Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:171–179
3:171Page 72
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١
They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧١ ] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يُسَرُّونَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مِن زِيادَةِ الكَرامَةِ، وتَوْفِيرِ أجْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: كُرِّرَ لِبَيانِ أنَّ الِاسْتِبْشارَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ، بَلْ بِهِ وبِما يُقارِنُهُ، مِن نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، لا يُقادَرُ قَدْرُها، وهي ثَوابُ أعْمالِهِمْ. ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِسُمُوِّ رُتْبَةِ الإيمانِ، وكَوْنِهِ مَناطًا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ. وإمّا كافَّةُ أهْلِ الإيمانِ مِنَ الشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ، ذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ عَلى إيمانِهِمْ، وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ ما يَسْتَبْشِرُ بِهِ الشُّهَداءُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ - انْتَهى - .
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَزّى نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنهم في سَبِيلِهِ أحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وألْطَفَها وأدْعاها إلى الرِّضا بِما قَضاهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآياتُ - فَجَمَعَ لَهم إلى الحَياةِ الدّائِمَةِ، مَنزِلَةَ القُرْبِ مِنهُ، وأنَّهم عِنْدَهُ، وجَرَيانَ الرِّزْقِ المُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وفَرَحَهم بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، وهو فَوْقُ الرِّضا، بَلْ هو كَمالُ الرِّضا، واسْتِبْشارُهم بِإخْوانِهِمْ الَّذِينَ بِاجْتِماعِهِمْ بِهِمْ يَتِمُّ سُرُورُهم ونَعِيمُهم، واسْتِبْشارُهم بِما يُجَدَّدُ لَهم كُلَّ وقْتٍ مَن نِعْمَتِهِ وكَرامَتِهِ، وذَكَّرَهم سُبْحانَهُ في أثْناءِ هَذِهِ المِحْنَةِ بِما هو أعْظَمُ مِنَّةً ونِعْمَةً عَلَيْهِمْ، الَّتِي قابَلُوا بِها كُلَّ مِحْنَةٍ تَنالُهم وبَلِيَّةٍ تَلاشَتْ في جَنْبِ هَذِهِ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ، ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ألْبَتَّةَ، وهي مِنَّتُهُ، عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويَعْلِّمُهم الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُنْقِذُهم مِنَ الضَّلالِ، الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسالِهِ، إلى الهُدى، ومِنَ الشَّقاءِ إلى الفَلاحِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ. فَكُلُّ بَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ تَنالُ العَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذا الخَبَرِ العَظِيمِ لَهُ - أمْرٌ يَسِيرٌ جِدًّا في جَنْبِ الخَيْرِ الكَثِيرِ. كَما يَنالُ النّاسَ بِأذى المَطَرِ، في جَنْبِ ما يَحْصُلُ لَهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ. وأعْلَمَهم أنَّ سَبَبَ المُصِيبَةِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، لِيَحْذَرُوا، وأنَّها بِقَضائِهِ (p-١٠٣٧)وقَدَرِهِ، لِيُوَحِّدُوهُ ويَتَّكِلُوا عَلَيْهِ، ولا يَخافُوا غَيْرَهُ، وأخْبَرَهم بِما لَهُ فِيها مِنَ الحِكَمِ لِئَلّا يَتَّهِمُوا في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولِيَتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِأنْواعِ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ. وسَلّاهم بِما أعْطاهم مِمّا هو أجَلُّ قَدْرًا وأعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فاتَهم مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وعَزّاهم عَنْ قَتْلاهم بِما نالُوهُ مِن ثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، لِيُنافِسُوا فِيهِ، ولا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ، وكَما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وجْهِهِ، وعَزَّ جَلالُهُ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ولَمّا انْقَضَتْ الحَرْبُ، انْكَفَأ المُشْرِكُونَ، فَظَنَّ المُسْلِمُونَ أنَّهم قَصَدُوا المَدِينَةَ لِإحْرازِ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: ««اخْرُجْ في آثارِ القَوْمِ فانْظُرْ ماذا يَصْنَعُونَ، وماذا يُرِيدُونَ، فَإنْ هم جَنَّبُوا الخَيْلَ، وامْتَطَوْا الإبِلَ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وإنْ كانُوا رَكِبُوا الخَيْلَ، وساقُوا الإبِلَ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، فَواَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَئِنْ أرادُوها لَأسِيرَنَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَأُناجِزَهم فِيها» . قالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ في آثارِهِمْ أنْظُرُ ماذا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الخَيْلَ، وامْتَطَوْا الإبِلَ، ووَجَّهُوا مَكَّةَ. ولَمّا عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ، أشْرَفَ عَلى المُسْلِمِينَ أبُو سُفْيانَ، ثُمَّ ناداهم: مَوْعِدُكم المَوْسِمُ بِبَدْرٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنا» . قالَ أبُو سُفْيانَ: فَذَلِكم المَوْعِدُ. ثُمَّ انْصَرَفَ هو وأصْحابُهُ، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ، تَلاوَمُوا فِيما بَيْنَهم، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا ! أصَبْتُمْ شَوْكَتَهم وحْدَهم ثُمَّ تَرَكْتُمُوهم، وقَدْ بَقِيَ مِنهم رُؤُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكم، فارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنادى في النّاسِ، ونَدَبَهم إلى المَسِيرِ إلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وقالَ: «لا يَخْرُجْ مَعَنا إلّا مَن شَهِدَ القِتالَ»، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أرْكَبُ مَعَكَ، قالَ: لا. فاسْتَجابَ لَهُ المُسْلِمُونَ عَلى ما بِهِمْ مِنَ القَرْحِ الشَّدِيدِ والخَوْفِ، وقالُوا: سَمْعًا وطاعَةً، واسْتَأْذَنَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنِّي أُحِبُّ أنْ لا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلّا كُنْتُ مَعَكَ، وإنَّما خَلَّفَنِي أبِي عَلى بَناتِهِ، فَأْذَنْ لِي أسِيرُ مَعَكَ، فَأذِنَ لَهُ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وأقْبَلَ (p-١٠٣٨)مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ. فَأمَرَهُ أنْ يَلْحَقَ بِأبِي سُفْيانَ فَيُخَذِّلُهُ، فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحاءِ - ولَمْ يَعْلَمْ بِإسْلامِهِ - فَقالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكم، وخَرَجُوا في جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا مِثْلَهُ، وقَدْ نَدِمَ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهم مِن أصْحابِهِمْ. فَقالَ: ما تَقُولُ ؟ فَقالَ: ما أرى أنَّ تَرْتَحِلَ حَتّى يَطْلُعَ أوَّلُ الجَيْشِ مِن وراءِ هَذِهِ الأكَمَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: واَللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهم، قالَ: فَلا تَفْعَلْ، فَإنِّي لَكَ ناصِحٌ، فَرَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ إلى مَكَّةَ» - انْتَهى - وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
3:172Page 72
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢
Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٢ ] ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: دَعْوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ إرْهابًا لَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ بِأُحُدٍ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ بِطاعَتِهِ: ﴿واتَّقَوْا﴾ مُخالَفَتَهُ: ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في هَذِهِ الآيَةِ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي ! كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. لَمّا أصابَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وانْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: مَن يَذْهَبُ في أثَرِهِمْ ؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، قالَ أبُو هِشامٍ: ولَمّا ثَنى مَعْبَدٌ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ - كَما تَقَدَّمَ - مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ ؟ (p-١٠٣٩)قالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ، قالَ: ولِمَ ؟ قالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ، قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسالَةً أُرْسِلُكم بِها إلَيْهِ، وأحْمِلُ لَكم هَذِهِ غَدًا زَبِيبًا بِعُكاظٍ إذا وافَيْتُمُونا ؟ قالا: نَعَمْ، قالَ: فَإذا وافَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُوهُ أنّا قَدْ جَمَعْنا المَسِيرَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ، فَأخْبَرُوهُ بِاَلَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقالُوا: حَسْـبُنا اَللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ:
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٣ ] ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ أيْ: الرَّكْبُ المُسْتَقْبِلُ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ﴾ أيْ: أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيْ: الجُمُوعَ لِيَسْتَأْصِلُوكم: ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾ ولا تَأْتُوهم: ﴿فَزادَهُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ: ﴿إيمانًا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِاَللَّهِ ويَقِينًا. والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يَضْعُفُوا، بَلْ ثَبَتَ بِهِ عَزْمُهم عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًا، فَإنَّ ازْدِيادَ اليَقِينِ بِتَناصُرِ الحُجَجِ، وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كافِينا أمْرَهم مِن غَيْرِ عُدَّةٍ لَنا ولا عَدَدٍ: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أيْ: المَوْكُولُ إلَيْهِ والمُفَوَّضُ إلَيْهِ الأمْرُ.
3:174Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٤ ] ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
﴿فانْقَلَبُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ يَعْنِي: العافِيَةَ وكَمالَ الشَّجاعَةِ وزِيادَةَ الإيمانِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ أيْ: لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ (p-١٠٤٠)ولا جِراحٌ: ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَةِ رَسُولِهِ بِخُرُوجِهِمْ وجَراءَتِهِمْ: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعافِيَةِ وما ذُكِرَ مَعَها، وبِالحِفْظِ عَنْ كُلِّ ما يَسُوؤُهم. وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وتَخْطِئَةُ رَأْيِهِ حَيْثُ حَرَمَ نَفْسَهُ ما فازُوا بِهِ.
فائِدَةٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] اسْتِحْبابُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ الغَمِّ والأُمُورِ العَظِيمَةِ.
تَنْبِيهٌ:
حَمْلُ الآيَةِ عَلى غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، هو ما قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُ واحِدٍ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى. قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآيَةُ، «أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ - لَمّا انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ -: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَسى !» فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا، فَوافَقُوا السُّوقَ فِيها، فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةُ - قالَ: وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» - رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ - وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «لَمّا عَمَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ فَيَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم؛ يَكِيدُونَهم بِذَلِكَ، يُرِيدُونَ أنْ يُرْعِبُوهم، فَيَقُولُ المُؤْمِنُونَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] حَتّى قَدِمُوا بَدْرًا، فَوَجَدُوا أسْواقَها عافِيَةً، لَمْ يُنازِعْهم فِيها أحَدٌ» .
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النِّعْمَةُ أنَّهم سَلَّمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ في أيّامِ المَوْسِمِ، فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ فِيها مالًا، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الهَدْيِ): إنَّ أبا سُفْيانَ قالَ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: مَوْعِدُكم وإيّانا العامُ القابِلُ بِبَدْرٍ، فَلَمّا كانَ شَعْبانُ، وقِيلَ: ذُو القِعْدَةِ مِنَ العامِ القابِلِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٠٤١)ﷺ لِمَوْعِدِهِ في ألْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وكانَتْ الخَيْلُ عَشَرَةَ أفْراسٍ، وحَمَلَ لِواءَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واسْتَخْلَفَ عَلى المَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ، فانْتَهى إلى بَدْرٍ، فَأقامَ بِهِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ المُشْرِكِينَ، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ بِالمُشْرِكِينَ مِن مَكَّةَ، وهم ألْفانِ، ومَعَهم خَمْسُونَ فَرَسًا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى مَرِّ الظَّهْرانِ - مَرْحَلَةٌ مِن مَكَّةَ - قالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: إنَّ العامَ عامُ جَدْبٍ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ أرْجِعَ بِكم، فانْصَرَفُوا راجِعِينَ، وأخْلَفُوا المَوْعِدَ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ: بَدْرُ المَوْعِدِ، وتُسَمّى: بَدْرٌ الثّانِيَةُ - انْتَهى - .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ.
3:175Page 73
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٥ ] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: قَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِقَوْلِهِ، أوْلِياءَهُ: الكُفّارَ، وحِينَئِذٍ فَأوْلِياءَهُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُخَوِّفُ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، كَما قُرِئَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لا حَذْفَ فِيهِ، والمَعْنى يُخَوِّفُ مَن يَتَّبِعُهُ، فَأمّا مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ فَلا يَخافُهُ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ: ﴿وخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي ورَسُولِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ.
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٦ ] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ ولا تُبالِ بِما يَلُوحُ مِنهم مَن آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ ومَضَرَّةِ أهْلِهِ. وقُرِئَ في السَّبْعِ: (يُحْزِنُكَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: (p-١٠٤٢)﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أوْلِياءَ اللَّهِ. نَقَلَهُ الرّازِيُّ. قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَكْمِيلٌ لِلتَّسْلِيَةِ بِتَحْقِيقِ نَفْيِ ضَرَرِهِمْ أبَدًا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ البَتَّةَ. وتَعْلِيقُ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ، لِأنَّهم يَحْمِيهِمْ اللَّهُ، فَلَوْ أضَرُّوهم لَأضَرُّوا اللَّهَ بِتَعْجِيزِهِمْ إيّاهُ عَنْ حِمايَتِهِمْ، ولا يُمْكِنُهم أنْ يُعْجِزُوهُ شَيْئًا بَلْ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أنْ يَضُرَّهم الضَّرَرَ الكُلِّيَّ وهو: ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: نَصِيبًا مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاغْتِمامُ مِن مَعْصِيَةِ العاصِينَ.
3:177Page 73
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: اسْتَبْدَلُوا: ﴿الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم. فَإنَّ جَعْلَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ المُسارِعِينَ المَعْهُودِينَ بِأنْ يُرادَ بِاشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ إيثارُهُ عَلَيْهِ، إمّا بِأخْذِهِ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالفِعْلِ، كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما هو شَأْنُ اليَهُودِ ومُنافِقِيهِمْ. فالتَّكْرِيرُ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ، فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِاشْتِراءِ المَذْكُورِ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، كَيْفَ وهو عَلَمٌ في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ، والحِرْمانِ الأبَدِيِّ، دالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمِ، ورَزانَةِ الرَّأْيِ، ورَصانَةِ (p-١٠٤٣)اَلتَّدْبِيرِ، مِن مُضارَّةِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى، وهي أعَزُّ مِنَ الأبْلَقِ الفَرْدِ، وأمْنَعُ مِن عُقابِ الجَوِّ، وإنْ أُجْرِيَ المَوْصُولُ عَلى عُمُومِهِ بِأنْ يُرادَ بِالِاشْتِراءِ المَذْكُورِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ولِأخْذِ الكُفْرِ بَدَلًا مِمّا نَزَلَ مَنزِلَةَ نَفْسِ الإيمانِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ القَرِيبِ لَهُ، الحاصِلِ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ، ومُلاحَظَةِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها تَقْرِيرًا لِلْقَواعِدِ الكُلِّيَّةِ، لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ، بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ، بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، قِيلَ: لَمّا جَرَتْ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ، وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةً، وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةً، وصَفَ عَذابَهم بِالإيلامِ مُراعاةً لِذَلِكَ. انْتَهى.
3:178Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨
And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٨ ] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾
﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: بِتَطْوِيلِ أعْمارِهِمْ وإمْهالِهِمْ وتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا: ﴿خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ بَلْ هو سَبَبُ مَزِيدِ عَذابِهِمْ، لِأنَّهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ بِكَثْرَةِ المَعاصِي فَيَزْدادُوا عَذابًا: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ذُو إهانَةٍ في أسْفَلِ دَرَكاتِ النّارِ.
لَطائِفُ:
اَلْأُولى: في (ما) - مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ الأُولى - وجْهانِ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، حُذِفَ عائِدُها. أيْ: إمْلاؤُنا لَهم أوْ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم.
(p-١٠٤٤)اَلثّانِيَةُ: كانَ حَقٌّ (ما) في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها وقَعَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ مُتَّصِلَةً، فَلا يُخالَفُ، وتُتَّبَعُ سُنَّةُ الإمامِ في خَطِّ المَصاحِفِ.
الثّالِثَةُ: (ما) الثّانِيَةُ في: ﴿إنَّما نُمْلِي﴾ إلَخْ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّها كافَّةٌ.
الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُهِينٌ﴾ سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمْتِيعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا وزِينَتِها، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ والتَّجَبُّرَ، وُصِفَ عَذابُهم بِالإهانَةِ، لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًا.
ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي كانَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، وهو أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنَ المُنافِقِ الكاذِبِ. فَإنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا أظْهَرَهم اللَّهُ عَلى أعْدائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وطارَ لَهم الصِّيتُ، دَخَلَ مَعَهم في الإسْلامِ ظاهِرًا مَن لَيْسَ مَعَهم فِيهِ بِاطِنًا، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ سَبَّبَ لِعِبادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَأطْلَعَ المُنافِقُونَ رُؤُوسَهم في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وتَكَلَّمُوا بِما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، وظَهَرَ مُخَبَّآتُهم، وعادَ تَلْوِيحُهم صَرِيحًا، وانْقَسَمَ النّاسُ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ ومُنافِقٍ انْقِسامًا ظاهِرًا، وعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أنَّ لَهم عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وهم مَعَهم لا يُفارِقُونَهم، فاسْتَعَدُّوا لَهم، وتَحَرَّزُوا مِنهم فَقالَ تَعالى:
3:179Page 73
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩
Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٩ ] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ أيْ: يَتْرُكَ: ﴿المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الِالتِباسِ (p-١٠٤٥)بِالمُنافِقِينَ، بَلْ لا يَزالُ يَبْتَلِيكم: ﴿حَتّى يَمِيزَ﴾ المُنافِقَ: ﴿الخَبِيثَ مِنَ﴾ المُؤْمِنِ: (الطَّيِّبِ و) لا يَمِيزُ إلّا بِهَذا الِابْتِلاءِ لِأنَّهُ: (وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ) أيْ: الَّذِي يَمِيزُ بِهِ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ بِإطْلاعِهِ عَلى الغَيْبِ، كَما أوْحى إلى النَّبِيِّ ﷺ بِما ظَهَرَ مِنهم مَن الأقْوالِ والأفْعالِ، حَسْبَما حَكى عَنْهم بَعْضَهُ فِيما سَلَفَ، فَيَفْضَحُهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، ويُخَلِّصُكم مِن سُوءِ جِوارِهِمْ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: هَذا اسْتِدْراكٌ لِما نَفاهُ مِن اطِّلاعِ خَلْقِهِ عَلى الغَيْبِ، كَما قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] فَحَظُّكم أنْتُمْ وسَعادَتُكم في الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإنْ آمَنتُمْ بِهِ واتَّقَيْتُمْ كانَ لَكم أعْظَمُ الأجْرِ والكَرامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ الَّذِينَ اجْتَباهم لِلِاقْتِداءِ بِهِمْ في الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾ فَتُصَحِّحُوا الِاعْتِقاداتِ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ فَتُصْلِحُوا الأعْمالَ: ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهَهُنا:
لَطائِفُ:
اَلْأُولى: في التَّعْبِيرِ عَنْ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ تَسْجِيلٌ عَلى كُلٍّ مِنهُما، بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
الثّانِيَةُ: إفْرادُ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنهُما وتَكَثُّرِهِ لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرِيدَ بِأحَدِهِما، أعْنِي: المُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِما وتَعَدُّدُ آحادِهِما، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿(ذَلِكَ أدْنى (p-١٠٤٦)ألا تَعُولُوا)﴾ [النساء: ٣] ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] حَيْثُ قَصَدَ الدِّلالَةَ عَلى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِ المَوْصُوفِ مِنَ العُقَلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ.
الثّالِثَةُ: تَعْلِيقُ المَيْزِ بِالخَبِيثِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ المُنافِقِ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ تَعْلِيقُهُ بِهِمْ وإفْرازُهم عَنْ المُنافِقِينَ، لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما هو بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ وتَغْيِيرِهِمْ مَن حالٍ إلى حالٍ مُغايِرَةٍ لِلْأُولى، مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن أصْلِ الإيمانِ، وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ، لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وتَغْيِيرِهِمْ، مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِتارِ، ولِأنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
الرّابِعَةُ: إنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ، لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ، فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.
(p-١٠٤٧)الخامِسَةُ: اَلتَّعَرُّضُ لِلِاجْتِباءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ﴾ إلَخْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْثالِ تِلْكَ الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ، لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ، تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ، واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا البابِ أمْرٌ مَتِينٌ، لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ، جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ.
اَلسّادِسَةُ: تَعْمِيمُ الأمْرِ في قُولِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ، لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
هَذا ما اقْتَبَسْناهُ مِن تَفْسِيرِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ اسْتَقْرَبَ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانِ شَرِّيَتِهِ لَهم. فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ أبَدًا كَما تَرَكَهم كَذَلِكَ إلى الآنَ، لِسِرٍّ يَقْتَضِيهِ، بَلْ يُفْرِزُ عَنْهم المُنافِقِينَ، ولِذَلِكَ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ، حَيْثُ خَلّى الكَفَرَةَ وشَأْنَهم، فَأبْرَزَ لَهم صُورَةَ الغَلَبَةِ، فَأظْهَرَ مَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، ما فِيها مِنَ الخَبائِثِ وافْتَضَحُوا عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ.
(p-١٠٤٨)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences