Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:161–170
3:161Page 71
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١
It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦١ ] ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَعْلُومِ، أيْ: ما صَحَّ وما تَأتّى لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ، بَعْدَ مَقامِ النُّبُوَّةِ وعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنْ جَمِيعِ الرَّذائِلِ، وعَنْ تَأْثِيرِ دَواعِي النَّفْسِ والشَّيْطانِ فِيهِمْ؛ وبِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: ما صَحَّ أنْ يُنْسَـبَ إلى الغُلُولِ ويُخَوَّنَ. رَوى أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَفْظُهُ: اتَّهَمَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِشَيْءٍ فُقِدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةُ. وهَذا تَنْزِيهٌ لِمَقامِهِ ﷺ الرَّفِيعِ، وتَنْبِيهٌ عَلى عِصْمَتِهِ. ثُمَّ أشارَ إلى وعِيدِ الغُلُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِعَيْنِهِ، حامِلًا لَهُ عَلى ظَهْرِهِ، لِيَفْتَضِحَ في المَحْشَرِ، كَما رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، (p-١٠٢٥)لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ - لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ - لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رِقاعٍ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ»» . لَفْظُ مُسْلِمٍ. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «كانَ عَلى ثَقَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: (كَرْكَرَةُ) فَماتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هو في النّارِ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عَباءَةً قَدْ غَلَّها». وعَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «صَلُّوا عَلى صاحِبِكم»، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ صاحِبَكم غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْـنا مَتاعَهُ، فَوَجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهُودِ لا يُساوِي دِرْهَمَيْنِ -» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ - ورَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَأْخُذُ الوَبَرَةَ مِن جَنْبِ البَعِيرِ مِنَ المَغْنَمِ فَيَقُولُ: «ما لِي فِيهِ إلّا مِثْلُ ما لِأحَدِكم مِنهُ. إيّاكم والغُلُولَ، فَإنَّ الغُلُولَ خِزْيٌ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ وما فَوْقَ ذَلِكَ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ القَرِيبَ والبَعِيدَ في الحَضَرِ والسَّفَرِ. فَإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ. إنَّهُ لِيُنْجِيَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ في (p-١٠٢٦)اَلْقَرِيبِ والبَعِيدِ، ولا تَأْخُذْكم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ»» . ورَوى ابْنُ ماجَةَ بَعْضَهُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أقْبَلَ نَفَرٌ مِن صَحابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فُلانٌ شَهِيدٌ. حَتّى أتَوْا عَلى رَجُلٍ فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلّا إنِّي رَأيْتُهُ في النَّهارِ في بُرْدَةٍ غَلَّها أوْ عَباءَةٍ» . ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا ابْنَ الخَطّابِ ! اذْهَبْ فَنادِ في النّاسِ إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا المُؤْمِنُونَ»، قالَ: فَخَرَجْتُ فَنادَيْتُ: ألا إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا المُؤْمِنُونَ». وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا غَنِمَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلالًا فَيُنادِي في النّاسِ، فَيَجُوزُوا بِغَنائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ ويُقَسِّمُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمامٍ مِن شَعْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا فِيما كُنّا أصَبْناهُ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَقالَ: «أسَمِعْتَ بِلالًا يُنادِي ثَلاثًا ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَما مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ ؟» فاعْتَذَرَ. فَقالَ: «كُنْ أنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ مِنكَ»» .
تَنْبِيهٌ:
مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الإتْيانَ بِالغُلُولِ يَوْمَ القِيامَةِ مَجازًا عَنْ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما غَلَّ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ مَجازًا. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ عَلَيْهِ هَذا الغُلُولَ ويُعَزِّرُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُجازِيهِ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. وقالَ أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنَّهُ يَشْتَهِرُ بِذَلِكَ، مِثْلَ اشْتِهارِ مَن يَحْمِلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. وناقَشَهُما الرّازِيُّ بِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يُحْتَمَلُ، إلّا أنَّ الأصْلَ المُعْتَبَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ أنَّهُ يَجِبُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ، إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ يَمْنَعُهُ مِنهُ، وهَهُنا لا مانِعَ مِنَ الظّاهِرِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ - انْتَهى. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««لَهُ رُغاءٌ، لَهُ حَمْحَمَةٌ ...»» ... إلَخْ الظّاهِرُ في الحَقِيقَةِ زِيادَةً في النَّكالِ.
(p-١٠٢٧)﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ وافِيًا، وإنَّما عَمَّمَ الحُكْمَ ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ، لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ، فالغالُّ، مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: النّاسُ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ: ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ، ولا يُزادُ في عِقابِ عاصِيهِمْ.
3:162Page 71
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢
So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٢ ] ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ بِالطّاعَةِ: ﴿كَمَن باءَ﴾ رَجَعَ: ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ المَعاصِي كالغالِّ ومَن شاكَلَهُ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
3:163Page 71
هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣
They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٣ ] ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: طَبَقاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، ووَجْهُ ما بَيْنَهم مِن تَبايُنِ الأحْوالِ في الثَّوابِ والعِقابِ، كالدَّرَجاتِ في تَفاوُتِها عُلُوًّا وسُفْلًا.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا وأهْلِ السُّخْطِ ذَوُو دَرَجاتٍ مُتَفاوِتاتٍ، أوْ هم مُخْتَلِفُونَ اخْتِلافَ الدَّرَجاتِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها.
(p-١٠٢٨)
3:164Page 71
لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤
Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٤ ] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: أنْعَمَ: ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ، عَرَبِيًّا مِثْلَهم، لِيَتَمَكَّنُوا مِن مُخاطَبَتِهِ وسُؤالِهِ ومُجالَسَتِهِ، والِانْتِفاعِ بِهِ، ولَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذا الإنْعامِ إلّا أهْلُ الإسْلامِ خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإلّا فَبَعْثَتُهُ ﷺ إحْسانٌ إلى العالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ، لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ والشِّرْكِ بِدَعْوَتِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: القُرْآنَ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ: السُّـنَّةَ: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَتِهِ ﷺ وتَزْكِيَتِهِ: ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وأكْلِ الخَبائِثِ، وعُدْوانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وسِواها، فَنُقِلُوا بِبِعْثَتِهِ ﷺ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وصارُوا أفْضَلَ الأُمَمِ في العِلْمِ والزُّهْدِ والعِبادَةِ، فَعَظُمَتْ المِنَّةُ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ وجْهٌ آخَرُ مِنَ المِنَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ صارَ شَرَفًا لِلْعَرَبِ، وفَخْرًا لَهم، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِخارَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى والعَرَبِ، ثُمَّ إنَّ الأوَّلِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِمُوسى وعِيسى والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَما كانَ لِلْعَرَبِ ما يُقابِلُ ذَلِكَ. فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، وأنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، صارَ شَرَفُ العَرَبِ ذَلِكَ زائِدًا عَلى شَرَفِ جَمِيعِ الأُمَمِ. ا هـ.
(p-١٠٢٩)ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الَّذِي أصابَهم إنَّما أُتُوا فِيهِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ وبِسَبَبِ أعْمالِهِمْ فَقالَ:
3:165Page 71
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥
Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٥ ] ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ عَلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ، أوْ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ: أفَعَلْتُمْ: كَذا وقُلْتُمْ. و ( َلَمّا ( ظَرْفُهُ المُضافُ إلى أصابَتْكم، أيْ: حِينَ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، وهي قَتْلُ سَبْعِينَ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، والحالُ أنَّكم نِلْتُمْ ضِعْفَيْها يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ -: مِن أيْنَ هَذا أصابَنا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَفَتْهُ أنْفُسُكم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ بِتَرْكِ المَرْكَزِ، فَإنَّ الوَعْدَ كانَ مَشْرُوطًا بِالثَّباتِ والمُطاوَعَةِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا بِعَيْنِهِ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّورَةِ المَكِّيَّةِ فَقالَ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقالَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فالحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هَهُنا النِّعْمَةُ والمُصِيبَةُ، فالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِها عَلَيْكَ، والمُصِيبَةُ إنَّما نَشَأتْ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وعَمَلِكَ، فالأوَّلُ فَضْلُهُ، والثّانِي عَدْلُهُ، والعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، جارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ، ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ. وخَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ إعْلامًا لَهم بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عادِلٌ قادِرٌ، وفي ذَلِكَ إثْباتُ القَدَرِ والسَّبَبِ. فَذَكَرَ السَّبَبَ وأضافَهُ إلى نُفُوسِهِمْ، وذَكَرَ عُمُومَ القُدْرَةِ وأضافَها إلى نَفْسِهِ، فالأوَّلُ (p-١٠٣٠)يَنْفِي الجَبْرَ، والثّانِي يَنْفِي القَوْلَ بِإبْطالِ القَدَرِ، فَهو شاكَلَ قَوْلَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وفي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَهُنا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَذا الأمْرَ بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي لَوْ شاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكم، فَلا تَطْلُبُوا كَشْفَ أمْثالِهِ مِن غَيْرِهِ، ولا تَتَّكِلُوا عَلى سِواهُ، وكَشَفَ هَذا المَعْنى وأوْضَحَهُ كُلَّ الإيضاحِ بِقَوْلِهِ:
3:166Page 72
وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦
And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٦ ] ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ وتَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ، فالإذْنُ هُنا هو الإذْنُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ، لا الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ، كَقَوْلِهِ في السِّحْرِ: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذا التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾
(p-١٠٣١)
3:167Page 72
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٧ ] ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾
﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُنافِقِينَ عِلْمَ عِيانٍ ورُؤْيَةٍ يَتَمَيَّزُ فِيهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ تَمَيُّزًا ظاهِرًا: ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: (نافَقُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ. أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يَعْنِي: إنْ لَمْ تُقاتِلُوا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَكِنَّهُ لَيْسَ إلّا إلْقاءَ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: بِهَذا القَوْلِ: ﴿لِلْكُفْرِ﴾ في الظّاهِرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ لا إيمانَ لَهم في الباطِنِ أصْلًا.
فائِدَتانِ:
اَلْأُولى: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ الشَّخْصَ قَدْ تَتَقَلَّبُ بِهِ الأحْوالُ فَيَكُونُ في حالٍ أقْرَبَ إلى الكُفْرِ، وفي حالٍ أقْرَبَ إلى الإيمانِ.
الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ، ولَمْ يُطْلَقْ القَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقْ القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ، مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ، لِإظْهارِهِمْ القَوْلَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. انْتَهى.
﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ لا تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ عَلى حَدِّ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾(p-١٠٣٢)
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٨ ] ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِن أجْلِ أقارِبِهِمْ مِن قَتْلى أُحُدٍ: ﴿وقَعَدُوا﴾ أيْ: والحالُ قَدْ قَعَدُوا عَنْهم خِذْلانًا لَهم: ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ: ﴿قُلْ﴾ كَأنَّكم تَزْعُمُونَ ادِّعاءَ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ المَوْتِ: ﴿فادْرَءُوا﴾ أيْ: ادْفَعُوا: ﴿عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: فَإنَّها أقْرَبُ إلَيْكم مِن أنْفُسِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ المَوْتَ يُغْنِي مِنهُ حَذَرٌ، والمَعْنى: أنَّ عَدَمَ قَتْلِكم كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا عَلَيْكم، لا بِسَبَبِ أنَّكم دَفَعْتُمُوهُ بِالقُعُودِ، مَعَ كِتابَتِهِ عَلَيْكم، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وكانَ مِنَ الحِكْمَةِ تَقْدِيرُهُ تَعالى في هَذِهِ الواقِعَةِ تَكَلُّمَ المُنافِقِينَ بِما في نُفُوسِهِمْ، فَسَمِعَهُ المُؤْمِنُونَ، وسَمِعُوا رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَوابَهُ لَهم، وعَرَفُوا مَوادَّ النِّفاقِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ، وكَيْفَ يُحْرَمُ صاحِبُهُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسادِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَلِلَّهِ كَمْ مِن حِكْمَةٍ في ضِمْنِ هَذِهِ القِصَّةِ بالِغَةٍ، ونِعْمَةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ سابِغَةٍ، وكَمْ فِيها مِن تَحْذِيرٍ وتَخْوِيفٍ، وإرْشادٍ وتَنْبِيهٍ، وتَعْرِيفٍ بِأسْبابِ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَآلِهِما وعاقِبَتِهِما.
3:169Page 72
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩
And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٩ ] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنهُ، لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُجْدِي ولا يُغْنِي، أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم أمْواتًا تَعَطَّلَتْ أرْواحُهم: ﴿بَلْ﴾ هم: ﴿أحْياءٌ﴾ فَوْقَ أحْياءِ الدُّنْيا لِأنَّهم مُقَرَّبُونَ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (p-١٠٣٣)إذْ بَذَلُوا لَهُ أرْواحَهم، لا بِمَعْنى بَقاءِ أرْواحِهِمْ ورُجُوعِها إلَيْهِ، لِمُشارَكَةِ أرْواحِ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهم: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ رِزْقَ الأحْياءِ، لا رِزْقًا مَعْنَوِيًّا، بَلْ حَقِيقِيًّا. كَما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ. فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ ومَأْكَلِهِمْ، وحُسْنَ مُنْقَلَبِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عَنْ الحَرْبِ. فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾»» ... إلَخْ. هَكَذا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ؛ ورَواهُ أبُو داوُدَ والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلَخْ. فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهم اطِّلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا ؟ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ ! نُرِيدُ أنْ تُرَدَّ أرْواحُنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى. فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقٍ - نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ - فِيهِ قُبَّةٌ خَضْراءُ، يَخْرُجُ إلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً»» - تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ - ورَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَأنَّ الشُّهَداءَ أقْسامٌ: مِنهم مَن تَسْرَحُ أرْواحُهم في الجَنَّةِ، ومِنهم (p-١٠٣٤)مَن يَكُونُ عَلى هَذا النَّهْرِ بِبابِ الجَنَّةِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْتَهى سَيْرِهِمْ إلى هَذا النَّهْرِ، فَيَجْتَمِعُونَ هُنالِكَ، ويُغْدى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُناكَ ويُراحُ - واَللَّهُ أعْلَمُ - ثُمَّ قالَ: وقَدْ رَوَيْنا في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ حَدِيثًا فِيهِ البِشارَةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، بِأنَّ رُوحَهُ تَكُونُ في الجَنَّةِ تَسْرَحُ أيْضًا فِيها، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَرى ما فِيها مِنَ النُّضْرَةِ والسُّرُورِ، وتُشاهِدُ ما أعَدَّ اللَّهُ لَها مِنَ الكَرامَةِ، وهو بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَزِيزٍ عَظِيمٍ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلاثَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ أصْحابِ المَذاهِبِ المُتَّبَعَةِ، فَإنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَواهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ الأصْبَحِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرَةِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - إلى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»» . قَوْلُهُ: يَعْلَقُ أيْ: يَأْكُلُ. وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ تَكُونُ عَلى شَكْلٍ طائِرٍ في الجَنَّةِ، وأمّا أرْواحُ الشُّهَداءِ، فَكَما تَقَدَّمَ، في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَهي كالكَواكِبِ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّها تَطِيرُ بِأنْفُسِها. فَنَسْألُ اللَّهَ الكَرِيمَ المَنّانَ، أنْ يُمِيتَنا عَلى الإيمانِ - انْتَهى - .
تَنْبِيهٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: الأصَحُّ في حَياةِ الشُّهَداءِ، ما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأنَّهم يُرْزَقُونَ ويَأْكُلُونَ ويَتَنَعَّمُونَ».
وقالَ البَيْضاوِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ الإنْسانَ غَيْرُ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ، بَلْ هو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ بِذاتِهِ، لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَأمُّلُهُ والتِذاذُهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦] الآيَةُ. وحَدِيثُ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ»» ... إلَخْ.
(p-١٠٣٥)قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي: لَيْسَ الإنْسانُ مُجَرَّدَ البَدَنِ بِدُونِ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ، بَلْ هو في الحَقِيقَةِ النَّفْسُ المُجَرَّدَةُ، وإطْلاقُهُ عَلى البَدَنِ لِشِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِها، وهو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ لِذاتِهِ، أيْ: مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى هَذا البَدَنِ، لِوَصْفِهِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ بِالتَّنَعُّمِ ونَحْوِهِ - انْتَهى.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ رُوحَ الإنْسانِ جِسْمٌ لَطِيفٌ، لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَألُّمُهُ والتِذاذُهُ. ومَن قالَ بِتَجْرِيدِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ يَقُولُ: المُرادُ أنَّ نُفُوسَ الشُّهَداءِ تَتَمَثَّلُ طُيُورًا خُضْرًا أوْ تَتَعَلَّقُ بِها فَتَلْتَذُّ بِما ذُكِرَ - انْتَهى.
وقَدْ أسْلَفْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ، في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، زِيادَةً عَلى ذَلِكَ. فَتَذَكَّرْ.
3:170Page 72
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٠ ] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: بِما أعْطاهم مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ والإحْسانِ الَّذِينَ لا يَغْتَمُّ فِيهِ بِسَلْبِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ﴾ أيْ: بِإخْوانِهِمْ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا والمَعْنى: أنَّهم بَقَوْا مِن بَعْدِهِمْ وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم. أوْ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ: لَمْ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، بَدَلَ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ أنَّ اسْتِبْشارَهم بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، والمَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مَن حالِ مَن تَرَكُوا خَلْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهو أنَّهم يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَشَّرَهم اللَّهُ بِذَلِكَ، فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ. وفي ذَلِكَ حالُ الشُّهَداءِ واسْتِبْشارُهم بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى الجِدِّ في الجُهْدِ، والرَّغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُّهَداءِ.
(p-١٠٣٦)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences