Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:7–13, continued
اَلْوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إذا قِيلَ هَذِهِ مِنَ المُتَشابِهِ، أوْ كانَ فِيها ما هو مِنَ المُتَشابِهِ، كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ أنَّهُ سَمّى بَعْضَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الجَهْمِيَّةُ مُتَشابِهًا،، فَيُقالُ: الَّذِي في القُرْآنِ أنَّهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، إمّا المُتَشابِهُ، وإمّا الكِتابُ كُلُّهُ كَما تَقَدَّمَ. ونَفْيُ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ لَيْسَ نَفْيَ عِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْناهُ في القِيامَةِ وأُمُورِ القِيامَةِ. وهَذا الوَجْهُ قَوِيٌّ إنَّ ثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ إسْحاقَ في وفْدِ نَجْرانَ، أنَّهم احْتَجُّوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (إنّا ونَحْنُ) ونَحْوِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ في القُرْآنِ مُتَشابِهًا، وهو ما يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وفي سائِرِ الصِّفاتِ ما هو مِن هَذا البابِ، كَما أنَّ ذَلِكَ في مَسائِلِ المَعادِ وأوْلى، فَإنَّ نَفْيَ المُتَشابِهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ أعْظَمُ مِن نَفْيِ المُتَشابِهِ بَيْنَ مَوْعُودِ الجَنَّةِ ومَوْجُودِ الدُّنْيا، وإنَّما نُكْتَةُ الجَوابِ هو ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا أنَّ نَفْيَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ لَيْسَ نَفْيًا لِعِلْمِ المَعْنى، ونَزِيدُهُ تَقْرِيرًا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] وقالَ (p-٧٧٨)تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يوسف: ١] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] فَأخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَهُ لِيَعْقِلُوهُ، وأنَّهُ طَلَبَ تَذَكُّرَهم. وقالَ أيْضًا: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فَحَضَّ عَلى تَدَبُّرِهِ وفِقْهِهِ وعَقْلِهِ والتَّذَكُّرِ بِهِ والتَّفْكِيرِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ شَيْئًا. بَلْ نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُصَرِّحُ بِالعُمُومِ فِيهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الِاخْتِلافِ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَدَبُّرِهِ كُلِّهِ، وإلّا فَتَدَبُّرُ بَعْضِهِ لا يُوجِبُ الحُكْمَ بِنَفْيِ مُخالَفَةِ ما لَمْ يُتَدَبَّرْ لِما تُدُبِّرَ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قِيلَ لَهُ: هَلْ تَرَكَ عِنْدَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا ؟ فَقالَ: لا واَلَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. فَأخْبَرَ أنَّ الفَهْمَ فِيهِ مُخْتَلِفٌ في الأُمَّةِ، والفَهْمُ أخَصُّ مِنَ العِلْمِ والحُكْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ (p-٧٧٩)وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««رَبَّ مَبْلَغٍ أوَعّى مِن سامِعٍ»»، وقالَ: ««بَلَّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً»» . وأيْضًا فالسَّلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وسائِرِ الأُمَّةِ قَدْ تَكَلَّمُوا في جَمِيعِ نُصُوصِ القُرْآنِ، آياتِ الصِّفاتِ وغَيْرِها، وفَسَّرُوها بِما يُوافِقُ دِلالَتَها، ورَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أحادِيثَ كَثِيرَةً تُوافِقُ القُرْآنَ. وأئِمَّةُ الصَّحابَةِ في هَذا أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ. مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي كانَ يَقُولُ: لَوْ أعْلَمُ أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ آباطُ الإبِلِ لَأتَيْتُهُ. (p-٧٨٠)وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ الَّذِي دَعا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وهو حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانِ القُرْآنِ، كانا هُما وأصْحابُهُما مِن أعْظَمِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينِ إثْباتًا لِلصِّفاتِ ورِوايَةً لَها عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . ومَن لَهُ خِبْرَةٌ بِالحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ يَعْرِفُ هَذا، وما في التّابِعِينِ أجَلُّ مِن أصْحابِ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ، بَلْ وثالِثُهُما في عِلْيَةِ التّابِعِينَ مِن جِنْسِهِمْ أوْ قَرِيبٍ مِنهم جَلالَةً، أصْحابُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، لَكِنَّ أصْحابَهُ مَعَ جَلالَتِهِمْ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ، بَلْ أخَذُوا عَنْ غَيْرِهِ مِثْلَ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. ولَوْ كانَ مَعانِي هَذِهِ الآياتِ مَنفِيًّا أوْ مَسْكُوتًا عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ رَبّانِيُّو الصَّحابَةِ أهْلُ العِلْمِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ أكْثَرَ كَلامًا فِيهِ، ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ نَقَلُوا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم كانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ التَّفْسِيرَ مَعَ التِّلاوَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم عَنْهُ قَطُّ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن تَفْسِيرِ آيَةٍ.
قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنا الَّذِينَ كانُوا يُقْرِئُونَنا: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُما أنَّهم كانُوا إذا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آياتٍ لَمْ يُجاوِزُوها حَتّى يَتَعَلَّمُوا ما فِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، قالُوا: فَتَعَلَّمْنا القُرْآنَ والعِلْمَ والعَمَلَ. وكَذَلِكَ الأئِمَّةُ كانُوا إذا سُئِلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْفُوا مَعْناهُ، بَلْ يُثْبِتُونَ المَعْنى ويَنْفُونَ الكَيْفِيَّةَ. كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى ؟ فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وكَذَلِكَ رَبِيعَةُ قَبْلَهُ. وقَدْ تَلَقّى النّاسُ هَذا الكَلامَ بِالقَبُولِ.
فَلَيْسَ في أهْلِ السُّنَّةِ مَن يُنْكِرُهُ. وقَدْ بَيَّنَ أنَّ الِاسْتِواءَ مَعْلُومٌ، كَما أنَّ سائِرَ ما أخْبَرَ بِهِ مَعْلُومٌ، ولَكِنَّ الكَيْفِيَّةَ لا تُعْلَمُ، ولا يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْها، لا يُقالُ: كَيْفَ اسْتَوى ؟ ولَمْ يَقُلْ مالِكٌ: الكَيْفُ مَعْدُومٌ، وإنَّما قالَ: الكَيْفُ مَجْهُولٌ. وهَذا فِيهِ نِزاعٌ بَيْنَ أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، غَيْرَ أنَّ أكْثَرَهم يَقُولُونَ: لا تَخْطُرُ كَيْفِيَّتُهُ بِبالٍ، ولا تَجْرِي ماهِيَّتُهُ في مَقالٍ. ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ ولا ماهِيَّةٌ. فَإنْ قِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ أنَّ وُرُودَ هَذا اللَّفْظِ في القُرْآنِ مَعْلُومٌ كَما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِنا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعْرِفَةَ مَعانِيها مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّ هَذا (p-٧٨١)مِن بابِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَإنَّ السّائِلَ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذا مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، وقَدْ تَلا الآيَةَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقُلْ ذُكِرَ الِاسْتِواءُ في القُرْآنِ، ولا إخْبارُ اللَّهِ بِالِاسْتِواءِ، وإنَّما قالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، فَأخْبَرَ عَنْ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنَّهُ مَعْلُومٌ، لَمْ يُخْبِرْ عَنْ الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: والكَيْفُ مَجْهُولٌ، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: مَعْنى الِاسْتِواءِ مَجْهُولٌ، أوْ تَفْسِيرُ الِاسْتِواءِ مَجْهُولٌ، أوْ بَيانُ الِاسْتِواءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَنْفِ إلّا العِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِواءِ، لا العِلْمَ بِنَفْسِ الِاسْتِواءِ، وهَذا شَأْنُ جَمِيعِ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ. لَوْ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] كَيْفَ يَسْمَعُ وكَيْفَ يَرى ؟ لَقُلْنا: السَّمْعُ والرُّؤْيَةُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ. ولَوْ قالَ: كَيْفَ كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا ؟ لَقُلْنا: التَّكْلِيمُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وأيْضًا فَإنَّ مَن قالَ هَذا مِن أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ فَوْقَ العَرْشِ حَقِيقَةً، وأنَّ ذاتَهُ فَوْقَ ذاتِ العَرْشِ، لا يُنْكِرُونَ مَعْنى الِاسْتِواءِ، ولا يَرَوْنَ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يُعْلَمُ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ. ثُمَّ السَّلَفُ مُتَّفِقُونَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. قالَ بَعْضُهم: ارْتَفَعَ عَلى العَرْشِ: عَلا عَلى العَرْشِ. وقالَ بَعْضُهم عِباراتٍ أُخْرى. وهَذِهِ ثابِتَةٌ عَنْ السَّلَفِ. وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ بَعْضَها في آخِرِهِ، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ.
وأمّا التَّأْوِيلاتُ المُحَرَّفَةُ مِثْلَ اسْتَوْلى وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهي مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُبْتَدَعَةِ لَمّا ظَهَرَتْ الجَهْمِيَّةُ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ المُتَشابِهِ لَيْسَ في خُصُوصِ الصِّفاتِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ (p-٧٨٢)أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ: ««يا عائِشَةُ ! إذا رَأيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ، فاحْذَرِيهِمْ»»، وهَذا عامٌّ. وقِصَّةُ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن أشْهَرِ القَضايا، فَإنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ حَتّى رَآهُ عُمَرُ، فَسَألَ عُمَرَ عَنْ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] فَقالَ: ما اسْمُكَ ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ، فَقالَ: وأنا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ، وضَرَبَهُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا ألَحَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ في مَسْألَةٍ مِن هَذا الجِنْسِ يَقُولُ: ما أحْوَجَكَ أنْ يُصْنَعَ بِكَ كَما صَنَعَ عُمَرُ بِصَبِيغٍ. وهَذا لِأنَّهم رَأوْا أنَّ غَرَضَ السّائِلِ ابْتِغاءُ الفِتْنَةِ لا الِاسْتِرْشادُ والِاسْتِفْهامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إذا رَأيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ...»» . وكَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ فَعاقِبُوهم عَلى هَذا القَصْدِ الفاسِدِ، كاَلَّذِي يُعارِضُ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَإنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ في قُلُوبِهِمْ (p-٧٨٣)ومَعَ ابْتِغاءِ الفِتْنَةِ ابْتِغاءُ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَكانَ مَقْصُودُهم مَذْمُومًا، ومَطْلُوبُهم مُتَعَذِّرًا، مِثْلَ أُغْلُوطاتِ المَسائِلِ الَّتِي نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها. ومِمّا يُبَيِّنُ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنى والتَّأْوِيلِ أنْ صَبِيغًا سَألَ عَنْ الذّارِياتِ ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحابَةُ في تَفْسِيرِها مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَعَ ابْنِ الكَوّاءِ لَمّا سَألَهُ عَنْها، كَرِهَ سُؤالَهُ، لِما رَآهُ مِن قَصْدِهِ، لَكِنْ عَلِيٌّ كانَ رَعِيَّتُهُ مُلْتَوِيَةً عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مُطاعًا فِيهِمْ طاعَةَ عُمَرَ حَتّى يُؤَدِّبَهُ، والذّارِياتِ والحامِلاتِ والجارِياتِ والمُقَسِّماتِ فِيها اشْتِباهٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الرِّياحَ والسَّحابَ والنُّجُومَ والمَلائِكَةَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ. والتَّأْوِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ هو أعْيانُ الرِّياح ومَقادِيرُها وصِفاتُها وأعْيانُ السَّحابِ وما تَحْمِلُهُ مِنَ الأمْطارِ ومَتى يَنْزِلُ المَطَرُ. وكَذَلِكَ في الجارِياتِ والمُقَسِّماتِ، فَهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: (إنّا ونَحْنُ) ونَحْوِهِما مِن أسْماءِ اللَّهِ الَّتِي فِيها مَعْنى الجَمْعِ كَما اتَّبَعَتْهُ النَّصارى، فَإنَّ مَعْناهُ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، لَكِنَّ اسْمَ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى تَعَدُّدِ المَعانِي بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ المُتَعَدِّدَةِ، مِثْلَ العَلِيمِ والقَدِيرِ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ، فَإنَّ المُسَمّى واحِدٌ، ومَعانِيَ الأسْماءِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَهَكَذا الِاسْمُ الَّذِي لَفْظُهُ الجَمْعُ. وأمّا التَّأْوِيلُ الَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ، فَحَقِيقَةُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ، كَما قالَ مالِكٌ: والكَيْفُ مَجْهُولٌ فَإذا قالُوا: ما حَقِيقَةُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ ؟ قِيلَ: هَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وما أحْسَنَ ما يُعادُ التَّأْوِيلُ إلى القُرْآنِ كُلِّهِ. (p-٧٨٤)فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ: ««اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»» . قِيلَ: أمّا تَأْوِيلُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَذاكَ يَعْلَمُهُ، واللّامُ هُنا لِلتَّأْوِيلِ المَعْهُودِ، لَمْ يَقُلْ: تَأْوِيلَ كُلِّ القُرْآنِ. فالتَّأْوِيلُ المَنفِيُّ هو تَأْوِيلُ الأخْبارِ الَّتِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَخْبَرِها إلّا اللَّهُ، والتَّأْوِيلُ المَعْلُومُ هو الأمْرُ الَّذِي يَعْلَمُ العِبادُ تَأْوِيلَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] فَإنَّ المُرادَ تَأْوِيلُ الخَبَرِ الَّذِي فِيهِ عَنْ المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُنْتَظَرُ ويَأْتِي، ولَمّا يَأْتِهِمْ. وأمّا تَأْوِيلُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَذاكَ في الأمْرِ، وتَأْوِيلُ الخَبَرِ عَنْ اللَّهِ وعَمَّنْ مَضى إنَّ أُدْخِلَ في التَّأْوِيلِ لا يُنْتَظَرُ، واَللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ وبِهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى كَلامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وإنَّما سُقْتُهُ بِطُولِهِ لِما أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ المَعارِكِ المُهِمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَن حَرَّرَها ونَهَجَ فِيها مَنهَجَ الحَقِّ كالشَّيْخِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - . ومَعَ ما في خِلالِ البَحْثِ مِنَ القَواعِدِ الجَلِيلَةِ في فَنِّ التَّفْسِيرِ. فَخُذْ ما أُوتِيتَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ. واَللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
(p-٧٨٥)وقالَ الإمامُ الجَلِيلُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضى اليَمانِيُّ في كِتابِ (إيثارِ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ) في بَحْثِ سَبَبِ الِاخْتِلافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الفِرَقِ ما نَصُّهُ:
وأمّا الأصْلُ الثّانِي وهو السَّمْعُ فَهو اخْتِلافُهم في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: في مَعْرِفَةِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أنْفُسِهِما والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُما حَتّى يُرَدَّ المُتَشابِهُ إلى المُحْكَمِ.
وثانِيهِما: اخْتِلافُهم هَلْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، ثُمَّ اخْتِلافُهم في تَأْوِيلِهِ عَلى تَسْلِيمِ أنَّهم قَدْ عَرَفُوا المُتَشابِهَ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
3:8Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
(p-٧٩٧)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ ] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ مِن مَقالِ الرّاسِخِينَ، أيْ: لا تُمِلْ قُلُوبَنا عَنْ الهُدى بَعْدَ إذْ أقَمْتَها عَلَيْهِ، ولا تَجْعَلْها كاَلَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنَ القُرْآنِ، ولَكِنْ ثَبِّتْنا عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تُثَبُّتُ بِها قُلُوبَنا: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَثِيرُ النِّعَمِ والإفْضالِ، جَزِيلُ العَطايا والنَّوالِ. وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِن قِبَلِهِ تَعالى. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَدْعُو: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ ! فَقالَ: «لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنُ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، إذا شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإذا شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ»» . وهو في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ.
3:9Page 50
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وهَذا (p-٧٩٨)مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصُونَهم عَنْ الزَّيْغِ، وأنْ يَخُصَّهم بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا، فَإنَّها مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ. وإنَّما الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنَّها القَصْدُ والمَآلُ. فَإنّا نَعْلَمُ أنَّكَ يا إلَهَنا جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ونَعْلَمُ أنَّ وعْدَكَ لا يَكُونُ خُلْفًا، فَمَن زاغَ قَلْبُهُ بَقِيَ هُناكَ في العَذابِ أبَدًا، ومَن مَنَحْتَهُ الرَّحْمَةَ والهِدايَةَ بَقِيَ هُناكَ في السَّعادَةِ والكَرامَةِ أبَدًا. فالغَرَضُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ؛ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ - أفادَهُ الرّازِيُّ - ثُمَّ قالَ: احْتَجَّ الجُبائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ. قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] والوَعْدُ والمَوْعِدُ والمِيعادُ واحِدٌ. وقَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُخْلِفُ في الوَعِيدِ. والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُوعِدُ الفُسّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الوَعِيدُ عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، كَما أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَكَما أنَّكم أثْبَتُّمْ ذَلِكَ الشَّرْطَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذا نَحْنُ أثْبَتْنا شَرْطَ عَدَمِ العَفْوِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُوعِدُهم، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] (p-٧٩٩)وقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِن أوْثانِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الوَعْدِ تِلْكَ المَنافِعُ.
وذَكَرَ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) طَرِيقَةً أُخْرى فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ، دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَمْدَحُونَ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ وإنْ أوْعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ورَوى المُناظَرَةَ الَّتِي دارَتْ بَيْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: ما تَقُولُ في أصْحابِ الكَبائِرِ ؟ قالَ: أقُولُ إنَّ اللَّهَ وعَدَ وعْدًا وأوْعَدَ إيعادًا، فَهو مُنْجِزٌ إيعادَهُ ما هو مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّكَ رَجُلٌ أعْجَمُ، لا أقُولُ أعْجَمُ اللِّسانِ، ولَكِنْ أعْجَمُ القَلْبِ. إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنْ الوَعْدِ لُؤْمًا. وعَنْ الإيعادِ كَرَمًا، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُكْذِبُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
واعْلَمْ أنِّ المُعْتَزِلَةَ حَكَوْا أنَّ أبا عَمْرِو بْنِ العَلاءِ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ، قالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو ؟ فَهَلْ يُسَمّى اللَّهُ مُكَذِّبُ نَفْسِهِ ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَدْ سَقَطَتْ حُجَّتُكَ. قالُوا: فانْقَطَعَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ.
وعِنْدِي أنَّهُ كانَ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ فَيَقُولُ: إنَّكَ قِسْتَ الوَعِيدَ عَلى الوَعْدِ، وأنا إنَّما ذَكَرْتُ هَذا لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ عَلَيْهِ، والوَعِيدَ حَقٌّ لَهُ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فَقَدْ أتى بِالجُودِ والكَرَمِ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ غَيْرِهِ (p-٨٠٠)فَذَلِكَ هو اللُّؤْمُ. فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وبَطَلَ قِياسُكَ. وإنَّما ذَكَرْتُ هَذا الشِّعْرَ لِإيضاحِ هَذا الفَرْقِ. فَأمّا قَوْلُكَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَصارَ كاذِبًا ومُكَذِّبًا نَفْسَهُ، فَجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الوَعِيدُ ثابِتًا جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ. وعِنْدِي جَمِيعُ الوَعِيداتِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ دُخُولُ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الحِكايَةِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي يَبْذُلُونَها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ: ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ بِهِمْ يَتَناصَرُونَ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِهِ. يُقالُ: ما أغْنى فُلانٌ شَيْئًا، أيْ: لَمْ يَنْفَعْ في مُهِمٍّ، ولَمْ يَكْفِ مُؤْنَةً. ورَجُلٌ مُغْنٍ، أيْ: مُجْزِئٌ كافٍ - قالَهُ الأزْهَرِيُّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ بِفَتْحِ الواوِ أيْ: حَطَبُها، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِمَعْنى أهْلُ وُقُودِها، وأكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّ الضَّمَّ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: التَّوَقُّدُ، والفَتْحَ لِلْحَطَبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مَضْمُومٌ، ويَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]
(p-٨٠١)
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ (بِالسُّكُونِ، ويُحَرَّكُ) مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ ما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن شَأْنِهِ وحالِهِ، مَجازًا، يُقالُ: هَذا دَأْبُكَ أيْ: شَأْنُكَ وعَمَلُكَ. قالالأزْهَرِيُّ: عَنْ الزَّجّاجِ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: كَأمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ دَأْبَهم هُنا اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ كَتَظاهُرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. يُقالُ: دَأبْتُ أدْأبُ دَأْبًا ودَؤُوبًا إذا اجْتَهَدْتُ في الشَّيْءِ - انْتَهى - قالَ أبُو البَقاءِ: وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهم لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ الَّذِي فَعَلُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ المُقَدَّرِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: عاقَبَهم وأهْلَكَهم بِسَبَبِها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: الأخْذُ بِالذَّنْبِ. فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفٍ لِلْكَفَرَةِ.
3:12Page 51
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢
Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِهَذا الدِّينِ وهم اليَهُودُ ( لِلرِّوايَةِ الآتِيَةِ( أوْ نَصارى نَجْرانَ، لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِإحْقاقِ الحَقِّ مَعَهم، أوْ أعَمُّ: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ الفِراشُ، أيْ: فَكُفْرُكم كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى، وقَدْ فُعِلَ بِقُرَيْشٍ لِكُفْرِهِمْ ما رَأيْتُمْ، فَسَيُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ، (p-٨٠٢)وهُوَ أنَّكم تُغْلَبُونَ كَما غُلِبُوا. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهم، وهو مِن أوْضَحِ شَواهِدَ النُّبُوَّةِ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعٍ وقالَ: «يا مَعْشَرَ يَهُودَ ! أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا» فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ، كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣]»
3:13Page 51
قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣
Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ .
﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيُّها الكافِرُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم: ﴿آيَةٌ﴾ عِبْرَةً ودِلالَةً عَلى أنَّكم سَتُغْلَبُونَ، وعَلى أنَّ اللَّهَ مُعِزٌّ دِينَهُ، وناصِرٌ رَسُولَهُ، ومُعْلٍ أمْرَهُ: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طاعَتِهِ، وهم النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، (p-٨٠٣)وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَعَهم فُرْسانٌ وسِتُّ أذْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ وأكْثَرُهم رَجّالَةٌ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وكانُوا قَرِيبًا مِن ألْفٍ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، أراهم اللَّهُ إيّاهم، مَعَ قِلَّتِهِمْ، أضْعافَهم لِيَهابُوهم، ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مَدَدًا لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما أمَدَّهم بِالمَلائِكَةِ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا مُناقِضٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قُلْتُ: قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غُلِبُوا، فَكانَ التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ونَظِيرُهُ في المَحْمُولِ عَلى اخْتِلافِ الأحْوالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وتَقْلِيلُهم تارَةً وتَكْثِيرُهم أُخْرى في أعْيُنِهِمْ، أبْلَغُ في القُدْرَةِ وإظْهارِ الآيَةِ - كَذا في (الكَشّافِ) - قُلْتُ: أوْ يُجابُ بِأنَّهم كَثُرُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيَحْصُلَ لَهم الرُّعْبُ والخَوْفُ والجَزَعُ والهَلَعُ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَ التَّصافُّ والتَقى الفَرِيقانِ قَلَّلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ في أعْيُنِ هَؤُلاءِ لِيَقْدَمَ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يَعْنِي: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها، مُعايَنَةً كَسائِرِ المُعايَناتِ كَذا في (الكَشّافِ): ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي: ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّكْثِيرِ والتَّقْلِيلِ، وغَلَبَةِ القَلِيلِ، مَعَ عَدَمِ العُدَّةِ، عَلى الكَثِيرِ الشّاكِي السِّلاحِ: ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ: لاعْتِبارًا وآيَةً ومَوْعِظَةً: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ.
(p-٨٠٤)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences