Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:36–46
3:36Page 54
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾
﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِي، وإنَّما أُنِّثَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ أوْ النَّسَمَةِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ أيْ: وكُنْتُ رَجَوْتُ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وإنَّما تَحَسَّرَتْ أوْ اعْتَذَرَتْ إذْ جَهِلَتْ قَدْرَها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قُرِئَ في السَّبْعِ بِسُكُونِ التّاءِ وضَمِّها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى، إمّا لِدَفْعِ ما يَتَراءى مِن أنَّ قَوْلَها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ قَصَدَتْ بِها إعْلامَ (p-٨٣٤)اَللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، فَأُزِيلَتْ الشُّبْهَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ هَذا ما يَتَراءى لِي. وإمّا لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ الِاعْتِراضَ تَعْظِيمٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَوْضُوعِها، وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَجْهِيلٌ لَها بِقَدْرِهِ، أيْ: واَللَّهُ أعْلَمُ بِالنَّفْسِ الَّتِي وضَعَتْها، وما عَلَقَ بِها مِن عَظائِمَ الأُمُورِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أعْنِي: ضَمَّ التّاءَ، فالِاعْتِراضُ مِن كَلامِها، إمّا لِلْوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ كَما اسْتَظْهَرْتُهُ، أوْ لِما ذَكَرُوهُ مِن قَصْدِ الِاعْتِذارِ إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أتَتْ بِمَوْلُودٍ لا يَصْلُحُ لِما نَذَرَتْهُ، أوْ تَسْلِيَةِ نَفْسِها عَلى مَعْنى: لَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرًّا وحِكْمَةً، ولَعَلَّ هَذا الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، إمّا مِن كَلامِهِ تَعالى قَصَدَ بِهِ مَعْذِرَتَها في التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ بِبَيانِ فَضْلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، ولِذا جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلى الرَّغْبَةِ فِيهِ دُونَها لا سِيَّما في هَذا المَقامِ، أعْنِي: مَقامَ قَصْدِ إخْلاصِ النَّذِيرِ لِلْعِبادَةِ. فَإنَّ الذَّكَرَ يَفْضُلُها مِن وُجُوهٍ: مِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ فِيهِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ.
ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ - لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ - لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى، فَإنَّها ضَعِيفَةٌ، لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى. فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَقامِ. واللّامُ في (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى هَذا المَلْحَظِ، لِلْجِنْسِ - كَذا ظَهَرَ لِي - وعَلى قَوْلِهِمْ: اللّامُ لِلْعَهْدِ فِيهِما، أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْهُ وتَخَيَّلَتْ فِيهِ كَمالًا، قُصاراهُ أنْ يَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الأحْبارِ، كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها. فَإنَّ دائِرَةَ عِلْمِها وأُمْنِيَتِها لا تَكادُ تُحِيطُ بِما فِيها مِن جَلائِلِ الأُمُورِ. هَذا، وإمّا أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها، والقَصْدُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدُ الِاعْتِذارِ بِبَيانِ أنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ، وصَلاحِيَةِ خِدْمَةِ المُتَعَبَّداتِ، فَإنَّهُنَّ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فالَّلامُ لِلْجِنْسِ.
لَطِيفَةٌ:
قِيلَ: قِياسُ كَوْنِهِ مِن قَوْلِها أنْ يَكُونَ (ولَيْسَتْ الأُنْثى كالذَّكَرِ ( فَإنَّ مَقْصُودَها تَنْقِيصُ (p-٨٣٥)اَلْأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ. والعادَةُ في مِثْلِهِ أنْ يُنْفى عَنْ النّاقِصِ شَبَهَهُ بِالكامِلِ، لا العَكْسُ. قالَ النّاصِرُ في ( الِانْتِصافِ): وقَدْ وُجِدَ الأمْرُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفًا، فَلَمْ يَثْبُتْ عَيْنُ ما قِيلَ. ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَنَفى عَنْ الكامِلِ شَبَهَ النّاقِصِ، مَعَ أنَّ الكَمالَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ثابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ النِّساءِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ (امْرَأةِ عِمْرانَ)، واَللَّهُ أعْلَمُ. ومِنهُ أيْضًا: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] انْتَهى.
﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ، سَمَّتْها بِذَلِكَ رَجاءً وتَفاؤُلًا أنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها. لَكِنْ رَأيْتُ في تَأْوِيلِ الأسْماءِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ مَرْيَمَ مَعْـناهُ: (مَرارَةُ أوْ مُرُّ البَحْرِ (، فَلْيُنْظَرْ. قالَ السُّيُوطِيُّ في ( الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ يَوْمَ الوِلادَةِ وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ يَوْمُ السّابِعِ، لِأنَّهُ إنَّما قالَتْ هَذا بِأثَرِ الوَضْعِ، كَما فِيها مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ لِلْأُمِّ، وأنَّها لا تَخْتَصُّ بِالأبِ. ثُمَّ طَلَبَتْ عِصْمَتَها فَقالَتْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ أيْ: أُجِيرُها بِحِفْظِكَ: ﴿وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أيْ: المَطْرُودِ لِمُخالَفَتِكَ، فَلا تَجْعَلْ عَلَيْها وعَلى ذُرِّيَّتِها لَهُ سُلْطانًا يَكُونُ سَبَبًا لِطَرْدِهِما.
3:37Page 54
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ: قَبِلَها أوْ تَكَفَّلَ بِها. ولَمْ يَقُلْ: (بِتَقَبُّلٍ)، (p-٨٣٦)لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: التَّقَبُّلُ الَّذِي هو التَّرَقِّي في القَبُولِ، والقَبُولُ الَّذِي يَقْتَضِي الرِّضا والإثابَةَ، قالَ المَهايِمِيُّ: بِقَبُولٍ حَسَنٍ يَجْعَلُها فَوْقَ كَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ بِجَعْلِ ذُرِّيَّتِها مِن كِبارِ الأنْبِياءِ - انْتَهى - وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَباتُها مَجازٌ عَنْ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها، أيْ: كالصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. ونَصْبَ زَكَرِيّا مَمْدُودًا أوْ مَقْصُورًا، والفاعِلُ اللَّهُ. أيْ: جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وقائِمًا بِتَدْبِيرِ أُمُورِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أُمَّها أخَذَتْها وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ، ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ، فَتَنافَسُوا فِيها إذْ كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وأحَبَّ كُلٌّ أنْ يَحْظى بِتَرْبِيَتِها، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها، فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيها أقْلامَهم، عَلى أنَّ مَن ثَبَتَ قَلَمُهُ في الماءِ وصَعِدَ فَهو أوْلى بِها، فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَأخَذَها زَكَرِيّا ورَبّاها في حِجْرِ خالَتِها، حَتّى إذا نَشَأتْ وبَلَغَتْ مَبالِغَ النِّساءِ، انْزَوَتْ في مِحْرابِها تَتَعَبَّدُ فِيهِ، وصارَتْ بِحَيْثُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
اَلْأُولى: في مَعْنى المِحْرابِ: في القامُوسِ وشَرْحِهِ ما نَصُّهُ: والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ والمَوْضِعُ العالِي، نَقَلَهُ الهَرَوِيُّ في غَرِيبِهِ عَنْ الأصْمَعِيِّ، قالَ وضّاحُ اليَمَنِ:
؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّما
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ سَيِّدُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها وأشْرَفُها. قالَ: وكَذَلِكَ هو مِنَ المَساجِدِ، (p-٨٣٧)وعَنْ الأصْمَعِيِّ: العَرَبُ تُسَمِّي القَصْرَ مِحْرابًا لِشَرَفِهِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِحْرابُ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِي يَفْهَمُهُ النّاسُ مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ مِحْرابَ المَسْجِدِ لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ القَوْمِ. ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ، إذا كانَ بَيْنَهُما بُعْدٌ وتَباغُضٌ. وفي المِصْباحِ: ويُقالُ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المُحارَبَةِ؛ لِأنَّ المُصَلِّيَ يُحارِبُ الشَّيْطانَ ويُحارِبُ نَفْسَهُ بِإحْضارِ قَلْبِهِ، ثُمَّ قالَ: ومَحارِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ هي مَساجِدُهم الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيها. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الكَرامَةِ لِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، كَما وُجِدَ، عِنْدَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُسْتَشْهِدِ بِمَكَّةَ، قِطْفُ عِنَبٍ، كَما في البُخارِيِّ. وفي الكِتابِ والسُّنَّةِ لِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ومِنَ اللَّطائِفِ هُنا ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ في (اليَواقِيتِ) عَنْ العارِفِ أبِي الحَسَنِ الشّاذِلِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ كانَ يُتَعَرَّفُ إلَيْها في بِداياتِها بِخَرْقِ العَوائِدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ تَقْوِيَةً لِإيمانِها وتَكْمِيلًا لِيَقِينِها، فَكانَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا. فَلَمّا قَوِيَ إيمانُها ويَقِينُها رُدَّتْ إلى السَّبَبِ لِعَدَمِ وُقُوفِها مَعَهُ، فَقِيلَ لَها: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] انْتَهى.
الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. إمّا مِن تَمامِ كَلامِها فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو مُسْتَأْنَفٌ، ومَعْنى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ. وإمّا بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفْضُّلًا مِنهُ تَعالى.
الرّابِعَةُ: زَكَرِيّا المُنَوَّهُ بِهِ هُنا هو والِدُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَعْنى زَكَرِيّا: تِذْكارُ الرَّبِّ كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
(p-٨٣٨)
3:38Page 55
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨
At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، سِيقَتْ في تَضاعِيفَ حِكايَةِ مَرْيَمَ، لِما بَيْنَهُما مِن قُوَّةِ الِارْتِباطِ، وشِدَّةِ الِاشْتِباكِ، مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ حِكايَتُها مِن بَيانِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ. فَإنَّ فَضائِلَ بَعْضِ الأقْرِباءِ أدِلَّةٌ عَلى فَضائِلِ الآخَرِينَ، و: (هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ، حَيْثُ هو عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، إذْ يُسْتَعارُ (هُنا وثُمَّتَ وحَيْثُ) لِلزَّمانِ، دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ لَمّا رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ عَلى اللَّهِ ومَنزِلَتِها مِنهُ تَعالى، رَغِبَ في أنْ يَكُونَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ أُخْتِها في النَّجابَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وإنْ كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا كَذا في أبِي السُّعُودِ والذُّرِّيَّةُ هُنا الوَلَدُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْها قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] قَوْلُهُ: ﴿طَيِّبَةً﴾ بِمَعْنى: مُطِيعَةً لَكَ، لِأنَّ ذَلِكَ طَلِبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ كَما سَبَقَ إيضاحُهُ في آيَةِ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ [آل عمران: ٣٥] إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ، وقَدْ أجابَهُ الحَقُّ تَعالى، فَأرْسَلَ إلَيْهِ المَلائِكَةَ مُبَشِّرَةً كَما قالَ تَعالى:
3:39Page 55
فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩
So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَتِنا: ﴿بِيَحْيى﴾ وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِكَسْرِ: (إنَّ) وفَتْحِها، ولَفْظُ يَحْيى مُعْرَّبٌ عَنْ يُوحَنّا (p-٨٣٩)اِسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ. ومَعْنى يُوحَنّا: نِعْمَةُ الرَّبِّ، كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنَبِيٍّ خُلِقَ بِكَلِمَةِ (كُنْ) مِن غَيْرِ أبٍ. يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فَيُصَدِّقُهُ هو. وذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وسَيِّدًا﴾ أيْ: يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم: ﴿وحَصُورًا﴾ أيْ: لا يَقْرَبُ النِّساءَ حَصْرًا لِنَفْسِهِ، أيْ: مَنعًا لَها عَنْ الشَّهَواتِ عِفَّةً وزُهْدًا واجْتِهادًا في الطّاعَةِ: ﴿ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنهم؛ لِأنَّهُ مِن أصْلابِهِمْ. أوْ كائِنًا مِن جُمْلَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] ولَمّا تَحَقَّقَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ البِشارَةَ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِن وُجُودِ الوَلَدِ مِنهُ بَعْدَ الكِبَرِ.
3:40Page 55
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾
﴿قالَ رَبِّ أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ: ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ: أدْرَكَنِي الكِبَرُ الكامِلُ المانِعُ مِنَ الوِلادَةِ فَأضْعَفَنِي: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ: ذاتُ عُقْرٍ، فَهو عَلى النَّسَبِ، وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ: مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ تاءَ التَّأْنِيثِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ يَكُونُ لَكَ الوَلَدُ عَلى الحالِ الَّتِي أنْتَ وزَوْجَتُكَ عَلَيْها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، بَلْ: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَتَعاظَمُهُ أمْرٌ. وفي إعْرابِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أوْجُهٌ. مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ. ومِنها أنَّ الكافَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها في الأصْلِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ فِعْلًا مِن ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ.
(p-٨٤٠)
3:41Page 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .
﴿قالَ﴾ زَكَرِيّا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها حُصُولَ الحَمْلِ. وإنَّما سَألَها لِكَوْنِ العُلُوقِ أمْرًا خَفِيًّا لا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أوَّلِهِ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ مِن أوَّلِها، ولا يُؤَخِّرُهُ إلى أنْ يَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ أيْ: إشارَةً بِيَدٍ أوْ رَأْسٍ. وإنَّما جُعِلَتْ آيَتُهُ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ المُدَّةِ لِذِكْرِهِ تَعالى شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً مِنهُ تَعالى بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ - حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ -: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: وسَبِّحْهُ: ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وهو آخِرُ النَّهارِ. ويَقَعُ العَشِيُّ أيْضًا عَلى ما بَيْنَ الزَّوالِ والغُرُوبِ: ﴿والإبْكارِ﴾ وهو الغَدْوَةُ، أوْ مِن صَلاةِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ الحَثُّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهو مِن شُعَبِ الإيمانِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَوْ رَخَّصَ اللَّهُ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّا؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الكَلامِ وأمَرَهُ بِالذِّكْرِ - أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - .
3:42Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢ ] ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾
﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ شُرُوعٌ في تَتِمَّةِ فَضائِلِ آلِ عِمْرانَ. قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى جَوازِ تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ الوَلِيَّ، ويُفارِقُ النَّبِيَّ في دَعْوى النُّبُوَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ بِالتَّقْرِيبِ والمَحَبَّةِ: ﴿وطَهَّرَكِ﴾ عَنْ الرَّذائِلِ لِيَدُومَ انْجِذابُكِ إلَيْهِ: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ (p-٨٤١)بِالتَّفْضِيلِ وبِما أظْهَرَهُ مِن قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ حَيْثُ خَلَقَ مِنكِ ولَدًا مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ. وفي (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. كَما اسْتَدَلَّ بِها مَن فَضَّلَها عَلى بَناتِ النَّبِيِّ ﷺ وأزْواجِهِ. وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ عالَمِي زَمانِها قالَهُ السُّدِّيُّ - .
3:43Page 55
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: اعْبُدِيهِ شُكْرًا عَلى اصْطِفائِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ: لِتَزْدادِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ قُرْبًا. قالَ البِقاعِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ هُنا ظاهِرُهُ، وبِالرُّكُوعِ الصَّلاةُ نَفْسُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واسْجُدِي مُصَلِّيَةً، ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ، أيْ: في جَماعَةٍ، فَإنَّكِ في عِدادِ الرِّجالِ لِما خُصِصْتِ بِهِ مِنَ الكَمالِ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما قُلْتُ هَذا لِأنِّي تَتَبَّعْتُ التَّوْراةَ، فَلَمْ أرَهُ ذَكَرَ فِيها الرُّكُوعَ في صَلاةِ إبْراهِيمَ ولا مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، ولا أتْباعِهِمْ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ. ورَأيْتُهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ:
اَلْأوَّلُ: إطْلاقُ لَفْظِها مِن غَيْرِ بَيانِ كَيْفِيَّةٍ.
والثّانِي: إطْلاقُ لَفْظِ السُّجُودِ مُجَرَّدًا.
والثّالِثُ: إطْلاقُهُ مَقْرُونًا بِرُكُوعٍ أوْ حَبْوٍ أوْ خُرُورٍ عَلى الوَجْهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ساقَ البِقاعِيُّ ما وقَعَ مِنَ النُّصُوصِ في ذَلِكَ، وقالَ بَعْدُ: فاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مِن هَذِهِ الأماكِنِ وغَيْرِها: أنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهم تُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ وعَلى فِعْلٍ هو مُجَرَّدُ السُّجُودِ، فَإنْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ فَذاكَ، وحِينَئِذٍ يُسَمّى صَلاةً. وإلّا كانَ المُرادُ بِهِ مُطْلَقَ الِانْحِناءِ لِلتَّعْظِيمِ. وذَلِكَ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ: سَجَدَ: خَضَعَ، والخُضُوعُ: التَّطامُنُ، وأمّا المَكانُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الرُّكُوعُ، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: فِعْلُ الشَّعْبِ كُلِّهِ ساجِدًا لِلَّهِ، لِأنَّ الرُّكُوعَ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى مَعانٍ، مِنها الصَّلاةُ. يُقالُ: رَكَعَ أيْ: صَلّى، ورَكَعَ إذا انْحَنى كَثِيرًا، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الرُّكُوعِ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ في حالِ السُّجُودِ، وإنْ ارْتُكِبَ فِيهِ تَأْوِيلٌ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ (p-٨٤٢)فِي الرُّكُوعِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - واحْتَجَجْتُ بِاللُّغَةِ لِأنَّ مُتَرْجِمَ نُسْخَةِ التَّوْراةِ، الَّتِي وقَعَتْ لِي، في عِدادِ البُلَغاءِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن تَأمَّلَ مَواقِعَ تَرْجَمَتِهِ لَها. عَلى أنِّي سَألْتُ عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ الآنَ، فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ، ثُمَّ رَأيْتُ البَغَوِيَّ صَرَّحَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِأنَّ صَلاتَهم لا رُكُوعَ فِيها، وكَذا ابْنَ عَطِيَّةَ وغَيْرَهُما. انْتَهى كَلامُ البِقاعِيِّ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مَطْلُوبَةٌ في الصَّلاةِ، وعَلى أنَّ المَرْأةَ تُنْدَبُ لَها الجَماعَةُ.
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ ] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: الأنْباءِ المَغِيبَةِ عَنْكَ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ مُطابِقًا لِما في كِتابِهِمْ. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في: ﴿نُوحِيهِ﴾ بِجَعْلِ مَرْجِعِهِ ذَلِكَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ مُعايِنًا لِفِعْلِهِمْ، وما جَرى مِن أمْرِهِمْ في شَأْنِ مَرْيَمَ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم، أيْ: سِهامَهم الَّتِي جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعْرَفُ بِها مَن يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ بِسَبَبِها تَنافُسًا في كَفالَتِها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ: أنَّهم ذَهَبُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِّ واقْتَرَعُوا هُنالِكَ عَلى أنْ يُلْقُوا أقْلامَهم، فَأيُّهم ثَبَتَ في جَرْيِةِ الماءُ فَهو كافِلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم، فاحْتَمَلَها الماءُ إلّا قَلَمَ زَكَرِيّا، فَإنَّهُ ثَبَتَ. ويُقالُ إنَّهُ ذَهَبَ صاعِدًا يَشُقُّ جَرْيَةَ الماءِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ (p-٨٤٣)أقْلامَهم، مِمّا كانَتْ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سَلِمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ. وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقْلَمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا. وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ. وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ يَجُوزُ التَّخاصُمُ لِطَلَبِ الفَضْلِ حَتّى يَتَمَيَّزَ واحِدٌ بِمَزِيَّةٍ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ يَحْصُلُ بِالقُرْعَةِ في الأمْرِ المُلْبِسِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نُفِيَتْ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ الأنْباءِ مِن حُفّاظِها، وهو مَوْهُومٌ ؟ قُلْتُ: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينًا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ، فَنُفَيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعَ لَهُ ولا قِراءَةَ. ونَحْوُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] - انْتَهى - وبِالجُمْلَةِ: فالنَّفْيُ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الأنْباءِ وحْيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ.
(p-٨٤٤)
3:45Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِمَوْلُودٍ يَحْصُلُ بِكَلِمَةٍ مِنهُ بِلا واسِطَةِ أبٍ: ﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ. أيْ: اسْمُهُ الَّذِي يُمَيِّزُهُ لَقَبًا: ﴿المَسِيحُ﴾ وعَلَمًا: ﴿عِيسى﴾ مُعْرَّبُ يَسُوعَ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، كَلِمَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها (مُخَلِّصٌ) ويُرادِفُها (يَشُوعُ) بِالمُعْجَمَةِ، إلّا أنَّها عِبْرانِيَّةٌ كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيها أنَّ المَسِيحَ بِمَعْنى: المَمْسُوحُ أوْ المَدْهُونُ. قالَ البِقاعِيُّ: وأصْلُ هَذا الوَصْفِ أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ: مَن مَسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ كانَ طاهِرًا مُتَأهِّلًا لِلْمُلْكِ والعِلْمِ والوِلاياتِ الفاضِلَةِ مُبارَكًا، فَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُلازِمٌ لِلْبَرَكَةِ النّاشِئَةِ عَنْ المَسْحِ، وإنْ لَمْ يُمْسَحْ. انْتَهى. وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: سَيِّدًا ومُعَظَّمًا فِيهِما: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
3:46Page 56
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ ] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ: ﴿وكَهْلا﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَعْنى ويُكَلِّمُ النّاسَ، حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ بِبَقائِهِ إلى أنْ يَصِيرَ كَهْلًا. والمَهْدُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ ويُوطَّأُ لِيَنامَ فِيهِ. والكَهْلُ: مَن وخَطَهُ الشَّيْبُ، أوْ مَن جاوَزَ الثَّلاثِينَ إلى (p-٨٤٥)اَلْأرْبَعِينَ أوْ الخَمْسِينَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلْغُلامِ مُراهِقٌ، ثُمَّ مُحْتَلِمٌ، ثُمَّ يُقالُ: تَخَرَّجَ وجْهُهُ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ مُجْتَمِعٌ، ثُمَّ كَهْلٌ، وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لَهُ كَهْلٌ حِينَئِذٍ: لِانْتِهاءِ شَبابِهِ وكَمالِ قُوَّتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: مِن عِدادِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ؛ لِأنَّ أهْلَ الصَّلاحِ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والفَضْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences