Al-QasimiAl‑Qasas · 28:56–71

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:56–71

28:56–58Page 392

إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.

وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧

And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨

And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.

(p-٤٧١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦ - ٥٨] ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مِن قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أنْ يَهْدِيَهُ فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ بِعِنايَتِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ: القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ. لِاطِّلاعِهِ عَلى اسْتِعْدادِهِمْ وكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عَلى قُلُوبِهِمْ.

تَنْبِيهٌ:

رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ. فَقالَ: أيْ: عَمَّ! قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ، (p-٤٧١٦)ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وأبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ! لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ، فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾»

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسانَ عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا، وهَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ في أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. انْتَهى. وقَدَّمْنا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. فانْظُرِ المُقَدِّمَةَ، وغَيْرَ مَوْضِعٍ بَعْدَها.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن تَعَنُّتِهِمْ، شُبْهَةً اسْتَرْوَحَ بِها الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ونُخالِفُ العَرَبَ: ﴿نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: مَكَّةَ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهم مِن عَدُوِّهِمْ ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ، لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ، الَّذِي تَتَناجَزُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَكَّرُونَ. ولَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لَعَلِمُوا أنَّ الخَوْفَ والأمْنَ مِن عِنْدِهِ، ولَما خافُوا التَّخَطُّفَ إذْ آمَنُوا بِهِ وخَلَعُوا أنْدادَهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: كَفَرَتْ بِها فَلَمْ تَحْفَظْ حَقَّ اللَّهِ فِيها فَدُمِّرَتْ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم (p-٤٧١٧)لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أيْ: مِنهم. إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم. ومَوْصُوفٌ (قَلِيلًا) المُسْتَثْنى، إمّا (زَمانٌ) أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. وإمّا (مَكانٌ) أيْ: إلّا مَكانًا قَلِيلًا يَصِحُّ لِسُكْنى البَعْضِ، وانْدَثَرَ الباقِي. أوْ (مَصْدَرٌ) أيْ: سَكَنًا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.

28:59–62Page 392

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩

And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.

وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠

And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?

أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١

Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩ - ٦٢] ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]

﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ: النّاطِقَةَ بِالحَقِّ. ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ بِالآياتِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَعْيًا بِالفَسادِ، وإباءً عَنْ سَبِيلِ الصَّلاحِ والرَّشادِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: فَهو مِمّا يُتَمَتَّعُ ويُتَزَيَّنُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. وهي مُدَّةُ الحَياةِ المُقْتَضِيَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٦٠] أيْ: مَتاعًا وزِينَةً في نَفْسِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ: ﴿وأبْقى﴾ [القصص: ٦٠] لِأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يَزُولُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] أيْ: بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ (p-٤٧١٨)الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا لِلْحِسابِ أوْ لِلنّارِ أوِ العَذابِ.

قالَ الشِّهابُ: وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ (المُحْضَرِ) في القُرْآنِ في المُعَذَّبِ. وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]

28:63–68Page 393

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣

Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2

وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤

And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥

And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"

فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦

But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧

But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.

وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨

And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣ - ٦٨] ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]

﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ مُقْتَضاهُ. وهو لُحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ، رُؤَساءُ الضَّلالِ، وقادَةُ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِالإشارَةِ، بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم. وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: أضْلَلْناهم بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، كَما ضَلَلْنا بِاخْتِيارِنا، وإيثارِ ما يَفْنى عَلى ما يَبْقى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والمَعاصِي. أوْ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-٤٧١٩)أهْواءَهم وشَهَواتِهِمْ: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤] لِيَشْفَعُوا لَكُمْ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] أيْ: تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيُنْقَذُوا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] أيِ: الدّاعِينَ إلى الهِدايَةِ وإصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعُمْيِ عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ لَكِنَّهُ عُكِسَ مُبالَغَةً. قالَ الشِّهابُ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَهم لا يَهْتَدُونَ لِلْأنْباءِ. ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ. فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وضَمِنَ مَعْنى الخَفاءِ. فَعُدِّيَ بِـ(عَلى). فَفِيهِ أنْواعٌ مِنَ البَلاغَةِ. الِاسْتِعارَةُ والقَلْبُ والتَّضْمِينُ. والمُرادُ بِالأنْباءِ ما أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ. أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرُها مُنَكَّلُ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ، لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ. أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ. أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النُّطْقِ وكَوْنِهِمْ مَخْتُومًا عَلى أفْواهِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ لِلْمُصِرِّ: ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: مِنَ الشِّرْكِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] أيْ: أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللَّهِ. و(عَسى) مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ. كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ أنْ يُفْلِحَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وعِنايَتِهِ، ما يُرِيدُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: في ذَلِكَ. بَلِ الخِيَرَةُ لَهُ في أفْعالِهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيها، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِيَرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَّخَيُّرُ، وبِمَعْنى المُتَخَيِّرِ. كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيرَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وحْدَهُ. ولِذا قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ شَيْئًا ولا تَخْتارُ.

تَنْبِيهٌ:

لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (زادِ المَعادِ) مَقالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ تُؤْثَرَ (p-٤٧٢٠)عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدُ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ، الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وهو سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا هَذا المَعْنى. وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ. وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "ما يَشاءُ" فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ. وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هُنا الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ. فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ. والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ. فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ. وهَذا أخَصُّ وهو مُتَأخِّرٌ. فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] ويَكُونُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نَفْيًا. أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ. فَكَما أنَّهُ هو المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ، فَهو المُتَفَرِّدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا يَخْتارَ سِواهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ. وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ، إلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ (يَخْتارُ) أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ. وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ. لِأنَّ الخِيَرَةَ مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ (كانَ) و(لَهُمْ) خَبَرُهُ. فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ الخِيَرَةُ لَهم. وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ. أيْ: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ. فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِمِثْلِهِ، مَعَ اتِّحادِ المَعْنى نَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونَظائِرُهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنُصِبَ (الخِيَرَةُ) وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ (p-٤٧٢١)الخِيَرَةُ. أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهم. وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ البَتَّةَ. مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ وإرادَتَهم أنْ يَكُونَ الخِيَرَةُ لَهم. ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ. بَلْ إلى الَّذِي قَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومَدَّدَ آجالَهم. وكَذَلِكَ هو الَّذِي يُقَسِّمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ، عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ. وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ. وقَسَّمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ. فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ. بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ كَما قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، دُونَ غَيْرِهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنِ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ، حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ.

الخامِسُ: إنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ (p-٤٧٢٢)المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في القَصَصِ: ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] ونَظِيرُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ، بِما خَصَّصَها بِهِ بِعِلْمِهِ، بِأنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَتَقْدِيرُ السِّياقِ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدُهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

السّادِسُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ، لِمَن هو أهْلٌ لَهُ. لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ. فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.

ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: (فَصْلٌ) فَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ، دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ. فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ، المَشْهُورُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ، مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرُ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ. فَنُشِيرُ مِنهُ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ، دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا. فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ. وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ. فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ، مَعَ تَساوِي (p-٤٧٢٣)مادَّةِ السَّماواتِ، مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها. وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ. كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ. وكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ. واخْتِيارُ الرُّسُلِ مِنهم واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهم. واخْتِيارُهُ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ أنْواعِ بَنِي آدَمَ. ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا. ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ، سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ. واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ومِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها. وهي البَلَدُ الحَرامُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ. وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كاشِفِي رُؤُوسِهِمْ، مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا. وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعَضَّدُ بِهِ شَجَرَةٌ، ولا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ. بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا. ومِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ. فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ. وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ كَما في (السُّنَنِ). وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ. وعَشْرُهُ الأخِيرُ أفْضَلُ اللَّيالِي. ولَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. ويَوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.

وقَدْ أوْسَعَ المَقالَ وُجُودُ الِاسْتِدْلالِ. فَرَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عَنْهُ وأرْضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ الَّذِي لا يُزاحِمُ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ: ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]

28:69–71Page 393

وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩

And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠

And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١

Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"

(p-٤٧٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩ - ٧١] ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]

﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي: ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: وهو المُسْتَحِقُّ لِلْأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ وحْدَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: لِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها في الدّارَيْنِ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠] أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ. يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ. ويَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إرادَتِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] أيْ: هَذا الكَلامَ الحَقَّ، سَماعَ تَدَبُّرٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском