Al-QasimiAli 'Imran · 3:130–141

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:130–141

3:130Page 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ الرِّبا مَعَ التَّوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَّيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي أوْ تُرْبِيَ وأزِيدُ في الأجَلِ. وفي نِدائِهِمْ بِاسْمِ (الإيمانِ)؛ إشْعارٌ بِأنَّ مِن مُقْتَضى الإيمانِ وتَصْدِيقِهِ تَرْكَ الرِّبا. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ ما يُرَوِّعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى. ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ وما يُقارِبُهُ الضَّمانُ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ أيْ: زِياداتٌ مُتَكَرِّرَةٌ، ولَيْسَتْ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ، لِما هو مَعْلُومٌ مِن تَحْرِيمِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، بَلْ لِمُراعاةِ عادَتِهِمْ كَما بَيَّنّا. ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الرِّبا. وقُرِئَ (مُضَعَّفَةً): ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما تُنْهَوْنَ عَنْهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِإيفاءِ حُقُوقِكم وصَوْنِكم عَنْ أعْدائِكم، كَما صُنْتُمْ حُقُوقَ الأشْياءِ. ومِمّا يُعْلَمُ بِهِ حِكْمَةُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ في سِلْكِ قِصَّةِ أُحُدٍ، ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ، فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ: أيْنَ بَنُو عَمِّي ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. قالَ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ، قالَ: فَأيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: (p-٩٧٢)بِأُحُدٍ. فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، ورَكِبَ فَرَسَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهم. فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو ! قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ، فَقاتَلَ حَتّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا، فَجاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ: حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ وغَضَبًا لَهم أمْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَسُولِهِ ﷺ . فَماتَ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ، وما صَلّى لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صَلاةً.

قالَ الدِّينَوَرِيُّ: وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ ! فَيَسْكُتُ النّاسُ، فَيَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: هو أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ.

وعِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ««إنَّهُ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ»»، فَهَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

3:131Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣١ ] ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ في الرِّبا ونَحْوِهِ. رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ.

3:132Page 66

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٢ ] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أيْ: في تَرْكِ الرِّبا ونَحْوِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

3:133Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٣ ] ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِما مِنَ الِاسْتِغْفارِ (p-٩٧٣)والتَّوْبَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما، كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] وفي العَرْضِ وجْهانِ:

اَلْأوَّلُ: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّساعِ طُولِها، فَإنَّ العَرْضَ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ فُرُشِ الجَنَّةِ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: فَما ظَنُّكَ بِظاهِرِها ؟ فَكَذا هُنا.

والثّانِي: أنَّهُ مَجازٌ عَنْ السِّعَةِ والبَسْطَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بِالعَرْضِ هَهُنا ما هو خِلافُ الطُّولِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ السِّعَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، ويُقالُ: هَذِهِ دَعْوى عَرِيضَةٌ أيْ: واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ: أنَّ ما اتَّسَعَ عَرْضُهُ لَمْ يَضِقْ وما ضاقَ عَرْضُهُ دَقَّ، فَجُعِلَ العَرْضُ كِنايَةً عَنْ السِّعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ وصْفُها بِالسِّعَةِ والبَسْطَةِ. فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ النّاسُ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأبْسَطِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

3:134Page 67

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٤ ] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ﴾ أيْ: في حالِ الرَّخاءِ واليُسْرِ: ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيْ: في حالِ الضِّيقَةِ والعُسْرِ. وإنَّما افْتُتِحَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ لِأنَّهُ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ، فَمُخالَفَتُها فِيهِ مَنقَبَةٌ (p-٩٧٤)شامِخَةٌ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أيْ: المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ في نُفُوسِهِمْ، الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، اتِّقاءَ التَّعَدِّي فِيهِ إلى ما وراءَ حَقِّهِ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جارِيَةَ بْنِ قُدامَةَ السَّعْدِيِّ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِلْ عَلَيَّ لَعَلِّي أعِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَغْضَبْ» . فَأعادَ عَلَيْهِ. حَتّى أعادَ عَلَيْهِ مِرارًا. كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لا تَغْضَبْ»» - انْفَرَدَ بِهِ أحْمَدُ - ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوْصِنِي، قالَ: «لا تَغْضَبْ» قالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ما قالَ، فَإذا الغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ»: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيْ: ظُلْمَهم لَهم، ولَوْ كانُوا قَدْ قَتَلُوا مِنهم، فَلا يُؤاخِذُونَ أحَدًا بِما يَجْنِي عَلَيْهِمْ، ولا يَبْقى في أنْفُسِهِمْ مَوْجِدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ما ذُمَّ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ في أكْلِ الرِّبا. فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ، ونُدِبُوا إلى العَفْوِ عَنْ المُعْسِرِينَ، قالَ تَعالى عُقَيْبَ قِصَّةِ الرِّبا والتَّدايُنِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ تَعالى في الدِّيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ (p-٩٧٥)أنْ يَكُونَ هَذا بِسَبَبِ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ وقالَ: ««لَأُمَثِّلَنَّ بِهِمْ»» . فَنُدِبَ إلى كَظْمِ هَذا الغَيْظِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، والكَفِّ عَنْ فِعْلِ ما ذَكَرَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ مِنَ المُثْلَةِ، فَكانَ تَرْكُهُ فِعْلَ ذَلِكَ عَفْوًا. قالَ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] - انْتَهى - .

وظاهِرٌ أنَّ عُمُومَ الآيَةِ مِمّا يَشْمَلُ كُلَّ ما ذُكِرَ؛ إذْ لا تَعْيِينَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا لِلْعَهْدِ، عَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإنَّهُ يَراكَ»» . والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

(p-٩٧٦)

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٥ ] ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ الكِبارِ: ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الذُّنُوبِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَذَكَّرُوا حَقَّهُ وعَهْدَهُ فاسْتَحْيَوْهُ وخافُوهُ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: لِأجْلِها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ إلَيْهِ تَعالى.

قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفّارٌ لِمَن تابَ، أتْبَعَهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، ونَفى القُدْرَةَ عَلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ، مُرَغِّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أيْ: يَمْحُو آثارَها حَتّى لا تُذْكَرَ. ولا يُجازى عَلَيْها: ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْلى. وقالَ أبُو السُّعُودِ: (مَن) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. أيْ: لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، خَلا أنَّ دِلالَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِانْتِفاءِ أقْوى وأبْلَغُ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ كُلُّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ يَعْرِفُ ذَلِكَ الِانْتِفاءَ، فَيُسارِعُ إلى الجَوابِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِغايَةِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، أوْ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لِتَقْرِيرِ الِاسْتِغْفارِ والحَثِّ عَلَيْهِ، والإشْعارِ بِالوَعْدِ بِالقَبُولِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في هَذِهِ الجُمْلَةِ وصْفٌ لِذاتِهِ تَعالى بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ، وقُرْبِ المَغْفِرَةِ، وأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ عِنْدَهُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا فَضْلُهُ وكَرَمُهُ، وأنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا جاءَ في الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ، وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنْ اليَأْسِ والقُنُوطِ، وأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ، والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ - انْتَهى - .

(p-٩٧٧)وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأسِيرٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ»» . وفِيهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وجَلالِكَ لا أبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما دامَتْ الأرْواحُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: فَبِعِزَّتِي وجَلالِي لا أبْرَحُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي».

وفِيهِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ إذا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِما شاءَ مِنهُ، وإذا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْرِي اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإذا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وإنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَنِي، وصَدَقَ أبُو بَكْرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إلّا غَفَرَ لَهُ»»، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وغَيْرُهم. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا: ﴿عَلى ما فَعَلُوا﴾ أيْ: ما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ. ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُصِرُّوا أيْ: لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم عالِمُونَ بِقُبْحِهِ، والنَّهْيِ عَنْهُ، والوَعِيدِ عَلَيْهِ. والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ؛ لِما أنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ قُبْحَ القَبِيحِ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى عَنْ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أصَرَّ مَن اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»»، (p-٩٧٨)وإسْنادُهُ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ واَلتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ بِذاكَ - فالظّاهِرُ أنَّهُ لِأجْلِ جَهالَةِ مَوْلى أبِي بَكْرٍ، ولَكِنَّ جَهالَةَ مِثْلِهِ لا تَضُرُّ لِأنَّهُ تابِعِيٌّ كَبِيرٌ، ويَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إلى أبِي بَكْرٍ، فَهو حَدِيثٌ حَسَنٌ. واَللَّهُ أعْلَمُ.

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٦ ] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ: ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: سَتْرٌ لِذُنُوبِهِمْ: ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن أنْواعِ المَشْرُوباتِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ذَلِكَ. يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ، ثُمَّ عادَ التَّنْزِيلُ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ قِصَّةِ أُحُدٍ، بَعْدَ تَمْهِيدِهِ مَبادِئَ الرُّشْدِ والصَّلاحِ بِقَوْلِهِ:

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٧ ] ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مَضَتْ: ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ أيْ: وقائِعُ مِن أنْواعِ المُؤاخَذاتِ والبَلايا لِلْأُمَمِ المُكَذِّبِينَ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ الَّتِي فِيها دِيارُهم الخَرِبَةُ وآثارُ إهْلاكِهِمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: وقِيسُوا بِها عاقِبَةَ اللّاحِقِينَ بِهِمْ في الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ، والأمْرُ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ؛ لِما أنَّ لِمُشاهَدَةِ آثارِ المُتَقَدِّمِينَ أثَرًا في الِاعْتِبارِ، والرَّوْعَةِ أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ.(p-٩٧٩)

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٨ ] ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾

﴿هَذا﴾ أيْ: القُرْآنُ أوْ ما تَقَدَّمَ مِن مُؤاخَذَةِ المَذْكُورِينَ: ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: تَخْوِيفٌ نافِعٌ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ شَجَّعَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ وسَلّاهم عَمّا أصابَهم بِقَوْلِهِ:

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٩ ] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا عَنْ الجِهادِ بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم، والحالُ أنَّكم الأعْلَوْنَ الغالِبُونَ دُونَ عَدُوِّكم، فَإنَّ مَصِيرَ أمْرِهِمْ إلى الدَّمارِ حَسْبَما شاهَدْتُمْ مِن عاقِبَةِ أسْلافِهِمْ، فَهو تَصْرِيحٌ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الإشْعارِ بِهِ فِيما سَبَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أوْ بِـ (الأعْلَوْنَ) . وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ عَلَيْهِ. أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ، والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ. أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمْ الأعْلَوْنَ. فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

3:140Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٠ ] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ بِالفَتْحِ والضَّمِّ قِراءَتانِ، وهُما لُغَتانِ، كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، أيْ: (p-٩٨٠)إنْ أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ جِراحٌ: ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، ولَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَجْبُنُوا فَأنْتُمْ أوْلى، لِأنَّكم مَوْعُودُونَ بِالنَّصْرِ دُونَهم، أيْ: فَقَدْ اسْتَوَيْتُمْ في الألَمِ، وتَبايَنْتُمْ في الرَّجاءِ والثَّوابِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فَما بالُكم تَهِنُونَ وتَضْعُفُونَ عِنْدَ القَرْحِ والألَمِ، فَقَدْ أصابَهم ذَلِكَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وأنْتُمْ أُصِبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ. وقِيلَ: كِلا المَسَّـيْنِ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ أيْ: أيّامُ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا: ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أيْ: نُصَرِّفُها بَيْنَهم، نُدِيلُ تارَةً لِهَؤُلاءِ، وتارَةً لِهَؤُلاءِ فَهي عَرَضٌ حاضِرٌ، يُقَسِّمُها بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ. بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإنَّ عَرَضَها ونَصْرَها ورَجاءَها خالِصٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا.

قالَ ابْنُ القَـيِّمِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في ذِكْرِ بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي كانَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ:

ومِنها: أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وسُـنَّتَهُ في رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ جَرَتْ بِأنْ يُدالُوا مَرَّةً ويُدالُ عَلَيْهِمْ أُخْرى، لَكِنْ تَكُونُ لَهم العاقِبَةُ. فَإنَّهم لَوْ انْتَصَرُوا دائِمًا دَخَلَ مَعَهم المُسْلِمُونَ وغَيْرُهم، ولَمْ يُمَيَّزْ الصّادِقُ مِن غَيْرِهِ. ولَوْ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دائِمًا لَمْ يَحْصُلْ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أنْ جَمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ مَن يَتْبَعُهم ويُطِيعُهم لِلْحَقِّ وما جاءُوا بِهِ، مِمَّنْ يَتْبَعُهم عَلى الظُّهُورِ والغَلَبَةِ خاصَّةً - انْتَهى - .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: حِكْمَةٌ أُخْرى وهي أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُنافِقِينَ فَيَعْلَمُهم، عِلْمَ رُؤْيَةٍ ومُشاهَدَةٍ بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْلُومِينَ في غَيْبِهِ، وذَلِكَ العِلْمُ (p-٩٨١)اَلْغَيْبِيُّ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبانِ عَلى المَعْلُومِ إذا صارَ مُشاهَدًا واقِعًا في الحِسِّ.

لَطِيفَةٌ:

فِي الآيَةِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا مَعْناهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ إلَخْ. فِعْلَنا ذَلِكَ.

اَلثّانِي: أنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحْذُوفَةً، وهَذا عَطْفٌ عَلَيْهِ، مَعْناهُ: وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ كَيْتٌ وكَيْتٌ، ولِيَعْلَمَ اللَّهُ. وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَصْلَحَةَ فِيما فَعَلَ لَيْسَتْ بِواحِدَةٍ لِيُسَلِّيَهم عَمّا جَرى عَلَيْهِمْ ولِيُبَصِّرَهم أنَّ العَبْدَ يَسُوؤُهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ، ولا يَشْعُرُ أنَّ لِلَّهِ في ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ ما هو غافِلٌ عَنْهُ - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .

تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ، وذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَها مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكْتَسِبَ هَذا العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُها في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٢] إلَخْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (p-٩٨٢)وقَوْلُهُ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]

قالَ الرّازِيُّ: وقَدْ احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ حُدُوثَ الحَوادِثِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَقالَ: كُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما صارَ عالِمًا بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ حُدُوثِها.

ولَمّا كانَتْ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ دالَّةً عَلى أزَلِيَّةِ عِلْمِهِ جَلَّ اسْمُهُ، أجابَ عَنْ ذَلِكَ العُلَماءُ بِأجْوِبَةٍ:

مِنها: أنَّها مِن بابِ التَّمْثِيلِ. فالتَّقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مَن غَيْرِهِمْ.

ومِنها: أنَّ العِلْمَ فِيهِ مَجازٌ عَنْ التَّمْيِيزِ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، أيْ: لِيَمِيزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ.

ومِنها: أنَّ العِلْمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِن حَيْثُ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُومِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ واقِعٌ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ، أيْ: لِيَعْلَمَ الثّابِتَ واقِعًا مِنهم كَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَقَعُ لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى الواقِعِ دُونَ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يُوجَدُ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ ابْنُ القَيِّمِ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا.

ومِنها: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أيْ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا. واَللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى، وهي اتِّخاذُهُ سُبْحانَهُ مِنهم شُهَداءَ، بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ أيْ: ولِيُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ لِيَكُونُوا مِثالًا لِغَيْرِهِمْ في تَضْحِيَةِ النَّفْسِ شَهادَةً لِلْحَقِّ، واسْتِماتَةً دُونَهُ، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وهو تَعالى يُحِبُّ الشُّهَداءَ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أعَدَّ لَهم أعْلى (p-٩٨٣)المَنازِلِ وأفْضَلَها، وقَدْ اتَّخَذَهم لِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يُنِيلَهم دَرَجَةَ الشَّهادَةِ. وفي لَفْظِ الِاتِّخاذِ المُنْبِئِ عَنْ الِاصْطِفاءِ والتَّقْرِيبِ، مِن تَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: تَنْبِيهٌ لِطَيْفُ المَوْقِعِ جِدًّا عَلى أنَّ كَراهَتَهُ وبُغْضَهُ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ انْخَزَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَشْهَدُوهُ، ولَمْ يَتَّخِذْ مِنهم شُهَداءَ، لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّهم، فَأرْكَسَهم ورَدَّهم لِيَحْرِمَهم ما خُصَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وما أعْطاهُ مَن اسْتُشْهِدَ مِنهم، فَثَبَّطَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ عَنْ الأسْبابِ الَّتِي وفَّقَ لَها أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ. انْتَهى.

فالتَّعْرِيضُ بِالمُنافِقِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالكَفَرَةِ الَّذِينَ أُدِيلَ لَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النُّصْرَةِ لَهم، بَلْ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ العائِدَةِ إلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَّرَ حِكْمَةً أُخْرى فِيما أصابَهم ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ:

3:141Page 68

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤١ ] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾

﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِيُنَقِّيَهم ويُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ ومِن آفاتِ النُّفُوسِ. وأيْضًا فَإنَّهُ خَلَّصَهم ومَحَّصَهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَتَمَيَّزُوا مِنهم. فَحَصَلَ لَهم تَمْحِيصانِ: تَمْحِيصٌ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَمْحِيصٌ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ أنَّهُ مِنهم وهو عَدُوٌّ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى وهي مَحْقُ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يُهْلِكَهم، فَإنَّهم إذا ظَفِرُوا بَغَوْا وبَطَرُوا. فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمارِهِمْ وهَلاكِهِمْ، إذْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى، إذا أرادَ أنْ يُهْلِكَ أعْداءَهُ ويَمْحَقَهم، قَيَّضَ لَهم الأسْبابَ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِها هَلاكَهم ومَحْقَهم. ومِن أعْظَمِها - بَعْدَ كُفْرِهِمْ - بَغْيُهم وطُغْيانُهم في أذى أوْلِيائِهِ ومُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ والتَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ. والمَحْقُ: ذَهابُ الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ مَحَقَ اللَّهُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ جَمِيعًا، ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ حُسْبانَهم وظَنَّهم أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِدُونِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والصَّبْرِ عَلى أذى أعْدائِهِ، وأنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلى مَن ظَنَّهُ وحَسِبَهُ: فَقالَ:

(p-٩٨٤)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском