِهِ مِنَ المُبْطِلِينَ: ﴿العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] أيْ: بِالفَصْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحِقِّينَ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، وبِالمُضِيِّ في دَعْوَتِهِ وانْتِظارِ الوَعْدِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] أيِ: الأبْلَجِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بَيانُ أنَّ صاحِبَ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِصُنْعِ اللَّهِ وبِنُصْرَتِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُخْذَلُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كِفايَةِ نَفْعِ دَعْوَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ، وإلى أنَّ الكُلَّ لا يُرْجى مِنهُمُ الهِدايَةُ، كَآيَةِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] تَسْلِيَةً عَمّا كانَ يُهِمُّهُ مِن إيمانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهُوا بِالمَوْتى وهم أحْياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن آياتِ اللَّهِ فَكانُوا أقْماعَ القَوْلِ، لا تَعِيهِ آذانُهم. وكانَ سَماعُهم كَلا سَماعٍ. كانَتْ حالُهُمْ، لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ، كَحالِ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا مُصَحِّحَ السَّماعِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالصُّمِّ الَّذِينَ يَنْعَقُ بِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ. وشُبِّهُوا بِالعُمْيِ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأنْ يَجْعَلَهم هُداةً بُصَراءَ، إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قُلْتُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ. لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي، بِأنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. انْتَهى.
وإيرادُ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] إثْرَ ما تَقَدَّمَ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ سَماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا، إلّا مَن شَأْنُهُ الإيمانُ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا لَهُ.
27:82Page 384
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
(p-٤٦٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في هَذا الوَعِيدِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دُنْيَوِيٌّ، عَنى بِهِ نَصْرَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِمْ. والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الصُّمَّ عَنْ سَماعِ الآياتِ، العُمْيَ عَنِ النَّظَرِ فِيها، الجاحِدِينَ لَها، سَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ حَقِيقَةِ ما كانُوا يَدْعُونَ إلَيْهِ مِن نَصْرِ الدّاعِي وهو الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وتَكْثِيرُ سَوادِهِمْ حَتّى يَظْفَرُوا بِمُناوِئِيهِمْ. ويَظْهَرُوا عَلى عَدُوِّهِمْ. وذَلِكَ بِأنْ تَدِبَّ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ دابَّةٌ عُظْمى تَمْلَأُ السَّهْلَ والرُّبا، تُزَلْزِلُ أرْكانِهِمْ وتَهْدِمُ بُنْيانَهم وتُقَوِّضُ خِيامَهم وتَدُكُّ أعْلامَهم. فَتُكَلِّمُهم حِينَئِذٍ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ، بِأنَّهم إنَّما أُخِذُوا بِالعِقابِ، وحَلَّ بِهِمْ شَدِيدُ العَذابِ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمُ العِبادَ. وسَعْيِهِمْ في الأرْضِ الفَسادَ. فَإنَّ الإيمانَ دِعامَةُ الصَّلاحِ والإصْلاحِ. وقائِدُ الفَلاحِ والنَّجاحِ، وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ لِعِبادِهِ المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ، وإنَّ جُنْدَهُ لَهُمُ الغالِبُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ. وأعَزَّ جُنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الدّابَّةَ حَيَوانٌ بِخِلافِ ما نَعْرِفُهُ. يَخْتَصُّ خُرُوجُها بِحِينِ القِيامَةِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والمَعْنى إذا قامَتِ القِيامَةُ بَعَثَ اللَّهُ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِن دَوابِّ هَذِهِ الأرْضِ، كَما يَبْعَثُ غَيْرُهُ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ الأُخْرى. ويُنْطِقُهُ فَيُوَبِّخُ الإنْسانَ عَلى كُفْرِهِ، كَما يُنْطِقُ أعْضاءَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا. قالَ: فَلَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: "دابَّةً" الفَرْدَ، بَلِ النَّوْعَ. كَما في قَوْلِكَ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دُودَةً أتْلَفَتْ زَرْعَهُمْ، أيْ: دِيدانًا كَثِيرَةً، مِن نَوْعٍ واحِدٍ مَخْصُوصٍ.
وقَدْ رُوِيَ فِيها أحادِيثُ وآثارٌ كَثِيرَةٌ، لَمْ يُصَحِّحِ البُخارِيُّ مِنها شَيْئًا، لِاضْطِرابِ مُتُونِها (p-٤٦٨٧)وضَعْفِ رِجالِها. وأمْثَلُ مَأْثُورِها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: ««إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى. وأيُّهُما ما كانَتْ قَبْلَ صاحِبَتِها، فالأُخْرى عَلى إثْرِها قَرِيبًا»» .
ومَعْلُومٌ أنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ مِن عالَمِ الغَيْبِ. ولا يُؤْخَذُ فِيها إلّا بِما كانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: نَقَلَهُ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ قالَ: وقِيلَ عَنى بِالدّابَّةِ الأشْرارَ الَّذِينَ هم في الجَهْلِ بِمَنزِلَةِ الدَّوابِّ. فَتَكُونُ الدّابَّةُ جَمْعًا، اسْمًا لِكُلِّ ما يَدِبُّ. نَحْوَ: خائِنَةٍ جَمْعِ خائِنٍ. انْتَهى.
ولَعَلَّ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَإنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ كالدّابَّةِ، لِما يُغَطِّي بِدَبِيبِهِ وجْهَ الأرْضِ- فَهو مَثَلٌ في الكَثْرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
27:83–84Page 384
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣-٨٤] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ. وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ. كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوْجًا﴾ فَإنَّ الفَوْجَ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: إلى المَحْشَرِ: ﴿قالَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: لِيَفْضَحَهم في هَذا اليَوْمِ المَشْهُودِ: (p-٤٦٨٨)﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ [النمل: ٨٤] أيِ: النّاطِقَةِ بِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا وقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ شَناعَةِ التَّكْذِيبِ وغايَةِ قُبْحِهِ. ومُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. أيْ: أكَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ الرَّأْيِ، غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكُنْهِها، وأنَّها حَقِيقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ حَتْمًا؟ وهَذا نَصٌّ في أنَّ المُرادَ بِالآياتِ، فِيما سَلَفَ في المَوْضِعَيْنِ، هي الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، لِأنَّها هي المُنْطَوِيَةُ عَلى دَلائِلِ الصِّحَّةِ، وشَواهِدِ الصِّدْقِ الَّتِي لَمْ يُحِيطُوا بِها عِلْمًا، مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا فِيها. لا نَفْسَ السّاعَةِ وما فِيها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] أيْ: بِها. أوْ ماذا كانَ عَمَلُكُمْ؟ هَلْ هو إلّا الفَسادَ والإفْسادَ؟ وصَدَّ السَّبِيلِ عَنِ العِبادِ؟ ولِذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ. كَما قالَ تَعالى:
27:85–89Page 384
وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥
And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ - ٨٩] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَدْلُولُهُ وهو العِقابُ المَوْعُودُونَ بِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] أيْ: لِيُبْصِرُوا، بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ المَعاشِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ (p-٤٦٨٩)فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ: صاغِرِينَ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ [النمل: ٨٨] عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ [النمل: ٨٧] داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: في تَخَلُّلِ أجْزائِها وانْتِفاشِها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ. قالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَسْيِيرُ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَما يُبِيدُ اللَّهُ تَعالى العَوالِمَ، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] وقالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما قالُوهُ، لِعِدَّةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ إذا أُرِيدَ بِها بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] لا يُناسِبُ مَقامَ الإهْلاكِ والإبادَةِ، عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّها صَرِيحَةٌ في إرادَةِ الحالِ، شَيْءٌ لا مُوجِبَ لَهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ سَيْرَ الجِبالِ لِلْفَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَحْصُلُ عِنْدَ خَرابِ العالَمِ وإهْلاكِ جَمِيعِ الخَلائِقِ وهَذا شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ. فَما مَعْنى قَوْلِهِ إذَنْ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]
(p-٤٦٩٠)الثّالِثُ: أنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَآهُ أحَدٌ شَعَرَ بِهِ. لِأنَّهُ ما دامَ وضْعُها يَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ، فَيَحُسُّ بِحَرَكَتِها. وهَذا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أيْ: ثابِتَةً. أمّا في الدُّنْيا فَلا نَشْعُرُ بِحَرَكَتِها، لِأنَّنا نَتَحَرَّكُ مَعَها ولا يَتَغَيَّرُ وضْعُنا بِالنِّسْبَةِ لَها. وهَذا بِخِلافِ ما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنَّ الجِبالَ تَنْفَصِلُ عَنِ الأرْضِ وتُنْسَفُ نَسْفًا. وهَذا شَيْءٌ يَراهُ كُلُّ واقِفٍ عِنْدَها.
الرّابِعُ: وُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ في سِياقِ الكَلامِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِوُرُودِ آيَةِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] المَذْكُورَةِ قَبْلَها في نَفْسِ هَذا السِّياقِ، والمُرادُ بِهِما ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، المُشاهَدَةِ آثارُها في هَذا العالَمِ الآنَ مِن حَرَكَةِ الأرْضِ وحُدُوثِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ القادِرَ عَلى ضَبْطِ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ الإنْسانَ، وأنْ يَضْبُطَ حَرَكاتِهِ وأعْمالَهُ ويُحْصِيَها عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فَذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا السِّياقِ، هو كَذِكْرِ الدَّلِيلِ مَعَ المَدْلُولِ، أوِ الحُجَّةِ مَعَ الدَّعْوى. وهي سُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَإنَّكَ تَجِدُ الدَّلائِلَ مُنْبَثَّةً بَيْنَ دَعاوِيهِ دائِمًا، حَتّى لا يَحْتاجَ الإنْسانُ لِدَلِيلٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْها. وذَلِكَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ في القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. اهـ كَلامُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ (وفِيَّةُ الأسْلافِ، وتَحِيَّةُ الأخْلافِ) في بَحْثِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ما مِثالُهُ:
ويَدُلُّ عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] الآيَةَ. فَإنَّهُ خِطابٌ لِجَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإيذانُ الأمْرِ لَهُ بِالأصالَةِ مَعَ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وحُسْبانُ جُمُودِ الجِبالِ وثَباتِها عَلى مَكانِها، مَعَ كَوْنِها مُتَحَرِّكَةً في الواقِعِ بِحَرَكَةِ الأرْضِ، ودَوامِ مُرُورِها مَرَّ السَّحابِ في سُرْعَةِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِنَفْسِها. وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا المُرُورَ هو صُنْعُ اللَّهِ. (p-٤٦٩١)كَقَوْلِهِ تَعالى: "وعْدَ اللَّهِ"، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ثُمَّ الصُّنْعُ هو عَمَلُ الإنْسانِ، بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ. ولا يُسَمّى كُلُّ عَمَلٍ صِناعَةً، ولا كُلُّ عامِلٍ صانِعًا حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] كالبُرْهانِ عَلى إتْقانِهِ، والدَّلِيلِ عَلى إحْكامِ خِلْقَتِهِ، وتَسْوِيَتِهِ مُرُورَهُ عَلى ما يَنْبَغِي. لِأنَّ إتْقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يَتَناوَلُ إتْقانَهُ. فَهو تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأنْحاءٍ مِنَ المُبالَغَةِ. فَمِن ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ (بِالصُّنْعِ) الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُتْقَنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِإتْقانِهِ وحُسْنِ أعْمالِهِ. ثُمَّ تَوْصِيفُهُ سُبْحانَهُ بِإتْقانِ كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ المُرُورُ. ثُمَّ إيرادُهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ هَذِهِ الحالَةِ واسْتِمْرارِها مَدى الدُّهُورِ. ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، لِتَدُلَّ عَلى أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها دائِمًا. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو الجِبالُ. ومَعْمُولٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو رُؤْيَتُها عَلى تِلْكَ الحالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في دَلالَتِها عَلى حَرَكَةِ الأرْضِ ومُرُورِ الجِبالِ مَعَها في هَذِهِ النَّشْأةِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وفَسادِ العالَمِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُتَعاهِدِ النِّظامِ. وأنَّ حُسْبانَها جامِدَةً لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَرَكَةِ كِبارِ الأجْرامِ إذا كانَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ المَقْصُودَ مِنَ التَّهْوِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. عَلى أنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ وإهْدامٌ، ولَيْسَ مِن صُنْعٍ وإحْكامٍ. قالَ: والعَجَبُ مِن حُذّاقِ العُلَماءِ المُفَسِّرِينَ، عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لِهَذا المَعْنى، مَعَ ظُهُورِهِ واشْتِمالِ الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ القُدَماءِ. مَعَ أنَّهُ أوْلى وأحَقُّ مِن تَنْزِيلِ مُحْتَمِلاتِ كِتابِ اللَّهِ عَلى القِصَصِ الواهِيَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، عَلى ما شَحَنُوا بِها كُتُبَهم. ولَيْسَ هَذا بِخارِجٍ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا بَعِيدٍ عَنْ حِكْمَتِهِ، ولا القَوْلُ بِهِ بِمُصادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ والعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، بَعْدَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حادِثٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وخَلْقِهِ بِالِاخْتِيارِ، كائِنًا ما كانَ، وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، وعَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.
(p-٤٦٩٢)واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ. اعْتِراضٌ في تَضاعِيفِ ما ساقَهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أحْوالِ الحَشْرِ وأهْوالِ القِيامَةِ، كاعْتِراضِ تَوْصِيَةِ الإنْسانِ بِوالِدَيْهِ في تَضاعِيفِ قِصَّةِ لُقْمانَ. ومِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ.
وفائِدَتُهُ هُنا، التَّنْبِيهُ عَلى سُرْعَةِ تَقَضِّي الآجالِ ومُضِيِّ الآمادِ. والتَّهْوِيلُ مِن هُجُومِ ساعَةِ المَوْتِ وقُرْبِ وُرُودِ وقْتِ المَعادِ. فَإنَّ انْقِضاءَ الأزْمانِ، وتَقَضِّي الأوانِ، إنَّما هو بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ المارَّةِ عَلى هَذِهِ السُّرْعَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى أحْوالِ الإنْسانِ. وهَذا المُرُورُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْصَرًا مَحْسُوسًا، لَكِنْ ما يَنْبَعِثُ مِنهُ تَبَدُّلُ الأحْوالِ، بِما يَطْرَأُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُبْصَرِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَيَكُونُ هَذا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَخْصُوصَةً بِهِ، إذْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ حَمْلُ الآيَةِ عَلى تَسْيِيرِ الجِبالِ الواقِعِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ ووَفاءِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. إذْ لَيْسَ هو مِنَ (الصُّنْعِ) في شَيْءٍ. بَلْ هو إفْسادُ أحْوالِ الكائِناتِ، وإخْلالُ نِظامِ العالَمِ، وإهْلاكُ بَنِي آدَمَ. اهـ.كَلامُ المَرْجانِيِّ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ. وقُرِئَ: (فَزَعِ يَوْمِئِذٍ) بِالإضافَةِ وكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وفَزَعٍ مُنَوَّنًا وفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ (لِآمِنُونَ) أوِ المَحْذُوفُ هو صِفَةٌ لِلْفَزَعِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمِئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: يَوْمَ إذا جاءُوا بِالحَسَنَةِ.
27:90–93Page 385
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ - ٩٣] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] (p-٤٦٩٣)﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] أيْ: جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ ولا يُصادُ صَيْدُها ولا يُخْتَلى خَلاها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَحْدِهِمْ نِعْمَتَهُ تَعالى في ذَلِكَ، حَيْثُ آمَنَهم مِن خَوْفٍ، وأجَلَّهم في أعْيُنِ القَبائِلِ، ووَقاهم مِنَ الفِتَنِ المُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إجْلالًا لِهَذا البَيْتِ. وهم لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالقِيامِ بِواجِبِ شُكْرِها، مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وسَعْيِهِمْ بِالإصْلاحِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا. فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] أيْ: مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، لا لِغَيْرِهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: عَلَيْكُمْ، تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: فَمَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الأنْدادِ عَنْهُ، والدُّخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ، لا إلَيَّ: ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: ومَن ضَلَّ عَنِ الإيمانِ وأخْطَأ بِزَيْغِهِ طَرِيقَ الهُدى، ولَمْ يَتْبَعْنِي، فَلا عَلَيَّ. وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: عَلى ما هَدانا لِهَذا الدِّينِ، ومَنَّ عَلَيْنا بِصِراطِهِ المُسْتَقِيمِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ونَصْبِ المَكايِدِ. بَلْ هو شَهِيدٌ رَقِيبٌ، جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences