Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:76–87
3:76Page 59
بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦
But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾
﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ (بَلى) إمّا لِإثْباتِ ما نَفَوْهُ مِنَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فالوَقْفُ حِينَئِذٍ عَلى (بَلى) وقْفُ التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ (بَلى) مَسَدَّها. وإمّا لِابْتِداءِ جُمْلَةٍ بِلا مُلاحَظَةِ كَوْنِها جَوابًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَلى) قَدْ تُذْكَرُ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ يُذْكَرُ بَعْدَها - كَما نَقَلَهُ الرّازِيُّ - وهَذا هو الَّذِي أرْتَضِيهِ. وإنْ اقْتَصَرَ (الكَشّافُ) ومُقَلِّدُوهُ عَلى الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرُوا في (نَعَمْ) أنَّها تَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ إذا وقَعَتْ صَدْرًا. نَحْوَ: نَعَمْ هَذِهِ أطْلالُهم، فَلْتَكُنْ (بَلى) كَذَلِكَ، فَإنَّهُما أخَوانِ، وإنْ تَخالَفا في صُوَرٍ، وعَلى هَذا فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى (بَلى) . والضَّمِيرُ في: ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إمّا لِاسْمِ (اللَّهِ) في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] عَلى مَعْنى: إنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِعَهْدِ اللَّهِ واتَّقاهُ في تَرْكِ الخِيانَةِ والغَدْرِ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وإمّا لـ: ﴿مَن أوْفى﴾ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ واتَّقاهُ فَإنَّهُ يُحِبُّهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ فَهَذا عامٌّ، يُخَيَّلُ أنَّهُ ولَوْ وفّى أهْلُ الكِتابِ بِعُهُودِهِمْ وتَرَكُوا (p-٨٦٩)اَلْخِيانَةَ لَكَسَبُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ. قُلْتُ: أجَلْ لِأنَّهم إذا وفَّوْا بِالعُهُودِ، وفَّوْا أوَّلَ شَيْءٍ بِالعَهْدِ الأعْظَمِ وهو ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم، ولَوْ اتَّقَوْا اللَّهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ لاتَّقَوْهُ في تَرْكِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وتَحْرِيفِ كَلِمِهِ. انْتَهى.
3:77Page 59
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧
Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ: يَسْتَبْدِلُونَ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما أخَذَهم عَلَيْهِ في كِتابِهِ، أوْ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم: ﴿وأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَقَدُوها بِالتِزامِ مُتابَعَةِ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِنَ الدُّنْيا الزّائِلَةِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لا نِسْبَةَ لِجَمِيعِها إلى أدْنى ما فَوَّتُوهُ: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ ثَوابٍ: ﴿لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ لِحَجْبِهِمْ عَنْ مَقاماتِ قُرْبِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ كَما يُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ، أوْ لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِالنّارِ. واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
اَلْأُولى: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدًا لِلَّهِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ حَلَفَ كاذِبًا، فَإنَّهُ قَدْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً.
الثّانِيَةُ: في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ شِدَّةِ سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ (p-٨٧٠)كَلامَهُ فَإنَّما ذَلِكَ بِسُخْطٍ عَلَيْهِ، وإذا سَخِطَ إنْسانٌ عَلى آخَرَ قالَ لَهُ: لا أُكَلِّمُكَ. وقَدْ يَأْمُرُ بِحَجْبِهِ عَنْهُ، ويَقُولُ: لا أرى وجْهَ فُلانٍ، وإذا جَرى ذِكْرُهُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِالجَمِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ. ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إسْماعُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أوْلِياءَهُ كَلامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ تَشْرِيفًا عالِيًا يَخْتَصُّ بِهِ أوْلِياءَهُ. ولا يُكَلِّمُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ والفُسّاقِ، وتَكُونُ المُحاسَبَةُ مَعَهم بِكَلامِ المَلائِكَةِ. ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى الآيَةِ لا يُكَلِّمُهم بِكَلامٍ يَسُرُّهم ويَنْفَعُهم، والكُلُّ حَسَنٌ.
الثّالِثَةُ: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى مالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْداقَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ». وفي رِوايَةٍ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةُ. فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الكِنْدِيُّ فَقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنا: كَذا وكَذا، فَقالَ: صَدَقَ، فِيَّ نَزَلَتْ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بِئْرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ» . قُلْتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا يُبالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هو فِيها فاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» ونَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ».
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وقالا: إنَّ الحُكُومَةَ كانَتْ بَيْنَ الأشْعَثِ وبَيْنَ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ.
(p-٨٧١)ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً وهو في السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ: لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ، لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وقَدَّمْنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا عِنْدَ آيَةِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] ما يُعْلَمُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ مِثْلِ هَذِهِ الرِّواياتِ، وأنَّهُ لا تَنافِيَ. فَتَذَكَّرْ.
3:78Page 60
وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨
And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ اليَهُودِ، عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ، أنَّ مِنهم فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ويُبَدِّلُونَ كَلامَ اللَّهِ، ويُزِيلُونَهُ عَنْ المُرادِ بِهِ، لِيُوهِمُوا الجَهَلَةَ أنَّهُ في كِتابِ اللَّهِ كَذَلِكَ، ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ، وهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ، وهم يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا وافْتَرَوْا في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم (p-٨٧٢)بِالكِتابِ، ويُحَرِّفُونَهُ. وهَكَذا رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم يُحَرِّفُونَ ويُزِيلُونَ. ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مَن كُتُبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَكِنَّهم يُحَرِّفُونَهُ: يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ، ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ويَقُولُونَ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنْ عَنى وهْبٌ ما بِأيْدِيهِمْ مِن ذَلِكَ، فَلا شَكَّ أنَّهُ قَدْ دَخَلَها التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ والزِّيادَةُ والنَّقْصُ. وأمّا تَعْرِيبُ ذَلِكَ المُشاهَدُ بِالعَرَبِيَّةِ، فَفِيهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ وزِياداتٌ كَثِيرَةٌ ونُقْصانٌ ووَهْمٌ فاحِشٌ. وهو مِن بابِ تَفْسِيرِ المُعْرَّبِ المُعَبِّرِ، وفَهْمُ كَثِيرٍ مِنهم فاسِدٌ. وأمّا إنْ عَنى كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي هي كُتُبُهُ مِن عِنْدِهِ، فَتِلْكَ كَما قالَ، مَحْفُوظَةٌ لَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ - انْتَهى - وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الإسْرائِيلِيّاتِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلَيْهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - بَيَّنَ افْتِراءَهم عَلى رُسُلِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
(p-٨٧٣)
3:79Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ ] ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ. وفي التَّعْبِيرِ بِبَشَرٍ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيْ: الفَهْمَ والعِلْمَ أوْ الحِكْمَةَ: ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنهُ تَعالى لِيَدْعُوَ النّاسُ إلى اللَّهِ بِتَرْكِ الأنْدادِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: الَّذِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ: اتَّخِذُونِي رَبًّا: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ﴾ يَقُولُ لَهم: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ: مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ لِاسْتِيلاءِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ وطَمْسِ البَشَرِيَّةِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ عامِلِينَ مُعَلِّمِينَ تالِينَ لَكُتُبَ اللَّهِ. أيْ: كُونُوا عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ، حَتّى تَصِيرُوا رَبّانِيِّينَ بِغَلَبَةِ النُّورِ عَلى الظُّلْمَةِ - أفادَهُ القاشانِيُّ -: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِ النّاسِ الكِتابَ ودِراسَتِهِ، أيْ: قِراءَتِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّكم إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ.
3:80Page 60
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِالعَوْدِ إلَيْهِ وقَدْ بُعِثَ لِمَحْوِ الشِّرْكِ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِقْرارِكم عَلى الإسْلامِ.
(p-٨٧٤)تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: إذا كانَ ما ذُكِرَ في الآيَةِ لا يَصْلُحُ لِنَبِيٍّ ولا لِمُرْسَلٍ، فَلَأنْ لا يَصْلُحَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ غَيْرَهم، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى.
ولِهَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا يَنْبَغِي هَذا لِمُؤْمِنٍ، أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانَ يَعْبُدُ بَعْضُهم بَعْضًا - يَعْنِي: أهْلَ الكِتابِ - كانُوا يَعْبُدُونَ أحْبارَهم ورُهْبانَهم، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةُ، وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ - كَما سَيَأْتِي - «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَبَدُوهم. قالَ: بَلى، إنَّهم أحَلُّوا لَهم الحَرامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الحَلالَ، فاتَّبَعُوهم، فَذَلِكَ عِبادَتُهم إيّاهم». فالجَهَلَةُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ومَشايِخِ الضَّلالِ يَدْخُلُونَ في هَذا الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، بِخِلافِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ مِنَ العُلَماءِ العامِلِينَ، فَإنَّهم إنَّما يَأْمُرُونَ بِما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ الرُّسُلُ الكِرامُ، وإنَّما يَنْهَوْنَهم عَمّا نَهاهم اللَّهُ عَنْهُ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ رُسُلُهُ الكِرامُ - قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .
اَلثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ باعِثٍ لِمَن عَلَّمَ عَلى أنْ يَعْمَلَ، وأنَّ مِن أعْظَمِ العَمَلِ بِالعِلْمِ تَعْلِيمُهُ والإخْلاصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. والدِّراسَةُ: مُذاكَرَةُ العِلْمِ والفِقْهِ. فَدَلَّتْ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَن اشْتَغَلَ بِها، لا لِهَذا المَقْصُودِ، فَقَدْ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ، وكانَ مَثَلُهُ مَثَلُ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها، ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها، ولِهَذا قالَ ﷺ: ««نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ»» كَذا في فَتْحِ البَيانِ والرّازِيِّ.
(p-٨٧٥)اَلثّالِثُ: قُرِئَ في السَّبْعِ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: ولا يَأْمُرُكم اللَّهُ أوْ النَّبِيُّ، وبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، (ولا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ.
3:81Page 60
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١
And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾
[ لَمْ يُفَسِّرْ العَلّامَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ]
3:82Page 60
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢
And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢ ] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإْظْهارًا لِعِنادِهِمْ. ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهم الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، وإنْ كانَ ناسِخًا لِبَعْضِ أحْكامِهِمْ بِما دَلَّتْ (p-٨٧٦)اَلْحِكْمَةُ عَلى اقْتِضاءِ الزَّمانِ ذَلِكَ، آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ أيْضًا، مُبالَغَةً في تَشْهِيرِ أمْرِهِ. ولا يَمْنَعُهم ما هم فِيهِ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ واتِّباعِ شَرْعِهِ ونَصْرِهِ. وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ، وحَكَمَ بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِفَتْحِ اللّامِ مِن: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] وكَسْرِها، فَعَلى الأوَّلِ هي مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، و(ما) حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ، و: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ [آل عمران: ٨١] سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِوالشَّرْطِ. وتَحْتَمِلُ المَوْصُولَةَ بِمَعْنى (لَلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ( وعَلى الثّانِي، أعْنِي: كَسْرَ اللّامِ فـ: ( ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم الكِتابَ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَكم غَيْرِ مُخالِفٍ، أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولِتَنْصُرُنَّهُ. وإمّا مَوْصُولَةٌ والمَعْنى: أخْذُهُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ، وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٨١] أيْ: يا أنْبِياءُ، بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، بِالإقْرارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ ومَن أمْعَنَ في نَهْجِ الآيَةِ عَلِمَ أنَّ هَذا المِيثاقَ قَدْ بُولِغَ في شَأْنِهِ غايَةَ المُبالَغَةِ، وإذا كانَ هَذا الإيجابُ مَعَ الأنْبِياءِ، فَمَعَ أُمَمِهِمْ أوْلى. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ، لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، وهو حَيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ المِيثاقَ عَلى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرُنَّهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا لا يُضادُّ ما قالَهُ طاوُسٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَلْ يَسْتَلْزِمُهُ ويَقْتَضِيهِ، ولِهَذا رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ مِثْلَ قَوْلِ عَلَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. - انْتَهى - .
ومِن أثَرِ عَلَيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا - فَهْمُ بَعْضِ العُلَماءِ اخْتِصاصَ هَذا المِيثاقِ بَنَبِيِّنا ﷺ كَما نَقَلَ القاضِي عِياضٌ في (الشِّفاءِ) عَنْ أبِي الحَسَنِ القابِسِيِّ قالَ: اسْتَخَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِفَضْلٍ لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ أبانَهُ بِهِ، وهو ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى. وقَدْ عَلِمْتَ المُرادَ.
بَقِيَ أنَّ الإمامَ أبا مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: أُمَمِهِمْ، وعِبارَتُهُ: ظاهَرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهم يَجِبُ (p-٨٧٧)عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وكُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكُونُونَ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زُمْرَةِ الأمْواتِ، والمَيِّتُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَلَمّا كانَ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمْ المِيثاقَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، ولا يُمْكِنُ إيجابُ الإيمانِ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ لَيْسُوا هم النَّبِيِّينَ، بَلْ هم أُمَمُ النَّبِيِّينَ. قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمْ المِيثاقَ، أنَّهم لَوْ تَوَلَّوْا لَكانُوا فاسِقِينَ، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وإنَّما يَلِيقُ بِالأُمَمِ، أجابَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الأنْبِياءَ لَوْ كانُوا في الحَياةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُشْرِكُ قَطُّ، ولَكِنْ خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والفَرْضِ، فَكَذا هُنا. وقالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وبِأنَّهم: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] فَكُلُّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَكَذا هَهُنا.
ونَقُولُ إنَّهُ سَمّاهم فاسِقِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي، فَإنَّ اسْمَ الفِسْقِ لَيْسَ أقْبَحَ مِن اسْمِ الشِّرْكِ، (p-٨٧٨)وقَدْ ذَكَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فَكَذا هَهُنا - نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَرْعٌ شَرَعَهُ وأوْجَبَهُ عَلى جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ:
3:83Page 60
أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣
So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ ] ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ: اسْتَسْلَمَ لَهُ مَن فِيهِما بِالخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِمُرادِهِ، والجَرْيِ تَحْتَ قَضائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]
فالمُؤْمِنُ مُسْتَسْلِمٌ بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ لِلَّهِ، والكافِرُ مُسْتَسْلِمٌ لَهُ كَرْهًا، فَإنَّهُ تَحْتَ التَّسْخِيرِ والقَهْرِ والسُّلْطانِ العَظِيمِ الَّذِي لا يُخالَفُ ولا يُمانَعُ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، والجُمْلَةُ سِيقَتْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
(p-٨٧٩)
3:84Page 61
قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤
Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِالإيمانِ بِالبَعْضِ والكُفْرِ بِالبَعْضِ، كَدَأْبِ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ فَلا نَتَّخِذُ أرْبابًا مِن دُونِهِ.
لَطِيفَةٌ:
نُكْتَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: (آمَنّا) بَعْدَ الإفْرادِ في: (قُلْ) كَوْنُ الأمْرِ عامًّا، والإفْرادُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإيذانُ بِأنَّهُ أصْلٌ في ذَلِكَ. أوْ الأمْرُ خاصٌّ بِالإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ خاصَّةً. والجَمْعُ لِإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِهِ ورِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِأمْرِهِ، بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى دَيْدَنِ المُلُوكِ.
ثانِيَةٌ:
عَدّى أنْزَلَ هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفي البَقَرَةِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ، إذْ الوَحْيُ يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ ويَنْتَهِي إلى الرَّسُولِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ، وقالَ صاحِبُ (اللُّبابِ): الخِطابُ في البَقَرَةِ لِلْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: (قُولُوا) . فَلَمْ يَصِحَّ إلّا (إلى) لِأنَّ الكُتُبَ مُنْتَهِيَةٌ إلى الأنْبِياءِ وإلى أُمَّتِهِمْ جَمِيعًا. وهُنا قالَ (قُلْ)، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، فَكانَ اللّائِقُ بِهِ (عَلى) لِأنَّ الكُتُبَ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ لا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِيها.
وفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] - أفادَهُ النَّسَفِيُّ - .
(p-٨٨٠)
3:85Page 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥ ] ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ أيْ: يَطْلُبُ: ﴿غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ أيْ: غَيْرَ التَّوْحِيدِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى. كَدَأْبِ المُشْرِكِينَ صَرِيحًا. والمُدَّعِينَ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ إشْراكِهِمْ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدْ لِأمْرِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»»: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِضَلالِهِ وُجُوهَ الهِدايَةِ في الدُّنْيا.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: والمَعْنى: أنَّ المُعْرِضَ عَنْ الإسْلامِ والطّالِبَ لِغَيْرِهِ فاقِدٌ لِلنَّفْعِ، واقِعٌ في الخُسْرانِ، بِإبْطالِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها. وفي تَرْتِيبِ الرَّدِّ والخُسْرانِ عَلى مُجَرَّدِ الطَّلَبِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ حالَ مَن تَدَيَّنَ بِغَيْرِ الإسْلامِ واطْمَأنَّ بِذَلِكَ - أفْظَعُ وأقْبَحُ - انْتَهى - .
3:86Page 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٦ ] ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يُرْشِدَهم اللَّهُ لِلصَّوابِ ويُوَفِّقَهم. فَإنَّ الحائِدَ عَنْ الحَقِّ، بَعْدَ ما وضَحَ لَهُ، مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ، بَعِيدٌ عَنْ الرَّشادِ. وقِيلَ: نَفْيٌ وإنْكارٌ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم (p-٨٨١)طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩] والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ إمّا أهْلُ الكِتابِ، والمُرادُ كُفْرُهم بِالرَّسُولِ ﷺ حِينَ جاءَهم، بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، إذْ رَأوْهُ في كُتُبِهِمْ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ وبَعْدَ شَهادَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ رِسالَتِهِ لِكَوْنِهِمْ عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وجاءَهم البَيِّناتُ عَلى صِدْقِهِ الَّتِي آمَنُوا لِمَثَلِها ولِما دُونَها بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. فَظَلَمُوا بِحَقِّهِ الثّابِتِ بِبَيِّناتِهِ وتَصْدِيقِهِ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ، وإمّا المَعْنِيُّ بِالآيَةِ مَن ارْتَدَّ بَعْدَ إيمانِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ كَما سَنَذْكُرُهُ.
3:87Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَعِيدَ عَلى كُلٍّ بِقَوْلِهِ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧ ] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ: ﴿جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدَهُ وغَضَبَهُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ إمّا المُؤْمِنِينَ أوْ العُمُومِ، فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences