Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:187–197
3:187Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٧ ] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وهم عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّتِهِ ﷺ . وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ مِنَ النَّهْيِ عَنْ الكِتْمانِ، بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ، مُبالَغَةً في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أيْ: المِيثاقَ: ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أيْ: طَرَحُوهُ ولَمْ يُراعُوهُ، ونَبْذُ الشَّيْءِ وراءَ الظَّهْرِ مَثَلٌ في الِاسْتِهانَةِ بِهِ، والإعْراضِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ. كَما أنَّ جَعْلَهُ نُصْبَ العَيْنِ عَلَمٌ في كَمالِ العِنايَةِ بِهِ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ: اسْتَبْدَلُوا بِهِ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا مِن حُطامِ الدُّنْيا: ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ بِتَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ ونَبْذِ مِيثاقِهِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ إظْهارِ الحَقِّ، وتَحْرِيمُ كِتْمانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيانُ الدِّينِ والأحْكامِ والفَتاوى والشَّهاداتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ إظْهارُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إذا لَمْ يُؤَدِّ إلى مَفْسَدَةٍ، ويَدْخُلْ في الكَتْمِ؛ مَنعُ الكُتُبِ المُنْطَوِيَةِ عَلى عِلْمِ الدِّينِ حَيْثُ تَعَذَّرَ الأخْذُ إلّا مِنها.
(p-١٠٦٢)وقالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: كَفى بِهَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلى العُلَماءِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنّاسِ وما عَلِمُوهُ، وأنْ لا يَكْتُمُوا مِنهُ شَيْئًا لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ، وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ، واسْتِجْلابٍ لِمَسارِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةِ وحُطامِ الدُّنْيا، أوْ لِتَقِيَّةٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا أمارَةَ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ، وغَيْرَةٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ غَيْرُهم - انْتَهى - .
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ»» - أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ - ولِأبِي داوُدَ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ»» . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم بِشَيْءٍ. ثُمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ الآيَةُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: في تَصْوِيرِ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِعَقْدِ المُعاوَضَةِ، لا سِيَّما بِالِاشْتِراءِ المُؤْذِنِ بِالرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ، والإعْراضِ عَنْ المُعْطِي، والتَّعْبِيرِ عَنْ المُشْتَرى الَّذِي هو العُمْدَةُ في العَقْدِ والمَقْصُودُ بِالمُعامَلَةِ - بِالثَّمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، مَصْحُوبًا بِـ (الباءِ) الدّاخِلَةِ عَلى الآلاتِ والوَسائِلِ - مِن نِهايَةِ الجَزالَةِ والدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وغايَةِ قُبْحِها بِإيثارِهِمْ الدَّنِيءَ الحَقِيرَ، عَلى الشَّرِيفِ الخَطِيرِ، وتَعْكِيسِهِمْ بِجَعْلِهِمْ المَقْصِدَ وسِيلَةً، والوَسِيلَةَ مَقْصِدًا - ما لا يَخْفى جَلالَةُ شَأْنِهِ ورِفْعَةُ مَكانِهِ - انْتَهى - .
ثُمَّ أشارَ تَعالى أنَّهم لا يَرَوْنَ قُبْحَ ذَلِكَ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ فَقالَ:(p-١٠٦٣)
3:188Page 75
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٨ ] ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ: بِما فَعَلُوا مِن اشْتِراءِ الثَّمَنِ القَلِيلِ بِتَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِن وفاءِ المِيثاقِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ ولا كِتْمانٍ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ أيْ: بِمَنجاةٍ: ﴿مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِكُفْرِهِمْ وتَدْلِيسِهِمْ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّ مَرْوانَ قالَ: اذْهَبْ يا رافِعُ (لِبَوّابِهِ) إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ، وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكَمَ وهَذِهِ، إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَألَهم النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ إيّاهُ ما سَألَهم عَنْهُ. وهَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِنَحْوِهِ. ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - فَذَكَرَهُ - ورَوى البُخارِيُّ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-١٠٦٤)إلى الغَزْوِ وتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: (ولا تَحْسَبَنَّ) الآيَةُ» - وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ.
ولا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ، لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ، ومَعْنى نُزُولِ الآيَةِ في ذَلِكَ وُقُوعُها بَعْدَ ذَلِكَ، لا أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ كانَ سَـبَبًا لِنُزُولِها. كَما حَقَّقْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
تَنْبِيهٌ:
هَذِهِ الآيَةُ، وإنْ كانَتْ مَحْمُولَةً عَلى الكُفّارِ لِما تَقَدَّمَ، فَفِيها تَرْهِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَمّا ذَمَّ عَلَيْهِ أهْلَها مِنَ الإصْرارِ عَلى القَبائِحِ والفَرَحِ بِها ومَحَبَّةِ المَدْحِ بِما عَرا عَنْهُ مِنَ الفَضائِلِ. ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المُراؤُونَ المُتَكَثِّرُونَ بِما لَمْ يُعْطُوا، كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ:««مَن ادَّعى دَعْوى كاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِها لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلّا قِلَّةً»» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا: ««المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»» . فَلْيَحْذَرْ مَن يَأْتِي بِما لا يَنْبَغِي ويَفْرَحُ بِهِ، ثُمَّ يَتَوَقَّعُ مِنَ النّاسِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَدادِ السِّيرَةِ واسْتِقامَةِ الطَّرِيقَةِ والزُّهْدِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
فائِدَةٌ:
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي، وفاعِلُ الأوَّلِ (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) . وأمّا مَفْعُولاهُ فَمَحْذُوفانِ اكْتِفاءً بِمَفْعُولَيْ: ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ لِأنَّ الفاعِلَ (p-١٠٦٥)فِيهِما واحِدٌ. فالفاعِلُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَ لَمّا طالَ الكَلامُ المُتَّصِلُ بِالأوَّلِ. والفاءُ زائِدَةٌ؛ إذْ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ ولا لِلْجَوابِ، وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخْرى.
لَطِيفَةٌ:
تَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمْ الرَّكِيكَةِ، وقَطْعِ أطْماعِهِمْ الفارِغَةِ، حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ، كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ. وأمّا نَهْيُهُ ﷺ فَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمْ المَذْكُورِ، لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
3:189Page 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٩ ] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو قادِرٌ عَلى عِقابِهِمْ.
3:190Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٠ ] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: في إيجادِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ، تِلْكَ في ارْتِفاعِها واتِّساعِها، وهَذِهِ في انْخِفاضِها وكَثافَتِها واتِّضاعِها، وما فِيهِما مِنَ الآياتِ المُشاهَدَةِ العَظِيمَةِ مِن كَواكِبَ سَيّاراتٍ، وثَوابِتَ وبِحارٍ، وجِبالٍ وقِفارٍ وأشْجارٍ، ونَباتٍ وزُرُوعٍ، وثِمارٍ وحَيَوانٍ، ومَعادِنَ ومَنافِعَ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والخَواصِّ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: في تَعاقُبِهِما، وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ، بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، أوْ في تَفاوُتِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ، وانْتِقاصِهِ (p-١٠٦٦)بِازْدِيادِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: لَأدِلَّةً واضِحَةً عَلى الصّانِعِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا، أيْ: كَثْرَةً عَظِيمَةً: ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّصْفِيَةِ بِمُلازَمَةِ الذِّكْرِ دائِمًا كَما قالَ:
3:191Page 75
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩١ ] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يَخْلُو حالٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ المُفِيدِ صَفاءَ الظّاهِرِ المُؤَثِّرِ في تَصْفِيَةِ الباطِنِ. فالمُرادُ: تَعْمِيمُ الذِّكْرِ لِلْأوْقاتِ، وعَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْهُ تَعالى. وتَخْصِيصُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ، لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِها، بَلْ لِأنَّها الأحْوالُ المَعْهُودَةُ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ غالِبًا: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: في إنْشائِهِما بِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ، وغَرائِبِ المُبْتَدَعاتِ، لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَعْلَمُوا أنَّ لَهُما خالِقًا قادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، لِأنَّ عِظَمَ آثارِهِ وأفْعالِهِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ خالِقِها تَعالى. كَما قِيلَ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
رَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (كِتابِ التَّوَكُّلِ والِاعْتِبارِ) عَنْ الصُّوفِيِّ الجَلِيلِ الشَّيْخِ أبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأخْرُجُ مِن مَنزِلِي، فَما يَقَعُ بَصَرِي عَلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ نِعْمَةً، ولِي فِيهِ عِبْرَةٌ. وإنَّما خُصِّصَ التَّفَكُّرُ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
خَرَّجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: «(لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ، ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ)» . ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ.
(p-١٠٦٧)قالَ الرّازِيُّ: دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ، ودَلائِلُ الأنْفُسِ، ولا شَكَّ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أجَلُّ وأعْظَمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالفِكْرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ دِلالَتَها أعْجَبُ، وشَواهِدَها أعْظَمُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ نَظَرَ إلى ورَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِن أوْراقِ شَجَرَةٍ، رَأى في تِلْكَ الوَرَقَةِ عِرْقًا واحِدًا ًمُمْتَدًّا في وسَطِها، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِن ذَلِكَ العِرْقِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ إلى الجانِبَيْنِ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنها عُرُوقٌ دَقِيقَةٌ، ولا يَزالُ يَتَشَعَّبُ مِن كُلِّ عِرْقٍ عُرُوقٌ أُخَرُ، حَتّى تَصِيرَ في الدِّقَّةِ بِحَيْثُ لا يَراها البَصَرُ، وعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ أنَّ لِلْخالِقِ في تَدْبِيرِ تِلْكَ الوَرَقَةِ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ حِكَمًا بالِغَةً، وأسْرارًا عَجِيبَةً، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوًى جاذِبَةً لِغِذائِها مِن قَعْرِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغِذاءَ يَجْرِي في تِلْكَ العُرُوقِ، حَتّى يَتَوَزَّعَ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الوَرَقَةِ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الغِذاءِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، ولَوْ أرادَ الإنْسانُ أنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ، وكَيْفِيَّةَ التَّدْبِيرِ في إيجادِها، وإيداعِ القُوى الغاذِيَةِ والنّامِيَةِ فِيها، لَعَجَزَ عَنْهُ. فَإذا عَرَفَ أنَّ عَقْلَهُ قاصِرٌ عَنْ الوُقُوفِ عَلى كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقِيسُ تِلْكَ الوَرَقَةَ إلى السَّماواتِ، مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ. وإلى الأرْضِ مَعَ ما فِيها مِنَ البِحارِ والجِبالِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ - عَرَفَ أنَّ تِلْكَ الوَرَقَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ كالعَدَمِ. فَإذا عَرَفَ قُصُورَ عَقْلِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ - عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ البَتَّةَ إلى الِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا عَرَفَ بِهَذا البُرْهانِ النَّيِّرِ قُصُورَ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ عَنْ الإحاطَةِ بِهَذا المَقامِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ الخالِقَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ وصْفُ الواصِفِينَ ومَعارِفُ العارِفِينَ. بَلْ يُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ فَفِيهِ حِكَمٌ بالِغَةٌ، وأسْرارٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها. وإلى هَذا الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلى إرادَةِ (p-١٠٦٨)اَلْقَوْلِ بِمَعْنى يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ. وكَلِمَةُ: (هَذا) مُتَضَمِّنَةٌ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ، أيْ: ما خَلَقْتُ هَذا المَخْلُوقَ البَدِيعَ العَظِيمَ الشَّأْنِ عَبَثًا، عارِيًا عَنْ الحِكْمَةِ، خالِيًا عَنْ المَصْلَحَةِ، بَلْ مُنْتَظِمًا لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ، ومَصالِحَ عَظِيمَةٍ. مَن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ دِلالَةً عَلى مَعْرِفَتِكَ، ووُجُوبِ طاعَتِكَ، واجْتِنابِ مَعْصِيَتِكَ، وأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمَعايِشِ العِبادِ، ومَنارًا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: (باطِلًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. والباطِلُ، هُنا، فاعِلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ، مِثْلَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. والمَعْنى: ما خَلَقْتُهُما عَبَثًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا. تَقْدِيرُهُ ما خَلَقْتُ هَذا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: خَلْقًا باطِلًا - انْتَهى - .
وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ العَبَثِ، وأنْ تَخْلُقَ شَيْئًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبابُ هَذا الذِّكْرِ عِنْدَ النَّظَرِ إلى السَّماءِ. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في (الأذْكارِ) ا هـ. وفِيهِ تَعْلِيمُ العِبادِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ، وهو تَقْدِيمُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى أوَّلًا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الثَّناءِ يَأْتِي الدُّعاءُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾
وعَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صَلاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدْ اللَّهَ تَعالى، ولَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذا»»، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ: ««إذا صَلّى أحَدُكم فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِما شاءَ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا حَكى تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ العِبادِ المُخْلِصِينَ أنَّ ألْسِنَتَهم مُسْتَغْرِقَةٌ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأبْدانَهم في طاعَةِ اللَّهِ، وقُلُوبَهم في التَّفَكُّرِ في دَلائِلِ عَظَمَةِ اللَّهِ - ذَكَرَ أنَّهم مَعَ هَذِهِ الطّاعاتِ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ العِقابِ وشِدَّتِهِ وهو الخِزْيُ، بِقَوْلِهِمْ:
(p-١٠٦٩)
3:192Page 75
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٢ ] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ أيْ: أهَنْتَهُ وأظْهَرْتَ فَضِيحَتَهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ. وسِرُّ هَذا الإتْباعِ عِظَمُ مَوْقِعِ السُّؤالِ، لِأنَّ مَن سَألَ رَبَّهُ حاجَةً، إذا شَرَحَ عِظَمَها وقُوَّتَها كانَتْ داعِيَتُهُ في ذَلِكَ الدُّعاءِ أكْمَلَ، وإخْلاصُهُ في طَلَبِهِ أشَدَّ، والدُّعاءُ لا يَتَّصِلُ بِالإجابَةِ، إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ، وهَذا أيْضًا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَنًّا آخَرَ مَن آدابِ الدُّعاءِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِإظْهارِ نِهايَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، بِبَيانِ خُلُودِ عَذابِهِمْ، بِفِقْدانِ مَن يَنْصُرُهم، ويَقُومُ بِتَخْلِيصِهِمْ. وغَرَضُهم تَأْكِيدُ الِاسْتِدْعاءِ. ووَضْعُ (الظّالِمِينَ) مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ، لِذَمِّهِمْ، والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمْ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، ووَضْعِهِمْ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها. وجَمْعُ (الأنْصارِ) بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِ الظّالِمِينَ، أيْ: ما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ نَصِيرٌ مِنَ الأنْصارِ. والمُرادُ بِهِ مَن يَنْصُرُ بِالمُدافَعَةِ والقَهْرِ. فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هم الكُفّارُ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
وقَوْلُهُ تَعالى:
3:193Page 75
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٣ ] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ .
﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، وتَصْدِيرُ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ. والتَّأْكِيدُ لِلْإيذانِ بِصُدُورِ المَقالِ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ، وكَمالِ النَّشاطِ. والمُرادُ بِالمُنادِي: الرَّسُولُ ﷺ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] وفي وصْفِهِ ﷺ بِـ (المُنادِي) دِلالَةٌ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوى وتَبْلِيغِها إلى (p-١٠٧٠)اَلدّانِي والقاصِي؛ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ: ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ أيْ: لِأجْلِ الإيمانِ بِاَللَّهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ (المُنادِي) و(يُنادِي) ؟ قُلْتُ: ذُكِرَ النِّداءُ مُطْلَقًا ثُمَّ مُقَيَّدًا بِالإيمانِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِهادٍ يَهْدِي لِلْإسْلامِ، وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ، ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ النّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. وكَذَلِكَ الهادِي قَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن يَهْدِي لِلطَّرِيقِ، ويَهْدِي لِسَدادِ الرَّأْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. فَإذا قُلْتَ: يُنادِي لِلْإيمانِ، ويَهْدِي لِلْإسْلامِ، فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي والهادِي، وفَخَّمْتَهُ. ويُقالُ: دَعاهُ لِكَذا وإلى كَذا، ونَدَبَهُ لَهُ وإلَيْهِ، وناداهُ لَهُ وإلَيْهِ، ونَحْوُهُ: هَداهُ لِلطَّرِيقِ وإلَيْهِ. وذَلِكَ أنَّ مَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ، ومَعْنى الِاخْتِصاصِ واقِعانِ جَمِيعًا - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .
﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ: فامْتَثَلْنا أمْرَهُ، وأجَبْنا نِداءَهُ، و: (أنْ) إمّا تَفْسِيرِيَّةٌ، أيْ: آمِنُوا، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا: ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّضَرُّعِ، وإظْهارٌ لِكَمالِ الخُضُوعِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ: اسْتُرْ لَنا ذُنُوبَنا ولا تَفْضَحْنا بِها، وأذْهِبْ عَنّا سَيِّئاتِنا بِتَبْدِيلِها حَسَناتٍ: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ في جُمْلَتِهِمْ حَتّى نَكُونَ في دَرَجَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. والأبْرارُ جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ، وهو كَثِيرُ البِرِّ (بِالكَسْرِ) أيْ: الطّاعَةِ.
3:194Page 75
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٤ ] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ والإيمانِ بِهِمْ. أوْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وهو الثَّوابُ، وهَذا حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ. وتَكْرِيرُ (p-١٠٧١)اَلنِّداءِ لِما مَرَّ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَذْكِيرَ وعْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] بِإظْهارِ أنَّهم مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ.
3:195Page 76
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٥ ] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .
﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِـ (عامِلٍ ) وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، كُلُّكم بَنُو آدَمَ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ سَبَبَ شَرِكَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ، فِيما وعَدَ اللَّهُ عِبادَهُ العامِلِينَ. ورَوى الحافِظُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ -» وقالَتْ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا - ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، (p-١٠٧٢)والحاكِمُ في (مُسْتَدْرَكِهِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ إلى آخِرِها. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ، فَقالَ: خَمْسَ مَرّاتٍ (رَبَّنا) - أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ، وأعْطاهُ ما أرادَ. وقَرَأ الآياتِ.
﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو تَفْصِيلٌ لِعَمَلِ العامِلِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قالَ: فاَلَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ السُّنِّيَّةَ وهي المُهاجِرَةُ عَنْ أوْطانِهِمْ فارِّينَ إلى اللَّهِ بِدِينِهِمْ مِن دارِ الفِتْنَةِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي وُلِدُوا فِيها ونَشَأُوا: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، يُرِيدُ سَبِيلَ الإيمانِ بِاَللَّهِ وحْدَهُ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ أذًى نالَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ أيْ: غَزَوْا المُشْرِكِينَ واسْـتُشْهِدُوا: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ بِخُصُوصِهِ، بَعْدَ ما وعَدَ ذَلِكَ عُمُومًا: ﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِها الأنْهارُ، مِن أنْواعِ المَشارِبِ مِن لَبَنٍ وعَسَلٍ وخَمْرٍ وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإدْخالَ الجَنَّةِ، في مَعْنى الإثابَةِ. وأضافَهُ إلَيْهِ تَعالى لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ عَظِيمٌ، لِأنَّ العَظِيمَ الكَرِيمَ لا يُعْطِي إلّا جَزِيلًا كَثِيرًا. كَما قِيلَ:
؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ طِـ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أيْ: حُسْنُ الجَزاءِ لِمَن عَمِلَ صالِحًا.
3:196Page 76
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وكَشَفَ عَنْ حَقارَةِ شَأْنِها وسُوءِ مَغَبَّتِها، إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما أُوتِيَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّوابِ، بِقَوْلِهِ:
(p-١٠٧٣)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٦ ] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ أيْ: تَصَرُّفُهم فِيها بِالمَتاجِرِ والمَكاسِبِ، أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سِعَةِ الرِّزْقِ ودَرْكِ العاجِلِ.
3:197Page 76
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩٧ ] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ: هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وكَوْنِهِ بُلْغَةً فانِيَةً، ونِعْمَةً زائِلَةً، فَلا قَدْرَ لَهُ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: ««واَللَّهِ ! ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ»» .
﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَصِيرُهم الَّذِي إلَيْهِ يَأْوُونَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: الفَراشُ هي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences