Al-QasimiAr‑Rum · 30:46–60

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:46–60

30:46–47Page 409

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦

And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦ - ٤٧] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]

(p-٤٧٨٦)﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ: ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِتِجارَةِ البَحْرِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ بِمَن قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لَهُ، والوَعِيدَ لِمَن عَصاهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] تَعْظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَفْعٌ مِن شَأْنِهِمْ، وتَأْهِيلٌ لِكَرامَةِ سُنِّيَّةٍ، وإظْهارٌ لِفَضْلِ سابِقَةٍ ومَزِيَّةٍ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهُمْ، مُسْتَوْجِبِينَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهم ويُظْفِرَهم.

30:48–50Page 409

ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨

It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice

وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩

Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.

فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠

So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨ - ٥٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] .

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إمّا سائِرًا وواقِفًا، مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ، مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا تارَةً أُخْرى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٤٩] أيِ: المَطَرُ: (p-٤٧٨٧)﴿مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أيْ: لَآيِسِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِهِ، مِن بابِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَّوْكِيدِ فِيهِ، الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهُمْ، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى.

وعَكَسَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ.

قالَ الشِّهابُ: وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدُهُ دالٌّ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] أيْ: أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٥٠] أيِ: العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]

30:51–53Page 410

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١

But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1

فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢

So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١ - ٥٣] ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣]

﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ عَلى الزَّرْعِ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِن تَأْثِيرِها فِيهِ: ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ يَجْحَدُونَ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، أوْ يَقْنَطُونَ ولا يَصْبِرُونَ عَلى بَلائِهِ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ، وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ، وسُوءِ رَأْيِهِمْ- ما لا يَخْفى.

(p-٤٧٨٨)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الزَّرْعِ بَعْدَ اصْفِرارِهِ، وقَدْ رَأى قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، فَهو مَيِّتٌ لا يُمْكِنُ إسْماعُهُ خَبَرَ إحْياءِ المَوْتى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] أيْ: لِما أنَّ هَؤُلاءِ مِثْلُهُمْ، لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتَيِ السُّوءِ، نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما، لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما؟ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ: ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أيْ: مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ، بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ومُعاتَبَتِهِ إيّاهم وتَقْرِيعِهِ لَهُمْ، حَتّى قالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن قَوْمٍ قَدْ جِيفُوا؟ فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ، مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يُجِيبُونَ»» . وتَأوَّلَتْهُ عائِشَةُ عَلى أنَّهُ قالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ.

وقالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى سَمِعُوا مَقالَتَهُ، تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ونِقْمَةً.

ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ، كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»» . انْتَهى.

وقالَ ابْنُ الهُمامِ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوَها، (p-٤٧٨٩)ولِذا لَمْ يَقُولُوا: بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ ﷺ في أهْلِ القَلِيبِ ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»» وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أنْكَرَتْهُ، وأُخْرى بِأنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ لَهُ، أوْ أنَّهُ تَمْثِيلٌ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما في مُسْلِمٍ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. إلّا أنْ يَخُصَّ بِأوَّلِ الوَضْعِ في القَبْرِ، مُقَدِّمَةً لِلسُّؤالِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ. نَقَلَهُ الشِّهابُ.

30:54–55Page 410

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤

Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥

And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤ - ٥٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] .

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الضّادِ وضَمِّها؛ أيْ: مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ هو النُّطْفَةُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يَعْنِي حالَ الطُّفُولَةِ والنَّشْءِ: ﴿قُوَّةً﴾ يَعْنِي حالَ البُلُوغِ والشَّبِيبَةِ إلى الِاكْتِهالِ وبُلُوغِ الأشُدِّ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ أيْ: بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ، ومِنها هَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي يَتَقَلَّبُ بِها الإنْسانُ: ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ أيِ: الواسِعُ العِلْمِ والقُدْرَةِ، كَيْفَ؟ وهَذا التَّرْدِيدُ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ والتَّغْيِيرُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، أظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى عِلْمِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، المُسْتَتْبِعِ انْفِرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: في الدُّنْيا أوِ القُبُورِ، وإنَّما يُقَدِّرُونَ وقْتَ لَبْثِهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ اسْتِقْصارِهِمْ لَهُ، أوْ يَنْسَوْنَ أوْ يَكْذِبُونَ أوْ يُخَمِّنُونَ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ في الدُّنْيا، وهَكَذا كانُوا يَبُتُّونَ أمْرَهم عَلى خِلافِ الحَقِّ. كَذا في (الكَشّافِ).

(p-٤٧٩٠)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ جَهْلِ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآخِرَةِ يَكُونُ مِنهم جَهْلٌ عَظِيمٌ أيْضًا، فَمِنهُ إقْسامُهم بِاللَّهِ أنَّهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ واحِدَةٍ في الدُّنْيا، ومَقْصُودُهم بِذَلِكَ عَدَمُ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا حَتّى يُعْذَرَ إلَيْهِمُ. انْتَهى.

وقالَ الشِّهابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] تَشابُهُ حالَيْهِمْ في الكَذِبِ، وعَدَمِ الرُّجُوعِ إلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ لِأنَّ مَدارَ أمْرِهِمْ عَلى الجَهْلِ والباطِلِ، والغَرَضُ مِن سَوْقِ الآيَةِ، وصْفُ المُجْرِمِينَ بِالتَّمادِي في الباطِلِ، والكَذِبِ الَّذِي ألِفُوهُ. انْتَهى.

وقِيلَ: كانَ قَسَمُهُمُ اسْتِقْلالًا لِأجْلِ الدُّنْيا، لَمّا عايَنُوا الآخِرَةَ، تَأسُّفًا عَلى ما أضاعُوا في الدُّنْيا.

30:56–57Page 410

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦

But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧

So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦ - ٥٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] .

﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ رَدًّا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ، وإطْلاعًا لَهم عَلى الحَقِيقَةِ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما كَتَبَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ بِحِكْمَتِهِ: ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهُ حَقٌّ، لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِالشِّرْكِ، أوْ إنْكارِ الرُّبُوبِيَّةِ، أوِ الرِّسالَةِ، أوْ شَيْءٍ لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِأنَّهم كَفَرُوا عَنْ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إزالَتِهِ، أوْ عَنْ عِنادٍ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ؛ أيْ: إزالَةُ (p-٤٧٩١)العَتَبِ بِالتَّوْبَةِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُما -وإنْ كانَتا ماحِيَتَيْنِ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي- فَإنَّما كانَ لَهُما ذَلِكَ في مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، لا غَيْرَ.

30:58–60Page 410

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨

And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."

كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩

Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠

So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨ - ٦٠] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]

﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ وصْفٍ يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُزِيلُ اللَّبْسَ، أوْ مِن كُلِّ دَلِيلٍ عَلى الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، والحَقُّ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ في الظُّهُورِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ أوْ غَيْرِها: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها سِحْرٌ وباطِلٌ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] أيْ: لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ ابْتَدَعُوها؛ فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿فاصْبِرْ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: عَلى ما تُشاهِدُ مِنهُمْ، مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والأفْعالِ السَّيِّئَةِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ: ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ، بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها ومَكْرِهِمْ فِيها؛ فَإنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ لَكَ ما وعَدَكَ مِن نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِهِ العاقِبَةَ لَكَ، ولِمَنِ اعْتَصَمَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском