Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:122–129
3:122Page 66
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٢ ] ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ: ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ: تَكْسَلا وتَجْبُنا وتَضْعُفا لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ، فَعَصَمَهُما اللَّهُ، فَمَضَيا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ ناصِرُهُما، ومُتَوَلِّي أمْرِهِما، فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ اسْتِقْلالًا أوْ اشْتِراكًا: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَإنَّهُ حَسْـبُهم، والتَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِن وكَلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ في كِفايَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْفَعَ الإنْسانُ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن مَكْرُوهٍ وآفَةٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وأنْ يَصْرِفَ الجَزَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿(إذْ هَمَّتْ (p-٩٦٠)طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما)﴾ - قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ، وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾
أيْ لِفَرْطِ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى، وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ. وإنَّ تِلْكَ الهِمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.
3:123Page 66
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٣ ] ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ. وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ عَدَدًا وعُدَدًا، والكُفّارُ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَصَرَ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ، فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى والصَّبْرِ والتَّقْوى هو النَّصْرُ والمَعُونَةُ والتَّأْيِيدُ. و(بَدْرٌ) مَوْضِعٌ بَيْنَ الحَرَمَيْنِ، إلى المَدِينَةِ أقْرَبُ، يُقالُ هو مِنها عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَرْسَخًا. أوْ اسْمُ بِئْرٍ هُناكَ، حَفَرَها رَجُلٌ اسْمُهُ بَدْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم بِتَقْواكم مِن نُصْرَتِهِ. وقَدْ أُشِيرَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وكانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ، السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. وكانَ سَـبَبُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مُقْبِلَةٌ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ. مَعَها ثَلاثُونَ أوْ أرْبَعُونَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، عَمِيدُهم أبُو سُفْيانَ، ومَعَهُ عَمْرُو بْنُ العاصِ، ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ.
فَنَدَبَ ﷺ إلى هَذِهِ العِيرِ. وأمَرَ مَن كانَ ظَهْرُهُ حاضِرًا بِالخُرُوجِ. ولَمْ يَحْتَفِلْ في الحَشْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يَظُنَّ قِتالًا. وخَرَجَ مُسْرِعًا في ثَلاثِمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسانِ، وكانَ مَعَهم سَبْعُونَ بَعِيرًا يَتَعَقَّبُونَها. واتَّصَلَ خُرُوجُهُ بِأبِي سُفْيانَ، فاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ، وبَعَثَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُهم لِعِيرِهِمْ. فَنَفَرُوا وأوْعَبُوا. وخَرَجَ ﷺ لِثَمانٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ، واسْتَخْلَفَ عَلى الصَّلاةِ عَمْرَو بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ورَدَّ أبا لُبابَةَ مِنَ الرَّوْحاءِ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ودَفَعَ إلى (p-٩٦١)عَلِيٍّ رايَةً، وإلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ رايَةً أُخْرى، يُقالُ: كانَتا سَوْداوَيْنِ. وجَعَلَ عَلى السّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أبِي صَعْصَعَةَ. ورايَةُ الأنْصارِ يَوْمَئِذٍ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَسَلَكُوا نَقْبَ المَدِينَةِ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ انْتَهَوْا إلى صُخَيْراتِ يَمامٍ، ثُمَّ إلى بِئْرِ الرَّوْحاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا ذاتَ اليَمِينِ عَنْ الطَّرِيقِ إلى الصَّفْراءِ. وبَعَثَ ﷺ قَبْلَها بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وعَدِيَّ بْنَ أبِي الزَّغْباءِ إلى بَدْرٍ، يَتَجَسَّسانِ أخْبارَ أبِي سُفْيانَ وعِيرِهِ، ثُمَّ تَنَكَّبَ عَنْ الصَّفْراءِ يَمِينًا، وخَرَجَ عَلى وادِي دَقْرانَ، فَبَلَغَهُ خُرُوجُ قُرَيْشٍ ونَفِيرُهم، فاسْتَشارَ أصْحابَهُ، فَتَكَلَّمَ المُهاجِرُونَ، وأحْسَنُوا، وهو يُرِيدُ ما يَقُولُ الأنْصارُ، وفَهِمُوا ذَلِكَ، فَتَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وكانَ فِيما قالَ: لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ لَخُضْناهُ مَعَكَ، فَسِرْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: «سِيرُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ» .
ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِن دَقْرانَ إلى قَرِيبٍ مِن بَدْرٍ، وبَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وسَعْدًا في نَفَرٍ يَلْتَمِسُونَ الخَبَرَ. فَأصابُوا غُلامَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَأتَوْا بِهِما، وهو ﷺ قائِمٌ يُصَلِّي، وقالُوا: نَحْنُ سُقاةُ قُرَيْشٍ، فَكَذَّبُوهُما، كَراهِيَةً في الخَبَرِ، ورَجاءَ أنْ يَكُونا مِنَ العِيرِ لِلْغَنِيمَةِ وقِلَّةِ المُؤْنَةِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُما فَيَقُولانِ: نَحْنُ مِنَ العِيرِ. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وقالَ لِلْغُلامَيْنِ: أخْبِرانِي أيْنَقُرَيْشٌ ؟ فَأخْبَراهُ أنَّهم وراءَ الكَثِيبِ وأنَّهم يَنْحَرُونَ يَوْمًا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَوْمًا تِسْعًا، فَقالَ ﷺ: «القَوْمُ ما بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ والألِفِ» .
وقَدْ كانَ بَسْبَسٌ وعَدِيٌّ مَضَيا يَتَجَسَّسانِ ولا خَبَرَ، حَتّى نَزَلا وأناخا قُرْبَ الماءِ، واسْتَقَيا في شَنٍّ لَهُما، ومَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو مِن جُهَيْنَةَ يَقْرَبُهُما. فَسَمِعَ عَدِيٌّ جارِيَةً مِن جَوارِي الحَيِّ تَقُولُ لِصاحِبَتِها: العِيرُ تَأْتِي غَدًا أوْ بَعْدَ غَدٍ، وأعْمَلُ لَهم وأقْضِيكَ الَّذِي لَكَ، وجاءَتْ إلى مَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو، فَصَدَّقَها. فَرَجَعَ بَسْبَسٌ وعَدِيٌّ بِالخَبَرِ. وجاءَ أبُو سُفْيانَ بَعْدَهُما يَتَجَسَّسُ الخَبَرَ. فَقالَ لِمَجْدِيٍّ: هَلْ أحْسَسْتَ أحَدًا ؟ فَقالَ: راكِبَيْنِ أناخا يَمِيلانِ لِهَذا التَّلِّ، فاسْتَقَيا الماءَ ونَهَضا. فَأتى أبُو سُفْيانَ مُناخَهُما. وفَتَّتَ مِن أبْعارِ رَواحِلِهِما. فَقالَ: هَذِهِ - واَللَّهِ - عَلائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ سَرِيعًا وقَدْ حَذِرَ، وتَنَكَّبَ بِالعِيرِ إلى طَرِيقِ السّاحِلِ فَنَجا. وأوْصى إلى قُرَيْشٍ بِأنّا قَدْ نَجَوْنا بِالعِيرِ فارْجِعُوا.
فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واَللَّهِ لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ ماءَ بِدْرٍ، ونُقِيمَ بِهِ ثَلاثًا، وتَهابُنا العَرَبُ أبَدًا، (p-٩٦٢)ورَجَعَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ بِجَمِيعِ بَنِي زُهْرَةَ، وكانَ حَلِيفَهم ومُطاعًا فِيهِمْ، وقالَ: إنَّما خَرَجْتُمْ تَمْنَعُونَ أمْوالَكم وقَدْ نَجَتْ، فارْجِعُوا. وكانَ بَنُو عَدِيٍّ لَمْ يَنْفِرُوا مَعَ القَوْمِ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِن قُرَيْشٍ عَدَوِيٌّ ولا زُهْرِيٌّ. وسَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا إلى ماءِ بَدْرٍ، وثَبَّطَهم عَنْهُ مَطَرٌ نَزَلَ وبْلُهُ مِمّا يَلِيهِمْ، وأصابَ مِمّا يَلِي المُسْلِمِينَ دَهْسَ الوادِي، وأعانَهم عَلى السَّيْرِ. فَنَزَلَ ﷺ عَلى أدْنى ماءٍ مِن مِياهِ بَدْرٍ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ لَهُ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ: آللَّهُ أنْزَلَكَ بِهَذا المَنزِلِ فَلا نَتَحَوَّلُ عَنْهُ، أمْ قَصَدْتَ الحَرْبَ والمَكِيدَةَ ؟ فَقالَ ﷺ: «لا بَلْ هو الرَّأْيُ والحَرْبُ» . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَيْسَ هَذا بِمَنزِلٍ، وإنَّما نَأْتِي أدْنى ماءٍ مِنَ القَوْمِ فَنَنْزِلُهُ ونَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا، ونَمْلَؤُهُ ونُغَوِّرُ القُلُبَ كُلَّها، فَنَكُونُ قَدْ مَنَعْناهم الماءَ، فاسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ بَنَوْا عَرِيشًا عَلى تَلٍّ مُشْرِفٍ عَلى المَعْرَكَةِ يَكُونُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى يَأْتِيَهُ النَّصْرُ مِن رَبِّهِ، ومَشى يُرِيهِمْ مَصارِعَ القَوْمِ واحِدًا واحِدًا.
ولَمّا نَزَلَ قُرَيْشٌ مِمّا يَلِيهِمْ بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ الجُمَحِيَّ يَحْزِرُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَزَرَهم وانْصَرَفَ وخَبَّرَهم الخَبَرَ. ورامَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أنْ يَرْجِعا بِقُرَيْشٍ، ولا يَكُونُ الحَرْبُ، فَأبى أبُو جَهْلٍ، وساعَدَهُ المُشْرِكُونَ، وتَواقَفَتْ الفِئَتانِ، وعَدَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفُوفَ بِيَدِهِ، ورَجَعَ إلى العَرِيشِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وحْدَهُ، وطَفِقَ يَدْعُو ويُلِحُّ، وأبُو بَكْرٍ يُقاوِلُهُ. ويَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ ! إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ، اللَّهُمَّ ! أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي.
وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنَ الأنْصارِ عَلى بابِ العَرِيشِ يَحْمُونَهُ، وأخْفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْتَبَهَ، فَقالَ: أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ ! فَقَدْ أتى نَصْرُ اللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ يُحَرِّضُ النّاسَ. ورَمى في وُجُوهِ القَوْمِ بِحَفْنَةٍ مِن حَصًى وهو يَقُولُ: شاهَتْ الوُجُوهُ. ثُمَّ تَزاحَفُوا، فَخَرَجَ عُتْبَةُ وأخُوهُ شَيْبَةُ وابْنُهُ الوَلِيدُ يَطْلُبُونَ البِرازَ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَقَتَلَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ شَيْبَةَ والوَلِيدَ، وضَرَبَ عُتْبَةُ عُبَيْدَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَماتَ، وجاءَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ إلى عُتْبَةَ فَقَتْلاهُ، (p-٩٦٣)وقَدْ كانَ بَرَزَ إلَيْهِمْ عَوْفٌ ومُعاذٌ ابْنا عَفْراءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ مِنَ الأنْصارِ فَأبَوْا إلّا قَوْمَهم. وجالَ القَوْمُ جَوْلَةً، فَهُزِمَ المُشْرِكُونَ. وقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. وأُسِرَ سَبْعُونَ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. ثُمَّ انْجَلَتْ الحَرْبُ، وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، وقَسَّمَ الغَنائِمَ في الصَّفْراءِ، ودَخَلَ المَدِينَةَ لِثَمانٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ»، وبَسْطُ القِصَّةِ في السِّـيَرِ. ومِن أبْدَعِها سِياقًا وفِقْهًا (زادُ المَعادِ) فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
3:124Page 66
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤
[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٤ ] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾
﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكُمْ﴾ لِتَقْوِيَتِكم ونَصْرِكم ودَفْعِ أعْدائِكم: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ مِن سَمائِهِ لِقِتالِ أعْدائِهِ. وقَوْلُهُ:
3:125Page 66
بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥
Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٥ ] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
﴿بَلى﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ مَقُولِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَأْيِيدًا لِقَوْلِ نَبِيِّهِ وزِيادَةً عَلى ما وعَدَهم تَكَرُّمًا وفَضْلًا. أيْ: نَعَمْ يَكْفِيكم الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ، ولَكِنَّهُ يَزِيدُكم: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى قِتالِهِمْ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ الفِرارَ عَنْهم: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: ساعَتِهِمْ هَذِهِ فَلا تَنْزَعِجُوا بِمُفاجَأتِهِمْ: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في حال إتْيانِهِمْ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُهم عَنْ إتْيانِهِمْ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم بِأداةِ الحَرْبِ عَلى عادَةِ الفُرْسانِ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفُوا بِها. وقُرِئَ (p-٩٦٤)بِفَتْحِ الواوِ، أيْ: مُعَلَّمِينَ مِن قِبَلِهِ تَعالى. رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ««هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أداةٌ لِلْحَرْبِ»» .
تَنْبِيهٌ:
وفِي وعْدِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإمْدادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ [آل عمران: ١٢٤] وجْهانِ:
اَلْأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ سِياقَ ما قَبْلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فَـ (إذْ) ظَرْفٌ لِـ (نَصَرَكم)، أيْ: نَصَرَكم وقْتَ قَوْلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ أظْهَرُوا العَجْزَ واسْتَغاثُوا رَبَّهم. فَإنْ قِيلَ: فَما الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى هَذا الوَجْهِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
فالجَوابُ: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى الألِفِ هَهُنا لا يُنافِي الثَّلاثَةَ آلافٍ فَما فَوْقَها، لِقَوْلِهِ (مُرْدِفِينَ) بِمَعْنى يُرْدِفُهم غَيْرُهم، ويَتْبَعُهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهم، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَغاثُوا أمَدَّهم بِألْفٍ ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ لَمّا صَبَرُوا واتَّقَوْا، وكانَ هَذا التَّدْرِيجُ ومُتابَعَةُ الإمْدادِ أحْسَنَ مَوْقِعًا وأقْوى لِتَقْوِيَتِهِمْ، وأسْرِها مِن أنْ يَأْتِيَ مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ، ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِألْفٍ، ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ أنَّ سِياقَ بَدْرٍ في الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] الآياتُ شَبِيهَةٌ بِهَذا السِّياقِ هُنا، كَما يَذُوقُهُ مَن تَدَبَّرَهُ.
(p-٩٦٥)اَلْوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ القِصَّةَ في سِياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أُدْخِلَ ذِكْرُ بَدْرٍ اعْتِراضًا في أثْنائِها؛ لِيُذَكِّرَهم بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، لَمّا نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، وإنَّهُ كَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ في سائِرِ المَواطِنِ. ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهم: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآيَةُ. ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ. فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ. وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذاكَ مُطْلَقٌ، والقِصَّةُ في هَذِهِ السُّورَةِ هي قِصَّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةً مُطَوَّلَةً، وبَدْرٌ ذُكِرَتْ فِيها اعْتِراضًا، والقِصَّةُ في الأنْفالِ قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفاةً مُطَوَّلَةً، فالسِّياقُ هُنا غَيْرَ السِّياقِ في الأنْفالِ - أشارَ لِذَلِكَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) .
وقَدْ انْتَصَرَ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، وبَيَّنَ ضَعْفَ الثّانِي بِأوْجُهٍ وجِيهَةٍ. فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
ونَقَلَ الخازِنُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤] فَوَعَدَهم اللَّهُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَدَدًا لَهم، ثُمَّ وعَدَهم بَعْدَ الثَّلاثَةِ الآلافِ، خَمْسَةَ آلافٍ إنْ صَبَرُوا لِأعْدائِهِمْ واتَّقَوْا اللَّهَ.
ولا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهم أُمِدُّوا بِالثَّلاثَةِ آلافٍ ولا بِالخَمْسَةِ آلافٍ، ولا عَلى أنَّهم لَمْ يُمَدُّوا بِهِمْ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أمَدَّهم عَلى نَحْوِ ما رَواهُ الَّذِينَ أثْبَتُوا أنَّهُ أمَدَّهم. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمْ يُمِدَّهم عَلى نَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ. ولا خَبَرَ عِنْدَنا صَحَّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُ أنَّهم أُمِدُّوا بِالثَّلاثَةِ الآلافِ. ولا بِالخَمْسَةِ الآلافِ.
(p-٩٦٦)وغَيْرُ جائِزٍ، أنْ يُقالَ في ذَلِكَ قَوْلٌ إلّا بِخَبَرٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا خَبَرَ بِهِ كَذَلِكَ، فَنُسَلِّمُ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ قَوْلَهُ.
غَيْرَ أنَّ في القُرْآنِ دِلالَةً عَلى أنَّهم قَدْ أُمِدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
فَأمّا في يَوْمِ أُحُدٍ فالدِّلالَةُ عَلى أنَّهم لَمْ يُمَدُّوا أبْيَنُ مِنها في أنَّهم أُمِدُّوا. وذَلِكَ أنَّهم لَوْ أُمِدُّوا، لَمْ يُهْزَمُوا، ويُنالُ مِنهم ما نِيلَ مِنهم.
فالصَّوابُ فِيهِ مِنَ القَوْلِ أنْ يُقالَ كَما قالَ تَعالى ذِكْرُهُ.
هَذا هو نَصُّ ابْنِ جَرِيرٍ. صَفْحَةُ ١٨٠ - ١٨١ مِنَ الجُزْءِ السّابِعِ طَبْعَةُ المَعارِفِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما تَصْنَعٌ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ المَرْوِيِّ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ومَعَهُ رَجُلانِ يُقاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ، كَأشَدِّ القِتالِ، ما رَأيْتُهُما قَبِلُ ولا بَعْدُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ ؟» قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، لِأنَّهُ صَبَرَ ولَمْ يَنْهَزِمْ كَما انْهَزَمَ أصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ. انْتَهى.
فائِدَةٌ:
اَلْإمْدادُ لُغَةً: الإعانَةُ. والمُرادُ هُنا إعانَةُ الجَيْشِ. وهَلْ إعانَةُ المَلائِكَةِ لِلْجَيْشِ بِالقِتالِ مَعَهم لِلْحَدِيثِ السّابِقِ. ولِحَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحَيْنِ قالَتْ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٩٦٧)مِنَ الخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغْتَسَلَ، أتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ ؟ واَللَّهِ ما وضَعْناهُ، اخْرُجْ إلَيْهِمْ ! قالَ: فَإلى أيْنَ ؟ قالَ: هَهُنا - وأشارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ -» أوْ هي بِتَكْثِيرِ سَوادِ المُسْلِمِينَ وتَثْبِيتِ قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ تَعالى في الأنْفالِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] أوْ بِهِما مَعًا وهو الظّاهِرُ. وقَدْ سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ الحِكْمَةِ في قِتالِ المَلائِكَةِ، مَعَ أنَّ جِبْرِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَدْفَعَ الكُفّارَ بِرِيشَةٍ مِن جَناحِهِ، فَأجابَ بِأنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، وتَكُونَ المَلائِكَةُ مَدَدًا عَلى عادَةِ مَدَدِ الجُيُوشِ، رِعايَةً لِصُورَةِ الأسْبابِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ تَعالى في عِبادِهِ. واَللَّهُ فاعِلُ الجَمِيعِ - انْتَهى - .
3:126Page 66
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦
And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٦ ] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ: ما جُعِلَ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِكم وشَجاعَتِكم ونَجْدَتِكم ونَشاطِكم: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ أيْ: تَسْكُنَ: ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ: فَلا تَجْزَعُ مِن كَثْرَةِ عَدُوِّكم وقِلَّةِ عَدَدِكم: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ، لا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِن غَيْرِهِمْ، فالأسْبابُ الظّاهِرَةُ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وفِيهِ تَوْثِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَدَمُ إقْناطٍ مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فِقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ: ﴿العَزِيزِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ.
3:127Page 66
لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧
That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٧ ] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِيُهْلِكَ ويُنْقِصَ طائِفَةً مِنهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، (p-٩٦٨)كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِنهم، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ، إمّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لِحَقِيقَتِهِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ - وإمّا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] مِنَ الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ: يُخْزِيَهم ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ تَقْوِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أيْ: فَيَرْجِعُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ، وإنَّما أُوقِعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في أثْناءِ الكَلامِ قَوْلُهُ:
3:128Page 66
لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨
Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٨ ] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضًا لِئَلّا يَغْفُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَرى لِنَفْسِهِ تَأْثِيرًا في بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَيَحْتَجِبَ عَنْ التَّوْحِيدِ، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، كَيْفَما كانَ، ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مَأْمُورٌ بِالإنْذارِ. إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ - أفادَهُ القاشانِيُّ - وفي الِاعْتِراضِ تَخْفِيفٌ مِن حُزْنِهِ لِكُفْرِهِمْ، وحِرْصِهِ عَلى هُداهم، كَما قالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ فَيَهْدِيهِمْ لِلْإسْلامِ بَعْدَ الضَّلالَةِ: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى أحَدٍ أوْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّما قالَ، إذا قالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ: «اللَّهُمَّ ! رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ ! أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ ! اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» يَجْهَرُ بِذَلِكَ،» (p-٩٦٩)وكانَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ في صَلاةِ الفَجْرِ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا» لِأحْياءٍ مِنَ العَرَبِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ».
وقَدْ أسْنَدَ ما عَلَّقَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا» . بَعْدَ ما يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ،» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا ولَفْظُهُ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا، اللَّهُمَّ العَنْ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ» . فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ».
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وشُجَّ في جَبْهَتِهِ حَتّى سالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ -»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ -» انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ. ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، وأنَّ الآيَةَ قَدْ تُذْكَرُ اسْتِشْهادًا في مَقامٍ، لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَلُهُ. فَيُطْلِقُ الرّاوِي عَلَيْها النُّزُولَ فِيهِ، ولا يَكُونُ قَصْدُهُ أنَّ هَذا كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، والحِكْمَةُ في مَنعِهِ ﷺ مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ ظَهَرَتْ مِن تَوْبَتِهِمْ أخِيرًا، والإلْحاحُ في الدُّعاءِ مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ولا سِيَّما مِن أشْرَفِ خَلْقِهِ. فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إمْهالَهم إلى أنْ يَتُوبُوا لِسابِقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ. وفِيهِ طَلَبُ التَّفْوِيضِ في الأُمُورِ المُلِمَّةِ، لِما في طَيِّها مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ.
(p-٩٧٠)لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ (أنْ) في حُكْمِ اسْمٍ مَعْطُوفٍ بـ (أوْ) عَلى (الأمْرِ) أوْ عَلى (شَيْءٌ)، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبُهم.
أقُولُ: جَعْلُ: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ مَنصُوبًا بِالعَطْفِ عَلى (يَكْبِتُهم) بَعِيدٌ جِدًّا. وإنْ قَدَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ. وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى ما صَرَّحَتْ بِهِ الرِّواياتُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وهي المَرْجِعُ في التَّأْوِيلِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .
3:129Page 66
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٩ ] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أيْ: لَهُ ما فِيهِما مُلْكًا وأمْرًا: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَحْكُمُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: (يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ)، مَعَ زِيادَةٍ. وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ دُونَ قَرِينَةٍ، مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
(p-٩٧١)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences