Al-QasimiAli 'Imran · 3:23–35

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:23–35

3:23Page 53

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ التَّوْراةِ. والمُرادُ بِهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ وهو القُرْآنُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أنَّ الرُّجُوعَ إلى كِتابِ اللَّهِ واجِبٌ، إذْ قامَتْ عَلَيْهِمْ الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَنْزِيلِهِ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مِن فَرِيقٍ، أيْ: مُعْرِضُونَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ. أوْ اعْتِراضٌ، أيْ: وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهم الإعْراضُ عَنْ الحَقِّ، والإصْرارُ عَلى الباطِلِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ عَلى التَّوْراةِ، وأنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ تَحاكُمِ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ لَمّا زَنا مِنهم اثْنانِ، فَحُكِمَ عَلَيْهِما بِالرَّجْمِ، فَأبَوْا وقالُوا: لا نَجِدُ في كِتابِنا إلّا التَّحْمِيمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوُجِدَ فِيها الرَّجْمُ، فَرُجِما، فَغَضِبُوا، فَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.

(p-٨١٩)قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ولِلْآيَةِ ثَمَرَتانِ:

اَلْأُولى: أنَّ مَن دُعِيَ إلى كِتابِ اللَّهِ وإلى ما فِيهِ مَن شَرْعٍ وجَبَ عَلَيْهِ الإجابَةُ. وقَدْ قالَ العُلَماءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ سَمْعًا وطاعَةً، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]

اَلثَّمَرَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الإحْصانِ، لِأنَّهُ ﷺ رَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ، ونَزَلَتْ الآيَةُ مُقَرِّرَةً لَهُ. انْتَهى. أيْ: عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

3:24Page 53

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ: ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالغُرُورِ والِافْتِراءِ إعْلامٌ بِأنَّ ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم وسَهَّلُوهُ عَلَيْها تَعَلُّلٌ بِباطِلٍ وتَطَمُّعٌ بِما لا يَكُونُ. ثُمَّ رَدَّ قَوْلَهم المَذْكُورَ، وأبْطَلَ ما غَرَّهم بِاسْتِعْظامِ ما أعَدَّ لَهم، وتَهْوِيلِهِ، وأنَّهم يَقَعُونَ فِيما لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ:

3:25Page 53

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

﴿فَكَيْفَ﴾ يَصْنَعُونَ، وكَيْفَ تَكُونُ حالَتُهم: ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ أيْ: في يَوْمٍ: (p-٨٢٠)﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ في مَعْنى كُلُّ إنْسانٍ. أيْ: لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةِ عَذابٍ، أوْ بِنَقْصِ ثَوابٍ، ثُمَّ عَلَّمَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ كَيْفَ يَدْعُوهُ ويُمَجِّدُهُ بِقَوْلِهِ:

3:26Page 53

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦

Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ: مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ مُلْكًا حَقِيقِيًّا بِحَيْثُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما تَشاءُ: إيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً، مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المُلْكِ، وتَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى حَقِيقَةً، وكَوْنُ مالِكِيَّةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ المَجازِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ (الإيتاءِ) الَّذِي هو مُجَرَّدُ الإعْطاءِ عَلى (التَّمْلِيكِ) المُؤْذِنِ بِثُبُوتِ المالِكِيَّةِ حَقِيقَةً - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . وفي التَّعْبِيرِ بـ (مَن) العامَّةِ لِلْعُقَلاءِ إشْعارٌ بِمَنالِ المُلْكِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وأخَصُّ النّاسِ بِالبُعْدِ مِنهُ العَرَبُ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ يُنَوِّلُ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ العَرَبَ، كَما وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، ويَنْتَهِي مِنهُ ما بَقِيَ، إلى مَن نالَ المُلْكَ بِسَبَبِها، وعَنْ الِاسْتِنادِ إلَيْها، مِن سائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في هَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَبائِلِ الأعاجِمِ، وصُنُوفِ أهْلِ الأقْطارِ، حَتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى أنْ يَسْلُبَ اللَّهُ المُلْكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ بِظُهُورِ مُلْكِ يَوْمِ الدِّينِ - كَذا في البِقاعِيِّ -: ﴿وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

(p-٨٢١)

3:27Page 53

تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ أحَدَهُما في الآخَرِ، إمّا بِالتَّعْقِيبِ أوْ بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ مِنَ النُّطَفِ والنُّطَفِ مِنهُ، والبَيْضِ مِنَ الطَّيْرِ وعَكْسِهِ. وقِيلَ: إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ وبِالعَكْسِ. قالَ القَفّالُ: والكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ، أمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] يُرِيدُ: كانَ كافِرًا فَهَدَيْناهُ، فَجَعَلَ المَوْتَ كُفْرًا والحَياةَ إيمانًا، وسَمّى إخْراجَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ إحْياءً، وجَعَلَها قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً، فَقالَ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] وقالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطر: ٩] وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: رِزْقًا واسِعًا غَيْرَ مَحْدُودٍ.(p-٨٢٢)

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ جَمْعُ ولِيٍّ، ومَعانِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنهُ: المُحِبُّ والصَّدِيقُ والنَّصِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا أنْ يُوالُوا الكافِرِينَ لِقَرابَةٍ بَيْنَهم أوْ صَداقَةٍ قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يُتَصادَقُ بِها ويُتَعاشَرُ. وقَدْ كَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةُ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ، والبُغْضُ في اللَّهِ بابٌ عَظِيمٌ وأصْلٌ مِن أُصُولِ الإيمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ. أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ اسْتِقْلالًا أوْ اشْتِراكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ، وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: ومَن يُوالِ الكَفَرَةَ فَلَيْسَ مِن (p-٨٢٣)وِلايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ، يَعْنِي: أنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِن وِلايَةِ اللَّهِ رَأْسًا. وهَذا أمْرٌ مَعْقُولٌ، فَإنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ مُتَنافِيانِ، قالَ:

؎تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبٍ

أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ أيْ: تَخافُوا مِنهم مَحْذُورًا. فَأظْهِرُوا مَعَهم المُوالاةَ بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ لِدَفْعِهِ، كَما قالَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا لِنَكْشِرُ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم. وأصْلُ: تُقاةً وُقْيَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتْ الواوُ تاءً، كَتُخْمَةٍ وتُهْمَةٍ، وقُلِبَتْ الياءُ ألِفًا. وفي المُحْكَمِ: تُقاةٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ جَمْعًا، والمَصْدَرُ أجْوَدُ، لِأنَّ في القِراءَةِ الأُخْرى: تُقْيَةً.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَحْرِيمُ مُوالاةِ الكُفّارِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى التَّقِيَّةَ فَرَخَّصَ في مُوالاتِهِمْ لِأجْلِها، فَتَجُوزُ مُعاشَرَةٌ ظاهِرَةٌ، والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالعَداوَةِ لَهم والبَغْضاءِ وانْتِظارِ زَوالِ المانِعِ. وقَدْ قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى جَوازِ إظْهارِ تَعْظِيمِ الظَّلَمَةِ اتِّقاءً لِشَرِّهِمْ. قالَ: وإنَّما يَحْسُنُ بِالمَعارِيضِ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَذِبٍ، وقالَ الصّادِقُ: التَّقِيَّةُ واجِبَةٌ، وإنِّي لَأسْمَعُ الرَّجُلَ في المَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأسْتَتِرُ عَنْهُ بِالسّارِيَةِ لِئَلّا يَرانِي. وعَنْ الحَسَنِ: تَقِيَّةٌ بِاللِّسانِ، والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ.

(p-٨٢٤)واعْلَمْ أنَّ المُوالاةَ، الَّتِي هي المُباطَنَةُ والمُشاوَرَةَ وإفْضاءُ الأسْرارِ لِلْكُفّارِ، لا تَجُوزُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ نِكاحَ الكافِرَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الخُلْطَةِ والمُباطَنَةِ بِالمَرْأةِ ما لَيْسَ بِخافٍ، فَجَوابُ ذَلِكَ: أنَّ المُرادَ مُوالاتُهم في أمْرِ الدِّينِ، وفِيما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. فَإنْ قِيلَ. في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أنَّهُ ﷺ مَنَعَ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ الِاسْتِعانَةِ بِاليَهُودِ عَلى قُرَيْشٍ ! وقَدْ حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ، وفي هَذا دِلالَةٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ الرّاضِي بِاَللَّهِ أنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِالفُسّاقِ عَلى حَرْبِ المُبْطِلِينَ. قالَ: وقَدْ حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ وغَيْرِها، إلى أنْ نَقَضُوهُ يَوْمَ الأحْزابِ. وحَدَّ ﷺ الحِلْفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُزاعَةَ. قالَ الرّاضِي بِاَللَّهِ: وهو ظاهِرٌ عَنْ آبائِنا عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وقَدْ اسْتَعانَ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَتَلَةِ عُثْمانَ. ولَعَلَّ الجَوابَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الِاسْتِعانَةَ جائِزَةٌ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها. ويُحْمَلُ عَلى هَذا اسْتِعانَةُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْيَهُودِ. ومَمْنُوعَةٌ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ، أوْ خَشْيَةَ مَضَرَّةٍ مِنهم. وعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. فَصارَتْ المُوالاةُ المَحْظُورَةُ تَكُونُ بِالمُعاداةِ بِالقَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ، ولا لَبْسَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُهُ اسْتِثْناءٌ والمُوالاةُ بِإظْهارِ التَّعْظِيمِ وحُسْنِ المُخالَلَةِ والمُصادَقَةِ بِإظْهارِ الأسْرارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلا لَبْسَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ ولا يَدْخِلُهُ اسْتِثْناءٌ، والمُوالاةُ بِإظْهارِ التَّعْظِيمِ وحُسْنِ المُخالَلَةِ والمُشاوِرَةِ فِيما لا يَضُرُّ المُسْلِمِينَ، فَظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا لِلتَّقِيَّةِ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المُوالِيَ لِلْكافِرِ والفاسِقِ عاصٍ، ولَكِنْ أيْنَ تَبْلُغُ مَعْصِيَتُهُ ؟ يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ: إنْ كانَتْ المُوالاةُ بِمَعْنى المُوادَّةِ، وهي أنْ يَوَدَّهُ لِمَعْصِيَتِهِ كانَ ذَلِكَ كالرِّضا بِالمَعْصِيَةِ. وإنْ كانَتْ المُوالاةُ كُفْرًا، كَفَرَ. وإنْ كانَتْ فِسْقًا، فَسَقَ. وإنْ كانَتْ لا تُوجِبُ كُفْرًا ولا فِسْقًا، لَمْ يَكْفُرْ ولَمْ يَفْسُقْ، وإنْ كانَتْ المُوَلاةُ بِمَعْنى المُحالَفَةِ والمُناصَرَةِ، فَإنْ كانَتْ مُحالَفَةً عَلى أمْرٍ مُباحٍ أوْ واجِبٍ، كَأنْ يَدْفَعَ المُؤْمِنُونَ عَنْ أهْلِ الذِّمَّةِ مَن يَتَعَرَّضُ لَهم، ويُخالِفُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَهَذا لا حَرَجَ فِيهِ، بَلْ هو واجِبٌ. وإنْ كانَتْ عَلى أمْرٍ مَحْظُورٍ كَأنْ يُحالِفُوهم عَلى أخْذِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ والتَّحَكُّمِ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ (p-٨٢٥)بِلا إشْكالٍ، وكَذَلِكَ إذا كانَتْ بِمَعْنى أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّ المُسْلِمِينَ ويُحِبُّ سَلامَةَ الكافِرِينَ لا لِكُفْرِهِمْ، بَلْ لِيَدٍ لَهم عَلَيْهِ أوْ لِقَرابَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا مَعْصِيَةٌ بِلا إشْكالٍ. لَكِنْ لا تَبْلُغُ حَدُّها الكُفْرَ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِكُفْرِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ.

(p-٨٢٦)وقالَ الرّاضِي بِاَللَّهِ: إنَّ مُناصَرَةَ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ تُوجِبُ الكُفْرَ، لِأنَّهُ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ: ««ظاهَرَكَ عَلَيْنا»» . وقَدْ اعْتَذَرَ بِأنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا. وأمّا مُجَرَّدُ الإحْسانِ إلى الكافِرِ فَجائِزٌ لا لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا لِإيناسِهِ. وكَذَلِكَ أنْ يَضِيقَ لِضِيقِهِ في قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأمْرٍ مُباحٍ فَجائِزٌ، كَما كانَ مَن ضِيقِ المُسْلِمِينَ مِن غَلَبِ فارِسٍ الرُّومَ، فَصارَ تَحْقِيقُ المَذْهَبِ أنَّ الَّذِي يُوجِبُ الكُفْرَ مِنَ المُوالاةِ أنْ يَحْصُلَ مِنَ المُوالِي الرِّضا بِالكُفْرِ. واَلَّذِي يُوجِبُ الفِسْقَ أنْ يَحْصُلَ الرِّضا بِالفِسْقِ. إنْ قِيلَ: فَما حُكْمُ مَن يُجَنَّدُ مَعَ الظَّلَمَةِ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلى الجِباياتِ وأنْواعِ الظُّلْمِ ؟ قُلْنا: عاصٍ بِلا إشْكالٍ، وفاسِقٌ بِلا إشْكالٍ، لِأنَّهُ صارَ مِن جُمْلَتِهِمْ. وفِسْقُهم مَعْلُومٌ. فَإنْ قِيلَ: فَإنْ تَجَنَّدَ مَعَهم لِحَرْبِ إمامِ المُسْلِمِينَ ؟ قُلْنا: صارَ باغِيًا، وحَصَلَ فِسْقُهُ مِن جِهَةِ البَغْيِ والظُّلْمِ. فَإنْ قِيلَ: حُكِيَ عَنْ المَهْدِيِّ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَفَّرَ مَن تَجَنَّدَ مَعَ سُلْطانِ اليَمَنِ وقَضى بِرِدَّتِهِ، قُلْنا: هَذا يَحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ التَّكْفِيرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وإنْ ساغَ أنْ نَقُولَ: ذَلِكَ اصْطِلاحٌ لِأمْرِ الإمامِ كَما رَدَّ الهادِي عَلَيْهِ السَّلامُ شَهادَةَ مَن امْتَنَعَ مِن بَيْعَةِ الإمامِ كانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا - انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ومِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتَنْبَطَ الأئِمَّةُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّقِيَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ. وقَدْ نُقِلَ الإجْماعُ عَلى جَوازِها عِنْدَ ذَلِكَ الإمامِ مُرْتَضى اليَمانِيُّ في كِتابِهِ: (إيثارُ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ) فَقالَ ما نَصُّهُ:

وزادَ الحَقَّ غُمُوضًا وخَفاءً أمْرانِ:

أحَدُهُما: خَوْفُ العارِفِينَ، مَعَ قِلَّتِهِمْ، مِن عُلَماءِ السُّوءِ وسَلاطِينِ الجَوْرِ، وشَياطِينِ الخَلْقِ، مَعَ جَوازِ التَّقِيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ بِنَصِّ القُرْآنِ وإجْماعِ أهْلِ الإسْلامِ. وما زالَ الخَوْفُ مانِعًا مِن إظْهارِ الحَقِّ، ولا بَرِحَ المُحِقُّ عَدُوًّا لِأكْثَرِ الخَلْقِ. وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ العَصْرِ الأوَّلُ: حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ، فَأمّا أحَدُهُما: فَبَثَثْـتُهُ في النّاسِ، وأمّا الآخَرُ: فَلَوْ بَثَثْـتُهُ لَقُطِعَ هَذا البُلْعُومُ. وما زالَ الأمْرُ في ذَلِكَ (p-٨٢٧)يَتَفاحَشُ. وقَدْ صَرَّحَ الغَزالِيُّ بِذَلِكَ في خُطْبَةِ (المَقْصِدِ الأسْنى) ولَوَّحَ بِمُخالَفَتِهِ أصْحابَهُ فِيها كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في شَرْحِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَأثْبَتَ حِكْمَةَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ، وجَوَّدَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وظَنَّ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ المُخالَفَةَ، لِأنَّ شَرْحَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لَيْسَ هو مَوْضِعَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ولِذَلِكَ طَوى ذَلِكَ، وأضْرَبَ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ، وهو اسْمُ الضّارِّ كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ أذْكِياءُ النُّظّارِ.

وأشارَ إلى التَّقِيَّةِ الجُوَيْنِيُّ في مُقَدِّماتِ (البُرْهانِ) في مَسْألَةِ قِدَمِ القُرْآنِ. والرّازِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بـ (الأرْبَعِينَ في أُصُولِ الدِّينِ) إلى آخِرِ ما ساقَهُ المُرْتَضِي فانْظُرْهُ.

﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُخالَفَةِ أحْكامِهِ، ومُوالاةِ أعْدائِهِ. وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي المَنهِيِّ في القُبْحِ، وذَكَرَ النَّفْسَ، لِيُعْلَمَ أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ عِقابٌ يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى، فَلا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يُحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: المُنْقَلَبُ والمَرْجِعُ لِيُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ.

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هَذا تَوَعُّدٌ. وأرادَ إخْفاءَ مَوَدَّةِ الكُفّارِ ومُوالاتِهِمْ وإظْهارَها. أوْ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ . أوْ الكُفْرَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ لِئَلّا يَرْتَكِبُوا ما نَهى عَنْهُ، فَإنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِمْ وقادِرٌ عَلى مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنْ أنْظَرَ مَن أنْظَرَ مِنهم فَإنَّهُ يُمْهِلُ ثُمَّ يَأْخُذُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، ولِهَذا قالَ بَعْدَ هَذا:

(p-٨٢٨)

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ بِصُوَرٍ تُناسِبُهُ، أوْ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، أوْ المَعْنى: جَزاءَ ما عَمِلَتْ: (و) تَجِدُ: (ما عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ) أيْ: عَمَلَها السُّوءَ: ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ أيْ: غايَةً بَعِيدَةً لا يَصِلُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وتَوَدُّ في مَوْضِعِ الحالِ. والتَّقْدِيرُ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا، وادَّةً ذَلِكَ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كَرَّرَهُ لِيَكُونَ عَلى بالٍ مِنهم لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ كَذا في (الكَشّافِ) .

وقالَ أبُو السُّعُودِ: تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ، لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، بَلْ لِإفادَةٍ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ، ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ، أوْ أنَّ رَأْفَتَهُ بِهِمْ لا تَمْنَعُ تَحْقِيقَ ما حَذَّرَهُمُوهُ مِن عِقابِهِ، وأنَّ تَحْذِيرَهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّأْفَةِ، بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها.

3:31Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حاكِمَةٌ عَلى كُلِّ مَن ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، ولَيْسَ هو عَلى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَإنَّهُ كاذِبٌ في دَعْواهُ تِلْكَ، حَتّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» .

(p-٨٢٩)

3:32Page 54

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ .

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ الطّاعَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾

3:33Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى﴾ أيْ: اخْتارَ بِالنُّبُوَّةِ: ﴿آدَمَ﴾ فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أهْبَطَهُ مِنها عَمّا لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ: (و) واصْطَفى: (نُوحًا) فَجَعَلَهُ أوَّلَ رَسُولٍ إلى أهْلِ الأرْضِ، لَمّا عَبَدَ النّاسُ الأوْثانَ وأشْرَكُوا بِاَللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، ونَجّى مَن اتَّبَعَهُ في السَّفِينَةِ وأغْرَقَ مَن عَصاهُ: (و) اصْطَفى: ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ [النساء: ٥٤] أيْ: عَشِيرَتَهُ وذَوِي قُرْباهُ، وهم إسْماعِيلُ وإسْحاقُ والأنْبِياءُ مِن أوْلادِهِما الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ . وأمّا اصْطِفاءُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ مِن اصْطِفائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ. وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ في الخُلَّةِ، وكَوْنِهِ إمامَ الأنْبِياءِ وقُدْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنِ اصْطِفاءِ آلِهِ بِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةَ. ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ»» (و) اصْطَفى: (آلَ عِمْرانَ) إذْ جَعَلَ فِيهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي أُوتِيَ البَيِّناتِ، وأُيِّدَ بِرُوحِ القُدْسِ، والمُرادُ بِعِمْرانَ هَذا: والِدُ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ. أيْ: (p-٨٣٠)اصْطَفى كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالَمِي زَمانِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ لِدُخُولِهِمْ في العالَمِينَ.

3:34Page 54

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿ذُرِّيَّةً﴾ أيْ: نَسْلًا. نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلَيْنِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُما.

لَطِيفَةٌ:

اَلذُّرِّيَّةُ مُثَلَّثَةٌ، ولَمْ تُسْمَعْ إلّا غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ. اسْمٌ لِنَسْلِ الثَّقَلَيْنِ. وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأُصُولِ أيْضًا. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]

قالَ الصّاغانِيُّ: وفي اشْتِقاقِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذَّرْءِ ووَزْنُها فَعُولَةٌ أوْ فَعِيلَةٌ. والثّانِي: أنَّها مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ ذَرَّهم في الأرْضِ. ووَزْنُها فَعِيلَةٌ أوْ فَعُولَةٌ أيْضًا. وأصْلُها: ذَرُورَةٌ، فَقُلِبَتْ الرّاءُ الثّالِثَةُ ياءً كَما في: تَقَضَّتْ العِقابَ. كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.

(p-٨٣١)﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةٍ. أيْ: اصْطَفى الآلَيْنِ، حالٌ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً مُتَسَلْسِلَةً البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في وِراثَةِ الِاصْطِفاءِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]

3:35Page 54

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِتَقْرِيرِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ. أيْ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها... إلَخْ. واِمْرَأةُ عِمْرانَ هَذِهِ هي أُمُّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

فائِدَةٌ:

قالَ العَلّامَةُ النُّورِيُّ في (غَيْثِ النَّفْعِ): ﴿امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ رُسِمَتْ بِالتّاءِ، وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِن لَفْظِ امْرَأةٍ فَبِالهاءِ. سَبْعَةُ مَواضِعَ، هَذا الأوَّلُ، والثّانِي والثّالِثُ بِيُوسُفَ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ﴾ [يوسف: ٣٠] ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ﴾ [يوسف: ٥١] والرّابِعُ بِالقَصَصِ ﴿(امْرَأتُ (p-٨٣٢)فِرْعَوْنَ )﴾ [القصص: ٩] والخامِسُ والسّادِسُ والسّابِعُ بِالتَّحْرِيمِ ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] و﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] فَلَوْ وُقِفَ عَلَيْها، فالمَكِّيُّ والنَّحْوِيّانِ يَقِفُونَ بِالهاءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ. انْتَهى.

﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ. أوْ خادِمًا يَخْدِمُ في مُتَعَبَّداتِكَ، حَرَّرَهُ جَعَلَهُ نَذِيرًا في خِدْمَةِ المَعْبَدِ ما عاشَ، لا يَسَعُهُ تَرْكُهُ في دِينِهِ عَنْ الزَّجّاجِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نَذْرِ الأُمِّ بِوَلَدِها، وأنَّ لِلْأُمِّ الِانْتِفاعَ بِالوَلَدِ الصَّغِيرِ لِمَنافِعِ نَفْسِها، لِذَلِكَ جَعَلَتْهُ لِلْغَيْرِ. والمَعْنى: نَذَرْتُهُ وقْفًا عَلى طاعَتِكَ، لا أشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِي. قالَ أبُو مَنصُورٍ في (التَّأْوِيلاتِ): جَعَلَتْ ما في بَطْنِها لِلَّهِ خالِصًا، لَمْ تَطْلُبْ مِنهُ (p-٨٣٣)اَلِاسْتِئْناسَ بِهِ، ولا ما يَطْمَعُ النّاسُ مِن أوْلادِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الصَّفْوَةِ الَّتِي ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - وهَكَذا الواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ إذا طَلَبَ ولَدًا أنْ يَطْلُبَ لِلَوْجْهِ الَّذِي طَلَبَتْ امْرَأةُ عِمْرانَ وزَكَرِيّا حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وما سَألَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] هَكَذا الواجِبُ أنْ يُطْلَبَ الوَلَدُ، لا ما يَطْلُبُونَ مِنَ الِاسْتِئْناسَ والِاسْتِنْصارَ والِاسْتِعانَةَ بِأمْرِ المَعاشِ بِهِمْ. انْتَهى﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي قُرْبانِي وما جَعَلْتُ لَكَ خالِصًا، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском