Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:61–75
3:61Page 57
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ: جادَلَكَ مِنَ النَّصارى بِإيرادِ حُجَّةٍ: ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى، زَعْمًا مِنهم أنَّهُ لَيْسَ عَلى الشَّأْنِ المَتْلُوِّ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ في أمْرِهِ. ولِلْفاضِلِ المَهايِمِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبٌ لَطِيفٌ في التَّأْوِيلِ حَيْثُ قالَ: ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] أيْ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ جاءَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠] الَّذِي رَبّاكَ بِالإطْلاعِ عَلى الحَقائِقِ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] بِما ورَدَ في الإنْجِيلِ مِن إطْلاقِ لَفْظِ الأبِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّهُ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَدَثَ مِنهُ كانَ كَأبِيهِ. وإذا ظَهَرَ لَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ بِالبَيانِ التّامِّ: ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ: جادَلَكَ: ﴿فِيهِ﴾ لِإثْباتِ أبْنِيَتِهِ بِظَواهِرَ الإنْجِيلِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ القَطْعِيِّ المُوجِبِ لِتَأْوِيلِهِ ﴿فَقُلْ﴾ لَمْ يَبْقَ بَيْنَنا وبَيْنَكم مُناظَرَةٌ، ولَكِنْ نَرْفَعُ عِنادَكم بِطَرِيقِ المُباهَلَةِ: ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ: أقْبِلُوا أيُّها المُجادِلُونَ إلى أمْرٍ يُعْرَفُ فِيهِ عُلُوُّ الحَقِّ وسُفُولُ (p-٨٥٧)الباطِلِ: ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدَعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ، وأعِزَّةَ أهْلِهِ، وألْصَقَهم بِقَلْبِهِ، مِمَّنْ يُخاطِرُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ لَهم، ويُحارِبُ دُونَهم، ويَحْمِلُهم عَلى المُباهَلَةِ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ: نَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى ونَجْتَهِدُ في دُعاءِ اللَّعْنَةِ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: إبْعادَهُ وطَرْدَهُ: ﴿عَلى الكاذِبِينَ﴾ مِنّا ومِنكم لِيُهْلِكَهم اللَّهُ ويُنَجِّيَ الصّادِقِينَ، فَلا يَبْقى العِنادُ الباقِي عَلَيْكم بَعْدَ اتِّفاقِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - قالَ القاشانِيُّ: إنَّ لِمُباهَلَةِ الأنْبِياءِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، سَبَبُهُ: اتِّصالُ نُفُوسِهِمْ بِرُوحِ القُدُسِ، وتَأْيِيدُ اللَّهِ إيّاهم بِهِ، وهو المُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ في العالَمِ العُنْصُرِيِّ، فَيَكُونُ انْفِعالُ العالَمِ العُنْصُرِيِّ مِنهُ كانْفِعالِ بَدَنِنا مِن رُوحِنا بِالهَيْئاتِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ، كالغَضَبِ والحُزْنِ والفِكْرِ في أحْوالِ المَعْشُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَحَرُّكِ الأعْضاءِ عِنْدَ حُدُوثِ الإراداتِ والعَزائِمِ، وانْفِعالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مِنهُ، كانْفِعالِ حَواسِّنا وسائِرِ قُوانا مِن هَيْئاتِ أرْواحِنا، فَإذا اتَّصَلَ نَفْسُ قُدْسِيٍّ بِهِ كانَ تَأْثِيرُها في العالَمِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ الِاتِّصالِيِّ بِتَأْثِيرِ ما يَتَّصِلُ بِهِ، فَتَنْفَعِلُ أجْرامُ العَناصِرِ والنُّفُوسِ النّاقِصَةِ الإنْسانِيَّةِ مِنهُ بِما أرادَ، ألَمْ تَرَ كَيْفَ انْفَعَلَتْ نُفُوسُ النَّصارى مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخَوْفِ، وأحْجَمَتْ عَنْ المُباهَلَةِ، وطَلَبَتْ المُوادَعَةَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ ! .
اَلثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ المُباهَلَةِ وما قَبْلَها مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَجَعَلُوا يُحاجُّونَ في عِيسى ويَزْعُمُونَ فِيهِ ما يَزْعُمُونَ مِنَ البُنُوَّةِ والإلَهِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا، مِنهم ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِمْ يَؤُولُ أمْرُهم: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ واسْمُهُ: عَبْدُ المَسِيحِ، والسَّيِّدُ ثِماُلُهم، وصاحِبُ رَحْلِهِمْ واسْمُهُ: الأيْهَمُ، وأبُو حارِثِ بْنُ عَلْقَمَةَ أُسْقُفُهم وحَبْرُهم. وفي القِصَّةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أتاهُ الخَبَرُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفَصْلُ مِنَ القَضاءِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأُمِرَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن مُلاعَنَتِهِمْ، إنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعاهم إلى المُباهَلَةِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ (p-٨٥٨)دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ فِيما دَعَوْتَنا إلَيْهِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالعاقِبِ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ماذا تَرى ؟ فَقالَ: واَللَّهِ يا مَعْشَرَ النَّصارى لَقَدْ عَرَفْتُمْ إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم، ولا نَبَتَ صَغِيرُهم، وإنَّهُ لَلِاسْتِئْصالُ مِنكم إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ قَدْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكم، فَوادِعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إلى بِلادِكم، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ! قَدْ رَأيْنا أنْ لا نُلاعِنَكَ، وأنْ نَتْرُكَكَ عَلى دِينِكَ، ونَرْجِعَ عَلى دِينِنا. فَلَمْ يُلاعِنْهم ﷺ وأقَرَّهم عَلى خَراجٍ يُؤَدُّونَهُ إلَيْهِ».
ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ العاقِبُ والطَّيِّبُ، فَدَعاهُما إلى المُلاعَنَةِ، فَواعَداهُ عَلى أنْ يُلاعِناهُ الغَداةَ، قالَ: فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ، فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِما فَأبَيا أنْ يُجِيبا، وأقَرّا لَهُ بِالخَراجِ، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، لَوْ قالا: لا، لَأمْطَرَ عَلَيْهِمْ الوادِي نارًا»» . قالَ جابِرٌ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةُ. قالَ جابِرٌ: أنْفُسَنا وأنْفُسَكم: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبْناؤُنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ونِساؤُنا: فاطِمَةُ، وهَكَذا - رَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ بِمَعْناهُ، ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. هَكَذا قالَ.
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ المُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا، وهَذا أصَحُّ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ نَحْوُ ذَلِكَ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جاءَ العاقِبُ والسَّيِّدُ، صاحِبا نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قالَ: فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ، فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنّاهُ لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنّا نُعْطِيكَ ما سَألْتَنا، وابْعَثْ مَعَنا (p-٨٥٩)رَجُلًا أمِينًا، ولا تَبْعَثْ مَعَنا إلّا أمِينًا. فَقالَ: «لَأبْعَثَنَّ مَعَكم رَجُلًا أمِينًا، حَقَّ أمِينٍ» . فاسْتَشْرَفَ لَها أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، فَلَمّا قامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ»» . ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ أيْضًا وغَيْرُهم.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ -: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَآتِيَنَّهُحَتّى أطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا، ولَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوْا المَوْتَ لَماتُوا، ولَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ، ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهْلًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَواهُ البُخارِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ. وقَدْ ساقَ قِصَّةَ وفْدِ نَجْرانَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في (زادِ المَعادِ) وأعْقَبَها بِفَصْلٍ مُهِمٍّ في فِقْهِها، فَلْيُراجِعْ.
اَلثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا قُلْتَ: ما كانَ دُعاؤُهُ إلى المُباهَلَةِ إلّا لِيَتَبَيَّنَ الكاذِبَ مِنهُ ومِن خَصْمِهِ، وذَلِكَ أمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُكاذِبُهُ. فَما مَعْنى ضَمِّ الأبْناءِ والنِّساءِ ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ في الدِّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ أعِزَّتِهِ وأفْلاذِ كَبِدِهِ وأحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ لِذَلِكَ. ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعِلْمِ ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يَهْلِكَ خَصْمُهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ إنْ تَمَّتْ المُباهَلَةُ، وخَصَّ الأبْناءَ والنِّساءَ لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ، ورُبَّما فَداهم الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وحارَبَ دُونَهم حَتّى يُقْتَلَ، ومِن ثُمَّتَ كانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أنْفُسِهِمْ الظَّعائِنَ في الحُرُوبِ لِتَمْنَعَهم مِنَ الهَرَبِ. ويُسَمُّونَ الذّادَةَ عَنْها بِأرْواحِهِمْ حُماةَ الحَقائِقِ. وقَدَّمَهم في الذِّكْرِ عَلى الأنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلى لُطْفِ مَكانِهِمْ وقُرْبِ مَنزِلَتِهِمْ ولِيُؤْذِنَ بِأنَّهم مُقَدَّمُونَ عَلى الأنْفُسِ مُفْدَوْنَ بِها. وفِيهِ دَلِيلٌ، لا شَيْءَ أقْوى مِنهُ، عَلى فَضْلِ أصْحابِ الكِساءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ. وفِيهِ بُرْهانٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أحَدٌ مِن مُوافِقٍ ولا مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ.
(p-٨٦٠)اَلرّابِعُ: اسْتُنْبِطَ مِنَ الآيَةِ جَوازُ المُحاجَّةِ في أمْرِ الدِّينِ، وأنَّ مَن جادَلَ وأنْكَرَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ جازَتْ مُباهَلَتُهُ اقْتِداءً بِما أمَرَ بِهِ ﷺ . والمُباهَلَةُ: المُلاعَنَةُ.
قالَ الكازَرُونِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وقَعَ البَحْثُ عِنْدَ شَيْخِنا العَلّامَةِ الدَّوّانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في جَوازِ المُباهَلَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَبَ رِسالَةً في شُرُوطِها المُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ، وكَلامِ الأئِمَّةِ، وحاصِلُ كَلامِهِ فِيها: أنَّها لا تَجُوزُ إلّا في أمْرٍ مُهِمٍّ شَرْعًا، وقَعَ فِيهِ اشْتِباهٌ وعِنادٌ لا يَتَيَسَّرُ دَفْعُهُ إلّا بِالمُباهَلَةِ، فَيُشْتَرَطُ كَوْنُها بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ والسَّعْيِ في إزالَةِ الشُّبْهَةِ وتَقْدِيمِ النُّصْحِ والإنْذارِ وعَدَمِ نَفْعِ ذَلِكَ، ومِساسِ الضَّرُورَةِ إلَيْها.
قالَ الإمامُ صِدِّيقٌ خانْ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ دَعا الحافِظُ ابْنُ القَيِّمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مَن خالَفَهُ في مَسْألَةِ صِفاتِ الرَّبِّ تَعالى شَأْنُهُ وإجْرائِها عَلى ظَواهِرِها مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، إلى المُباهَلَةِ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إلى ذَلِكَ، وخافَ سُوءَ العاقِبَةِ. وتَمامُ هَذِهِ القِصَّةِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ كِتابِهِ المَعْرُوفِ بـ (النُّونِيَّةِ) - انْتَهى - وقَدْ ذَكَرَ في (زادِ المَعادِ) في فَصْلِ فِقْهِ قِصَّةِ وفْدِ نَجْرانَ ما نَصُّهُ: ومِنها أنَّ السُّنَّةَ في مُجادَلَةِ أهْلِ الباطِلِ إذا قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ ولَمْ يَرْجِعُوا، بَلْ أصَرُّوا عَلى العِنادِ أنْ يَدْعُوَهم إلى المُباهَلَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ رَسُولَهُ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأُمَّتِكَ مِن بَعْدِكَ. ودَعا إلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ لِمَن أنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَسائِلِ الفُرُوعِ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ، ودَعا إلَيْهِ الأوْزاعِيُّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في مَسْألَةِ رَفْعِ اليَدَيْنِ، ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذا مِن تَمامِ الحُجَّةِ - انْتَهى - .
3:62Page 58
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢
Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: المُتَقَدِّمَ مِن شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ الَّذِي (p-٨٦١)لا مَعْدِلَ عَنْهُ، دُونَ أقاصِيصِ النَّصارى. والقِصَصُ تَتْبَعُ الوَقائِعَ بِالإخْبارِ عَنْها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى تَرْتِيبِها، في مَعْنى قَصِّ الأثَرِ، وهو اتِّباعُهُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى مَحِلِّ ذِي الأثَرِ - أفادَهُ الحَرالِّيُّ - .
قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ القِصَّةَ أوَّلَ السُّورَةِ بِالإخْبارِ بِوَحْدانِيّتِهِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ صَرِيحًا، خَتَمَ ذَلِكَ إشارَةً وتَلْوِيحًا فَقالَ، عاطِفًا عَلى ما أنْتَجَهُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ فَصَرَّحَ فِيهِ بـ: ﴿مِن﴾ الِاسْتِغْراقِيَّةِ، تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلا يُشارِكُهُ أحَدٌ في العِزَّةِ والحِكْمَةِ، لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
3:63Page 58
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣
But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ ] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ بَعْدَما عايَنُوا تِلْكَ الحُجَجِ النَّيِّرَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ: بِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى إفْسادِهِمْ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهم بِتَوَلِّيهِمْ، مُفْسِدُونَ اعْتِقادَهم واعْتِقادَ غَيْرِهِمْ في اللَّهِ تَعالى.
3:64Page 58
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤
Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: إلى قَوْلٍ مُعْتَدِلٍ لا يَمِيلُ إلى التَّعْطِيلِ ولا إلى الشِّرْكِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْها لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ، وهي: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا نَرى غَيْرَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ فَنُشْرِكُهُ مَعَهُ، بَلْ نُفْرِدُ العِبادَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وهَذِهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-٨٦٢)﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا﴾ أيْ: كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ كانُوا يُحِلُّونَ لَهم ويُحَرِّمُونَ. كَما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قالَ: «إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»» .
قالَ الكِيا الهَرّاسِيُّ: فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِالِاسْتِحْسانِ المُجَرَّدِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وعَلى مَن قالَ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِ الإمامِ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ولَوْ دُونَ إبانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ.
قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ الرَّبُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُعَلِّمِ والمُرَبِّي بِنَوْعِ تَرْبِيَةٍ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَحْذُورَ إنَّما هو اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ والِاجْتِراءِ عَلى ما يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكَمالِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ السَّواءِ المُتَّفَقِ عَلَيْها: ﴿فَقُولُوا﴾ أيْ: تَبَعًا لِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ. وامْتِثالًا لِوَصِيَّتِهِ إذْ قالَ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لَزِمَتْكم الحُجَّةُ فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تَعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكم، كَما يَقُولُ الغالِبُ لِلْمَغْلُوبِ في جِدالٍ أوْ صِراعٍ أوْ غَيْرِهِما: اعْتَرِفْ بِأنِّي أنا الغالِبُ، وسَلِّمْ لِي الغَلَبَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّعْرِيضِ، ومَعْناهُ: اشْهَدُوا واعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. كَذا قالَ (الكَشّافِ) .(p-٨٦٣)
3:65Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥
O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْـزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ: تُجادِلُونَ فِيهِ فَيَدَّعِيهِ كُلٌّ مِن فَرِيقِكم: ﴿وما أُنْـزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ﴾ أيْ: المُقَرِّرُ كُلٌّ مِنهُما لِأصْلِ دِينِ مُنْتَحِلِهِ مِنكم: ﴿إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حَتّى لا تُجادِلُوا مِثْلَ هَذا الجِدَلَ المُحالَ.
3:66Page 58
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦
Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: الأشْخاصُ الحَمْقى: ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ لَهُ ذِكْرٌ في كِتابِكم، فَأمْكَنَكم تَغْيِيرُهُ لَفْظًا ومَعْنًى، أوْ مِن أمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ مِمّا نَطَقَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ: ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أمْرِ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ في كِتابِكم بِما حاجَجْتُمْ، فَلا يُمْكِنُكم فِيهِ التَّغْيِيرُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ فَيُبَيِّنُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
3:67Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ: كَما ادَّعى اليَهُودُ: ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَمًّا ادَّعى النَّصارى: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ سَبَقَ مَعْنى الحَنِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في البَقَرَةِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-٨٦٤)
3:68Page 58
إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨
Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أيْ: أخَصُّهم بِهِ وأقْرَبُهم مِنهُ، مِن (الوَلْيِ) وهو القُرْبُ: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: في دِينِهِ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي: خاتَمَ الأنْبِياءِ مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِهِ فَعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةُ والمَحَبَّةِ.
3:69Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾
﴿ودَّتْ﴾ أيْ: تَمَنَّتْ: ﴿طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِهِمْ حَسَدًا وبَغْيًا: ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما يَتَخَطّاهم الإضْلالُ، ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا عَلَيْهِمْ، إذْ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهم: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أنَّ وِزْرَهُ خاصٌّ بِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩]
(p-٨٦٥)
3:70Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنَزَّلَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَها.
3:71Page 59
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أيْ: تَسْتُرُونَ الحَقَّ المُنَزَّلَ بِتَمْوِيهاتِكم الباطِلَةِ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَقْبَلُ تَمْوِيهًا ولا تَحْرِيفًا: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ مِن حَقِّيَتِهِ وقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، ويَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ في ذَلِكَ، كَدَأْبِهِمْ في غَيْرِهِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى قُبْحِ كِتْمانِ الحَقِّ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ وفُرُوعُهُ والفُتْيا والشَّهادَةُ. وعَلى قُبْحِ التَّلْبِيسِ. فَيَجِبُ حَلُّ الشُّبْهَةِ وإبْطالُها.
3:72Page 59
وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢
And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ: أوَّلَهُ: ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ (p-٨٦٦)مِن تَلْبِيساتِهِمْ. وهي مَكِيدَةٌ أرادُوها لِيَلْبِسُوا عَلى الضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أمْرَ دِينِهِمْ، وهو أنَّهم اشْتَوَرُوا بَيْنَهم أنْ يُظْهِرُوا الإيمانَ أوَّلَ النَّهارِ ويُصَلُّوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإذا جاءَ آخِرُ النَّهارِ ارْتَدُّوا إلى دِينِهِمْ. فَيَظُنُّ الضُّعَفاءُ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم إلّا الحَقُّ، وأنَّهُ ما رَدَّهم عَنْ الدِّينِ بَعْدَ اتِّباعِهِمْ لَهُ وتَرْكِ العِنادَ، وهم أُولُو عِلْمٍ وأهْلُ كِتابٍ، إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ لَهم، ولِهَذا قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: عَنْ الإسْلامِ كَما رَجَعْتُمْ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: الفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ مِن وُجُوهٍ:
اَلْأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ كانَتْ مَخْفِيَّةً فِيما بَيْنَهم وما أطْلَعُوا عَلَيْها أحَدًا مِنَ الأجانِبِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَنْها كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
اَلثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَها أثَرٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْلا هَذا الإعْلامُ لَكانَ رُبَّما أثَّرَتْ في قَلْبِ بَعْضِ مَن في إيمانِهِ ضَعْفٌ.
اَلثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا افْتَضَحُوا في هَذِهِ الحِيلَةِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنْ الإقْدامِ عَلى أمْثالِها مِنَ الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ.
3:73Page 59
وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣
And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ، أيْ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا تابِعًا لِشَرِيعَتِكم، لا مَن جاءَ بِغَيْرِها، أوْ: ولا تُؤْمِنُوا ذَلِكَ الإيمانَ المُتَقَدِّمَ، وهو إيمانُهم وجْهَ النَّهارِ، إلّا لِأجْلِ حِفْظِ أتْباعِكم وأشْياعِكم وبَقائِهِمْ عَلى دِينِكم: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو (p-٨٦٧)اَلْإسْلامُ وقَدْ جِئْتُكم بِهِ، وما عَداهُ ضَلالٌ، فَلا يَنْفَعُكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِنّا بَعْدَ أنْ هَدانا اللَّهُ. ثُمَّ وصَلَ بِهِ تَقْرِيعَهم فَقالَ: (أنْ) بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وتَقْدِيرُها في قِراءَةِ غَيْرِهِ، أيْ: دَعاكم الحَسَدُ والبَغْيُ حَتّى قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ ودَبَّرْتُمُوهُ الآنَ: ﴿يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والعِلْمِ والكِتابِ: ﴿أوْ﴾ كَراهَةَ أنْ: ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِالشَّهادَةِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم آمَنُوا وكَفَرْتُمْ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ فَيَفْضَحُكم: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ﴾ أيْ: بِإنْزالِ الآياتِ وغَيْرِها: ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَلا يُمْكِنُكم مَنعُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ العَطاءِ: ﴿عَلِيمٌ﴾
3:74Page 59
يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤
He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ فَيَزِيدُهُ فَضْلًا عَلَيْكم: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
3:75Page 59
۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ بِالمُطالَبَةِ والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ، فَلا يَبْعُدُ مِنهُ الخِيانَةُ مَعَ اللَّهِ بِكِتْمانِ ما أمَرَهُ بِإظْهارِهِ طَمَعًا في إبْقاءِ الرِّئاسَةِ والرِّشا عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عِلَّةَ الخِيانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلالُ والخِيانَةُ هو بِسَبَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ عِقابٌ ومُؤاخَذَةٌ (p-٨٦٨)فَهم يَخُونُونَ الخَلْقَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: في الِاعْتِذارِ عَنْهُ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَيَخُونُونَهُ أيْضًا: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ وافْتِراءٌ لِتَحْرِيمِ الغَدْرِ عَلَيْهِمْ. كَما هو في التَّوْراةِ. وقَدْ مَضى نَقْلُهُ في البَقَرَةِ في آيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] فارْجِعْ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences