Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:88–95
3:88Page 61
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨ ] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ أوْ العُقُوبَةِ أوْ النّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما. والتَّخْلِيدُ في اللَّعْنَةِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ تَلْعَنُهم المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ، أوْ بِمَعْنى الخُلُودِ في أثَرِ اللَّعْنِ، لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعَبَّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠١] - أفادَهُ الرّازِيُّ -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ نَظَرُ رَحْمَةٍ إلَيْهِمْ.
(p-٨٨٢)
3:89Page 61
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩ ] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ: وضَمُّوا إلى التَّوْبَةِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ. وفِيهِ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يُضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ. وهَذا مِن لُطْفِهِ وبِرِّهِ ورَأْفَتِهِ وعائِدَتِهِ عَلى خَلْقِهِ: أنَّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ. وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، ولَحِقَ بِالشِّرْكِ ثُمَّ نَدِمَ، فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ: أرْسِلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وهَكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ. وقالَ الحاكِمُ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جاءَ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فَأسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ كَفَرَ الحارِثُ فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ: فَحَمَلَها إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ الحارِثُ: إنَّكَ واَللَّهِ، ما عَلِمْتُ، لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ، فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ.
قالَ ابْنُ سَلامَةَ: فَصارَتْ فِيهِ تَوْبَةً، وفي كُلِّ نادِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ جَوازُ لَعْنِ الكُفّارِ، وسَواءٌ كانَ الكافِرُ مُعَيَّنًا (p-٨٨٣)أوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، عَلى ظاهِرِ الأدِلَّةِ. وقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: ظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ. وأشارَ الغَزالِيُّ إلى تَحْرِيمِهِ إلّا في حَقِّ مَن أعْلَمَنا اللَّهُ أنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ. كَأبِي لَهَبٍ وأبِي جَهْلٍ وفِرْعَوْنَ وهامانَ وأشْباهِهِمْ. قالَ: لِأنَّهُ لا يُدْرى بِما يُخْتَمُ لَهُ. وأمّا الَّذِينَ لَعَنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأعْيانِهِمْ يَجُوزُ أنَّهُ ﷺ عَلِمَ مَوْتَهم عَلى الكُفْرِ. وأمّا ما ورَدَ في التِّرْمِذِيَّ عَنْهُ ﷺ: ««لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعّانِ ولا اللَّعّانِ ولا الفاحِشِ البَذِيِّ»» . فَقِيلَ: اللَّعّانُ مِثْلُ الضَّرّابِ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى: لا يَعْتادُ اللَّعْنَ حَتّى يَكْثُرَ مِنهُ. ومِن ثَمَراتِ الآيَةِ صِحَّةُ التَّوْبَةِ مِنَ الكافِرِ والعاصِي بِالرِّدَّةِ وغَيْرِها، وذَلِكَ إجْماعٌ، إلّا تَوْبَةَ المُرْتَدِّ، فَفِيها خِلافٌ شاذٌّ، فَعِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ أنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ لِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ - رَواهُ عَنْهُ في (شَرْحِ الإبانَةِ) قِيلَ: وهو غَلَطٌ. ولِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٧] فَأثْبَتَ إيمانًا بَعْدَ كُفْرٍ تَقَدَّمَهُ إيمانٌ. ولَوْ تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ أيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ: إذا ارْتَدَّ في الدُّفْعَةِ الثّالِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. أيْ: لِظاهِرِ آيَةِ النِّساءِ - انْتَهى - قُلْتُ: وفي (زادِ المُسْتَقْنِعِ) و (شَرْحِهِ): مِن فِقْهِ الحَنابِلَةِ ما نَصُّهُ: ولا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ بَلْ يُقْتَلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقِيدَتِهِ وقِلَّةِ مُبالاتِهِ بِالإسْلامِ - انْتَهى - وهو قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ إسْحاقَ، وحَكى في (فَتْحِ البارِي) مِثْلَهُ عَنْ اللَّيْثِ وعَنْ أبِي إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ مِن أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ.
(p-٨٨٤)
3:90Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الحَقِّ وأخْطَأُوا مِنهاجَهُ، وقَدْ أشْكَلَ عَلى كَثِيرٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَقْبُولَةٌ كَما في الآيَةِ قَبْلَها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وغَيْرُ ذَلِكَ، فَأجابُوا: بِأنَّ المُرادَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ. قالَ الواحِدِيُّ في (الوَجِيزِ): لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وتِلْكَ التَّوْبَةُ لا تُقْبَلُ. - انْتَهى - . أيْ: كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةُ. وقِيلَ: عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ، أيْ: لا يَتُوبُونَ. كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وإنَّما كَنّى بِذَلِكَ تَغْلِيظًا في شَأْنِهِمْ وإبْرازًا لِحالِهِمْ في صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَوْبَتَهم لا تَكُونُ إلّا نِفاقًا لِارْتِدادِهِمْ وازْدِيادِهِمْ كُفْرًا. وبَقِيَ لِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ أُخْرى، هي في التَّأْوِيلِ أبْعَدُ مِمّا ذُكِرَ. (p-٨٨٥)ولا أرى هَذِهِ الآيَةَ إلّا كَآيَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] إلَخْ. وكِلاهُما مِمّا يَدُلُّ صَراحَةً عَلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ إسْحاقُ وأحْمَدُ كَما قَدَّمْنا، وذَلِكَ لِرُسُوخِهِ في الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها يُسْتَفادُ مِنها أنَّ الكَفَرَةَ قِسْمانِ في بابِ العِنادِ، وعِبارَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] أنْكَرَ تَعالى هِدايَتَهُ لِقَوْمٍ قَدْ هَداهم أوَّلًا بِالنُّورِ الِاسْتِعْدادِيِّ إلى الإيمانِ، ثُمَّ بِالنُّورِ الإيمانِيِّ إلى أنْ عايَنُوا حَقِّيَّةَ الرَّسُولِ وأيْقَنُوا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم (كَذا) . وانْضَمَّ إلَيْهِ الِاسْتِدْلالُ العَقْلِيُّ بِالبَيِّناتِ، ثُمَّ ظَهَرَتْ نَفْسُهم بَعْدَ هَذِهِ الشَّواهِدِ كُلِّها بِالعِنادِ واللَّجاجِ وحَجَبَتْ أنْوارَ قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأرْواحِهِمْ الشّاهِدَةِ ثَلاثَتُها بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، لِشُؤْمِ ظُلْمِهِمْ وقُوَّةِ اسْتِيلاءِ نُفُوسِهِمْ الأمّارَةِ عَلَيْهِمْ الَّذِي هو غايَةُ الظُّلْمِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] لِغِلَظِ حِجابِهِمْ وتَعَمُّقِهِمْ في البُعْدِ عَنْ الحَقِّ وقَبُولِ النُّورِ. وهم قِسْمانِ:
قِسْمٌ رَسَخَتْ هَيْئَةُ اسْتِيلاءِ النُّفُوسِ الأمّارَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ فِيهِمْ وتَمَكَّنَتْ، وتَناهَوْا في الغَيِّ والِاسْتِشْراءِ، وتَمادَوْا في البُعْدِ والعِنادِ، حَتّى صارَ ذَلِكَ مَلَكَةً لا تَزُولُ. وقِسْمٌ لَمْ يَرْسُخْ ذَلِكَ فِيهِمْ بَعْدُ، ولَمْ يَصِرْ عَلى قُلُوبِهِمْ رَيْنًا، ويَبْقى مِن وراءِ حِجابِ النَّفْسِ مَسْكَةٌ مِن نُورِ اسْتِعْدادِهِمْ، عَسى أنْ تَتَدارَكَهم رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَوْفِيقٌ فَيَنْدَمُوا ويَسْتَجِيبُوا بِحُكْمِ غَرِيزَةِ العُقُولِ. فَأشارَ إلى القِسْمِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى آخِرِهِ، وإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] بِالمُواظَبَةِ عَلى الأعْمالِ والرِّياضاتِ، ما أفْسَدُوا - انْتَهى - .
3:91Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩١ ] ﴿(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا (p-٨٨٦)ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ)﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يُقالُ لِلرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قالَ: فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ أرَدْتُ مِنكَ أهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قَدْ أخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأبَيْتَ إلّا أنْ تُشْرِكَ»» ! وفي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! خَيْرَ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّ، فَيَقُولُ: ما أسْألُ ولا أتَمَنّى إلّا أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ - لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ - ويُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! شَرَّ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْتَدِي مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! نَعَمْ. فَيَقُولُ: كَذَبْتَ ! قَدْ سَألْتُكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ وأيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَيُرَدُّ إلى النّارِ»» . ولِهَذا قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: مِن مُنْقِذٍ مِن عَذابِ اللَّهِ ولا مُجِيرٍ مِن ألِيمِ عِقابِهِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ صاحِبُ (الِانْتِصافِ): إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ (p-٨٨٧)تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ، يُعْطَفُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ المُقْتَرِنَةُ بِهِ ضَرُورَةً. والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى. مِثالُهُ: قَوْلُكَ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتْ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ، عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى. ومِنهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] مَعْناهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ -: لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ، فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى ما هو أسْهَلُ وأوْلى بِالوُجُوبِ، فَإذا تَبَيَّنَ مُقْتَضى الواوِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ وجَدْتَ آيَةَ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ ظاهِرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا، يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ، وهي حالَةُ افْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، هي حالَةٌ أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَلِذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ بِمَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدٍ مِنهم فِدْيَةٌ ولَوْ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا. حَتّى تَبِينَ حالَةٌ أُخْرى يَكُونُ الِافْتِداءُ الخاصُّ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هو أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَإذا انْتَفى حَيْثُ كانَ أوْلى فَلَأنْ يَنْتَفِيَ فِيما عَدا هَذِهِ الحالَةِ أوْلى؛ فَهَذا كُلُّهُ بَيانٌ لِلْباعِثِ لَهُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ. وأمّا تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلَيْهِ فَعَسِرٌ جِدًّا، فالأوْلى ذِكْرُ وجْهٍ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ الآيَةِ عَلَيْهِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ وأقْرَبِ مَأْخَذٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَنَقُولُ: قَبُولُ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا يَكُونُ عَلى أحْوالٍ:
مِنها: أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ عَلى وجْهِ القَهْرِ فِدْيَةٌ عَنْ نَفْسِهِ كَما تُؤْخَذُ الدِّيَةُ قَهْرًا مِن مالِ القاتِلِ عَلى قَوْلٍ.
(p-٨٨٨)ومِنها: أنْ يَقُولَ المُفْتَدِي في التَّقْدِيرِ: أفْدِي نَفْسِي بِكَذا - وقَدْ لا يَفْعَلُ - .
ومِنها: أنَّ يَقُولَ هَذا القَوْلَ ويُنْجِزَ المِقْدارَ الَّذِي يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ ويَجْعَلَهُ حاضِرًا عَتِيدًا، وقَدْ يُسَلِّمُهُ مَثَلًا لِمَن يَأْمَنُ مِنهُ قَبُولَ فِدْيَتِهِ.
وإذا تَعَدَّدَتْ الأحْوالُ فالمُرادُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهو أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا افْتِداءً مُحَقَّقًا، بِأنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ ويُنْجِزَهُ اخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ. فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَيَكُونُ دُخُولُ الواوِ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرُ لا يَنْفَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ. وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مَكْشُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] - واَللَّهُ أعْلَمُ - وهَذا كُلُّهُ تَسْجِيلٌ بِأنَّهُ لا مَحِيصَ ولا مُخَلِّصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهم أعْجَزُ عَنْ الفَلْسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. ونَظِيرُ هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ الأمْثِلَةِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي هَذِهِ. فَتَأمَّلْ هَذا النَّظَرَ فَإنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ واَللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ - انْتَهى - .
وثَمَّةَ وجْهٌ ثانٍ وهو أنَّ المُرادَ: ولَوْ افْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في تِلْكَ الآيَةِ، فالمَعْنى لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً، ولَوْ زِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ. وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، تُرِيدُ: مِثْلُهُ. وقَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لَها، أيْ: ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ. كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ. وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي الكَلامُ عَلى التَّأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ نَبَّهَ بِعَدَمِ قَبُولِ مِثْلَيْ مِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا عَلى عَدَمِ قَبُولِ مِلْئِها مَرَّةً واحِدَةً بِطَرِيقِ الأوْلى.
(p-٨٨٩)ووَجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ لا يُحْمَلَ (مِلْءُ الأرْضِ) أوَّلًا عَلى الِافْتِداءِ بَلْ عَلى التَّصَدُّقِ، ولا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبِيلِ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ، بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ، ويَكُونُ المَعْنى: لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوْ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. وضَمِيرُ بِهِ لِلْمالِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الواوَ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. فَتَبَصَّرْ.
3:92Page 62
لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢
Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ سِيقَ لِبَيانِ ما يَنْفَعُهم ويُقْبَلُ مِنهم، إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكَفَرَةَ ولا يُقْبَلُ مِنهم، أيْ: لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ، وتَلْحَقُوا بِزُمْرَةِ الأبْرارِ. بِناءً عَلى أنَّ تَعْرِيفَ البِرِّ لِلْجِنْسِ. أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو ثَوابُهُ وجَنَّتُهُ، إذا كانَ لِلْعَهْدِ، حَتّى تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِمّا تُحِبُّونَ، أيْ: تَهْوَوْنَهُ ويُعْجِبُكم مِن كَرائِمِ أمْوالِكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِ المَدِينَةِ مالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٨٩٠)يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ. قالَ أنَسٌ: فَلَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قامَ أبُو طَلْحَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ. فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ» قالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ». فَقَسَمُها أبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ – (وبَيْرُحا يُرْوى بِكَسْرِ الباءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها والمَدِّ والقَصْرِ، وهو اسْمُ حَدِيقَةٍ بِالمَدِينَةِ - وفي الفائِقِ: إنَّها فَيْعَـلى مِنَ البَراحِ، وهو الأرْضُ الظّاهِرَةُ. وبَخٍ بَخٍ: كَلِمَةُ اسْتِحْسانٍ ومَدْحٍ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ، ورابِحٌ بِالمُوَحَّدَةِ: أيْ: ذُو رِبْحٍ، وبِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: يَرُوحُ عَلَيْكَ نَفْعُهُ وثَوابُهُ) .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنْفَسُ عِنْدِي مِن سَهْمِي الَّذِي هو بِخَيْبَرَ، فَما تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قالَ: «حَبِّسْ الأصْلَ وسَبِّلْ الثَّمَرَةَ»» .
ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ، فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ: هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ، لَنَكَحْتُها. يَعْنِي: تَزَوَّجْتُها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ القاشانِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ فِعْلٍ يُقَرِّبُ صاحِبَهُ مِنَ اللَّهِ فَهو بِرٌّ، ولا يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ إلّا بِالتَّبَرُّؤِ عَمّا سِواهُ، فَمَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ حُجِبَ عَنْ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وأشْرَكَ شِرْكًا خَفِيًّا، لِتَعَلُّقِ مَحَبَّتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿(ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم (p-٨٩١)كَحُبِّ اللَّهِ)﴾ [البقرة: ١٦٥] وآثَرَ نَفْسَهُ بِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ بَعُدَ مِنَ اللَّهِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: وهي مَحَبَّةُ غَيْرِ الحَقِّ، والشِّرْكُ، وإيثارُ النَّفْسِ عَلى الحَقِّ؛ فَإنْ آثَرَ اللَّهَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ وتَصَدَّقَ بِهِ وأخْرَجَهُ مِن يَدِهِ فَقَدْ زالَ البُعْدُ، وحَصَلَ القُرْبُ، وإلّا بَقِيَ مَحْجُوبًا، وإنْ أنْفَقَ مِن غَيْرِهِ أضْعافَهُ، فَما نالَ بِرًّا لِعِلْمِهِ تَعالى بِما يُنْفِقُ وبِاحْتِجابِهِ بِغَيْرِهِ.
﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَمُجازِيكم عَلَيْهِ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، جَيِّدًا أوْ غَيْرَهُ.
3:93Page 62
۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣
All food was lawful to the Children of Israel except what Israel [i.e., Jacob] had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muḥammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٣ ] ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَّوْراةِ، وتَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنها لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لَمْ يُحَرَّمْ مِنها شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ المَطْعُومِ الواحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ أبُوهم إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَتَبِعُوهُ عَلى تَحْرِيمِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: رُوِيَ، فِيما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أنَّهُ لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في قِصَّةٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ العُرُوقُ. قالُوا: كانَ يَعْتَرِيهِ عِرْقُ النَّسا بِاللَّيْلِ فَيُزْعِجُهُ، فَنَذَرَ لَئِنْ عُوفِيَ لا يَأْكُلُ عِرْقًا، ولا يَأْكُلُ ولَدُهُ ما لَهُ عِرْقٌ، فاتَّبَعَهُ بَنُوهُ في إخْراجِ العُرُوقِ مِنَ اللَّحْمِ (p-٨٩٢)اسْتِنانًا بِهِ، واقْتِداءً بِطَرِيقِهِ، قالَ الرّازِيُّ: ونَقَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا خَرَجَ مِن حَرّانَ إلى كَنْعانَ، بَعَثَ بُرُدًا إلى أخِيهِ عِيسُو إلى أرْضِ ساعِيرَ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلَيْهِ وقالَ: إنْ عِيسُو هو ذا يَتَلَقّاكَ ومَعَهُ أرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَذُعِرَ يَعْقُوبُ وحَزِنَ جِدًّا، فَصَلّى ودَعا، وقَدَّمَ هَدايا لِأخِيهِ، وذَكَرَ القِصَّةَ، إلى أنْ ذَكَرَ المَلِكَ الَّذِي لَقِيَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَدَنا ذَلِكَ الرَّجُلُ، ووَضَعَ إصْبَعَهُ عَلى مَوْضِعِ عِرْقِ النَّسا، فَخَدِرَتْ تِلْكَ العُصْبَةُ وجَفَّتْ، فَمِن أجْلِ هَذا لا يَأْكُلُ بَنُو إسْرائِيلَ العُرُوقَ - انْتَهى - قُلْتُ: والقِصَّةُ مَسُوقَةٌ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ.
اَلثّانِي: التَّحْرِيمُ المَذْكُورُ، عَلى الرِّوايَةِ الأُولى، أعْنِي لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَكانَ تَبَرُّرًا وتَعَبُّدًا وتَزَهُّدًا وقَهْرًا لِلنَّفْسِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ الحَقِّ تَعالى. وعَلى الثّانِيَةِ: فَإمّا وفاءٌ بِالنَّذْرِ وإمّا تَداوِيًا،وإمّا لِكَوْنِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ تَعافُهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ - فالتَّحْرِيمُ بِمَعْنى الِامْتِناعِ.
اَلثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وتَكْذِيبٌ لَهم حَيْثُ أرادُوا بَراءَةَ ساحَتِهِمْ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وجُحُودِ ما غاظَهم واشْمَأزُّوا مِنهُ، وامْتَعَضُوا مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ لِبَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ. فَقالُوا: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وما هو إلّا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، كانَتْ مُحَرَّمَةً (p-٨٩٣)عَلى نُوحٍ وعَلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وهَلُمَّ جَرًّا. إلى أنْ انْتَهى التَّحْرِيمُ إلَيْنا فَحُرِّمَتْ عَلَيْنا كَما حُرِّمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا. وغَرَضُهم تَكْذِيبُ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالبَغْيِ والظُّلْمِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وأكْلِ الرِّبا وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وما عَدَّدَ مِن مَساوِئِهِمْ - انْتَهى - .
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ - وفي أمْرِهِ ﷺ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمْ ويَبْكَتَهم بِما هو ناطِقٌ بِهِ، مِن أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ حادِثٌ لا قَدِيمٌ، كَما يَدَّعُونَهُ - أعْظَمُ بُرْهانٍ عَلى صِدْقِهِ وكَذِبِهِمْ إذْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى إخْراجِ التَّوْراةِ. فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ.
3:94Page 62
فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩٤
And whoever invents about Allāh untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٤ ] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
﴿فَمَنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ وغَيْرِها: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهم تَعالى ويُعَذِّبُهم.
3:95Page 62
قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٥
Say, "Allāh has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٥ ] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ: ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمْ الكاذِبُونَ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن آمَنَ مَعَهُ، واَلَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي ورَّطَتْكم في فَسادِ دِينِكم ودُنْياكم حَيْثُ اضْطَرَّتْكم إلى تَحْرِيفِ كِتابِ اللَّهِ لِتَسْوِيَةِ أغْراضِكم، وألْزَمْتُكم تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ولِمَن تَبِعَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ الأدْيانِ الزّائِفَةِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِما في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مِن شِرْكِ إثْباتِ الوَلَدِ أوْ إلَهِيَّةِ عِيسى، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ، وما كانَ يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ؟ ! .
(p-٨٩٤)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences