Al-QasimiAli 'Imran · 3:198–200

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:198–200

3:198Page 76

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٨ ] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، غِبُّ بَيانٍ وتَكْرِيرٍ لَهُ، إثْرَ تَقْرِيرٍ، مَعَ زِيادَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنّاتِ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ سُرُورُهُمْ، ويَزْدادَ تَبَجُّحُهُمْ، ويَتَكامَلَ بِهِ سُوءُ حالِ الكَفَرَةِ. والنُّزُلُ (بِضَمَّتَيْنِ، وضَمٍّ فَسُكُونٍ): المَنزِلُ، وما هُيِّئَ لِلنَّزِيلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وما (p-١٠٧٤)عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ أيْ: مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ، كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى.

رَوى الشَّيْخانِ - واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو في مَشْرُبَةٍ، وإنَّهُ لَعَلى حَصِيرٍ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ شَيْءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَن أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، وعِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظٌ مَصْبُورٌ، وعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ (p-١٠٧٥)فَبَكَيْتُ، فَقالَ: «ما يُبْكِيكَ» ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كِسْرى وقَيْصَرَ فِيما هم فِيهِ، وأنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ! فَقالَ: «أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهم الدُّنْيا، ولَنا الآخِرَةُ»» ؟

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ، إلّا المَوْتُ خَيْرٌ لَها، لَئِنْ كانَ بَرًّا، لَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ (p-١٠٧٦)وقَرَأ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، وما مِن كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ ويَقُولُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] الآيَةُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ رَزِينٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.

3:199Page 76

وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٩ ] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ هَناتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ، وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ مِنهم طائِفَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، ويُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ما هم مُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّهم خاشِعُونَ لِلَّهِ، أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ، خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أيْ: لا يَكْتُمُونَ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وهَؤُلاءِ هم خِيرَةُ أهْلِ الكِتابِ وصَفْوَتُهُمْ، سَواءٌ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا (p-١٠٧٧)مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] الآيَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وهَذِهِ الصِّفاتُ تُوجَدُ في اليَهُودِ، ولَكِنْ قَلِيلًا، كَما وُجِدَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ مِمَّنْ آمَنَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، ولَمْ يَبْلُغُوا عَشْرَةَ أنْفُسٍ. وأمّا النَّصارى فَكَثِيرٌ مِنهم يَهْتَدُونَ ويَنْقادُونَ لِلْحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]

وهَكَذا قالَ هُنا: ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ «أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا قَرَأ سُورَةَ (كهيعص) (p-١٠٧٨)بِحَضْرَةِ النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، وعِنْدَهُ البَطارِكَةُ والقَساوِسَةُ، بَكى وبَكَوْا مَعَهُ حَتّى أخْضَبُوا لِحاهم».

وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ النَّجاشِيَّ لَمّا ماتَ نَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى أصْحابِهِ وقالَ: «إنَّ أخًا لَكم بِالحَبَشَةِ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ فَصَفَّهم وصَلّى عَلَيْهِ».

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّجاشِيُّ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكم» . فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَأْمُرُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِعِلْجٍ ماتَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ ؟ ! فَنَزَلَتْ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةُ» - ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا مُرْسَلًا. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ، وفِيهِ: «فَقالَ المُنافِقُونَ: يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ ماتَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ ؟ ! فَنَزَلَتْ».

ورَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرِكِهِ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَ بِالنَّجاشِيِّ عَدُوٌّ مِن أرْضِهِمْ، فَجاءَهُ المُهاجِرُونَ فَقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ نَخْرُجَ إلَيْهِمْ حَتّى نُقاتِلَ مَعَكَ وتَرى جُرْأتَنا ونَجْزِيكَ ما صَنَعْتَ بِنا، فَقالَ: لَداءٌ بِنَصْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - خَيْرٌ مِن دَواءٍ بِنُصْرَةِ النّاسِ. قالَ: وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةُ - ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ.

وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي: مُسْلِمَةَ أهْلِ الكِتابِ.

وقالَ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ: سَألْتُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ (p-١٠٧٩)اَلْآيَةُ - قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّبَعُوهُ وعَرَفُوا الإسْلامَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ أجْرَ اثْنَيْنِ: لِلَّذِي كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ واتِّباعِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - .

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهم مَرَّتَيْنِ»، فَذَكَرَ مِنهم رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي» - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .

ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ، في آخِرِ الآيَةِ، بِكَوْنِهِ تَعالى: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ بِمَقادِيرِ الأُجُورِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وأنَّهُ يُوَفِّيها كُلَّ عامِلٍ عَلى ما يَنْبَغِي، وقَدْرِ ما يَنْبَغِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ قُرْبِ إنْجازِ ما وعَدَ مِنَ الأجْرِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها. ولِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها أشْبَهَ التَّأْكِيدَ، فَلِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .(p-١٠٨٠)

3:200Page 76

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠

O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يَمَسُّكم مِنَ المَكارِهِ والشَّدائِدِ: ﴿وصابِرُوا﴾ أيْ: غالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الجِهادِ. لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا. والمُصابَرَةُ: بابٌ مِنَ الصَّبْرِ. ذُكِرَ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، تَخْصِيصًا، لِشِدَّتِهِ وصُعُوبَتِهِ - كَذا في (الكَشّافِ) -: ﴿ورابِطُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا عَلى مُرابَطَةِ الغَزْوِ في نَحْرِ العَدُوِّ بِالتَّرَصُّدِ والِاسْتِعْدادِ لِحَرْبِهِمْ، وارْتِباطِ الخَيْلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والرِّباطُ في الأصْلِ أنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ خُيُولَهم في ثَغْرِهِ، وكُلٌّ مُعِدٌّ لِصاحِبِهِ، ثُمَّ صارَ لُزُومُ الثَّغْرِ رِباطًا. ورُبَّما سُمِّيَتْ الخَيْلُ أنْفُسُها رِباطًا، وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِالرِّباطِ عَنْ المُلازَمَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الأمْرِ، فَتُسَمّى: رِباطًا ومُرابَطَةً.

قالَ الفارِسِيُّ: هو ثانٍ مِن لُزُومِ الثَّغْرِ، ولُزُومُ الثَّغْرِ ثانٍ مِن رِباطِ الخَيْلِ. وقَدْ ورَدَتْ الأخْبارُ بِالتَّرْغِيبِ في الرِّباطِ، وكَثْرَةِ أجْرِهِ. فَمِنها ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ (p-١٠٨١)بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها»» .

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ»، وإنْ ماتَ جَرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفَتّانَ».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ، إلّا الَّذِي ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ»»، وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أيْضًا. وبَقِيَتْ أحادِيثُ أُخَرُ ساقَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

هَذا ومِنَ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (رابِطُوا) أنْ يَكُونَ مَعْناهُ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ»»، فَشَبَّهَ ﷺ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الصّالِحَةِ بِالرِّباطِ.

ورَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرِكِهِ) والحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: (p-١٠٨٢)أقْبَلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي، يا ابْنَ أخِي ! فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ ؟ قُلْتُ: لا ؟ قالَ: أما إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ، ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، ويُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها، ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيها، فَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ: ﴿وصابِرُوا﴾ أنْفُسَكم وهَواكم ورابِطُوا في مَساجِدِكم.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما عَلَيْكم: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: تَفُوزُونَ بِما يُغْتَبَطُ بِهِ، و (لَعَلَّ) لِتَغْيِيبِ المَآلِ. لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى الآمالِ.

(p-١٠٨٣)خاتِمَةٌ

فِيما ورَدَ في الآياتِ الأواخِرِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وفي فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَمامِها. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآياتِ العَشْرَ مِن آخَرِ آلِ عِمْرانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ لِتَهَجُّدِهِ».

رَوى البُخارِيُّ «عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أهْلِهِ ساعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمّا كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، قَعَدَ فَنَظَرَ إلى السَّماءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ثُمَّ قامَ فَتَوَضَّأ، واسْتَنَّ، ثُمَّ صَلّى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلّى بِالنّاسِ الصُّبْحَ -» وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ: «حَتّى إذا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَنامِهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الخَواتِيمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.». الحَدِيثُ - وهَكَذا أخْرَجَهُ الجَماعَةُ مِن طُرُقٍ.

ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «أمَرَنِي العَبّاسُ أنْ أبِيتَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأحْفَظَ صَلاتَهُ، قالَ: فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاسِ صَلاةَ العِشاءِ الأخِيرَةَ، حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ أحَدٌ غَيْرِي، قامَ فَمَرَّ بِي فَقالَ: مَن هَذا ؟ عَبْدُ اللَّهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ! قالَ: فَمَهْ ؟ قُلْتُ: أمَرَنِي العَبّاسُ أنْ أبِيتَ بِكم اللَّيْلَةَ، قالَ: فالحَقُّ، الحَقُّ. (p-١٠٨٤)فَلَمّا دَخَلَ قالَ: افْرِشْ، عَبْدَ اللَّهِ ! فَأتى بِوِسادَةٍ مِن مُسُوحٍ، قالَ: فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْها حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى فِراشِهِ قاعِدًا، قالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: «سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَها» .

وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ حَدِيثًا في ذَلِكَ أيْضًا.

ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ ما مَضى لَيْلٌ، فَنَظَرَ إلى السَّماءِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وعَنْ يَمِينِي نُورًا، وعَنْ شِمالِي نُورًا، ومِن بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، ومِن خَلْفِي نُورًا، ومِن فَوْقِي نُورًا، ومِن تَحْتِي نُورًا، وأعْظِمْ لِي نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ»» . وهَذا الدُّعاءُ ثابِتٌ في بَعْضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ مِن رِوايَةِ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .

ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدِيثًا عَنْ عائِشَةَ، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««وما يَمْنَعُنِي أنَّ أبْكِيَ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآياتِ ثُمَّ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»» .

ومِمّا ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ: ««يُؤْتى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ وأهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ» . وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أمْثالٍ، ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدَ، قالَ: كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ، بَيْنَهُما شَرْقٌ (أيْ: ضِياءٌ ونُورٌ)، أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ تُحاجّانِ عَنْ صاحِبِهِما» .

واَللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ.

(p-١٠٨٥)تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ صَباحَ الجُمْعَةِ في ١١ ذِي القِعْدَةِ الحَرامِ سَنَةَ ١٣١٨ وذَلِكَ في حَرَمِ جامِعِ السَّنانِيَّةِ في الشُّبّاكِ القِبْلِيِّ مِنَ السُّدَّةِ اليُمْنى العُلْيا بِيَدِ جامِعِهِ الفَقِيرِ مُحَمَّدْ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ الدِّمَشْقِيِّ غُفِرَ لَهُ ولِوالِدَيْهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ.

آمِينَ.

ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ وفِيهِ: تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском