Al-QasimiAl-'Ankabut · 29:47–69

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:47–69

29:47–48Page 402

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧ - ٤٨] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]

﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ، أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ. أيْ: أنْزَلْناهُ مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيِ: العَرَبِ: ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: فَإنَّ ظُهُورَ هَذا الكِتابِ الجامِعِ لِما (p-٤٧٥٦)يَكْفُلُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ في شَرائِعِهِ وقَضاياهُ، عَلى أُمِّيٍّ لَمْ يَعْرِفْ بِالقِراءَةِ والتَّعَلُّمِ، خارِقٌ لِلْعادَةِ. وذِكْرُ اليَمِينِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَنفِيِّ، ونُفِيَ لِلتَّجَوُّزِ في الإسْنادِ: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَخُطُّ ويَقْرَأُ، لَقالُوا: لَعَلَّهُ تَعَلَّمَهُ أوْ كَتَبَهُ بِيَدِهِ، مِن كُتُبٍ مَأْثُورَةٍ عَنِ الأنْبِياءِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. وفِيها رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ كَتَبَ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ صِفَتُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهَكَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دائِمًا لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يَخُطُّ سَطْرًا ولا حَرْفًا بِيَدِهِ. بَلْ كانَ لَهُ كُتّابٌ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الوَحْيَ والرَّسائِلَ إلى الأقالِيمِ. ومَن زَعَمَ، مِن مُتَأخِّرِي الفُقَهاءِ، كالقاضِي ابْنِ الوَلِيدِ الباجِيِّ ومَن تابَعَهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَإنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: (ثُمَّ أخَذَ فَكَتَبَ) وهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى: (ثُمَّ أُمِرَ فَكَتَبَ) ولِهَذا اشْتَدَّ النَّكِيرُ مِن فُقَهاءِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ عَلى مَن قالَ بِقَوْلِ الباجِيِّ، وتَبَرَّأُوا مِنهُ وأنْشَدُوا في ذَلِكَ أقْوالًا وخَطَبُوا بِهِ في مَحافِلِهِمْ. وإنَّما أرادَ الرَّجُلُ أعْنِي الباجِيَّ فِيما يَظْهَرُ عَنْهُ. أنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ. لا أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ. وما أوْرَدَهُ بَعْضُهم مِنَ الحَدِيثِ؛ أنَّهُ لَمْ يَمُتْ ﷺ حَتّى تَعَلَّمَ الكِتابَةَ، فَضَعِيفٌ لا أصْلَ لَهُ. انْتَهى.

وقالَ الشِّهابُ: ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ، أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وأبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِنَ المَغارِبَةِ. وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا، سَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ مُنَبِّهٍ. ولَمّا قالَ أبُو الوَلِيدِ ذَلِكَ، طُعِنَ فِيهِ ورُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ وسُبَّ عَلى المَنابِرِ، ثُمَّ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فَأقامَ الحُجَّةَ (p-٤٧٥٧)عَلى مُدَّعاهُ وكَتَبَ بِهِ إلى عُلَماءِ الأطْرافِ. فَأجابُوا بِما يُوافِقُهُ. وأنَّ مَعْرِفَةَ الكِتابَةِ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ لا تُنافِي المُعْجِزَةَ. بَلْ هي مُعْجِزَةٌ أُخْرى. لِكَوْنِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ. ورَدَّ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفَوَّزٍ كِتابَ الباجِيِّ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» وقالَ: كُلُّ ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: (كَتَبَ) فَمَعْناهُ أمَرَ بِالكِتابَةِ. انْتَهى.

29:49–50Page 402

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩ - ٥٠] ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيِ: العُلَماءِ بِهِ وحُفّاظِهِ. وهُما مِن خَصائِصِ القُرْآنِ كَوْنُ آياتِهِ بَيِّناتِ الإعْجازِ، وكَوْنُهُ مَحْفُوظًا في الصُّدُورِ، يَتْلُوهُ أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا. بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ. فَإنَّها لَمْ تَكُنْ مُعْجِزاتٍ، وما كانَتْ تُقْرَأُ إلّا مِنَ المَصاحِفِ. ومِنهُ ما جاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ««صُدُورُهم أناجِيلُهم»» . كَذا في الكَشّافِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] يَعْنُونَ ما كانُوا يَقْتَرِحُونَهُ في تَعَنُّتِهِمْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: هو يَمْلِكُ إنْزالَها، ولَوْ شاءَ لَفَعَلَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ وإبانَتُهُ، لا الإتْيانُ بِما تَقْتَرِحُونَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ في آيَةِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، غِنْيَةً عَنْ كُلِّ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ. لِما أنَّ الدَّوْرَ انْقَلَبَ مِنَ الآياتِ الآفاقِيَّةِ، إلى الآياتِ العِلْمِيَّةِ، وِفاقًا لِسُنَّةِ التَّرَقِّي، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

29:51–56Page 402

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦

O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.

(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.

(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.

﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:

؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ

وقالَ آخَرُ:

؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي

(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:

29:57–61Page 403

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧

Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨

And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١

If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.

29:62–64Page 403

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢

Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣

And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.

وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤

And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢ - ٦٤] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]

(p-٤٧٦٢)﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَفْعَلُ بِعِلْمِهِ، ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ. وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: احْمَدِ اللَّهَ عَنْ جَوابِهِمُ المَذْكُورِ عَلى إلْزامِهِمْ وظُهُورِ نِعَمٍ لا تُحْصى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: فَلِذَلِكَ يَتَناقَضُونَ حَيْثُ يَنْسُبُونَ النِّعْمَةَ إلَيْهِمْ، ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] إشارَةٌ إلى ازْدِراءِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، وكَوْنِها في سُرْعَةِ زَوالِها، وتَقَضِّي أمْرِها، كَما يَلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. ولا ثَمَرَةَ إلّا التَّعَبُ. فَفي الحَصْرِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: دارُ الحَياةِ الخالِدَةِ. فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ. و(الحَيَوانُ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ. وإيثارُهُ عَلى (الحَياةِ) لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. لِأنَّ (فَعْلانَ) بِالفَتْحِ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى الحَرَكَةِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: لَمْ يُؤْثِرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي حَياتُها عارِضَةٌ. وهَذا جَوابُ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ. لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ. وكَوْنُها لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.

29:65–67Page 404

فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥

And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦

So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧

Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥ - ٦٧] ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .

﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الدُّعاءَ. لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِنَ الغَرَقِ سِواهُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: مِن (p-٤٧٦٣)نِعْمَةِ النَّجاةِ ورِبْحِ التِّجارَةِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ حِينَ يُعاقَبُونَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ أهْلُ مَكَّةَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: لا يُغْزى أهْلُهُ، ولا يُغارُ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ العَرَبِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: يَخْتَلِسُونَ قَتْلًا ونَهْبًا وسَبْيًا: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: أفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ، الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، يَكْفُرُونَ خَيْرَهُ، ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ.

29:68–69Page 404

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩

And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨ - ٦٩] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا: ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ أوِ الكِتابَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَوْضِعُ إقامَةٍ، جَزاءَ افْتِرائِهِمْ وكُفْرِهِمْ. بَلى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: جاهَدُوا النَّفْسَ والشَّيْطانَ والهَوى وأعْداءَ الدِّينِ، مِن أجْلِنا ولِوَجْهِنا: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا. وذَلِكَ بِالطّاعاتِ والمُجاهَداتِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: أعْمالَهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском