Al-QasimiAli 'Imran · 3:110–117

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:110–117

3:110Page 64

كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٠ ] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ، و: ﴿كُنْتُمْ﴾ مِن (كانَ) التّامَّةِ، والمَعْنى: وُجِدْتُمْ وخُلِقْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ (النّاقِصَةِ) والمَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ في الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ و: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـ: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أيْ: أُظْهِرَتْ لَهم حَتّى تَمَيَّزَتْ وعُرِفَتْ، وفُصِلَ بَيْنِها وبَيْنَ غَيْرِها. (p-٩٣٦)ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ بِما لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُهُ لِغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَبِهَذِهِ الصِّفاتِ فُضِّلُوا عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إيمانًا مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ مِن رَسُولٍ وكِتابٍ، وحِسابٍ وجَزاءٍ. وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَفْصِيلًا لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهُ هو الإيمانُ بِاَللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وأنَّ ما خَلا عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَإيمانِ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى مِن شَيْءٍ. قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥٠] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١] وإنَّما أخَّرَ ذَلِكَ عَنْ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًا ورُتْبَةً، لِأنَّ دِلالَتَهُما عَلى خَيْرِيَّتِهِمْ لِلنّاسِ أظْهَرُ مِن دِلالَتِهِ عَلَيْها ولِيَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ - انْتَهى - .

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأى مِنَ النّاسِ رِعَةً، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ثُمَّ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ (p-٩٣٧)شَرْطَ اللَّهِ فِيها. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: خِيارًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: بِاَلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ.

وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أحادِيثُ وافِرَةٌ، مِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ واَلتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا إنَّكم تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ويُرْوى مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وأبِي سَعِيدٍ ونَحْوِهِ. وإنَّما حازَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ قَصَبَ السَّبْقِ إلى الخَيْراتِ بِنَبِيِّها مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ أشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ، وأكْرَمُ الرُّسُلِ عَلى اللَّهِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كامِلٍ عَظِيمٍ، لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، ولا رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ، فالعَمَلُ عَلى مِنهاجِهِ وسَبِيلِهِ، يَقُومُ القَلِيلُ مِنهُ ما لا يَقُومُ العَمَلُ الكَثِيرُ مِن أعْمالِ غَيْرِهِمْ مَقامَهُ. وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ هَهُنا حَدِيثَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وساقَ طُرُقَهُ ومُخَرِّجِيهِ فَأجادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِمّا هم عَلَيْهِ، إشارَةً إلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ في وُقُوفِهِمْ مَعَ ما مَنَعَهم عَنْ الإيمانِ مِنَ العِوَضِ القَلِيلِ الفانِي والرِّياسَةِ التّافِهَةِ، وتَرْكِهِمْ الغِنى الدّائِمَ، والعِزَّ الباهِرَ. ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِاَللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَكِنَّهم قَلِيلٌ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الأكْثَرِ قاصِمَةً، خَفَّفَ سُبْحانَهُ عَنْ أوْلِيائِهِ بِقَوْلِهِ:

3:111Page 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١١ ] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ لا يُبالى بِهِ مِن طَعْنٍ وتَهْدِيدٍ: ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ (p-٩٣٨)أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَكُونُ لَهم النَّصْرُ عَلَيْكم، بَلْ تُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ؟ لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنَّهم يَوْمَ خَيْبَرَ أذَلَّهم اللَّهُ، وأرْغَمَ أُنُوفَهم، وكَذَلِكَ مَن قَبْلَهم مَن يَهُودِ المَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقاعٍ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، كُلُّهم أذَلَّهم اللَّهُ. وكَذَلِكَ النَّصارى بِالشّامِ، كَسَرَهم الصَّحابَةُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ وسَلَبُوهم مُلْكَ الشّامِ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ. ولا تَزالُ عِصابَةُ الإسْلامِ قائِمَةً بِالشّامِ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وهم كَذَلِكَ، ويَحْكُمَ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، وشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ولا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ.

لَطائِفُ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَزَمَ المَعْطُوفَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ؟

قُلْتُ: عَدَلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ إلى حُكْمِ الإخْبارِ ابْتِداءً، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رَفْعِهِ وجَزْمِهِ في المَعْنى ؟

قُلْتُ: لَوْ جُزِمَ لَكانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقاتَلَتِهِمْ، كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ، وحِينَ رُفِعَ كانَ نَفْيُ النَّصْرِ وعْدًا مُطْلَقًا كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ شَأْنُهم وقِصَّتُهم الَّتِي أُخْبِرُكم عَنْها وأُبَشِّرُكم بِها بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أنَّهم مَخْذُولُونَ مُنْتَفٍ عَنْهم النَّصْرُ والقُوَّةُ لا يَنْهَضُونَ بَعْدَها بِجَناحٍ، ولا يَسْتَقِيمُ لَهم أمْرٌ، وكانَ كَما أخْبَرَ مِن حالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ ويَهُودِ خَيْبَرَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَما الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ ؟

قُلْتُ: جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّراخِي في ثُمَّ ؟

(p-٩٣٩)قُلْتُ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمْ الأدْبارَ.

قالَ النّاصِرُ بْنُ المُنِيرِ: وهَذا مِنَ التَّرَقِّي في الوَعْدِ عَمّا هو أدْنى إلى ما هو أعْلى، لِأنَّهم وُعِدُوا بِتَوْلِيَةِ عَدُوِّهِمْ الأدْبارَ عِنْدَ المُقابَلَةِ، ثُمَّ تَرَقّى الوَعْدُ إلى ما هو أتَمُّ في النَّجاحِ مِن أنَّ هَؤُلاءِ لا يُنْصَرُونَ مُطْلَقًا، ويَزِيدُ هَذا التَّرَقِّي بِدُخُولِ ثُمَّ دُونَ الواوِ. فَإنَّها تُسْتَعارُ هَهُنا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لا في الوُجُودِ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ هَهُنا ما هو أعْلى في الِامْتِنانِ، وأسْمَحُ في رُتَبِ الإحْسانِ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُنْصَرُونَ البَتَّةَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .

3:112Page 64

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٢ ] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أُحِيطَ بِهِمْ الهَوانُ والصَّغارُ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِيهِ أيْنَما وُجِدُوا، وقَوْلُهُ: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: إلّا مُعْتَصِمِينَ أوْ مُتَمَسِّكِينَ أوْ مُلْتَبِسِـينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةَ في عامَّةِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلِ اللَّهِ وحَبْلِ النّاسِ، يَعْنِي: ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتَوْجَبُوهُ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ أيْ: الفَقْرُ، لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ضُرِبَتْ المَسْكَنَةُ والذِّلَّةُ والغَضَبُ: ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾ (p-٩٤٠)أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا. ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا ودُنْيا قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: يُبِيحُ القَتْلَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: ضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابُ الغَضَبِ في الآخِرَةِ، كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ الأنْبِياءَ، فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ العِلَّةِ، وهو الكُفْرُ والقَتْلُ، أيْ: حَصَلا مِنهم بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي، والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ. ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ، ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرْعِيَّةِ، ومَن ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ.

قالَ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ وإنْ عَلا. وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِأنَّهُ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ جَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ كُلِّها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ ولا يَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ، لا تَعْمَلَنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقُ، وفي الأرْضِ مِن تَحْتٍ، ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ، لا تَسْجُدَنَّ لَها ولا تَعْبُدَنَّها؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ إلَهُكَ غَيُورٌ آخُذُ الأبْناءَ بِذُنُوبِ الآباءِ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ وأرْبَعَةِ خُلُوفٍ وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقْبٍ لِأحْبارِي وحافِظِي وصايايَ - انْتَهى - .

3:113Page 64

۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٣ ] ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ تَمْهِيدًا لِلثَّناءِ عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِن أهْلِ الكِتابِ، وخَلَعَ الباطِلَ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا ولا خَلَفًا، وتَذْكِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] أيْ: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُتَساوِينَ ومُتَشارِكِينَ في المَساوِئِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ: (p-٩٤١)﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمَةٌ﴾ وُجُوهٌ:

اَلْأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ، وعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ، مُلازِمَةٌ لَهُ، غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ: مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ، ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ. ومِنهُ (p-٩٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]

اَلثّالِثُ: أنَّها مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، بِمَعْنى اسْتَقامَ، والآناءُ: الأوْقاتُ، واحِدُها (إنًا) مِثْلُ (مِعًى) و(أمْعاءٌ) و(إنّى) مِثْلُ (نِحّى) و(أنْحاءٌ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَيْسَتْ حالًا مِن فاعِلِ: ﴿يَتْلُونَ﴾ لِما صَحَّ في السُّـنَّةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ التِّلاوَةِ في السُّجُودِ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إلّا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ القُرْآنَ راكِعًا أوْ ساجِدًا، فَأمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجابَ لَكم»» . فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً ويَسْجُدُونَ أُخْرى، يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهم يُصَلُّونَ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً كَما تُسَمّى رُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً. وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ يَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِصِفاتٍ أُخَرَ، مُبَيِّنَةٍ لِمُبايَنَتِهِمْ اليَهُودَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِقَوْلِهِ:

3:114Page 64

يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤

They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٤ ] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ. وظاهِرٌ أنَّ الإيمانَ بِاَللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِن (p-٩٤٣)اَلْمَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهم الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَعْرِيضٌ بِمُداهَنَةِ اليَهُودِ في الِاحْتِسابِ، بَلْ بِتَعْكِيسِهِمْ في الأمْرِ بِإضْلالِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ أمْرٌ بِالمُنْكَرِ ونَهْيٌ عَنْ المَعْرُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى جامِعَةٌ لِفُنُونِ المَحاسِنِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّفْسِ وبِالغَيْرِ. والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ فَرْطُ الرَّغْبَةِ فِيهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ فِيها، بَلْ بِمُبادَرَتِهِمْ إلى الشُّرُورِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيْ: المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مِن عِدادِ مَن صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واسْتَحَقُّوا رِضاهُ، والوَصْفُ بِالصَّلاحِ دالٌّ عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ. فَهو غايَةُ المَدْحِ، ولِذا وُصِفَتْ بِهِ الأنْبِياءُ في التَّنْزِيلِ:

3:115Page 64

وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥

And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٥ ] ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ: لَنْ يَعْدَمُوا ثَوابَهُ. وإيثارُ صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالخِطابِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ هم المَذْكُورُونَ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ البِقاعِيُّ: أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم (p-٩٤٤)أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ. إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ. وتَحْقِيقُهُ: أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا. فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ مُطِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُها

أرادَ: أمْ غَيٌّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ لِأنَّ ذِكْرَها قَدْ جَرى قَبْلُ، ولِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِلْمَ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. كَما يُقالُ زَيْدٌ وعَمْرٌو لا يَسْتَوِيانِ، زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ ذَكِيٌّ، فَيُغْنِي هَذا عَنْ أنْ يُقالَ: وعَمْرٌو لَيْسَ كَذَلِكَ. فَكَذا هَهُنا. لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لَيْسُوا سَواءً. أغْنى عَنْ ذَلِكَ الإضْمارِ - انْتَهى مُلَخَّصًا - أقُولُ: لا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ الآتِيَةِ هي الشِّقُّ الثّانِي المُقابِلُ لِلْأوَّلِ. فَإنَّ عُنْوانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقابِلٌ بِمَفْهُومِهِ لِما قَبِلَهُ كَما لا يَخْفى. واَللَّهُ أعْلَمُ.

3:116Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم: ﴿(أمْوالُهم ولا أوْلادُهم (p-٩٤٥)مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنْ كانَ التَّصَدُّقُ بِالأمْوالِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويَغْفِرُ لَهم بِمَوْتِ أوْلادِهِمْ، أوْ اسْتِغْفارِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوها في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ في البالِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِها، فَأزالَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وضَرَبَ لَها مَثَلًا بِذَهابِها هَباءً مَنثُورًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

3:117Page 65

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٧ ] ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مِنَ المَكارِمِ ويُواسُونَ فِيهِ مِنَ المَغارِمِ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ كالصَّرْصَرِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ: ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ فَكَذا رِيحُ الكُفْرِ إذا أصابَتْ حَرْثَ إنْفاقِ قَوْمِهِ تُهْلِكُهُ. فَصارَ الظُّلْمُ رِيحًا لِحُصُولِهِ مِن هَوى النَّفْسِ ذاتَ بُرُودَةٍ شَدِيدَةٍ لِكَوْنِهِ ظُلْمَ الكُفْرِ الَّذِي هو المَوْتُ المَعْنَوِيُّ فَأهْلَكَتْهُ - قالَهُ المَهايِمِيُّ - .

﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ بِإرْسالِ رِيحٍ مِن عِنْدِهِ: ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِإرْسالِ رِيحِ الظُّلْمِ الكُفْرِيِّ عَلى حَرْثِهِمْ الأُخْرَوِيِّ.

لَطائِفُ:

إنْ قِيلَ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ، بِالحَرْثِ الَّذِي ضَرَبَتْهُ الصِّرُّ، وقَدْ جُعِلَ ما يُنْفِقُونَ مُمَثَّلًا بِالرِّيحِ، فَما وجْهُ المُطابَقَةِ لِلْغَرَضِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهو ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وإنْ لَمْ تَحْصُلْ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزائَيْهِما، والمَقْصُودُ: تَشْبِيهُ الحالِ بِالحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ مُهْلِكِ رِيحٍ فَتَحْصُلُ المُشابَهَةُ.

(p-٩٤٦)قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): والأقْرَبُ أنَّ يُقالَ أصْلُ الكَلامِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأصابَتْهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ فَأهْلَكَتْهُ، ولَكِنْ خُولِفَ هَذا النَّظْمُ في المَثَلِ المَذْكُورِ لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ، وهو تَقْدِيمُ ما هو أهَمُّ، لِأنَّ الرِّيحَ الَّتِي هي مَثَلُ العَذابِ، ذِكْرُها في سِياقِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ أهَمُّ مِن ذِكْرِ الحَرْثِ. فَقُدِّمَتْ عِنايَةً بِذِكْرِها، واعْتِمادًا عَلى أنَّ الأفْهامَ الصَّحِيحَةَ تَسْتَخْرِجُ المُطابَقَةَ بِرَدِّ الكَلامِ إلى أصْلِهِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ. ومِثْلُ هَذا، في تَحْوِيلِ النَّظْمِ لِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةُ. ومِثْلُهُ أيْضًا: أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمُهُ، والأصْلُ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ. وأنْ أُدَعِّمَ بِها الحائِطَ إذا مالَ، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، واَللَّهُ المُوَفِّقُ.

(p-٩٤٧)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском