Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:180–186
3:180Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠
And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٠ ] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهادِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ - شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ في سَـبِيلِ اللَّهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ بِبَذْلِهِ فِيهِ وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ: (إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ) لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِاسْتِجْلابِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، والتَّنْصِيصِ عَلى شَرِّيَتِهِ لَهم، مَعَ انْفِهامِها مِن نَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ، لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَـرِّيَّةِ مَآلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ أيْ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ لُزُومَ الطَّوْقِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المَحْسُوسِ، وأيَّدُوهُ بِما رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي: شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى آخِرِها».
(p-١٠٤٩)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ يُمَثِّلُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ مالَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتانِ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ يُطَوِّقُهُ، يَقُولُ: أنا كَنْزُكَ، أنا كَنْزُكَ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِزِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكاةَ مالِهِ إلّا جُعِلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرُّ مِنهُ وهو يَتْبَعُهُ، فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ» . ثُمَّ قَرَأعَبْدُ اللَّهِ مِصْداقَهُ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَوى الحافِظُ أبُو يَعْلى عَنْ ثَوْبانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ شُجاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتانِ، يَتْبَعُهُ. فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ويْلُكَ ؟ فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ الَّذِي خَلَّفْتَ بَعْدَكَ، فَلا يَزالُ يَتْبَعُهُ حَتّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَقْضِمُها، ثُمَّ يَتْبَعُ سائِرَ جَسَدِهِ»»، قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، ولَمْ يُخَرِّجُوهُ، وقَدْ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلاهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ مالٍ عِنْدَهُ، فَيَمْنَعُهُ إيّاهُ، إلّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ»» .
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ، إلّا أُخْرِجَ لَهُ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ»» . ورَواهُ أيْضًا مَوْقُوفًا ومُرْسَلًا.
(p-١٠٥٠)والشُّجاعُ (كَغُرابٍ وكِتابٍ): الحَيَّةُ مُطْلَقًا، أوْ الذَّكَرُ مِنها، أوْ ضَرْبٌ مِنها دَقِيقٌ، وهو أجْرَؤُها - كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ - .
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهم، وإنْ لَمْ يُنْفِقُوا أمْوالَهم في سَبِيلِهِ، فَهي راجِعَةٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ، ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فالمِيراثُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ المَعْنى: أنَّهُ يُفْنِي أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، ويَصِيرُ أمْلاكُ أهْلِهِما بَعْدَ فَنائِهِمْ إلى خالِصِ مُلْكِهِ، كَما يَصِيرُ مالُ المُوَرِّثِ مِلْكَ الوارِثِ، فَجَرى ما هُنا مَجْرى الوِراثَةِ، إذْ كانَ الخَلْقُ يَدَّعُونَ الأمْلاكَ ظاهِرًا، وإلّا فالكُلُّ لَهُ، وعَلى هَذا فَهو مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِي أهْلَهُما، فَيَفْنَيانِ بِما فِيهِما، فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مَلْكٌ، فَخُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ - مِيراثًا - مِلْكًا لَهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلى المَنعِ والبُخْلِ.
3:181Page 74
لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١
Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨١ ] ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ رَوى الحافِظانِ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتْ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ ! افْتَقَرَ رَبُّكَ، فَسَألَ عِبادَهُ القَرْضَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-١٠٥١)ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَيْتَ المِدْراسِ، فَوَجَدَ مِن يَهُودَ ناسًا كَثِيرَةً، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلى رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ: (فِنْحاصُ)، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، ومَعَهُ حَبْرٌ يُقالُ لَهُ: (أشْيَعُ)، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: ويْحَكَ يا فِنْحاصُ ! اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قَدْ جاءَكم بِالحَقِّ مِن عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَقالَ فِنْحاصُ: واَللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، ما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما يَتَضَرَّعُ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ عَنّا غَنِيًّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم. يَنْهاكم عَنْ الرِّبا، ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا ما أعْطانا الرِّبا. فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وقالَ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ. فَأكْذِبُونا ما اسْتَطَعْتُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أبْصِرْ ما صَنَعَ بِي صاحِبُكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ يا أبا بَكْرٍ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قالَ قَوْلًا عَظِيمًا. يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وأنَّهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمّا قالَ، فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ ذَلِكَ وقالَ: ما قُلْتُ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيما قالَ فِنْحاصُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةُ». ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا القَوْلِ، سَواءٌ كانَ مِن اعْتِقادٍ، أوْ اسْتِهْزاءٍ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ - وهو الظّاهِرُ - لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ تَمَرُّدٍ (p-١٠٥٢)عَظِيمٍ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ - أشارَ إلى وعِيدِهِ الشَّدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ: ما قالُوهُ مِن هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ في صَحائِفِ الحَفَظَةِ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إنَّما نُظِمَ مَعَ ما قَبْلَهُ إيذانًا بِسَوابِقِهِمْ القَبِيحَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها، وأنَّ مَن اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْـتَبْعَدْ مِنهُ هَذا الكَلامُ: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾
3:182Page 74
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٢ ] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا وتَحْقِيرًا وتَصْغِيرًا، بِسَبَبِ هَتْكِهِمْ حُرْمَةَ اللَّهِ، وحُرْمَةَ كَلامِهِ وأنْبِيائِهِ المُبَلِّغِينَ لَهُ.
لَطائِفُ:
اَلْأُولى: إيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ في الآيَةِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا، كَما رُوِيَ، لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، ونَظائِرُهُ في التَّنْزِيلِ كَثِيرَةٌ.
الثّانِيَةُ: إضافَةُ عَذابِ الحَرِيقِ بَيانِيَّةٌ، أيْ: العَذابُ الَّذِي هو الحَرِيقُ.
الثّالِثَةُ: الذَّوْقُ إدْراكُ الطُّعُومِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هَهُنا؛ لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمْ النّاشِئِ عَنْ البُخْلِ، والتَّهالُكِ عَلى المالِ، وغالِبُ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْها لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ، ومُعْظَمُ بُخْلِهِ بِهِ لِلْخَوْفِ مِن فِقْدانِهِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ - أفادَهُ البَيْضاوِيُّ - .
الرّابِعَةُ: تَقْدِيمُ الأيْدِي عَمَلَها، لِأنَّ مَن يَعْمَلُ شَيْئًا يُقَدِّمُهُ، والتَّعْبِيرُ بِالأيْدِي عَنْ الأنْفُسِ مِن حَيْثُ (p-١٠٥٣)إنَّ عامَّةَ أفاعِيلِها إنَّما تُزاوَلُ بِهِنَّ، فَهو مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنْ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ.
اَلْخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: ( ظَلاَّمٍ ( صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الظُّلْمِ، تُفِيدُ الكَثِيرَ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ الكَثِيرِ نَفْيُ الظُّلْمِ القَلِيلِ، فَلَوْ قِيلَ: بِظالِمٍ، لَكانَ أدَلَّ عَلى نَفْيِ الظُّلْمِ قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ ! . فالجَوابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصِّيغَةَ لِلنَّسَبِ مِن قَبِيلِ (بَزّازٍ) و(عَطّارٍ) لا لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى: لا يُنْسَبُ إلى الظُّلْمِ.
اَلثّانِي: أنْ (فَعّالًا) قَدْ جاءَ. لا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
؎ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ
لا يُرِيدُ هَهُنا أنَّهُ قَدْ يَحُلُّ التِّلاعَ قَلِيلًا، لِأنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ البُخْلِ في كُلِّ حالٍ، ولِأنَّ تَمامَ المَدْحِ لا يَحْصُلُ بِإرادَةِ الكَثْرَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُبالَغَةَ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةٍ العَبِيدِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ، وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، فالصِّيغَةُ لِلْمُبالَغَةِ كَمًّا لا كَيْفًا.
(p-١٠٥٤)اَلرّابِعُ: أنَّهُ إذا نُفِيَ الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى الظُّلْمُ القَلِيلُ ضَرُورَةً، لِأنَّ الَّذِي يَظْلِمُ إنَّما يَظْلِمُ لِانْتِفاعِهِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تَرَكَ الظُّلْمَ الكَثِيرَ مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ، كانَ لِلظُّلْمِ القَلِيلِ المَنفَعَةِ أتْرَكَ.
اَلْخامِسُ: إنَّ المُبالَغَةَ لِتَأْكِيدِ مَعْنًى بَدِيعٍ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمْلَةَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ - اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ. والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ.
3:183Page 74
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٣ ] ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ (أعْنِي) أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ بِتَقْدِيرِ (هم الَّذِينَ قالُوا): ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أيْ: أمَرَنا: ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ: ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ بِعَيْنِهِ مِن تَشْرِيعِ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: فَلِمَ قابَلْتُمُوهم بِالتَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ والمُعانَدَةِ وقَتَلْتُمُوهم: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّكم تَتَّبِعُونَ الحَقَّ وتَنْقادُونَ لِلرُّسُلِ.
(p-١٠٥٥)
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٤ ] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ: بَعْدَ بُطْلانِ عُذْرِهِمْ المَذْكُورِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾ أيْ: فَلا تَحْزَنْ، وتَسَلَّ؛ فَقَدْ كُذِّبَ: ﴿رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ جَمْعُ زَبُورٍ أيْ: الكُتُبِ المُوحاةِ مِنهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيْ: الواضِحِ الجَلِيِّ. والزَّبُورُ والكِتابُ: واحِدٌ في الأصْلِ، وإنَّما ذُكِرا لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. فالزَّبُورُ فِيهِ حِكَمٌ زاجِرَةٌ، والكِتابُ المُنِيرُ هو المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ.
فائِدَةٌ:
فِي قُرْبانِ أهْلِ الكِتابِ وتَشْرِيعِهِ عِنْدَهُمْ
اِعْلَمْ أنَّ القُرْبانَ (بِضَمِّ القافِ) مَعْناهُ لُغَةً: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وسِيلَةً لِمَرْضاتِهِ. قالَ في "(مُرْشِدِ الطّالِبِينَ): ذَبائِحُ العِبْرانِيِّينَ عَدِيدَةٌ جِدًّا، وكانَ المُسْتَعْمَلُ لِهَذِهِ الذَّبِيحَةِ، بِتَعْيِينِ اللَّهِ، الثِّيرانُ والنِّعاجُ والمَعْزُ والحَمامُ واليَمامُ. وكانَتْ الذَّبائِحُ نَوْعَيْنِ عامَّيْنِ: إحْداهُما كانَتْ تُقَرَّبُ لِتَكْفِيرِ الخَطايا، والأُخْرى شُكْرًا لِلَّهِ عَلى مَراحِمِهِ وبَرَكاتِهِ.
ثُمَّ قالَ: فالذَّبِيحَةُ اليَوْمِيَّةُ كانَتْ مَشْهُورَةً جِدًّا، وهي خَرُوفٌ بِلا عَيْبٍ، يُقَدِّمُ وقُودًا لِلَّهِ كَفّارَةً لِلْخَطايا، وذَلِكَ مَرَّتانِ صَباحًا ومَساءً، طُولَ مُدَّةِ السَّنَةِ، فاَلَّتِي في الصَّباحِ تُقَدِّمُ عَنْ خَطايا الشَّعْبِ لَيْلًا، واَلَّتِي في المَساءِ عَنْ خَطاياهم نَهارًا. وقَبْلَ فِعْلِ الذَّبِيحَةِ تَعْتَرِفُ كُلُّ الشُّعُوبِ بِخَطاياها فَوْقَ الحَيَوانِ المُرادِ ذَبْحُهُ عَلى يَدِ الكاهِنِ الخادِمِ، وبِهَذا كانَ يُنْقَلُ الإثْمُ إلَيْهِ بِواسِطَةِ وضْعِ وُكَلاءِ الشَّعْبِ أيْدِيهِمْ عَلى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُذْبَحُ ويُقَرَّبُ وقُودًا. وفي غُضُونِ ذَلِكَ تَسْجُدُ الجَماعَةُ في الدّارِ، وتُبَخَّرُ الكَهَنَةُ عَلى المَذابِحِ الذَّهَبِيَّةِ، ويُقَدِّمُونَ الطَّلَباتِ لِلَّهِ عَنْ الشَّعْبِ، وأمّا في يَوْمِ السَّبْتِ، فَكانَتْ تَتَضاعَفُ الذَّبِيحَةُ، ويُقَرَّبُ في كُلِّ دُفْعَةٍ خَرُوفانِ.
(p-١٠٥٦)ثُمَّ قالَ: يَوْمُ الكَفّارَةِ كانَ مُمْتازًا بِالذَّبِيحَةِ السَّنَوِيَّةِ، وهي أنَّهُ بَعْدَ أنْ يُقَرِّبَ الكاهِنُ ثَوْرًا كَفّارَةً لِخَطايا عائِلَتِهِ يُقَرِّبُ ماعِزانِ كَفّارَةً لِخَطايا الشَّعْبِ - انْتَهى - .
وقَدْ أُشِيرَ لِكَيْفِيَّةِ ذَبْحِ القُرْبانِ وحَرْقِهِ في مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ. مِنها: سِفْرُ الخُرُوجِ في الفَصْلِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ. ومِنها: في الفَصْلِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ المُسَمِّينَ بِاللاوِيِّينَ ونَصُّهُ: ودَعا الرَّبُّ مُوسى وخاطَبَهُ مِن خِباءِ المَحْضَرِ قائِلًا: خاطِبْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: أيُّ إنْسانٍ مِنكم قَرَّبَ قُرْبانًا لِلرَّبِّ مِنَ البَهائِمِ فَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ يُقَرِّبُونَ قَرابِينَهم إنْ كانَ قُرْبانُهُ مَحْرَقَةً مِنَ البَقَرِ، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبُهُ عِنْدَ بابِ خِباءِ المَحْضَرِ يُقَرِّبُهُ لِلرِّضْوانِ عَنْهُ، ويَضَعُ يَدَهُ عَلى رَأْسِ المَحْرَقَةِ ويَتَرَضّى بِهِ لِيَغْفِرَ لَهُ، ثُمَّ يَذْبَحُ الثَّوْرَ ويُقَرِّبُ الكَهَنَةُ بَنُو هارُونَ الدَّمَ ويَنْضَحُونَ الدَّمَ عَلى المَذْبَحِ، وما أحاطَ بِهِ في بابِ قُبَّةِ الشَّهادَةِ - يَعْنِي: التّابُوتَ الَّذِي كانَ فِيهِ لَوْحا التَّوْراةِ المُسَمّاةِ شَهادَةً - ثُمَّ يَسْلَخُونَ المَحْرَقَةَ، ويُقَطِّعُونَها قِطَعًا، ثُمَّ يُوقِدُونَ نارًا عَلى المَذْبَحِ، ويُنْضِدُونَ الحَطَبَ عَلى النّارِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الأعْضاءَ المُقَطَّعَةَ الرَّأْسِ والشَّحْمِ عَلى الحَطَبِ الَّذِي عَلى النّارِ عَلى المَذْبَحِ، ويَغْسِلُونَ أكارِعَهُ وجَوْفَهُ بِالماءِ، ثُمَّ يُصْعِدُهُ الكاهِنُ ويَجْعَلُهُ عَلى المَذْبَحِ وقُودًا وقُرْبانًا لِرِضا الرَّبِّ ... إلَخْ.
وفِي الفَصْلِ السّادِسِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: مُرْ هارُونَ وبَنِيهِ، وقُلْ لَهم: هَذِهِ شَرِيعَةُ المَحْرَقَةِ، تَكُونُ المَحْرَقَةُ عَلى وقِيدَةِ المَذْبَحِ طُولَ اللَّيْلِ إلى الغَداةِ، ونارُ المَذْبَحِ مُتَّقِدَةٌ عَلَيْهِ، ويَلْبَسُ الكاهِنُ قَمِيصَهُ مِنَ الكَتّانِ، وسَراوِيلاتٍ مِنَ الكَتّانِ عَلى بَدَنِهِ، ويَرْفَعُ الرَّمادَ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ نارُ المَحْرَقَةِ عَلى المَذْبَحِ، ويَجْعَلُهُ إلى جانِبِ المَذْبَحِ، ثُمَّ يَخْلَعُ ثِيابَهُ ويَلْبَسُ ثِيابًا أُخَرَ، ويُخْرِجُ الرَّمادَ إلى خارِجِ المَحَلَّةِ إلى مَوْضِعٍ طاهِرٍ، وتَبْقى النّارُ عَلى المَذْبَحِ مُتَّقِدَةً لا تُطْفَأُ، ويَضَعُ عَلَيْها الكاهِنُ حَطَبًا في كُلِّ غَداةٍ ... إلَخْ.
قالَ بَعْضُهم: زَعَمَ الرَّبّانِيُّونَ أنَّ النّارَ الَّتِي كانَتْ في هَيْكَلِ سُلَيْمانَ، واَلَّتِي أُمِرَ اليَهُودُ بِحِفْظِها دُونَ أنْ تُطْفَأ البَتَّةَ، كانَ أصْلُها مِنَ النّارِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بَعْدَ تَقْدِمَةِ هارُونَ وأبْنائِهِ المَحْرَقاتِ، وأنَّها بَقِيَتْ إلى أيّامِ خَرابِ الهَيْكَلِ عَلى يَدِ بُخْتُنَصَّرَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ ما يُصَرِّحُ بِذَلِكَ - انْتَهى - .
(p-١٠٥٧)وهَذِهِ النّارُ الَّتِي نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ جاءَ ذِكْرُها في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ ومُلَخَّصُهُ: أنَّ مُوسى أمَرَ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ يَذْبَحَ قُرْبانًا، فَذَبَحَ عِجْلًا وأحْرَقَ لَحْمَهُ وجِلْدَهُ خارِجَ المَحَلَّةِ، وأمّا شَحْمُهُ وكُلْيَتاهُ وزِيادَةُ كَبِدِهِ فَقَتَّرَها عَلى المَذْبَحِ، ثُمَّ قَرَّبَ تَيْسًا وثَوْرًا وكَبْشًا بِكَيْفِيَّةٍ خاصَّةٍ، ثُمَّ دَخَلَ مُوسى وهارُونُ خِباءَ المَحْضَرِ، فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ، فَأكَلَتْ المَحْرَقَةَ والشُّحُومَ الَّتِي عَلى المَذْبَحِ، فَنَظَرَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وهَتَفُوا مُسَبِّحِينَ وسَجَدُوا - انْتَهى - .
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] بِمَعْنى: أنْ يُذْبَحَ عَلى الكَيْفِيَّةِ المَعْرُوفَةِ، ثُمَّ تَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، وتَكُونُ مُعْجِزَةً وآيَةً كَما حَصَلَ في عَهْدِ مُوسى وهارُونَ مِن نُزُولِ النّارِ وأكْلِها المَحْرَقَةَ، كَما ذَكَرْنا. وفي عَهْدِ سُلَيْمانَ أيْضًا، فَقَدْ جاءَ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ أخْبارِ الأيّامِ الثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا أتَمَّ الدُّعاءَ هَبَطَتْ النّارُ مِنَ السَّماءِ وأكَلَتْ المَحْرَقَةَ والذَّبائِحَ، وكانَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ هُبُوطَ النّارِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
3:185Page 74
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥
Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٥ ] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وفي هَذِهِ الآيَةِ تَعْزِيَةٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، ووَعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِكم وافِيًا يَوْمَ القِيامَةِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا يُوهِمُ نَفْيَ ما يُرْوى أنَّ القَبْرَ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ ! قُلْتُ: كَلِمَةُ التَّوْفِيَةِ تُزِيلُ هَذا (p-١٠٥٨)اَلْوَهْمَ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ وتَكْمِيلَها يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ، وما يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ فَبَعْضُ الأُجُورِ.
وقالَ الرّازِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ، وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ، والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ. (p-١٠٥٩)وكَذا القَوْلُ في العِقابِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ أيْ: أُبْعِدَ: ﴿عَنِ النّارِ﴾ الَّتِي هي مَجْمَعُ الآفاتِ والشُّرُورِ: ﴿وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾ الجامِعَةَ لِلَّذّاتِ والسُّرُورِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ أيْ: حَصَّلَ الفَوْزَ العَظِيمَ، وهو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، أعْنِي: النَّجاةَ مِن سُخْطِ اللَّهِ والعَذابِ السَّرْمَدِ، ونَيْلِ رِضْوانِ اللَّهِ والنَّعِيمِ المُخَلَّدِ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النّارِ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» . وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: لَذّاتُها: ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ المَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ ويُنْتَفَعُ بِهِ، والغُرُورُ: (بِضَمِّ الغَيْنِ) مَصْدَرُ غَرَّهُ، أيْ: خَدَعَهُ وأطْمَعَهُ بِالباطِلِ، (p-١٠٦٠)وإنَّما وُصِفَ عَيْشُ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِما تُمَنِّيهِ لَذّاتُها مِن طُولِ البَقاءِ، وأمَلِ الدَّوامِ، فَتَخْدَعُهُ ثُمَّ تَصْرَعُهُ. قالَ بَعْضَ السَّلَفِ: الدُّنْيا مَتاعٌ مَتْرُوكٌ يُوشِكُ أنْ يَضْمَحِلَّ ويَزُولَ. فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ واعْمَلُوا فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ ما اسْتَطَعْتُمْ.
3:186Page 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٦ ] ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ أيْ: لَتُخْتَبَرُنَّ: ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ: ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ - أيْ: لا بُدَّ أنْ يُبْتَلى المُؤْمِنُ في شَيْءٍ مِن مالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ أهْلِهِ. وفي الحَدِيثِ: ««يُبْتَلى المَرْءُ عَلى قَدْرِ دِينِهِ، فَإنْ كانَ في دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ في البَلاءِ»» ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى (p-١٠٦١)كَثِيرًا﴾ بِالقَوْلِ والفِعْلِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى ذَلِكَ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ أيْ: مُخالَفَةَ أمْرِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: الصَّبْرُ والتَّقْوى: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ. أيْ: مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ. أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ. يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى، لا بُدَّ أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ الصَّبْرِ. وأنَّ الجِهادَ لا يَسْقُطُ مَعَ سَماعِ ما يُؤْذِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences