Al-QasimiAli 'Imran · 3:118–121

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:118–121

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أيْ: أصْحابًا يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَكم مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم وهم المُسْلِمُونَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِطانَةُ الرَّجُلِ ووَلِيجَتُهُ: خَصِيصُهُ وصَفِيُّهُ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ بِشُقُورِهِ ثِقَةً بِهِ. شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ شِعارِي - انْتَهى - ومِن أمْثالِ العَرَبِ في سِرارِ الرَّجُلِ إلى أخِيهِ ما يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ: أفْضَيْتُ إلَيْهِ بِشُقُورِي - بِضَمِّ الشِّينِ وقَدْ تُفْتَحُ - أيْ: أخْبَرْتُهُ بِأمْرِي، وأطْلَعْتُهُ عَلى ما أُسِرُّهُ مِن غَيْرِهِ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: البِطانَةُ: الصّاحِبُ لِلسِّرِّ الَّذِي يُشاوَرُ في الأحْوالِ، والوَلِيجَةُ: هو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالوُلُوجِ والِاطِّلاعِ عَلى باطِنِ الأمْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البِطانَةُ الدُّخَلاءُ الَّذِينَ يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ ويُسْتَبْطَنُونَ، يُقالُ: فُلانٌ بِطانَةٌ لِفُلانٍ، أيْ: مُداخِلٌ لَهُ مُؤانِسٌ، وهَؤُلاءِ المَنهِيُّ عَنْهم، إمّا أهْلُ الكِتابِ، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم اليَهُودُ. وذَلِكَ لِأنَّ السِّياقَ في السُّورَةِ، والسِّباقَ مَعَهم. وقَدْ كانَ بَيْنَ الأنْصارِ وبَيْنَ مُجاوِرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن سابَقَ الرِّضاعِ والحِلْفِ. وإمّا المُنافِقُونَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] إلَخْ. ورُبَّما كانَ يَغْتَرُّ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ (p-٩٤٨)ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ الأسْرارَ. وإمّا جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ هَهُنا غُلامًا مِن أهْلِ الحِيرَةِ نَصْرانِيًّا، حافِظٌ كاتِبٌ، فَلَوْ اتَّخَذْتَهُ كاتِبًا ؟ فَقالَ: قَدْ اتَّخَذْتُ إذَنْ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.

قالَ الرّازِيُّ: فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ مِن اتِّخاذِ النَّصْرانِيِّ بِطانَةً.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: فَفي هَذا الأثَرِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهم في الكِتابَةِ الَّتِي فِيها اسْتِطالَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، واطِّلاعٌ عَلى دَواخِلِ أُمُورِهِمْ الَّتِي يُخْشى أنْ يُفْشُوها إلى الأعْداءِ مِن أهْلِ الحَرْبِ.

وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ الكِيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ - انْتَهى - .

ووَجْهُ ذَلِكَ - كَما قالَ القاشانِيُّ -: أنَّ بِطانَةَ الرَّجُلِ صَفِيُّهُ وخَلِيصُهُ الَّذِي يُبْطِنُهُ ويَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِ، ولا يُمْكِنُ وُجُودُ مِثْلِ هَذا الصَّدِيقِ إلّا إذا اتَّحَدا في المَقْصِدِ واتَّفَقا في الدِّينِ والصِّفَةِ، مُتَحابِّينَ في اللَّهِ لا لِغَرَضٍ. كَما قِيلَ في الأصْدِقاءِ: نَفْسٌ واحِدَةٌ في أبْدانٍ مُتَفَرِّقَةٍ. فَإذا كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ الإيمانِ، فَبِأنْ يَكُونَ كاشِحًا أحْرى. ثُمَّ بَيَّنَ نِفاقَهم واسْتِبْطانَهم العَداوَةَ (p-٩٤٩)بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أيْ: لا يُقَصِّرُونَ بِكم في الفَسادِ.

قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الخالِصَةَ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لِكَوْنِها ظِلُّ الوَحْدَةِ. فَلا تَكُونُ في غَيْرِها لِكَوْنِهِمْ في عالَمِ التَّضادِّ. بَلْ رُبَّما تَتَألَّفُهم الجِنْسِيَّةُ العامَّةُ الإنْسانِيَّةُ لِاشْتِراكِهِمْ في النَّوْعِ والمَنافِعِ، والمَلاذِّ واحْتِياجِهِمْ إلى التَّعاوُنِ فِيها. والمَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ واللَّذّاتُ النَّفْسانِيَّةُ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ فَلا تَدُومُ المَحَبَّةُ عَلَيْها، بِخِلافِ المَحَبَّةِ الأُولى فَإنَّها مُسْتَنِدَةٌ إلى أمْرٍ لا تَغَيُّرَ فِيهِ أصْلًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ، يَأْلُوا: إذا قَصَّرَ فِيهِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ. في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جَهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أُنْقِصُكَهُ. والخَبالُ: الفَسادُ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: عَنَتُكم، عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والعَنَتُ: شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ، أيْ: تَمَنَّوْا ما يُهْلِكُكم: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ البُغْضُ الباطِنُ حَتّى خَرَجَ مِن أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ، مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلِهِمْ عَلَيْها، أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. وقَدْ قِيلَ: كَوامِنُ النُّفُوسِ تَظْهَرُ عَلى صَفَحاتِ الوُجُوهِ وفَلَتاتِ اللِّسانِ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا ظَهَرَ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ بَلْ فَلْتَةٍ. ومِثْلُهُ يَكُونُ قَلِيلًا: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى سُوءِ اتِّخاذِكم إيّاهم بِطانَةً لِتَمْتَنِعُوا مِنها، فَتُخْلِصُوا في الدِّينِ، وتُوالُوا المُؤْمِنِينَ، وتُعادُوا الكافِرِينَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مِن أهْلِ العَقْلِ. أوْ تَعْقِلُونَ ما بُيِّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمَلِ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَأْلُونَكم) صِفَةً لِلْبِطانَةِ. وكَذَلِكَ (قَدْ بَدَتْ البَغْضاءُ) . كَأنَّهُ قِيلَ: بِطانَةٌ غَيْرُ آلِيكم خَبالًا، بادِيَةٌ بَغْضاؤُهم. وأمّا قَدْ بَيَّنّا فَكَلامٌ مُبْتَدَأٌ. وأحْسَنُ مِنهُ وأبْلَغُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفاتٌ كُلُّها عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم في مُوالاتِهِمْ حَيْثُ يَبْذُلُونَها لِأهْلِ البَغْضاءِ بِقَوْلِهِ:

(p-٩٥٠)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٩ ] ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ: تُخالِطُونَهم وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم، وقَوْلُهُ: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الواوُ لِلْحالِ وهي مُنْتَصِبَةٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لا يُحِبُّونَكم) والمَعْنى: لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَلا تُنْكِرُونَ مِنهُ شَيْئًا، فَلَيْسَ فِيكم ما يُوجِبُ بُغْضَهم لَكم. فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِكم كُلِّهِ ؟ .

ولَمْ تُجْعَلْ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى (ولا يُحِبُّونَكم) أوْ (تُحِبُّونَهم) كَما ارْتَضاهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ. ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ. وإنْ اعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّ المَعْنى: يَجْمَعُونَ بَيْنَ مَحَبَّةِ الكُفّارِ والإيمانِ وهُما لا يَجْتَمِعانِ، لِبُعْدِهِ، والحالِيَّةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْخَطَأِ فَتَأمَّلْ، نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ونَحْوُهُ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ، تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا. حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا. وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ العاجِزِ، والمُغْتاظُ إذا عَظُمَ حُزْنُهُ عَلى فَواتِ مَطْلُوبِهِ. ولَمّا كَثُرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الغَضْبانِ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ (p-٩٥١)اَلْغَضَبِ. حَتّى يُقالَ في الغَضْبانِ: إنَّهُ يَعَضُّ يَدَهُ غَيْظًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضٌّ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ. والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ: زِيادَةُ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزِّ أهْلِهِ. وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ والتَّبارِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن (المَقُولِ) أيْ: وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا. وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ لا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ، وقُوَّةِ الرَّجاءِ، والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْلَكُوا غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّتَ قَوْلٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَناهِيَ عَداوَتِهِمْ بِقَوْلِهِ:

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٠ ] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ بِظُهُورِكم عَلى العَدُوِّ، ونَيْلِكم الغَنِيمَةَ، وخِصْبِ مَعاشِكم، وتَتابُعِ النّاسُ في دِينِكم: ﴿تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ بِإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم، أوْ اخْتِلافِ بَيْنِكم، أوْ جَدْبٍ أوْ بَلِيَّةٍ: ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ ولا يَعْلَمُونَ ما لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

لَطِيفَةٌ:

اَلْمَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ، ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ مَسًّا. والتَّعْبِيرُ بِهِ في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالإصابَةِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ. وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿(إنْ تُصِبْكَ (p-٩٥٢)حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ)﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١]

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَسُّ أقَلُّ تَمَكُّنًا مِنَ الإصابَةِ، وكَأنَّهُ أقَلُّ دَرَجاتِها، فَكَأنَّ الكَلامَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - إنْ تُصِبْكم الحَسَنَةُ أدْنى إصابَةٍ تَسُؤْهم ويَحْسُدُوكم عَلَيْها. وإنْ تَمَكَّنَتْ الإصابَةُ مِنكم وانْتَهى الأمْرُ فِيها إلى الحَدِّ الَّذِي يَرْثِي الشّامِتُ عِنْدَهُ مِنها، فَهم لا يَرْثُونَ لَكم ولا يَنْفَكُّونَ عَنْ حَسَدِهِمْ، ولا في هَذِهِ الحالِ، بَلْ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ. واَللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى - .

وهَذا مِن أسْرارِ بَلاغَةِ التَّنْزِيلِ. فَدَلَّ التَّعْبِيرُ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ. فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرِنا، فَغَيْرُهُ أوْلى، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثِي لَهُ الشّامِتُ فَهم لا يُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟ . قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ مُنْكِيًا غائِظًا مُؤْلِمًا - داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَصْبِرُوا عَلى ما يَبْتَلِيكم اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ والمَصائِبِ، وتَثْبُتُوا عَلى الطّاعَةِ وتَنْفُوا الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في أُمُورِكم، والِالتِجاءَ إلى وِلايَتِهِمْ: ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ لِأنَّ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ الصّابِرَ عَلى بَلائِهِ، المُسْتَعِينَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ: ظافِرٌ في طِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ، مَحْفُوظٌ بِحُسْنِ كَلاءَةِ رَبِّهِ. والمُسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ: مَخْذُولٌ مَوْكُولٌ إلى نَفْسِهِ، مَحْرُومٌ عَنْ نُصْرَةِ رَبِّهِ، أفادَهُ القاشانِيُّ.

(p-٩٥٣)وقِيلَ: المُرادُ بِنَفْيِ الضَّرَرِ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِ، لِأنَّ المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ، جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ. و (الكَيْدُ): الِاحْتِيالُ عَلى إيقاعِ الغَيْرِ في مَكْرُوهٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في مُعاداتِكم مِنَ الكَيْدِ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ. وبِتاءِ الخِطابِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ.

تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ:

قالَ الرّازِيُّ: إطْلاقُ لَفْظِ (المُحِيطِ) عَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ المُحِيطَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي يُحِيطُ بِهِ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِكُلِّ الأشْياءِ، قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، جازَ في مَجازِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] انْتَهى.

أقُولُ: ما ذَكَرَهُ شُبْهَةٌ جَهْمِيَّةٌ مَبْناها قِياسُ صِفَةِ القَدِيمِ عَلى الحَوادِثِ، وأخْذُ خاصَّتِها بِهِ، وهو قِياسٌ مَعَ الفارِقِ. والسَّمْعِيّاتُ تُتَلَقّى مِن عُرْفِ المُتَكَلِّمِ بِالخِطابِ، لا مِنَ الوَضْعِ المُحْدَثِ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ الألْفاظَ الَّتِي جاءَتْ في القُرْآنِ مَوْضُوعَةً لِمَعانٍ، ثُمَّ يُرِيدُ أنَّ يُفَسِّرَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ المَعانِي، وتَتِمَّةُ هَذا البَحْثِ تَقَدَّمَتْ في تَفْسِيرِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مِنَ البَسْمَلَةِ أوَّلَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ. فارْجِعْ إلَيْها.

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢١ ] ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ: خَرَجْتَ: ﴿مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ﴾ أيْ: تُنَزِّلُ: ﴿المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ﴾ أيْ: أماكِنَ ومَراكِزَ يَقِفُونَ فِيها: ﴿لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وعُلَماءُ المَغازِي إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، والسِّرُّ في سَوْقِ هَذِهِ الوَقْعَةِ الأُحُدِيَّةِ وإيلائِها البَدْرِيَّةِ، (p-٩٥٤)هُوَ تَقْرِيرُ ما سَبَقَ. فَإنَّ المُدَّعى فِيما قَبْلَها المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ، وسُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النَّصْرِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ، إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، والتَّغْيِيرُ إذا غَيَّرُوا. أيْ: اذْكُرْ لَهم ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكم الماضِيَةِ حِينَ لَمْ يَصْبِرُوا في أُحُدٍ، فَأُصِيبُوا، وسَرَّتْ الأعْداءَ مُصِيبَتُكم، وحِينَ صَبَرُوا واتَّبَعُوا فَنُصِرُوا وساءَ العَدُوَّ نَصْرُهم. وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ ﷺ تَهْيِيجٌ لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ واتِّباعِ الدَّلِيلِ، مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ كَذا يُسْتَفادُ مِن تَفْسِيرِ البِقاعِيِّ.

وهَذِهِ الآيَةُ هي افْتِتاحُ القِصَّةِ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها سِتُّونَ آيَةً، وأُشِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي في هَذِهِ الوَقْعَةِ، كَما سَيُذْكَرُ، وكانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ بِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ، وكانَ سَبَبُها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قُتِلَ أشْرافُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، وأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لِمَ يُصابُوا بِمِثْلِها، ورَأسَ فِيهِمْ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ؛ لِذَهابِ أكابِرِهِمْ، وجاءُوا إلى أطْرافِ المَدِينَةِ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَنَلْ ما في نَفْسِهِ، أخَذَ يُؤَلِّبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُسْلِمِينَ، ويَجْمَعُ الجُمُوعَ قَرِيبًا مِن ثَلاثَةِ آلافٍ مِن قُرَيْشٍ والحُلَفاءِ والأحابِيشِ. وجاءُوا بِنِسائِهِمْ لِئَلّا يَفِرُّوا لِيُحامُوا عَنْهُنَّ، ثُمَّ أقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِن جَبَلِ أُحُدٍ، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ: أيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أمْ يَمْكُثُ في المَدِينَةِ ؟ وكانَ رَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ. وأنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، فَإنْ دَخَلُوها قاتَلَهم المُسْلِمُونَ عَلى أفْواهِ الأزِقَّةِ، والنِّساءُ مِن فَوْقِ البُيُوتِ، ووافَقَهُ عَلى هَذا الرَّأْيِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وكانَ هو الرَّأْيَ، فَبادَرَ جَماعَةٌ مِن فُضَلاءِ الصَّحابَةِ مِمَّنْ فاتَهُ الخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَنَهَضَ ودَخَلَ بَيْتَهُ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ انْثَنى عَزْمُ أُولَئِكَ المُلِحِّينَ، وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الخُرُوجِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أحْبَبْتَ أنْ تَمْكُثَ في المَدِينَةِ فافْعَلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ»» .

وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في (p-٩٥٥)ألْفٍ مِن أصْحابِهِ، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا وهو بِالمَدِينَةِ: رَأى أنَّ في سَيْفِهِ ثُلْمَةً، ورَأى أنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ، وأنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ. فَتَأوَّلَ الثُّلْمَةَ في سَيْفِهِ: بِرَجُلٍ يُصابُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وتَأوَّلَ البَقَرَ: بِنَفَرٍ مِن أصْحابِهِ يُقْتَلُونَ، وتَأوَّلَ الدِّرْعَ: بِالمَدِينَةِ. فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَلَمّا صارَ بِالشَّوْطِ، بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ، انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثُلْثِ النّاسِ، مُغاضِبًا لِمُخالَفَةِ رَأْيِهِ في المُقامِ. فَتَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، والِدُ جابِرٍ، يُوَبِّخُهم ويَحُضُّهم عَلى الرُّجُوعِ ويَقُولُ: تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ادْفَعُوا. قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَمْ نَرْجِعْ. فَرَجَعَ عَنْهم وسَبَّهم، وسَألَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَسْتَعِينُوا بِحُلَفائِهِمْ مَن يَهُودَ فَأبى، وسَلَكَ حَرَّةَ بَنِي حارِثَةَ، ومَرَّ بَيْنَ الحَوائِطِ، وأبُو خَيْثَمَةَ مِن بَنِي حارِثَةَ يَدُلُّ بِهِ، حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مُسْتَنِدًا إلى الجَبَلِ، ونَهى النّاسَ عَنْ القِتالِ حَتّى يَأْمُرَهم، فَلَمّا أصْبَحَ يَوْمُ السَّبْتِ تَعَبّى لِلْقِتالِ وهو في سَبْعِمِائَةٍ. فِيهِمْ خَمْسُونَ فارِسًا وخَمْسُونَ رامِيًا وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ. وأمَرَهُ وأصْحابَهُ أنْ يَلْزَمُوا مَراكِزَهم، وألّا يُفارِقُوهُ ولَوْ رَأوْا الطَّيْرَ تَخَطَّفُ العَسْكَرَ. وكانُوا خَلْفَ الجَيْشِ. وأمَرَهم أنْ يَنْضَحُوا المُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ لِئَلّا يَأْتُوا المُسْلِمِينَ مِن ورائِهِمْ. وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ، وأعْطى اللِّواءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وجَعَلَ عَلى إحْدى المُجَنِّبَتَيْنِ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ، وعَلى الأُخْرى المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو. واسْتَعْرَضَ الشَّبابَ يَوْمَئِذٍ. فَرَدَّ مَن اسْتَصْغَرَهُ عَنْ القِتالِ. مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وعَرابَةُ بْنُ أوْسٍ وعَمْرُو بْنُ حِزامٍ. وأجازَ مَن رَآهُ مُطِيقًا. مِنهم: سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ورافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، ولَهُما خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقِيلَ: أجازَ مَن أجازَهُ، لِبُلُوغِهِ بِالسِّنِّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ورَدَّ مَن رَدَّ لِصِغَرِهِ عَنْ سِنِّ البُلُوغِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما أجازَ مَن أجازَ لِإطاقَتِهِ، ورَدَّ مَن رَدَّ لِعَدَمِ إطاقَتِهِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وعَدَمِهِ في ذَلِكَ. قالُوا: وفي بَعْضِ ألْفاظٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمّا رَآنِي مُطِيقًا أجازَنِي. (p-٩٥٦)وتَعَبَّتْ قُرَيْشٌ لِلْقِتالِ، وهم في ثَلاثَةِ آلافٍ، وفِيهِمْ مِائَتا فارِسٍ، فَجَعَلُوا عَلى مَيْمَنَتِهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وعَلى المَيْسَرَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، ودَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ إلى أبِي دُجانَةَ (سِماكِ بْنِ خَرَشَةَ)، وكانَ شُجاعًا بَطَلًا يَخْتالُ عِنْدَ الحَرْبِ، وكانَ أوَّلُ مَن بَدَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، واسْمُهُ: عَبْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيٍّ، وكانَ يُسَمّى: (الرّاهِبَ) لِتَرَهُّبِهِ وتَنَسُّكِهِ في الجاهِلِيَّةِ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الفاسِقَ) . وكانَ رَأْسَ الأوْسِ في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَ بِهِ، وجاهَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ، وذَهَبَ إلى قُرَيْشٍ يُؤَلِّبُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَحُضُّهم عَلى قِتالِهِ، ووَعَدَهم بِأنَّ قَوْمَهُ إذا رَأوْهُ أطاعُوهُ ومالُوا مَعَهُ. فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَنادى قَوْمَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ. قالُوا: لا أنْعَمَ اللَّهُ لَكَ عَيْنًا يا فاسِقُ ! فَقاتَلَ المُسْلِمِينَ قِتالًا شَدِيدًا، وأبْلى يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ وشَيْبَةُ وأبُو دُجانَةَ والنَّضْرُ بْنُ أنَسٍ بَلاءً شَدِيدًا، وأُصِيبَ جَماعَةٌ مِنَ الأنْصارِ مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ واشْتَدَّ القِتالُ، وكانَتْ الدَّوْلَةُ أوَّلَ النَّهارِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ، فانْهَزَمَتْ أعْداءُ اللَّهِ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ حَتّى انْتَهَوْا إلى نِسائِهِمْ. فَلَمّا رَأى الرُّماةُ هَزِيمَتَهم تَرَكُوا مَرْكَزَهم الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، وقالُوا: يا قَوْمُ ! الغَنِيمَةُ ! الغَنِيمَةُ ! فَذَكَّرَهم أمِيرُهم عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْمَعُوا، وظَنُّوا أنْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ رَجْعَةٌ، فَذَهَبُوا في طَلَبِ الغَنِيمَةِ، وأخْلَوْا الثَّغْرَ، ولَمْ يُطِعْ أمِيرَهم مِنهم إلّا نَحْوُ العَشْرَةِ، فَكَرَّ المُشْرِكُونَ وقَتَلُوا مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ، ثُمَّ أتَوْا الصَّحابَةَ مِن ورائِهِمْ وهم يَنْتَهِبُونَ، فَأحاطُوا بِهِمْ، واسْتُشْهِدَ مِنهم مَن أكْرَمَهُ اللَّهُ، ووَصَلَ العَدُوُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ اللِّواءِ دُونَهُ حَتّى قُتِلَ، وجُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وجْهِهِ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ اليُمْنى السُّفْلى بِحَجَرٍ، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ في رَأْسِهِ، يُقالُ: إنَّ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ اللَّيْثِيُّ. وشَدَّ حَنْظَلَةُ الغَسِيلُ عَلى أبِي سُفْيانَ لِيَقْتُلَهُ، فاعْتَرَضَهُ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ اللَّيْثِيُّ، مِن شُعُوبٍ، فَقَتَلَهُ. وكانَ جُنُبًا. فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ المَلائِكَةَ غَسَّلَتْهُ. (p-٩٥٧)وأكَبَّتْ الحِجارَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى سَقَطَ مِن بَعْضِ حُفَرٍ هُناكَ، فَأخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ، واحْتَضَنَهُ طَلْحَةُ حَتّى قامَ، ومَصَّ الدَّمَ مَن جُرْحِهِ مالِكُ بْنُ سِنانٍ الخُدْرِيُّ، والِدُ أبِي سَعِيدٍ، ونَشِبَتْ حَلْقَتانِ مَن حِلَقِ المِغْفَرِ في وجْهِهِ ﷺ فانْتَزَعَهُما أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ. فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتاهُ فَصارَ أهْتَمَ. ولَحِقَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وكَرَّ دُونَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقُتِلُوا كُلُّهم وكانَ آخِرُهم عَمّارُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، ثُمَّ قاتَلَ طَلْحَةُ حَتّى أُجْهِضَ المُشْرِكُونَ. وأبُو دُجانَةَ يَلِي النَّبِيَّ ﷺ بِظَهْرِهِ وتَقَعُ فِيهِ النَّبْلُ فَلا يَتَحَرَّكُ، وأُصِيبَتْ عَيْنُ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ. فَرَجَعَ وهي عَلى وجْنَتِهِ، فَرَدَّها عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ فَصَحَّتْ. وكانَتْ أحْسَنَ عَيْنَيْهِ. وانْتَهى النَّضْرُ بْنُ أنَسٍ إلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وقَدْ دَهِشُوا، وقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ في الحَياةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ النّاسَ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةٌ، وجُرِحَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عِشْرِينَ جِراحَةً بَعْضُها في رِجْلِهِ فَعَرِجَ مِنها. وقُتِلَ حَمْزَةُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ . ونادى الشَّيْطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، لِأنَّ عَمْرَو بْنَ قَمِيئَةَ كانَ قَدْ قَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَظُنُّ أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . ووَهَنَ المُسْلِمُونَ لِصَرِيخِ الشَّيْطانِ. ثُمَّ إنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ الشّاعِرَ، مِن بَنِي سَلَمَةَ، عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ يُبَشِّرُ النّاسَ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: أنْصِتْ. فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ونَهَضُوا مَعَهُ نَحْوَ الشِّعْبِ، وأدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ في الشِّعْبِ، فَتَناوَلَ ﷺ الحَرْبَةَ مِنَ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ وطَعَنَهُ بِها في عُنُقِهِ، فَكَرَّ أُبَيٌّ مُنْهَزِمًا. وقالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: ما بِكَ مِن بَأْسٍ. فَقالَ: واَللَّهِ ! لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي، وكانَ ﷺ قَدْ تَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ. فَماتَ عَدُوُّ اللَّهِ بِسَرِفَ، مَرْجِعَهم إلى مَكَّةَ. ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالماءِ فَغَسَلَ وجْهَهُ ونَهَضَ. فاسْتَوى عَلى صَخْرَةٍ مِنَ الجَبَلِ. وحانَتْ الصَّلاةُ فَصَلّى بِهِمْ قُعُودًا. وغَفَرَ اللَّهُ لِلْمُنْهَزِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. ونَزَلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآيَةُ. (p-٩٥٨)واسْتُشْهِدَ نَحْوٌ مِن سَبْعِينَ. مُعْظَمُهم مِنَ الأنْصارِ. وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ اثْنانِ وعِشْرُونَ. ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ. ويُقالُ: إنَّهُ قالَ لَعَلِيٍّ: لا يُصِيبُ المُشْرِكُونَ مِنّا مِثْلَها حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنا.

هَذا مُلَخَّصُ هَذِهِ القِصَّةِ. وقَدْ ساقَها بِأطْوَلَ مِن هَذا أهْلُ السِّيَرِ. وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ. وأمّا ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والفِقْهِ والحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ، فَقَدْ تَكَفَّلَ بَيانَها الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) فارْجِعْ إلَيْهِ.

تَنْبِيهٌ:

فَسَّرَ أكْثَرُ العُلَماءِ (غَدَوْتَ) بِأصْلِها، وهو الخُرُوجُ غَدْوَةً، أيْ: بُكْرَةً. ثُمَّ اسْتَشْكَلُوا أنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلى أُحُدٍ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ كَما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ أهْلِ السِّيَرِ، فَكَيْفَ المُطابَقَةُ ؟

فَمِنهم مَن أجابَ بِأنَّ المُرادَ غَدْوَةُ السَّبْتِ، وأنَّهُ كانَ في صَباحِهِ التَّبَوُّؤُ لِلْمَقاعِدِ، إلّا أنَّهُ لا يُساعِدُهُ: (مِن أهْلِكَ) لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وقْتَئِذٍ أهْلُهُ مَعَهُ.

ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ: غَدْوَةُ الجُمْعَةِ أيْ: اذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ صَبِيحَةَ الجُمْعَةِ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ تَسْتَشِيرُهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ قالَ: وبَنى مِن (غَدَوْتَ) حالًا إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ شُرُوعٌ في مُسَبَّبِهِ، فَقالَ: (تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ) أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ.

وكانَ يَخْطُرُ لِي أنَّ الأقْرَبَ جَعْلُ الغُدُوِّ بِمَعْنى الخُرُوجِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالبُكْرَةِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ.

ثُمَّ رَأيْتُ في فَتْحِ البَيانِ ما اسْتَظْهَرْتُهُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلى المُوافَقَةِ، ونَصُّهُ: وعَبَّرَ عَنْ الخُرُوجِ بِالغُدُوِّ الَّذِي هو الخُرُوجُ غَدْوَةً مَعَ كَوْنِهِ ﷺ خَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالغَدْوَةِ والرَّواحِ عَنْ الخُرُوجِ والدُّخُولِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُما، كَما يُقالُ: (أضْحى) وإنْ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ الضُّحى - انْتَهى - .

(p-٩٥٩)قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، كَما يَأْتِي في صَرِيحِ الذِّكْرِ آخِرَ القِصَّةِ، مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ، فَضْلًا عَنْ المُصارِحِينَ بِالمُصارَمَةِ، مُتَّصِفُونَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في هَمِّ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ بِالفَشَلِ. كانَ إيلاءُ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ اتِّخاذِ بِطانَةِ السُّوءِ الَّذِينَ لا يُقَصِّرُونَ عَنْ فَسادٍ، في غايَةِ المُناسَبَةِ. ولِذَلِكَ افْتَتَحَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا مِن (إذْ غَدَوْتَ) دَلِيلًا عَلى ما قَبْلُهُ مِن أنَّ بِطانَةَ السُّوءِ لا يَأْلُونَهم خَبالًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском