Al-QasimiAl-'Ankabut · 29:25–46

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:25–46

29:25–29Page 399

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."

(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]

﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾

(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:

قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾

والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).

الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.

ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.

وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:

(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.

ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.

وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.

﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]

29:30–33Page 399

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

He said, "My Lord, support me against the corrupting people."

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠ - ٣٣] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ كُلَّ بُرْهانٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ، وكُلَّ حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. بُعِثُوا لِنَصْرِ لُوطٍ وتَبْشِيرِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِتَنْزِيلِهِمُ الرِّجالَ مَنزِلَةَ النِّساءِ، وقَطْعِ السُّبُلِ، وفِعْلِ المُنْكَرِ وتَرْكِ المَعْرُوفِ: ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: اعْتَرَتْهُ المَساءَةُ بِسَبَبِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَقْصِدُوهُمْ: ﴿وضاقَ بِهِمْ (p-٤٧٤٩)ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: ضاقَ بِشَأْنِ ذَرْعِهِ، أيْ: طاقَتِهِ: ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ: ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]

29:34–38Page 400

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .

﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.

29:39–40Page 401

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

(p-٤٧٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩ - ٤٠] ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]

﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. بَلْ لَحِقَهم عَذابُهُ فَدَمَّرَهم تَدْمِيرًا. ولِذا قالَ: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: رِيحًا عاصِفًا، فِيها حَصاءٌ، وهم قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَمَدْيَنَ وثَمُودَ: ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقارُونَ: ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: يَفْعَلُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، مِنَ البَغْيِ والفَسادِ.

29:41–44Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١ - ٤٤] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: (p-٤٧٥١)تَعْتَمِدُ عَلى قُوَّتِهِ وتَظُنُّهُ مُحِيطًا بِها، دافِعًا عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفُها: ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَيَواناتِ وأضْعَفِ الرِّياحِ. ولا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا مَثَلُهُمْ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما. أوْ إنَّ أوْلِياءَهم أوْهى مِن ذَلِكَ ثُمَّ الغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ هو تَقْرِيرُ وهَنِ دِينِهِمْ، وإنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ فِيهِ، وهو إمّا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ، فَمَدارُ قُطْبِ التَّمْثِيلِ عَلى أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِ الحالِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِمادِ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلٌ يُعَرِّفُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ في تَجْهِيلِهِمْ. لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ مَعَ وُضُوحِهِ لَدى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ العابِدِ والمَعْبُودِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ بَيانِيَّةٌ ذُكِرَتْ في المُطَوَّلاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] بِالياءِ والتّاءِ في (تَدْعُونَ) قِراءَتانِ. و(ما) إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ(يَدْعُونَ) و(مِنِ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. أوْ نافِيَةٌ و(مِن) مَزِيدَةٌ. و(شَيْءٍ) مَفْعُولُ (تَدْعُونَ) أوْ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ و(شَيْءٍ) مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ أيْضًا. أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ(يَعْلَمَ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) عائِدُهُ المَحْذُوفُ. والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْكِيدٌ لِلْمَثَلِ. وعَلى الآخِرِينَ وعِيدٌ لَهم. أفادَهُ القاضِي: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ في التَّنْزِيلِ: ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: لِيُقَرِّبَ ما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. فَإنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ تَبْرُزُ فِيها المَعانِي المُحْتَجَبَةُ لِلْأفْهامِ: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُدْرِكُ حُسْنَها وفَوائِدَها: ﴿إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيِ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الكامِلُونَ فِيهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ لا أعْرِفُها، إلّا أحْزَنَنِي. لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أيْ: مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، مُقَدَّسًا عَنْ أنْ يَقْصِدَ بِهِ باطِلًا. فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]

29:45–46Page 401

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

(p-٤٧٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥ - ٤٦] ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا وأُنْـزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ، وتَحَفُّظًا لِألْفاظِهِ، واسْتِكْثارًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي. فَإنَّ القارِئَ المُتَأمِّلَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّكْرارِ ما لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ أوَّلَ ما قَرَعَ سَمْعَهُ. وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ، وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ، مِنَ الأحْكامِ ومَحاسِنِ الآدابِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: تَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ. فَفِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَمْ مِن مُصَلٍّ يَرْتَكِبُ ولا تَنْهاهُ صَلاتُهُ! قُلْتُ: الصَّلاةُ الَّتِي هي الصَّلاةُ عِنْدَ اللَّهِ، المُسْتَحَقُّ بِها الثَّوابُ، أنْ يَدْخُلَ فِيها مُقَدِّمًا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ مُتَّقِيًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ويُصَلِّيها خاشِعًا بِالقَلْبِ والجَوارِحِ. ثُمَّ يَحُوطُها بَعْدَ أنْ يُصَلِّيَها، فَلا يُحْبِطُها، فَهي الصَّلاةُ الَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن لَمْ تَأْمُرْهُ صَلاتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وتَنْهَهُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ بِصَلاتِهِ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا.

عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَلَيْسَتْ صَلاتُهُ بِصَلاةٍ، وهي وبالٌ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: (p-٤٧٥٣)﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِيَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ. كَأنَّهُ قالَ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ، لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ. أوْ: ولَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما، أكْبَرُ. فَكانَ أوْلى بِأنْ يَنْهى مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي في الصَّلاةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ، أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ. انْتَهى. فَـ(ذِكْرُ) عَلى الأوَّلَيْنِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ. وعَلى ما بَعْدَهُما مُضافٌ لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في الأوَّلِينَ غَيْرُهُ مِنَ الطّاعاتِ. وفي الأخِيرِ قَوْلُهُ: (مِن ذِكْرِكُمْ).

وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَيْنِ، وهُما تِلاوَةُ الكِتابِ وإقامَةُ الصَّلاةِ، بَيَّنَ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِما عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، فَقالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأنْتُمْ إذا ذَكَرْتُمْ آباءَكم بِما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ، تَنْبَشُّونَ لِذَلِكَ وتَذْكُرُونَهم بِمِلْءِ أفْواهِكم وقُلُوبِكم. لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أبْلَغِ وجْهِ التَّعْظِيمِ. أمّا الصَّلاةُ فَكَذَلِكَ. لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ. وهَذا أحْسَنُ صُنْعِكم. فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعَ حَذْفِ بَيانِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، لَطِيفَةٌ. وهي أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: أكْبَرُ مِن ذِكْرِ فُلانٍ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِهِ بِالكِبَرِ فَلَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ. إذْ لا يُقالُ الجَبَلُ أكْبَرُ مِن خَرْدَلَةٍ وإنَّما يُقالُ: هَذا الجَبَلُ أكْبَرُ مِن هَذا الجَبَلِ. فَأسْقَطَ المَنسُوبَ كَأنَّهُ قالَ: (ولَذِكْرُ اللَّهِ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ)، وهَذا كَما يُقالُ في الصَّلاةِ: (اللَّهُ أكْبَرُ) أيْ: لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفْعِ مَنِ انْتَفَعَ، وحُصُولِ اليَأْسِ مِمَّنِ امْتَنَعَ، بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وهي اللِّينُ والأناةُ: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالِاعْتِداءِ، بِأنْ أفْحَشُوا في المَقالِ وأقْذَعُوا في الجِدالِ، فَلا حَرَجَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالعُنْفِ، لِتَنَكُّبِهِمْ عَنْ جادَّةِ اللُّطْفِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في آدابِ المُناظَرَةِ والجَدَلِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم (p-٤٧٥٤)وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي إذا أخْبَرُوا بِما لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ولا كَذِبُهُ، فَهَذا لا يُقْدِمُ عَلى تَكْذِيبِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا. ولا عَلى تَصْدِيقِهِ، فَلَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ باطِلًا. ولَكِنْ يُؤْمَنُ بِهِ إيمانًا مُجْمَلًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ. وهو أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا، لا مُبَدَّلًا مُؤَوَّلًا. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»» . وهَذا الحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ البُخارِيُّ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي نَمْلَةَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: ««إذا حَدَّثَكم أهْلُ الكِتابِ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وإنْ كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم»» . ثُمَّ لِيُعْلَمَ أنَّ أكْثَرَ ما يَتَحَدَّثُونَ بِهِ غالِبُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. لِأنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ تَحْرِيفٌ وتَبْدِيلٌ وتَغْيِيرٌ وتَأْوِيلٌ. وما أقَلَّ الصِّدْقَ فِيهِ. ثُمَّ ما أقَلَّ فائِدَةَ كَثِيرٍ مِنهُ، لَوْ كانَ صَحِيحًا.

رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ، وكِتابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْدَثُ. تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا (p-٤٧٥٥)بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ألا يَنْهاكم ما جاءَكم مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْألَتِهِمْ؟ لا، واللَّهِ! ما رَأيْنا مِنهم رَجُلًا يَسْألُكم عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم.

وقالَ البُخارِيُّ: وقالَ أبُو اليَمانِ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. أخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ. وذَكَرَ كَعْبَ الأحْبارِ فَقالَ: إنْ كانَ مِن أصْدَقِ هَؤُلاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. وإنْ كُنّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ. مَعْناهُ أنَّهُ يَقَعُ مِنهُ الكَذِبُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. لِأنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صُحُفٍ هو يُحْسِنُ بِها الظَّنَّ، وفِيها أشْياءُ مَوْضُوعَةٌ ومَكْذُوبَةٌ. لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ حُفّاظٌ مُتْقِنُونَ كَهَذِهِ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ. ومَعَ ذَلِكَ. وقُرْبَ العَهْدِ، وُضِعَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ومَن مَنَحَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلِمَ بِذَلِكَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ. ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском