Al-QasimiAli 'Imran · 3:156–160

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:156–160

3:156Page 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٦ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المُنافِقُونَ القائِلُونَ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرُوا فِيها لِلتِّجارَةِ فَأُصِيبُوا بِغَرَقٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿أوْ كانُوا﴾ أيْ: إخْوانُهم: ﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ فَأُصِيبُوا بِاصْطِدامٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَيْسَ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ عَدَمُ مُماثَلَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهَذا القَوْلِ، بَلْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِهِ والحُكْمِ بِمُوجَبِهِ.

أقُولُ: بَلْ الآيَةُ تُفِيدُ الأمْرَيْنِ. أعْنِي: حِفْظَ الِاعْتِقادِ المَقْصُودِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، وحِفْظُ المَنطِقِ مِمّا يُوقِعُ في إضْلالِ النّاسِ، ويُخِلُّ بِالمَقامِ الإلَهِيِّ، كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وسَنَذْكُرُهُ في التَّنْبِيهِ الآتِي.

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: القَوْلَ: ﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (قالُوا) عَلى أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ، مِثْلُها في: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوهُ، لِيَكُونَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ. والمُرادُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ: بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ فائِدَةٍ ما، عَلى ذَلِكَ أصْلًا: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الباطِلِ، إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ. أيْ: هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإقامَةِ أوْ لِلسَّفَرِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما لِمَوارِدِ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ مَعَ حِيازَتِهِ لِأسْبابِ السَّلامَةِ. وعَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: ما فِيَّ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ ضَرْبَةٌ أوْ طَعْنَةٌ، وها أنا ذا أمُوتُ كَما يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلا نامَتْ أعْيُنُ الجُبَناءِ !: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في مُماثَلَةٍ مَن ذُكِرَ.

(p-١٠١٥)قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّشَبُّهُ بِالكُفّارِ. قالَ الحاكِمُ: وقَدْ يَكُونُ مِنهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. وفِيها أيْضًا دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَسْقُطُ وُجُوبُ الجِهادِ بِخَشْيَةِ القَتْلِ.

تَنْبِيهٌ:

أشْعَرَتْ الآيَةُ بِوُجُوبِ حِفْظِ المَنطِقِ مِمّا يُشاكِلُ ألْفاظَ المُشْرِكِينَ مِنَ الكَلِماتِ المُنافِيَةِ لِلْعَقِيدَةِ الإسْلامِيَّةِ كَما ذَكَرْنا. وقَدْ عَقَدَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) فَصْلًا في هَدْيِهِ ﷺ في حِفْظِ النُّطْقِ واخْتِيارِ الألْفاظِ قالَ:

كانَ ﷺ يَتَخَيَّرُ في خِطابِهِ، ويَخْتارُ لِأُمَّتِهِ أحْسَنَ ألْفاظٍ وأجْمَلَها وألْطَفَها، وأبْعَدَها مِن ألْفاظِ أهْلِ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والفُحْشِ. إلى أنْ قالَ: ومِن ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَوْلِ القائِلِ بَعْدَ فَواتِ الأمْرِ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقالَ: «إنَّها تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»» . وأرْشَدَهُ إلى ما هو أنْفَعُ لَهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذا وكَذا لَمْ يَفُتْنِي ما فاتَنِي أوْ لَمْ أقَعْ فِيما وقَعْتُ فِيهِ - كَلامٌ لا يُجْدِي عَلَيْهِ فائِدَةً البَتَّةَ. فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِما اسْتَدْبَرَ مِن أمْرِهِ، وغَيْرُ مُسْتَقِيلٍ عَثْرَتَهُ بِـ (لَوْ) . وفي ضِمْنٍ (لَوْ) ادِّعاءُ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قَدَّرَهُ في نَفْسِهِ لَكانَ غَيْرَ ما قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ وشاءَهُ؛ فَإنَّ ما وقَعَ مِمّا يَتَمَنّى خِلافَهُ إنَّما وقَعَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ. فَإذا قالَ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا لَكانَ خِلافُ ما وقَعَ، فَهو مُحالٌ، إذْ خِلافُ المُقَدَّرِ المَقْضِيِّ مُحالٌ. فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلامُهُ كِذِبًا وجَهْلًا ومُحالًا. وإنَّ سَلِمَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقَدَرِ لَمْ يَسْلَمْ مِن مُعارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ لَدَفَعْتُ (p-١٠١٦)ما قُدِّرَ عَلَيَّ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِلْقَدَرِ ولا جَحْدٌ لَهُ؛ إذْ تِلْكَ الأسْبابُ الَّتِي تَمَنّاها أيْضًا مِنَ القَدَرِ، فَهو يَقُولُ: لَوْ وُفِّقْتُ لِهَذا القَدَرِ لانْدَفَعَ بِهِ عَنِّي ذَلِكَ القَدَرُ، فَإنَّ القَدَرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَما يُدْفَعُ قَدَرُ المَرَضِ بِالدَّواءِ، وقَدَرُ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ، وقَدَرُ العَدُوِّ بِالجِهادِ، فَكِلاهُما مِنَ القَدَرِ. قِيلَ: هَذا حَقٌّ، ولَكِنَّ هَذا يَنْفَعُ قَبْلَ وُقُوعِ القَدَرِ المَكْرُوهِ. وأمّا إذا وقَعَ فَلا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وإنْ كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى دَفْعِهِ أوْ تَخْفِيفِهِ بِقَدَرٍ آخَرَ فَهو أوْلى بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ. بَلْ وظِيفَتُهُ في هَذِهِ الحالَةِ أنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الَّذِي يُدْفَعُ بِهِ أوْ يُخَفَّفُ، ولا يَتَمَنّى ما لا مَطْمَعَ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، واَللَّهُ يَلُومُ عَلى العَجْزِ، ويُحِبُّ الكَيْسَ ويَأْمُرُ بِهِ. والكَيْسُ: هو مُباشَرَةُ الأسْبابِ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ بِها مُسَبَّباتِها النّافِعَةَ لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، فَهَذِهِ تَفْتَحُ عَمَلَ الخَيْرِ والأمْرِ، وأمّا العَجْزُ فَإنَّهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ. فَإنَّهُ إذا عَجَزَ عَمّا يَنْفَعُهُ وصارَ إلى الأمانِيِّ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كانَ كَذا وكَذا، ولَوْ فَعَلْتُ كَذا، يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ، فَإنَّ بابَهُ العَجْزُ والكَسَلُ. ولِهَذا اسْتَعاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُما. وهو مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، ويَصْدُرُ عَنْهُما الهَمُّ والحَزَنُ والبُخْلُ وضِلَعُ الدَّيْنِ وغَلَبَةُ الرِّجالِ. فَمَصْدَرُها كُلُّها عَنْ العَجْزِ والكَسَلِ، وعُنْوانُها (لَوْ)، فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««فَإنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»»، فالمُتَمَنِّي مِن أعْجَزِ النّاسِ وأفْلَسِهِمْ، فَإنَّ المُنى رَأْسُ أمْوالِ المَفالِيسِ، والعَجْزَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، وأصْلُ المَعاصِي كُلِّها العَجْزُ، فَإنَّ العَبْدَ يَعْجِزُ عَنْ أسْبابِ أعْمالِ الطّاعاتِ، وعَنْ الأسْبابِ الَّتِي تُعْرِضُهُ عَنْ المَعاصِي، وتَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَيَقَعُ في المَعاصِي.

فَجُمِعَ في هَذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، في اسْتِعاذَتِهِ ﷺ أُصُولُ الشَّرِّ وفُرُوعُهُ ومُبادِيهِ وغاياتُهُ ومَوارِدُهُ ومَصادِرُهُ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى ثَمانِ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَتَيْنِ مِنهُما قَرِينَتانِ فَقالَ: ««أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ»»، وهُما قَرِينانِ. فَإنَّ المَكْرُوهَ الوارِدَ عَلى القَلْبِ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبارِ سَبَبِهِ إلى قِسْمَيْنِ: فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أمْرًا ماضِيًا، فَهو يُحْدِثُ الحُزْنَ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَقُّعُ أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو يُحْدِثُ الهَمَّ، وكِلاهُما مِنَ العَجْزِ. فَإنَّ ما مَضى لا يُدْفَعُ بِالحُزْنِ، بَلْ بِالرِّضاءِ والحَمْدِ والصَّبْرِ والإيمانِ بِالقَدَرِ، وقَوْلِ العَبْدِ: (p-١٠١٧)قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ. وما يُسْتَقْبَلُ لا يُدْفَعُ أيْضًا بِالهَمِّ. بَلْ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ في دَفْعِهِ فَلا يَعْجِزُ عَنْهُ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ في دَفْعِهِ، فَلا يَجْزَعُ مِنهُ، ويَلْبَسُ لَهُ لِباسَهُ، ويَأْخُذُ لَهُ عُدَّتَهُ، ويَتَأهَّبُ لَهُ أُهْبَتَهُ اللّائِقَةَ، ويَسْتَجِنُّ بِجُنَّةٍ حَصِينَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ والِانْطِراحِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبِّ تَعالى، والِاسْتِسْلامِ لَهُ، والرِّضا بِهِ رَبًّا في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَرْضى بِهِ رَبًّا فِيما يُحِبُّ دُونَ ما يَكْرَهُ. فَإذا كانَ هَكَذا لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا عَلى الإطْلاقِ، فَلا يَرْضاهُ الرَّبُّ لَهُ عَبْدًا عَلى الإطْلاقِ. . فالهَمُّ والحُزْنُ لا يَنْفَعانِ العَبْدَ ألْبَتَّةَ، بِلْ مَضَرَّتُهُما أكْثَرُ مِن مَنفَعَتِهِما، فَإنَّهُما يُضْعِفانِ العَزْمَ، ويُوهِنانِ القَلْبَ، ويَحُولانِ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الِاجْتِهادِ فِيما يَنْفَعُهُ، ويَقْطَعانِ عَلَيْهِ طَرِيقَ السَّيْرِ، أوْ يُنَكِّسانِهِ إلى وراءٍ، أوْ يَعُوقانِهِ ويَقِفانِهِ، أوْ يَحْجُبانِهِ عَنْ العِلْمِ الَّذِي كُلَّما رَآهُ شَمَّرَ إلَيْهِ وجَدَّ في سَيْرِهِ، فَهُما حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلى ظَهْرِ السّائِرِ، بَلْ إنْ عاقَةُ الهَمُّ والحُزْنُ عَنْ شَهَواتِهِ وإرادَتِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ - انْتَفَعَ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهَذا مِن حِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، أنْ سَلَّطَ هَذَيْنِ الجُنْدَيْنِ عَلى القُلُوبِ المُعْرِضَةِ عَنْهُ، الفارِغَةِ مِن مَحَبَّتِهِ وخَوْفِهِ ورَجائِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والأُنْسِ بِهِ، والفِرارِ إلَيْهِ، والِانْقِطاعِ إلَيْهِ، لِيَرُدَّها بِما يَبْتَلِيها بِهِ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ، والآلامِ القَلْبِيَّةِ، عَنْ كَثِيرٍ مِن مَعاصِيها وشَهَواتِها المُرْدِيَةِ. وهَذِهِ القُلُوبُ في سِجْنٍ مِنَ الجَحِيمِ في هَذِهِ الدّارِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الخَيْرُ كانَ حَظُّها مِن سِجْنِ الجَحِيمِ في مَعادِها، ولا تَزالُ في هَذا السِّجْنِ، حَتّى تَتَخَلَّصَ إلى فَضاءِ التَّوْحِيدِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والأُنْسِ بِهِ، وجَعْلِ مَحَبَّتِهِ في مَحَلِّ دَبِيبِ خَواطِرِ القَلْبِ ووَساوِسِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذِكْرُهُ تَعالى وحُبُّهُ وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ والفَرَحُ بِهِ والِابْتِهاجُ بِذِكْرِهِ، هو المُسْتَوْلِي عَلى القَلْبِ الغالِبُ عَلَيْهِ، الَّذِي مَتى فَقَدَهُ، فَقَدَ قُوَّتَهُ، الَّذِي لا قِوامَ لَهُ إلّا بِهِ، ولا بَقاءَ لَهُ بِدُونِهِ، ولا سَبِيلَ إلى خَلاصِ القَلْبِ مِن هَذِهِ الآلامِ الَّتِي هي أعْظَمُ أمْراضَهُ وأفْسَدُها لَهُ، إلّا بِذَلِكَ، ولا بَلاغَ إلّا بِاَللَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ إلّا هو، ولا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلّا هو، ولا يَصْرِفُ السَّيِّئاتِ إلّا هو، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا هو، وإذا أرادَ عَبْدَهُ لِأمْرٍ هَيَّأهُ لَهُ، (p-١٠١٨)فَمِنهُ الإيجادُ، ومِنهُ الإعْدادُ، ومِنهُ الإمْدادُ. وإذا أقامَهُ في مَقامٍ، أيِّ مَقامٍ كانَ فَبِحَمْدِهِ أقامَهُ فِيهِ، وحِكْمَتُهُ أقامَتْهُ فِيهِ، ولا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُ، ولا يَصْلُحُ لَهُ سِواهُ، ولا مانِعَ لِما أعْطى اللَّهُ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، ولا يَمْنَعُ عَبْدَهُ حَقًّا هو لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ بِمَنعِهِ ظالِمًا، بَلْ مَنَعَهُ لِيَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِمَحابِّهِ لِيُعْطِيَهُ، ولِيَتَضَرَّعَ إلَيْهِ ويَتَذَلَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَتَمَلَّقَهُ ويُعْطِيَ فَقْرَهُ إلَيْهِ حَقَّهُ، بِحَيْثُ يَشْهَدُ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ فاقَةً تامَّةً إلَيْهِ، عَلى تَعاقُبِ الأنْفاسِ. وهَذا هو الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ عَبْدَهُ ما العَبْدُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بُخْلًا مِنهُ ولا نُقْصانٌ مِن خَزائِنِهِ ولا اسْـتِئْثارًا عَلَيْهِ بِما هو حَقٌّ لِلْعَبْدِ. بَلْ مَنَعَهُ لِيَرُدَّهُ إلَيْهِ ولِيُعِزَّهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ، ولِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقارِ إلَيْهِ، ولِيُجْبِرَهُ بِالِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولِيُذِيقَهُ بِمَرارَةِ المَنعِ، حَلاوَةَ الخُضُوعِ ولَذَّةَ الفَقْرِ. ولِيُلْبِسَهُ خِلْعَةَ العُبُودِيَّةِ، ولِيُوَلِّيَهُ بِعَزْلِهِ أشْرَفَ الوِلاياتِ، ولِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ في قُدْرَتِهِ، ورَحْمَتَهُ في عِزَّتِهِ، وبِرَّهُ ولُطْفَهُ في قَهْرِهِ. وأنَّ مَنعَهُ عَطاءٌ وعَزْلَهُ تَوْلِيَةٌ، وعُقُوبَتَهُ تَأْدِيبٌ وامْتِحانَهُ مَحَبَّةٌ وعَطِيَّةٌ، وتَسْلِيطَ أعْدائِهِ عَلَيْهِ سائِقٌ يَسُوقُهُ إلَيْهِ. وبِالجُمْلَةِ فَلا يَلِيقُ بِالعَبْدِ غَيْرُ ما أُقِيمَ فِيهِ. وحِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ أقاماهُ في مَقامِهِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ ولا يَحْسُنُ أنْ يَتَخَطّاهُ. انْتَهى.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ لَيْسَ مِمّا يُوجِبُ الحَسْرَةَ حَتّى يُحْذَرَ مِنهُ. بَلْ هو مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ والسُّرُورَ، فَقالَ:

3:157Page 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٧ ] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ أيْ: فِيهِ مِن غَيْرِ قِتالٍ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لِذُنُوبِكم تَنالُكم: ﴿ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ: الكَفَرَةُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها الفانِيَةِ.

(p-١٠١٩)

3:158Page 71

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٨ ] ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾

﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ عَلى أيِّ: وجْهٍ كانَ حَسْبَ القَضاءِ الأسْبَقِ: ﴿لإلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو مُتَوَفِّيكم لا غَيْرُهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَيَجْزِيكم بِأعْمالِكم.

لَطائِفُ:

اَلْأُولى: أطالَ نُحاةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] إلَخْ. مِنَ الوُجُوهِ النَّحْوِيَّةِ في (إذا) هُنا، وإنَّهُ رُبَّما يَتَبادَرُ أنَّ المَوْقِعَ لـ: (إذْ) لا لَها، حَيْثُ إنَّ مُتَعَلِّقَها وهو (قالُوا) ماضٍ. و (إذا) ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ. فَمِن قائِلٍ بِأنَّ (إذا) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّها لِلِاسْتِمْرارِ. وقِيلَ: إنَّ (كَفَرُوا) و (قالُوا) مُرادٌ بِهِما المُسْتَقْبَلُ، وفي كُلٍّ مُناقَشاتٌ وتَعَسُّفاتٌ. والحَقُّ أنَّها تَكُونُ لِلْمُضِيِّ أيْضًا. قالَ المَجْدُ الفَيْرُوزْآبادِيُّ: وتَجِيءُ (إذا) لِلْماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] فَلا إشْكالَ.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ: أنَّ كَلِمَةَ (إذْ) و(إذا) يَجُوزُ إقامَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقامَ الأُخْرى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا الَّذِي قالَ قُطْرُبٌ كَلامٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا جَوَّزْنا إثْباتَ اللُّغَةِ بِشِعْرٍ مَجْهُولٍ مَنقُولٍ عَنْ قائِلٍ مَجْهُولٍ، فَلَأنْ يَجُوزَ إثْباتُها بِالقُرْآنِ العَظِيمِ أوْلى. ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا أرى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، فَإذا اسْتَشْهَدُوا في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم. فَإنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ، فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: المَجْهُولُ عَلى ضَمِّ المِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] وهو الأصْلُ لِأنَّ الفِعْلَ مِنهُ يَمُوتُ. ويُقْرَأُ بِالكَسْرِ وهو لُغَةٌ طائِيَّةٌ. يُقالُ ماتَ يَماتُ مِثْلَ خافَ يَخافُ فَكَما تَقُولُ: خِفْتُ تَقُولُ: مُتُّ.

الثّالِثَةُ: قَدَّمَ القَتْلَ عَلى المَوْتِ في الأُولى لِأنَّهُ أكْثَرُ ثَوابًا وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ. فَتَرْتِيبُ المَغْفِرَةِ والحُرْمَةِ عَلَيْهِ أقْوى. وقَدَّمَ المَوْتَ في الثّانِيَةِ لِأنَّهُ أكْثَرُ. وهُما مُسْتَوِيانِ في الحَشْرِ.

(p-١٠٢٠)

3:159Page 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٩ ] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ تَوَلَّوْا عَنْكَ حِينَ عادُوا إلَيْكَ بَعْدَ الِانْهِزامِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا كَما قالَ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ. ورَحْمَةٌ بَدَلٌ مِنها مُبَيِّنٌ لِإبْهامِها. والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: ما لِنْتَ هَذا اللِّينَ الخارِقَ لِلْعادَةِ، مَعَ ما سَبَّبَ فِعْلُهم مِنَ الغَضَبِ المُوجِبِ لِلْعُنْفِ والسَّطْوَةِ، لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِ مَن اعْتَرَضَ عَلى ما أشارَ بِهِ - إلّا بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أيْ: سَيِّئَ الخُلُقِ خَشِنَ الكَلامِ: ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ أيْ: قاسِيَهُ وشَدِيدَهُ. تُعامِلُهم بِالعُنْفِ والجَفا: ﴿لانْفَضُّوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا: ﴿مِن حَوْلِكَ﴾ فَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ فَلا تَتِمُّ دَعْوَتُكَ. ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ سَهْلًا سَمْحًا طَلْقًا لَيِّنًا لَطِيفًا بارًّا رَؤُوفًا رَحِيمًا ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فِيما فَرَّطُوا في حَقِّكَ كَما عَفا اللَّهُ عَنْهم: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الحَرْبِ وغَيْرِهِ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ واسْتِظْهارًا بِآرائِهِمْ وتَمْهِيدًا لِسُـنَّةِ المُشاوَرَةِ في الأُمَّةِ. وقَدْ ساقَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ وُجُوهًا أُخْرى في فائِدَةِ أمْرِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُشاوَرَتِهِمْ، مِنها: أنَّهُ ﷺ وإنْ كانَ أكْمَلَ النّاسِ عَقْلًا، إلّا أنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ إنْسانٍ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ. لا سِيَّما فِيما يَفْعَلُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ ﷺ قالَ: أنْتُمْ أعْرَفُ (p-١٠٢١)بِأُمُورِ دُنْياكم. ومِنها: أنَّ الأمْرَ بِمُشاوَرَتِهِمْ لا لِأجْلِ أنَّهُ ﷺ مُحْتاجٌ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ لِأجْلٍ أنَّهُ إذا شاوَرَهم في الأمْرِ اجْتَهَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في اسْتِخْراجِ الوَجْهِ الأصْلَحِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَتَصِيرُ الأرْواحُ مُتَطابِقَةً مُتَوافِقَةً عَلى تَحْصِيلِ أصْلَحِ الوُجُوهِ فِيها، وتَطابُقُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مِمّا يُعِينُ عَلى حُصُولِهِ. وهَذا هو السِّرُّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في الصَّلَواتِ، وهو السِّرُّ في أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ المُنْفَرِدِ. انْتَهى.

وقَدْ ثَبَتَ مُشاوَرَتُهُ ﷺ لِأصْحابِهِ في عِدَّةِ أُمُورٍ مِنها: أنَّهُ شاوَرَهم في يَوْمِ بَدْرٍ في الذَّهابِ (p-١٠٢٢)إلى العِيرِ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا عَرْضَ البَحْرِ لَقَطَعْناهُ مَعَكَ، ولَوْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لَسِرْنا مَعَكَ، ولا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ فَنَحْنُ مَعَكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ، وعَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ مُقاتِلُونَ. وشاوِرْهم أيْضًا أيْنَ يَكُونُ المَنزِلُ حَتّى أشارَ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو بِالتَّقَدُّمِ أمامَ القَوْمِ، وشاوَرَهم في أُحُدٍ في أنْ يَقْعُدَ في المَدِينَةِ أوْ يَخْرُجَ إلى العَدُوِّ. فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. وشاوَرَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ في مُصالَحَةِ الأحْزابِ بِثُلْثِ ثِمارِ المَدِينَةِ عامَئِذٍ. فَأبى ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّعْدانِ: سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ. وشاوَرَهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ في أنْ يَمِيلَ عَلى ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: إنّا لِمَ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ فَأجابَهُ إلى ما قالَهُ.

وقالَ ﷺ في قِصَّةِ الإفْكِ: ««أشِيرُوا عَلَيَّ، مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، في قَوْمٍ أبَنُوا أهْلِي (p-١٠٢٣)ورَمَوْهم، وايْمُ اللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي مِن سُوءٍ. وأبَنُوهم بِمَن – واَللَّهِ - ما عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ إلّا خَيْرًا»» . واسْتَشارَ عَلِيًّا وأُسامَةَ في فِراقِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . فَكانَ ﷺ يُشاوِرُهم في الحُرُوبِ ونَحْوِها. أفادَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

قالَ الخَفاجِيُّ: في الآيَةِ إرْشادٌ إلى الِاجْتِهادِ وجَوازِهِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ . وقالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهادِ إذا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ. والِاجْتِهادُ يَتَقَوّى بِالمُناظَرَةِ والمُباحَثَةِ، فَلِهَذا كانَ مَأْمُورًا بِالمُشاوَرَةِ، انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ التَّمَسُّكِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وخُصُوصًا لِمَن يَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ أيْ: بَعْدَ المُشاوَرَةِ عَلى أمْرٍ واطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُكَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في الإعانَةِ عَلى إمْضاءِ ما عَزَمْتَ، لا عَلى المَشُورَةِ وأصْحابِها. قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّلُ أنْ يُهْمِلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، كَما يَقُولُ بَعْضُ الجُهّالِ، وإلّا لَكانَ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ مُنافِيًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، بَلْ التَّوَكُّلُ هو أنْ يُراعِيَ الإنْسانُ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ، ولَكِنْ لا يُعَوِّلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْها بَلْ يُعَوِّلُ عَلى عِصْمَةِ الحَقِّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾

3:160Page 71

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦٠ ] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما فُعِلَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ ذاتًا وصِفَةً وبِطَرِيقِ المُبالَغَةِ. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وتَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وفِيما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّأْيِيدَ. وتَحْذِيرٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، ومِمّا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العُقُوبَةَ بِالخِذْلانِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ولْيَخُصَّ (p-١٠٢٤)اَلْمُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ، ولِأنَّ إيمانَهم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ - كَذا في (الكَشّافِ) - .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском