Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:14–22
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأصْنافِها، وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها، وتَوْجِيهِ رَغَباتِهِمْ إلى ما عِنْدَهُ تَعالى، إثْرِ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِها. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: المُشْتَهَياتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَرْغُوبًا فِيها، أوْ تَخْسِيسًا لَها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ، مَذْمُومٌ مَن اتَّبَعَها، شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ في تَقْدِيمِهِنَّ إشْعارٌ بِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِنهُنَّ أتَمُّ اللَّذّاتِ: ﴿والبَنِينَ﴾ لِلتَّكَثُّرِ بِهِمْ، وأمَلِ قِيامِهِمْ مَقامَهم مِن بَعْدِهِمْ، والتَّفاخُرِ والزِّينَةِ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ أيْ: الأمْوالِ الكَثِيرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ مَأْخُوذَةٌ مِنها لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ ألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، ودَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما كانا مَحْبُوبَيْنِ لِأنَّهُما جُعِلا ثَمَنَ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمالِكُها كالمالِكٍ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وصِفَةُ المالِكِيَّةِ هي القُدْرَةُ، والقُدْرَةُ صِفَةُ كَمالٍ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ أكْمَلَ الوَسائِلِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الكَمالِ الَّذِي هو مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ وما لا يُوجَدُ المَحْبُوبُ إلّا بِهِ فَهو مَحْبُوبٌ لا جَرَمَ كانا مَحْبُوبَيْنِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيْ: المُرْسَلَةُ إلى المَرْعى تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ، أوْ الَّتِي عَلَيْها السِّيمْياءُ - أيْ: العَلامَةُ - قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ العَلاماتِ الأوْضاحُ والغُرَرُ الَّتِي تَكُونُ في الخَيْلِ، وهي أنْ تَكُونَ الأفْراسُ غُرًّا مُحَجَّلَةً: ﴿والأنْعامِ﴾ جَمْعُ نَعَمٍ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ لِتَحْصِيلِ الأمْوالِ النّامِيَةِ: ﴿والحَرْثِ﴾ أيْ: الأرْضِ المُتَّخَذَةِ لِلْغِراسِ والزِّراعَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: المَذْكُورُ: ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيها ثُمَّ يَفْنى: ﴿واللَّهُ (p-٨٠٥)عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيْ: المَرْجِعُ وهو الجَنَّةُ، فَيَنْبَغِي الرَّغْبَةُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. وفي إشْعارِهِ ذَمُّ مَن يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الشَّهَواتِ ويَتَهالَكُ عَلَيْها، ويُرَجِّحُ طَلَبَها عَلى طَلَبِ ما عِنْدَ اللَّهِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي تَزْيِينِ هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُوراتِ لِلنّاسِ إشارَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الفِتْنَةِ:
فَأمّا النِّساءُ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرُّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»» .
وأمّا البَنُونَ، فَفي مُسْنَدِ أبِي يَعْلى عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «الوَلَدُ ثَمَرَةُ القَلْبِ، وإنَّهُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ». أيْ: يَجْبُنُ أبُوهُ عَنْ الجِهادِ خَوْفَ ضَيْعَتِهِ، ويَمْتَنِعُ أبُوهُ مِنَ الإنْفاقِ في الطّاعَةِ خَوْفَ فَقْرِهِ، ويَحْزَنُ أبُوهُ لِمَرَضِهِ خَوْفَ مَوْتِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقِيلَ لِبَعْضِ النُّسّاكِ: ما بالُكَ لا تَبْتَغِي ما كَتَبَ اللَّهُ لَكَ ؟ قالَ: سَمْعًا لِأمْرِ اللَّهِ، ولا مَرْحَبًا بِمَن إنْ عاشَ فَتَنَنِي، وإنْ ماتَ أحْزَنَنِي. يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]
وأمّا القَناطِيرُ المُقَنْطَرَةُ: فَفِيها الآيَةُ قَبْلُ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] (p-٨٠٦)فَما يُورِثُ البَطَرَ مِثْلُ الغِنى. وبِهِ تُسْتَجْمَعُ أسْبابُ السُّؤْدُدِ والرِّئاسَةِ والمَجْدِ والتَّفاخُرِ.
وأمّا الخَيْلُ فَقَدْ تَكُونُ عَلى صاحِبِها وِزْرًا: إذا رَبَطَها فَخْرًا ورِياءً ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ، كَما في الصَّحِيحِ وفي مُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وفَرَسٌ لِلْإنْسانِ، وفَرَسٌ لِلشَّيْطانِ. فَأمّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فاَلَّذِي يُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَفُهُ ورَوْثُهُ وبَوْلُهُ وذَكَرَ ما شاءَ اللَّهُ. وأمّا فَرَسُ الشَّيْطانِ: فاَلَّذِي يُقامَرُ أوْ يُراهَنُ عَلَيْهِ. وأمّا فَرَسُ الإنْسانِ فالفَرَسُ يَرْتَبِطُها الإنْسانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَها فَهي تَسْتُرُ مِن فَقْرٍ».
وأمّا الفِتْنَةُ بِالأنْعامِ والحَرْثِ فَفي مَعْنى ما تَقَدَّمَ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما عِنْدَهُ مِن حُسْنِ المَآبِ إجْمالًا، أشارَ إلى تَفْصِيلِهِ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ فَقالَ:
3:15Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾
﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الشَّهَواتِ المُزَيَّنَةِ لَكم: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اللَّهَ ولَمْ يَنْهَمِكُوا في شَهَواتِهِمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مِن أنْواعِ الأشْرِبَةِ مِنَ العَسَلِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، و: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو: (جَنّاتٌ) و: (تَجْرِي) صِفَةٌ لَها، و: (عِنْدَ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ، (p-٨٠٧)قُدِّمَ فانْتَصَبَ عَلى الحالِ. والعِنْدِيَّةُ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ وسُمُوِّ طَبَقَتِها: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: ماكِثِينَ فِيها أبَدَ الآبادِ لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا: ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الأرْجاسِ والأدْناسِ البَدَنِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ نِساءُ الدُّنْيا غالِبًا: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ: رِضْوانٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ. وهَذِهِ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ تَتِمَّةُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وأكْبُرُها، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ (بَراءَةٌ): ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أيْ: أعْظَمُ ما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا»» ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: عالِمٌ بِمَصالِحِهِمْ فَيَجِبُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ ما اخْتارَهُ لَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وأنْ يَزْهَدُوا فِيما زَهَّدَهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَفازُوا بِتِلْكَ الكَراماتِ بِقَوْلِهِ:
3:16Page 52
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦
Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلدّاعِي أنْ يَذْكُرَ طاعاتِهِ وما تَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ، ثُمَّ يَدْعُو. ويُؤَيِّدُهُ (p-٨٠٨)ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أصْحابِ الغارِ، وتَوَسُّلِ كُلٍّ مِنهم بِصالِحِ عَمَلِهِ، ثُمَّ تَفْرِيجِ البارِي تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ تَعالى:
3:17Page 52
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .
﴿الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ في إيمانِهِمْ وأقْوالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ: ﴿والقانِتِينَ﴾ المُطِيعِينَ لِلَّهِ الخاضِعِينَ لَهُ: ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأرْحامِ، والقَراباتِ، وسَدِّ الخُلّاتِ، ومُواساةِ ذَوِي الحاجاتِ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ جَمْعُ سَحَرٍ (بِفَتْحَتَيْنِ وفَتْحٍ وسُكُونٍ) وهو الوَقْتُ الَّذِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ آخِرَ اللَّيْلِ. وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الحَرالِيُّ: وفي إفْهامِهِ تَهَجُّدَهم في اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]
وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ - انْتَهى -
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ ! هَلْ جاءَ السَّحَرُ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ حَتّى يُصْبِحَ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا نُؤْمَرُ إذا صَلَّيْنا مِنَ اللَّيْلِ أنْ نَسْتَغْفِرَ في آخِرِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً». ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حاطِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَّحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ وهو يَقُولُ: يا رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا السَّحَرُ، فاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإذا هو ابْنُ مَسْعُودٍ. وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ المَسانِيدِ والسُّنَنِ (p-٨٠٩)مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَنْزِلُ رَبُّنا، تَبارَكَ وتَعالى، كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ. يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟»» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ««ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى ويَقُولُ: مَن يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ ولا ظَلُومٍ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أفْرَدَ الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ في ذَلِكَ جُزْءًا عَلى حِدَةٍ، فَرَواهُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الصّالِحِينَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ ! لا يَكُنْ الدِّيكُ أحْسَنَ مِنكَ، يُنادِي بِالأسْحارِ وأنْتَ نائِمٌ، والحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ الأسْحارِ كَوْنُهُ وقْتَ غَفْلَةِ النّاسِ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلنَّفَحاتِ الرَّحْمانِيَّةِ، والألْطافِ السُّـبْحانِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ العِبادَةُ أشَقَّ، والنِّيَّةُ خالِصَةً، والرَّغْبَةُ وافِرَةً، مَعَ قُرْبِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ، مِن عِبادِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ فَضِيلَةُ الِاسْتِغْفارِ في السَّحَرِ، وأنَّ هَذا الوَقْتَ أفْضَلُ الأوْقاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِاَلسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ، وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ.
اَلْأوَّلُ: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتْ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كانَ الأمْواتُ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ، والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ طُلُوعِ صُبْحِ العالَمِ الكَبِيرِ يَطْلُعُ صُبْحُ العالَمِ الصَّغِيرِ، وهو ظُهُورُ نُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ أطْيَبُ أوْقاتِ النُّوّامِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ وأقْبَلَ عَلى العُبُودِيَّةِ، كانَتْ الطّاعَةُ أكْمَلَ.
والثّالِثُ: نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يُرِيدُ المُصَلِّينَ صَلاةَ الصُّبْحِ، انْتَهى.
وهَذا الثّالِثُ: أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وعَلَيْهِ، فَإنَّما سُمِّيَتْ الصَّلاةُ اسْتِغْفارًا لِأنَّهم طَلَبُوا بِفِعْلِها المَغْفِرَةَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفاتِ، لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها.
(p-٨١٠)
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: عَلِمَ، وأخْبَرَ، أوْ قالَ أوْ بَيَّنَ أنَّهُ لا مَعْبُودَ حَقِيقِيٌّ سِوى ذاتِهِ العَلِيَّةِ. وشَهِدَ بِذَلِكَ: ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ بِالإقْرارِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةٌ جَلِيلَةٌ لِلْعُلَماءِ، لِقَرْنِهِمْ في التَّوْحِيدِ بِالمَلائِكَةِ المُشَرَّفِينَ، بِعَطْفِهِمْ عَلى اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ في أحْكامِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يُرامُ جَنابُهُ عَظَمَةً: ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ الِاسْتِقامَةِ - كَذا في (جامِعِ البَيانِ) - .
وقالَ في (الِانْتِصافِ): هَذا التِّكْرارُ لِما قَدَّمْتُهُ في نَظِيرِهِ مِمّا صُدِّرَ الكَلامُ بِهِ إذا طالَ عَهْدُهُ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مُصَدَّرٌ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّوْحِيدَ تِعْدادَ الشّاهِدِينَ بِهِ، ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ وهو التَّنْزِيهُ. فَطالَ الكَلامُ بِذَلِكَ، فَجَدَّدَ التَّوْحِيدَ تِلْوَ التَّنْزِيهِ، لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولَوْلا هَذا التَّجْدِيدُ لَكانَ التَّوْحِيدُ المُتَقَدِّمُ، كالمُنْقَطِعِ في الفَهْمِ مِمّا أُرِيدَ إيصالُهُ بِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: المُدَّعِي لِلْوَحْدانِيَّةِ هو اللَّهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ المُدَّعِي شاهِدًا ؟
اَلْجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
اَلْأوَّلُ: وهو أنَّ الشّاهِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ وجَعَلَها دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ لَما صَحَّتْ الشَّهادَةُ. ثُمَّ بَعْدَ نَصْبِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، هو الَّذِي وفَّقَ العُلَماءَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وهَدى إلَيْها لَعَجَزُوا عَنْ التَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ. ثُمَّ بَعُدَ حُصُولِ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَهو تَعالى وفَّقَهم حَتّى أرْشَدُوا غَيْرَهم إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ. وإذا كانَ (p-٨١١)اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ الشّاهِدُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ثُمَّ ساقَ بَقِيَّةَ الوُجُوهِ فانْظُرْهُ.
وقالَ العارِفُ الشَّعْرانِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ، في كِتابِ (الجَواهِرُ والدُّرَرُ): سَألْتُ أخِي أفْضَلَ الدِّينِ: لِمَ شَهِدَ الحَقُّ تَعالى لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ؟ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِيُنَبِّهَ عِبادَهُ عَلى غِناهُ عَنْ تَوْحِيدِهِمْ لَهُ، وأنَّهُ هو المُوَحِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَلِمَ عَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ فَقالَ: لِأنَّ عِلْمَهم بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا مِنَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ كالبَشَرِ، وإنَّما كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ حاصِلًا مِنَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ، وذَلِكَ أقْوى العُلُومِ وأصْدَقُها، فَلِذَلِكَ قُدِّمُوا في الذِّكْرِ عَلى أُولِي العِلْمِ. وأيْضًا فَإنَّ المَلائِكَةَ واسِطَةٌ بَيْنَ الحَقِّ وبَيْنَ رُسُلِهِ، فَناسَبَ ذِكْرُهِمْ في الوَسَطِ. فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، أيْ: لا دِينَ مَرْضِيًّا لِلَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ - وفي الأُخْرى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُطْلَقًا، أوْ اليَهُودُ، في دِينِ (p-٨١٢)اَلْإسْلامِ: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ. ولَمْ يَكُنْ اخْتِلافُهم لِشُبْهَةٍ عِنْدِهِمْ، بَلْ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا كائِنًا بَيْنَهم، وطَلَبًا لِلرِّئاسَةِ. وهَذا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ إثْرَ تَشْنِيعٍ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُنَزَّلَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ، عِلَّةٌ لَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى يُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ عَنْ قَرِيبٍ. فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ في الدِّينِ وجادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ إقامَةِ تِلْكَ الآياتِ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ: انْقَدْتُ لِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ، وأخْلَصْتُ نَفْسِي وعِبادَتِي لَهُ، لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ النَّفْسِ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ، ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ مِنَ السُّجُودِ والقِراءَةِ، وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ.
لَطِيفَةٌ:
هَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إعْراضٌ عَلى المُحاجَّةِ أوْ هو مُحاجَّةٌ وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ ؟ فَمِن قائِلٍ بِالأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم المُعْجِزاتِ الجَمَّةَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ. فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ﴾ إلَخْ. يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمْ الأنَفَ والحَسَدَ وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. وإنْ أعْرَضْتُمْ، فَإنَّ اللَّهَ (p-٨١٣)تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم. وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ. فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَن اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ، مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمْ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدْ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ.
فَهَذا طَرِيقٌ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ. ومِن قائِلٍ بِالثّانِي، أعْنِي: أنَّهُ مُحاجَّةٌ. وفي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ مِنها ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى وعَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُقِرِّينَ بِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، والإقْرارِ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ، صادِقًا في دِينِهِ. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أيْ: أعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَصَدْتُهُ بِالعِبادَةِ، وأخْلَصْتُ لَهُ. فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُسْتَمْسِكٌ بِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ طَرِيقَتَهُ حَقَّةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وتُهْمَةٍ. فَكانَ هَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالِالتِزاماتِ، وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] - نَقَلَهُ الرّازِيُّ -: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ (p-٨١٤)لا كِتابَ لَهم، كَمُشْرِكِي العَرَبِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ لِهَذِهِ الآياتِ كَما أسْلَمْتُ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى الكُفْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ، ويَقْتَضِي حُصُولَهُ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى كُفْرِكم ؟ وهَذا كَقَوْلِكَ لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ، ولَمْ تُبْقِ مَن طُرُقِ البَيانِ والكَشْفِ طَرِيقًا إلّا سَلَكْتَهُ: هَلْ فَهِمْتَها ؟ ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بَعْدَ ما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عَنْ الخَمْرِ والمَيْسِرِ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ اسْتِقْصارٌ وتَعْيِيرٌ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ، لِأنَّ المُنْصِفَ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحُجَّةُ لَمْ يَتَوَقَّفْ إذْعانُهُ لِلْحَقِّ، ولِلْمُعانِدِ بَعْدَ تَجَلِّي الحُجَّةِ ما يَضْرِبُ أسْدادًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإذْعانِ. وكَذَلِكَ في: (هَلْ فَهِمْتَها) تَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وقِلَّةِ القَرِيحَةِ. وفِيَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بِالتَّقاعُدِ عَنْ الِانْتِهاءِ والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ. انْتَهى ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: خَرَجُوا مِنَ الضَّلالِ فَنَفَعُوا أنْفُسَهم: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنْ هُداكَ وهَدْيِكَ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ آياتِ اللَّهِ، لا الإكْراهُ إذا عانَدُوكَ، إذْ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِن أصْرَحِ الدِّلالاتِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن دِينِهِ ضَرُورَةً، وكَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ في غَيْرِ ما آيَةٍ وحَدِيثٍ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وفي (p-٨١٥)اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا ثَبَتَ تَواتُرُهُ بِالوَقائِعِ المُتَعَدِّدَةِ أنَّهُ ﷺ بَعَثَ كُتُبَهُ يَدْعُو إلى اللَّهِ مُلُوكَ الآفاقِ، وطَوائِفَ بَنِي آدَمَ، مِن عَرَبِهِمْ وعَجَمِهِمْ، كُتّابِيِّهِمْ وأُمِّيِّهِمْ، امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. (p-٨١٦)وقَدْ رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمّامٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، وماتَ ولَمْ يُؤْمِن بِاَلَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلّا كانَ مِن أهْلِ النّارِ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ. وقالَ ﷺ: ««بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ»» . وقالَ: ««كانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً»» . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ.
(p-٨١٧)
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وهم اليَهُودُ. قَتَلُوا زَكَرِيّا وابْنَهُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَتَلُوا حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَتَلَهُ قاضٍ يَهُودِيٌّ لَمّا نَهاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ولَمّا كانَ المُخاطَبُونَ راضِينَ بِصَنِيعِ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَهم لِلْأنْبِياءِ كانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا، فَهو أبْلَغُ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
3:22Page 52
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: بَطَلَتْ أعْمالُهم الَّتِي عَمِلُوها مِنَ البِرِّ والحَسَناتِ في الدّارَيْنِ. أمّا الدُّنْيا فَإبْدالُ المَدْحِ بِالذَّمِّ، والثَّناءِ بِاللَّعْنِ والخِزْيِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ وأخْذِ الأمْوالِ مِنهم غَنِيمَةً، والِاسْتِرْقاقِ لَهم، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ الظّاهِرِ فِيهِمْ. وأمّا حُبُوطُها في الآخِرَةِ، فَإبْدالُ الثَّوابِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ دَلَّتْ الآيَةُ عَلى عِظَمِ حالِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وعِظَمِ ذَنْبِ قاتِلِهِ، لِأنَّهُ قَرَنَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعالى، وقَتْلِ الأنْبِياءِ.
قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قِيلَ: إنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وإنْ خافَ عَلى نَفْسِهِ. وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أوْلى لِما فِيهِ مِن إعْزازِ الدِّينِ. فَفي الحَدِيثِ: ««أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ»» .
(p-٨١٨)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences